رواية بحر ثائر ثائر وديما كاملة جميع الفصول

رواية بحر ثائر هي رواية رومانسية تقع احداثها بين ثائر وديما والرواية من تأليف ايه العربي في عالم مليء بالتناقضات والأسرار تتشابك مصائر شخصيات رواية بحر ثائر لتجد نفسها في مواجهة قرارات صعبة تُغير مجرى حياتهم إلى الأبد ان رواية بحر ثائر هي قصة عن الحب الذي يتحدى الزمن والمصير الذي يفرض نفسه والأرواح التي تسعى خلف الحرية والسعادة بين الأمل واليأس وبين القوة والضعف ينسج رواية بحر ثائر تفاصيل حياتهم في معركة غير متكافئة مع القدر لتكشف كل صفحة عن لغز جديد يقود القارئ نحو نهاية غير متوقعة

رواية بحر ثائر من الفصل الاول للاخير بقلم ايه العربي

اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لغزة وفلسطين إلا الدعاء
+

الفصل الأول من 🌊 بحر ثائر  🌊 بقلم آية العربي

❈-❈-❈

( المرأة في بلاد العرب مثبطة الأفكار  ،  ليست كمثيلتها الغربية  ،  بل يبدو أن ذلك الشيء الذي تضعه على رأسها بذريعة الستر قد حجب عنها الذكاء فباتت تسمع وترى ولكنها لا تعقل  )
ثائر ذو الفقار
رواية ( ما لم نسعَ لمعرفته)

كانت هذه ترجمة ما كتب بالفرنسية أسفل منشوره عبر تطبيق الانستجرام الخاص به وقد أرفق معها صورة امرأة عربية محجبة مجهدة الملامح، تقوم بالتنظيف أسفل الأغنام  .

نفخت أوداجها وشعرت بالدماء تغلي داخلها وظلت تبحث عن إجابة مناسبة ترد بها على كلام هذا الكاتب الفرنسي عربي الأصل بل مصري الجنسية ولكنها لم تستدل على ردٍ قوي يمكنه أن يؤثر في ذلك الشخص البغيض  ،  فقد رأت بعض التعليقات المؤيدة لمنشوره والبعض الآخر يعترض ولكنه يتعمد استفزاز من يعترض أيضًا ويفحمهم بردوده التي أغاظتها بشكلٍ مبالغٍ به  .

بالرغم من أنها لم تهتدِ لارتداء الحجاب بعد إلا أنها متيقنة من وجوبه  ، كذلك تحمل انتماءً عظيمًا لبلدها ولبلاد العرب عامةً ولا تقبل أن يقلل شخصًا منهم  ،  ربما لو كان إنسانًا غربيًا ستتقبل تفكيره ولكن عربي ومسلم ومصري  ؟   هذا أكثر ما أغضبها  .

- بتعملي إيه يا ديما  ؟

انتفضت من فوق مقعدها حينما استمعت لصوت زوجها المفاجئ لذا التفتت تطالعه فوجدته يتجه على الفور نحو سريره ليرتد عليه  ، يطالعها بنزق قائلًا بملامح متجهمة  :

- بردو هتفضلي قاعدة ع الزفت ده  ؟ وبعدين مالك وشك جاب ألوان كدة ليه وريني كدة ؟

زفرت ونهضت تتجه نحوه وتجلس بجواره متجاهلة أسلوبه الفظ معها وقالت وهي تعرض عليه المنشور بعدما قامت بترجمته تلقائيًا  :

- أبدًا  ،  كنت بقلب في الانستا لقيت البني آدم ده  ،  المفروض إنه فرنساوي بس أصله مصري ومسلم بس تقريبًا كل منشوراته ضد بلده وضد المرأة العربية وخصوصًا المسلمة  ،  تقول معقد  .

ابتسم ساخرًا بعدما قرأ ما دوّن وتحدث وهو يهز منكبيه بسخرية  :

-  مهو معاه حق  ،  واحد متجوز فرنسية عايزاه يعجب بالعربية  ؟  وبعدين مهما الستات كلهم زي ما قال كدة  ،  دماغهم فاضية ومش فاضيين غير للتفاهة  .

اغتاظت من كلمـ.ـا.ته السامة وتحدثت بشموخ أنثى :

- اللي هي إيه التفاهة دي ممكن تقولي  ؟  وبعدين بتجمع ليه كل الستات في خانة واحدة وإنت عارف إن التعميم لغة الجهلاء ؟  وآه العربية أحسن من الفرنسية مليون مرة   .

باغتها بنظرة ثاقبة وتجاهل الجزء الثاني من حديثها يجيبها بعنجهية كاذبة  :

- التفاهة دي زي البتاع اللي في إيدك ده  ،  شوفتي جوزك جه المفروض وزي ما الدين قال ترميه خالص وتقومي تشوفي طلبات جوزك مش قاعدة عليه ليلك زي نهارك كدة  .

هذا الحديث تحديدًا يصيبها بالضغط فتصبح على وشك الانفجار لذا نطقت بنبرة محذرة قائلة ببعض الهدوء  :

- كمال بلاش الطريقة دي لو سمحت وانت عارف كويس إني مش كدة  ،  مـ.ـا.ترميش كل المجهود اللي بعمله في الأرض علشان خاطر تثبت إنك صح  .

تملكته الذكورية واستطرد بنبرة قاسية و هو يشير حوله  :

- نفسي أفهم مجهود إيه ده  ؟    بتشيلي الحيطان مثلًا وبتبنيها تاني  ؟  أومال لو جربتي تشتغلي شغلنا إحنا بقى هتعملي إيه  ،  كل مافي الأمر هو لقمة بتطبخيها وبيت بيتكنس  .

نظرت له بخيبة دومًا ما يتعمد استصغار ما تفعله بقلة تقديره لها لذا باتت لا تفضل المناقشة معه  ،  أومأت مرارًا ونهضت بعدما التقطت منه هاتفها قبل أن يبدأ بالبحث والتنقيب فيه عن ثغرات ينشب به عراكًا لن تتحمله منه لذا استرسلت بيأس وهي تتحرك تغادر الغرفة  :

- لا اشتغل شغلك ولا تشتغل شغلي كل واحد ربنا سبحانه وتعالى حطه في مكانه وبيعمل اللي عليه حسب ضميره  ،  أنا هروح اجهزلك الغدا  .

تركته وغادرت ليتمدد هو على الفراش بأريحية ينتظرها لتجلب له الطعام متجاهلًا نداء والدته المريـ.ـضة التي ترعاها ديما مثلها كمثل طفلٍ حديث الولادة ولكن الفرق والمجهود يفوق قدرتها ومع ذلك لم تشتكِ أو تعترض بل تصبر لأجل صغيريها  .

اتجهت نحو المطبخ تشعل الموقد لتسخن له الطعام فأتاها صغيرها البالغ من العمر خمسة سنوات يقول ببكاء مشتكيًا شقيقته  :

- ماما رؤية أخدت مني الألعاب بتاعتي  .

التفتت تطالعه وقد خانتها دمعة سقطت من قوة الضغط والحزن اللذان تمر بهما لذا جففتها سريعًا وتنفست بقوة كبيرة ثم نظرت لطفلها وانحنت نحوه تملس على وجنته قائلة بحنان  :

- حبيبي مـ.ـا.تعيطش  ،  إنت عارف إن رؤية صغيرة وبعدين الألعاب بتاعتكوا إنتوا الاتنين سوا  ،  العب معاها دلوقتي ولما بابا ينام هاجي العب معاكو  .

شعر الصغير بالرضا وأومأ لها خاصة وأنه لاحظ دمعتها لذا مد كفه يمسحها قائلًا بحنان  يغمرها به دومًا فيعينها على تحمل متاعبها :

- حاضر يا ماما خلاص مـ.ـا.تزعليش  .

ابتسمت له بحبٍ بالغ وتمسكت بكفه تقبله عدة قُبل ثم أشارت له أن يذهب واعتدلت تطالع أثره بشرود  ،  تعلم جيدًا أنه إن ظل يبكي ربما عنفه والده لذا دومًا تسرع إلى مراضاة صغيريها فهما استثمارها الحقيقي في الحياة ولن تقبل بتعنيفهما أبدًا  .

عادت حمـ.ـا.تها تنادي على ابنها لذا زفرت واتجهت عائدة لغرفتها فوجدته يعبث بهاتفه متجاهلًا نداء والدته لذا تحدثت بغيظ  :

- مـ.ـا.ترد على مامتك يا كمال ! بتنادي عليك من إمتى  .

زفر بضيق يلازمه دومًا وتحدث بانزعاج وهو يشير بيده إلى رأسه  :

- إنتِ عارفة إن أمي عقلها بقى على قدها وهروح أكلمها هتمسكني بقى تحكيلي عن جدودها اللي مـ.ـا.توا  ،  روحي شوفيها وقوللها إني لسة ماجتش  .

- بس هي عارفة إنك هنا  .

- يووووووه  ،  أقوم امشي واسيبلكو البيت  ؟

نطقها بنزق لذا زفرت واتجهت لترى حمـ.ـا.تها التي ترقد على فراش في غرفة مجاورة لا حول لها ولا قوة فتطلعت عليها ديما بشفقة متسائلة  :

- نعم يا ماما بتنادي على كمال ليه  ؟

نظرت لها السيدة المسنة نظرة طفولية بعدما أصابها مرض الزهايمر وتحدثت باستعطاف  :

- بنده عليه علشان يطلع من الشمس  ،  الدنيا حر دلوقتي خليه يطلع يا عايدة  .

تنفست ديما بقوة وطالعتها بحزن بعدما فقدت هذه السيدة عقلها  ،  فهذه المسماة بعايدة هي في الحقيقة شقيقتها التي تقطن بعيدًا عنها لذا أومأت ديما واسترسلت مسايرة  :

- حاضر هخليه يطلع  ،  ارتاحي إنتِ بس ولما يطلع هيجيلك  .

تحركت خطوة لتعاود السيدة النداء بصوتٍ عالٍ كما لو كانت تعاني من فزعٍ لذا التفتت ديما تطالعها مجددًا وتابعت بتروٍ  :

- فيه إيه بس يا ماما أنا جنبك أهو  !

نظرت لها واسترسلت بنبرة ملحة وهي تشير بيدها للجوار  :

- تعالي اقعدي جنبي عايزة اتكلم معاكي  ،  الناس اللي أنا شارية منهم البيت عايزين يزودوا السعر عليا  ، تعالي علشان ابعتك ليهم واقولك تقوللهم إيه  .

مسحت ديما على وجهها مستغفرة وأردفت ببعض الضيق وهي على حالها  :

- طيب هجيلك أهو اصبري بس عليا ربع ساعة وجيالك تاني  .

تحركت تغادر فباتت السيدة تصرخ عليها وتبكي  .

هي لم تعد تستطيع الحركة لذا نهض كمال بملامح محتدة غاضبة يتجه نحوها ثم قال بنبرة هجومية بعدما بات لا يحتمل أفعالها وصراخها   :

- في إيه يا ماما ؟  بيت إيه وعايدة مين ؟ ركزي الله يصلح حالك مش ناقصين خلل  ،  ده بيتنا ودي ديما مراتي  ،  ماشي  ؟

اومأت له والدته بفزع من قسوته ثم ابتسمت له وتحدثت وهي تشير إليه  :

- تعالى يا كمال إنت جيت إمتى  ؟  تعالى يا حبيبي جنبي هنا علشان المروحة الدنيا حر عليك  .

زفر يستغفر ثم تطلع إليها  ،  دومًا كانت هي نقطة ضعفة وقوته التي كان يستقوي بها على ديما في بادئ زواجهما  ،  كانت دومًا مصدرًا لإشعال الفتن بينهما  ،  هي من جعلته يظن أن الرجل أولًا وأخيرًا إلى أن أصيبت وباتت قعيدة تعاني من مرض الزهايمر فلم تعد نقطة قوته ولم تعد حتى نقطة ضعفه  ،  تحرك نحوها وجلس مجاورًا لها يقبل رأسها فابتسمت وباتت تربت على ساقه وأردفت بحنان فطري  :

- أقول لعايدة تحضرلك الأكل  ؟

أجابها وقد بدأ ينـ.ـد.مج معها  :

- بتحضره يا ماما اهي  .

أومأت له ثم بدأت تحك ظهرها من أثر النوم لتستطرد بترقب   :

- طيب أنا عايزة استحمى يا كمال  .

عاد الضيق يلتهمه فقال وهو ينهض مجددًا ويستعد ليغادر  :

- ماشي يا ماما ديما هتحطلي الغدا وتيجي تحميكي  .

اومأت له بطاعة كأنها تخشى الاعتراض أمامه وتحرك هو عائدًا إلى غرفته يجلس بها لتأتي ديما بصينية الطعام وتضعها على الطاولة في الغرفة وتناديه بعدما عاد ينشغل بهاتفه قائلة  :

- يالا يا كمال قوم  .

قالتها وكادت أن تجلس لتتناول طعامها معه فهي لم تأكل وانتظرته ولكنه نهض يقول وهو يتقدم من الطعام ولم يبالِ بها  :

- أمي عايزة تستحمى يا ديما  ،  هو إنتِ ماغيرتلهاش النهاردة ولا إيه  ؟    مانتِ عارفة إني هاجي تعبان من الشغل وهي هتفضل تزن  .

نظرت له نظرة حادة وأردفت باستفاضة  :

- لا لسة ماغيرتلهاش يا كمال  ،  مستنياك تساعدني مش هقدر أغير لها لوحدي .

مد يده يتناول ملعقته واسترسل وهو يستعد للطعام  :

- اساعدك ليه ما إنتِ بقيتي تغيرلها لوحدك خلاص  ،  مهو لو كنتِ غيرتلها قبل ما اجي بدل ما تمسكي الموبايل وتقرئي منشورات الأجانب كنا ارتاحنا من وجع الدماغ ده  ،  اهي هتفضل تنادي ومش هتسكت  .

بدأ يأكل طعامه وجلست تطالعه وسبحت للبعيد بأفكارها التي ودت لو تجسدت أمامه ولكمته في كل مرة يتحدث بكلمـ.ـا.ت تتسبب لها بهذا الكم من الضيق والضغط   .

❈-❈-❈

صوت إذاعة القرآن الكريم صدح في ورشة عمله الخاصة بتصليح السيارات  ،  يحب دومًا سماع صوت القرآن الكريم أثناء عمله  .

منذ أن تخرج من كلية الهندسة الميكانيكية ولم يجد عملًا مناسبًا لم يجلس مكتوف الأيدي  ،  خاصةً بعدما تركهم والدهم وتزوج بأخرى  ، بل سعى وكافح حتى فتح ورشته الخاصة منذ ثلاث سنوات  ،  حبه لشقيقتيه يفوق الحدود وبالأخص ديما  ،  تعد هي صديقته التي يلجأ لها كلما شعر بالضيق برغم أنه لا يحب زوجها ويراها كثيرة عليه ولكنها دومًا تقنعه أن كمال رجلٌ جيد ولم يقتنع  ،  فهل يكذّب عينيه وإحساسه ويصدق كلمـ.ـا.ت شقيقته التي تكذّبها عينيها  ؟

دلف ورشته بعد أن تناول غداءه مع والدته وشقيقته الصغرى يلقي السلام على الصبية الذين يعملون معه فردوا عليه فتساءل بترقب واهتمام :

- اتغديتوا  ؟

قالها وهو ينظر للطعام الذي أرسله إليهم فلم يجد سوى العلب الفارغة لذا تابع ساخرًا بعدما أومأوا  :

- أنا بسأل ليه دا كان ناقص تاكلوا العلب  ، ياواد براحة منك ليه هتتخنوا وشغلكوا هيقل وهعلقكوا على باب الورشة  .

ضحك الصبية الثلاث عليه وليقول بلية وهو يملس على معدته  :

- مهو أكل الحاجة حلو أوي يا باش مهندس داغر  ، داحنا بتنخانق عليه  .

لم يعقب على كلام بلية لأنه يعلم جيدًا لذة طعام والدته واتجه نحو السيارة التي كان يعمل عليها قبل ذهابه وأردف لأحدهم وهو يمد يده ويستعد لتكملة إصلاحها  :

- هات يا دقدق مفك صليبة وتيش وصامولة وتعالى جنبي يالا  .

أسرع دقدق يلبي طلبات داغر بمهارة والآخر قد افترش الأرض ليتابع عمله بدقة  ،  دومًا عُرف بمهارته وضميره في عمله ويأتي إليه الناس من هنا وهناك ليقوم بتصليح سياراتهم  .

عُرف بشهامته وجدعنته لذا جميع من في المنطقة يحترمونه ويحبونه عدا زوج شقيقته ديما ومن هم على شاكلته  .

عاد ينادي بنبرة شامخة تبعث الرهبة في من يسمعها مسترسلًا  :

- قوم يا بلية جري على حسن الوالي هات من عنده سير 10 سم وواير وقوله داغر هيبقى يعدي عليك  .

- هوا يا هندسة  .

قالها بلية وهو يركض نحو الخارج ملبيًا فبات جميعهم يعملون على قدمٍ وساق بينما هو تمدد أسفل السيارة يستمع إلى تلاوة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد ويردد خلفه  :

- الله الله الله الله  .

❈-❈-❈

نهض من على السفرة يحمد الله بعد إنهاء طعامه ثم نظر لزوجته وتحدث بودٍ  :

- تسلم إيدك يا حبيبتي  ،  الأكل تحفة  .

لا تستمر العلاقات بالحب فقط  ،  لا تستمر بشغف المشاعر فقط  ،  بل تشتد وتقوى بالتقدير  ،  فكلمة واحدة بإمكانها فتح أبواب قلبك للآخر على مصراعيها وكلمة أخرى قادرة على تشييد سدًا من الجفاء بينك وبين قائلها  .
2

استطاع نثر السعادة على وجهها العابس باستمرار فطالعته بعيون لامعة وتحدثت وهي تنهض وتقابله :

- بألف هنا يا حبيبي  ،  مش هشوفك إلا الصبح صح  ؟

رفع كفيه يحاوط وجهها ثم دنى يقبل رأسها ونزل نحو شفتيها يطبع عليهما قبلة رجلٍ عاشقٍ محب واسترسل بنبرة لينة  :

- لو عليا مش عايز اخرج خالص بس هعمل إيه  ،  أسبوع كدة وأسبوع كدة ،  تحبي تيجي معايا  ؟

كان كفيها موضوعان على صدره لتتنهد مستنشقة رائحته وتجيبه بنبرة هادئة رزينة  :

- لا لا مش هينفع يا دياب هاجي أعمل إيه في المطار مش عايزة يحصل معاك مشاكل بسببي  ، يلا يا حبيبي اتوكل إنت على الله وأنا هتواصل معاك دايمًا ولو زهقت هتكلم مع ديما  .

ابتسم برضا فهي تعينه على حاله دومًا وتبسط له جناح اله‍دوء حتى لو عبرت أحيانًا عن حزنها الناتج من مسألتهما الأساسية ألا وهي عدم الإنجاب  .

تحرك يأخذ أغراضه وأردف مستعدًا للمغادرة  :

- تمام يا حبيبي  ،  ولو حبيتي تطلعي مع ديما شوية مافيش أي مشكلة  .

تحركت معه نحو الباب وهي تربت على ظهره واسترسلت بنبرة محبطة بعلمٍ مسبق  :

- جوزها مش هيوافق يا دياب  ،  هنتكلم في الموبايل أحسن  .

- اعملي اللي يريحك يا يسرا ومـ.ـا.تتعبيش نفسك في شغل البيت  ،  وعالله آجي الاقي حاجة منقولة من مكانها هعاقبك عقاب من إياهم  .

ابتسمت تطرق رأسها بحبٍ وخجل ثم عادت تطالعه وتحدثت بنبرة مبطنة بالحزن الذي تسعى لتطرح عليه أوشحة المرح  :

- اللاه طب هعمل إيه بس ماطول الوقت مافيش حاجة اعملها !   يمكن اغير مكان الانتريه  .

قالتها بخبثٍ تعمدته حتى لا يحزن فابتسم لها وتحدث وهو يميل برأسه عليها وينطق بهمس  :

- على فكرة ممكن ماروحش الشغل عادي جدًا وادخل اعاقبك دلوقتي  ،  اسمعي الكلام يا يسرا  .

- حاضر خلاص مش هعمل حاجة  ،  الأفضل تروح على شغلك قبل ما يبعتولك جواب رفد  .

قالتها وهي تدفعه بخفة خاصةً وأنه يعطيها انطباعًا بأهميتها بدلًا عن عمله ليزفر ويقول بنبرة متكلفة تزيد من ثقتها  :

- طب ياريت يعملوها وأنا اطول اقعد جنب حبيب قلبي من غير لا شغلة ولا مشغلة  .

نطقها بعبثية لا تظهر لسواها لتضحك عليه وتعاود دفعه بخفة حتى تحرك خارج الشقة فودعته تلوح بيديها وتبتسم وهي تغلق الباب أمامه ليتنهد بعمق وراحة ويلتفت متجهًا إلى عمله  .

لتقف بعدها تستند على الباب وتتنفس حبه  ،  تعشقه منذ سنوات وكل يومٍ يزيد من منسوب حبه داخل قلبها  ،  كانت تظن أن بعد زواجها منه سيتوه الحب وسط الحياة والمعاشرة مثلما قال البعض ولكنه أتى ليثبت لها شيئًا واحدًا فقط أن الحب لا يموت أبدًا إن أرادا هما ذلك  ،  فمنذ خمس سنوات مدة زواجهما لم ترَ منه إلا كل الحب والتقدير والاحترام ولكن  ؟ 

❈-❈-❈

يجلسان في شرفتهما بعدما بلغ الكبر منهما وأخذ العمر حقه من ملامحهما وأجسادهما  ،  لم يجدا ونيسًا ولا أنيسًا سوا بعضهما البعض  ،  ولكنها دومًا تحن لولديها وتشتاق لرؤيتهما  ،  تشتاق لعناقٍ يشبع عاطفتها  ،  أحدهما لم تره منذ عامين والآخر لم تره منذ اثناعشر عامًا  .

قلبها ملتاع على رؤية صغيرها وتخشى أن تموت دون رؤيته  ،  تراه فقط من خلال أجهزة التواصل اللعينة التي تمنعها من ضمه داخل صدرها واستنشاق أنفاسه كما كانت تفعل في صغره وصباه  .

عادت عينيها تلتمع أمامه كما تفعل بشكلٍ يومي ليترك فنجانه ويمد يده يربت على ساقها ثم تحدث بنبرة مستكشفة  :

- يظهر كدة إنك حالفة كل يوم تشربي قهوتك بدمـ.ـو.عك يا علياء  .

زفرت بقوة ثم طالعته وتحدثت بنبرة يسكن بها الشوق والحنين  :

- وحشوني أوي يا أمجد  ،  وثائر وحشني أوي أوي  ،  مـ.ـا.تسفرني ليه يا أمجد أشوفه وأحـ.ـضـ.ـنه  ،  خايفة أموت من غير ما اشوفه  ،  اتناشر سنة يا أمجد محرومة منه حتى ابنه كبر من غير ما اشيله ولا ادلعه  ،  يرضي مين ده بس ؟

زفر بقوة وأطرق رأسه يعاود حمل فنجانه ثم استرسل بنبرة تخفي في طياتها الكثير  :

- ماينفعش يا علياء تسفريله  ،  هو اختار حياته بعيد عننا  ،  واحمدي ربنا انك قادرة تشوفيه وتتواصلي معاه  ، لكن سفر مش هينفع صدقيني  .

شعرت بالقهر والعجز يتملكانها  ،  دومًا يجيبها بنبرة صلدة حينما يتعلق الأمر بثائر  ،  كيف لها أن تتحمل مرور كل تلك السنوات دون رؤيته  ؟    لقد بلغ الشوق منها مبلغه  .

تنهيدة حارة خرجت من جوفها ولم تتمالك نفسها أكثر بل أصبحت تبكي بفطرة واسترسلت  :

- لا ينفع هو ينزل مصر ولا ينفع أسافرله وانكتب علينا أنا وهو مانتقابلش أبدًا  ،  فوضت أمري ليك يارب  ،  فوضت أمري ليك إنت وبس  .

حدق بها لثوانٍ ثم التفت ينظر أمامه يرتشف قهوته بصمت وعقله يصارعه في حلبة أفكار لا أحد يعلم عنها شيئًا   .

انتبها لرنين هاتف علياء فحملته لتجده ابنها الأكبر أحمد لذا كفكفت دمـ.ـو.عها وتحمحمت ثم أجابت على المكالمة المرئية تنظر لصورة ابنها قائلة بحبٍ وابتسامة هادئة تخفي حزنها عنه :

- أزيك يا أحمد  ،  عامل إيه يا حبيبي ومراتك وأولادك عاملين إيه  ؟

ابتسم أحمد لها ابتسامة هادئة وتحدث مستفسرًا  :

- ازيك إنتِ يا ماما عاملة إيه  ؟  وسيادة اللوا أمجد عامل إيه  ؟  .

نظرت علياء لزوجها الجالس بشرود كأنه لم يستمع إلى المكالمة وعادت تنظر إلى ابنها قائلة بإيماءة بسيطة  :

- كويسين يا حبيبي  ،  بابا بيشرب قهوته جنبي أهو  ،  طمني على سها وسامر ولوليتا عاملين إيه  ؟

التفت أحمد ينادي بصوتٍ عالٍ على زوجته سها التي كانت تتحدث عبر الهاتف وأتت على صوته تحادثه بنزق بعدما أنزلت الهاتف عن أذنها  :

- في إيه يا أحمد عايز إيه  ؟  معايا مكالمة .

أشار برأسه نحو الحاسوب واسترسل بثقب  :

- طيب اقفلي لو سمحتِ ونادي على الأولاد وتعالوا كلموا ماما عايزة تسلم عليكوا   .

نظرت له بغرابة ثم ابتسمت بتهكم ساخرة وهزت رأسها بلا مبالاة ثم التفتت تعود لغرفتها متجاهلة حديثه لذا ابتلع لعابه بحرج أمام والدته ولكنه تجازوه بسرعة اعتاد عليها وبات ينادي هو على أولاده اللذان لم يجيباه  لذا تحدثت علياء ترفع عنه الحرج  :

- خلاص يا أحمد معلش يمكن مشغولين ابقى اكلمهم وقت تاني  ،  بس قولي مش هتنزل مصر قريب  ؟

تجهمت ملامحه وتحدث بضيق من أفعال زوجته التي تتعمد إحراجه وأفعال أولاده فصب غضبه في حديثه ونبرته قائلًا  :

- انزل مصر اعمل إيه بس يا ماما  ؟   إنتِ عارفة إن شغلي كله هنا في دبي ونزولي مش هيفيد بحاجة  .

كأنه طعنها بسكين في قلبها المنفطر على رؤيتهما لذا تحدثت بنبرة هجومية بعدما طفح كيلها  :

- تنزل اشوفك  ،  تنزل تشوفنا  ،  ولا مالناش حق عليك ؟  هتبقى إنت واخوك  ؟

عند ذكرها شقيقه احتدت نبرته أكثر وتحدث بملامح متجهمة  :

- أنا ماليش دعوة بخويا  ،  ده واحد بايع ورمى كل حاجة ورا ضهره وراح دور على نفسه وبس  ، وماهموش المشاكل اللي حصلت معانا بسببه  ،  كفاية إني لحد دلوقتي بتعاير بسببه  .

قطبت جبينها بعدما نطق الأخيرة باندفاع لتتساءل بشك  :

- بتتعاير بسببه  ؟   مين ده اللي بيعايرك باخوك يا احمد وليه  ؟  هو إنت مـ.ـا.تعرفش ثائر  ؟   دانتو اتربيتو في بيت واحد 30 سنة وربيناكم على الحب والود والرضا  ،  ليه يابني ده مهما كان اخوك  .
-
- قوليله هو الكلام ده يا ماما  ،  ومعلش أنا هقفل علشان نازل أنا والولاد  ،  ابقي سلمي على بابا  .

أغلق قبل أن تستوعب ليزيد من حزنها  ،  افترق الأخوة بعدما كان يجمعهما بيتًا واحدًا تعالت فيه الضحكات والمودة  ،  افترقا وأصبح لكلٍ منهما دربًا خاصًا به اختاره بإرادته  .

تحدث أمجد وهو يطالعها بطرف عينه بعدما أنهى قهوته  :

- ارتاحتي كدة  ؟ 100 مرة قلتلك مـ.ـا.تفتحيش مع أحمد سيرة ثائر  ،  أحمد متعبي من أخوه  ،  منها لله سها بنت اخوكي  .

تنفست بقوة لتدعم رئتيها بعدما شعرت بالضيق ولكنها أومأت مقتنعة بحديث زوجها  ،  تعلم أن سها زوجة أحمد وابنة شقيقها قد دست سمومها في نفس أحمد حتى بات لا يحتمل سيرة شقيقه الأصغر  .

❈-❈-❈

جلست على أريكتها القريبة من مطبخها تتصفح هاتفها وتتابع أخبـ.ـاره بفضول لا تعلم مصدره  ،  ربما أرادت أن تراه يعلن عن نـ.ـد.مه لما فعله بها وبأولادها  ،  وربما أرادت أن تُرضي فضولها في البحث والمعرفة عما يعيشه ويمر به  ،  وربما لتُرضي غرورها الذي يؤكد لها كم هو كاره لحياته الحالية  .

لا تعلم سببًا محددًا ولكنها تعلم أنها مخطئة فيما تفعله  ،  مخطئة للحد الذي يجعلها تلوم نفسها دومًا  ،  تعيش داخل شخصيتين متناقضتين إحداهما تكرهه وتريد أن تنتقم منه والأخرى تريده أن يعود إليها معترفًا بذنبه نادمًا  .

انتفضت فجأة حينما هدرت ابنتها دينا من خلفها بصوتٍ تجلت فيه الصدمة  :

- إنتِ بتعملي إيه يا ماما  ؟ 

ارتبكت منال وانسحبت الدماء من وجهها خاصة وهي ترى ابنتها تطالعها بصدمة وقد رأت ما تفعله لذا قالت بتلعثم واضح  :

- أبـ  أبدًا يا دينا كـ كنت بقلب في الموبايل وظهرلي البوست ده   .

انتشلت دينا الهاتف من يد والدتها تتأكد مما تراه لتجحظ بعدما تأكدت لذا نظرت لوالدتها بخيبة واسترسلت بعدم استيعاب  :

- ماما حضرتك اللي باحثة عن اسمه  ؟    إزاي تعملي كدة يا ماما بعد كل اللي عمله  ؟   فهميني لسة منتظرة من إنسان زي ده إيه  ؟

نهضت منال تواجهها وتحاول تبرير موفقها ولكن خانها لسانها فبأي تبرير ستردف وهي بالأساس لا تعلم ولكنها أردفت بتـ.ـو.تر تشعر أن أصابع الاتهام مصوبة نحوها  :

- أيوة بحثت بس مش علشان حاجة صدقيني يا دينا  ، باباكِ أنا خرجته من قلبي ومن حساباتي من زمان  ،  اوعي تفكري إني ممكن اسامحه على جوازه عليا واللي عمله معايا ومعاكم  ،  بس أنا نفسي اشوفه نـ.ـد.مان  ، نفسي اشوف حقي بيرجع منه  ،  صدقيني يا دينا هو ده اللي بيخليني ابحث وادور على صفحته  .

تعلقت بذريعتها وهي تنظر في عيني ابنتها التي تدينها لتسترسل دينا وهي تهز  رأسها نفيًا  :

- لا يا ماما  ،  مش مبرر  ،  نـ.ـد.مه من عدمه مش هيفيدنا بحاجة  ،  الإنسان ده مافيش بينا وبينه أي شيء بعد ما راح اختار حياته ونفسه ودمرنا وسابنا  ،  حضرتك محتاجة إيه  ؟   لو على الفلوس داغر مش مخلينا محتاجين أي حاجة  ، ولو على الونس إحنا حواليكي ومعاكي علطول  ، ولو على الكلام تقدري تتكلمي معايا في أي وقت أو مع ديما بس علشان خاطري مـ.ـا.تعمليش في نفسك كدة  .

ارتدت منال على المقعد تضع رأسها بين كفيها بحزن فحديث ابنتها وضعها أمام المرآة  ،  جردها من ثوب اللا مبالاة الذي تعيشه  ،  ابنتها محقة ولكن تلك العنيدة بداخلها دومًا تخبرها بعكس ذلك وخاصة في الليل حينما تختلي بنفسها  .

اتجهت دينا تجلس قبالتها وتعمدت ألا تتوقف وتابعت تضع كل سيئاته أمام والدتها على طاولة التفاوض  :

- حضرتك نسيتي اللي عمله مع ديما لما غصبها تتجوز كمال وتسيب دراستها ؟  نسيتي تعنيفه لداغر علشان مايكملش تعليمه ويساعده في المصاريف ولولا تصميم داغر كان زمان مصيره زي ديما كدة ؟  لو سمحتِ يا ماما لو إنتِ حابة تظلمي نفسك مرة تانية بلاش تظلمينا  .

رفعت منال رأسها تطالع ابنتها بعيون باكية وهزت رأسها تردف بعزيمة بعدما تلبستها روح الاعتزاز بما تبقى منها  :

- لا يا دينا  ،  مانستش أي حاجة عملها معاكو ولا معايا  ،  مانستش جوازه عليا من غير سبب  ،  مانستش ظلمه لينا أول ما اتجوز  ،  ولا نسيت اللي عمله في ديما ولا عمري هنسى  ،  اعتبريها غلطة مني ومش هتتكرر تاني  .

زفرت دينا تسعى للبحث عن الهدوء ثم حدقت في والدتها فلمحت الخزي لذا نهضت تتجه نحوها ثم جلست على مخدع الأريكة تعانقها وتابعت بنبرة جعلتها لينة  :

- حقك عليا  ،  أنا بس أي حاجة فيها سيرته بتعصبني  ،  وبعدين أنا كنت جاية ابلغك خبر حلو جدًا ونسيت  .

تنبهت حواس منال لتسمع أخبـ.ـار ابنتها بترقب بعدما جاهدت لتنـ.ـد.مج معها لذا تساءلت  :

- خير يا دينا قولي  .

زفرت دينا تطرد الغضب والحزن بعيدًا ثم أردفت بنبرة فرحة طفولية  :

- أنا اتقبلت في الشركة الصينية اللي في العاصمة الإدارية  ، هما عايزين شباب وبنات متخرجين جديد  ، وبكرة إن شاء الله هروح اقابل المدير  .

هذا هو العوض  ، هذا الخبر باستطاعته ضـ.ـر.ب ذكرى ذلك الرجل بعرض الحائط  ،  نظرت لابنتها بعيون يملؤها الفخر وتساءلت لتتأكد  :

- صحيح يا دينا  ؟  يعني بجد اتقبلتي وهتشتغلي  ؟

أومأت لها دينا تجلس بفخر وتباهٍ مردفة  :

- هل عندك شك في قدرات بنتك ولا إيه يا منال هانم  ،  حضرتك أنا الأولى على دفعتي وكنت لبلب في الصيني  .

تملكها الامتنان وتابعت بحنين  :

- بصراحة لو قعدت عمري كله اوفي دين داغر عليا عمري ما هقدر  ،  ربنا يخليكو ليا  .

فتحت لها منال ذراعيها لتستقبلها في عناقٍ آخر معربة عن سعادتها وفخرها بابنتها الصغرى دينا التي كانت محظوظة بما يكفي على عكس ديما التي نالت من المعاناة جزءًا كبيرًا ومع ذلك تجدف بقاربها ضد تيار الحياة على أمل الوصول لبرٍ آمن  .

❈-❈-❈

أنهت جميع المهام المطلوبة منها  ،  حتى والدة زوجها نالت نصيبها من النظافة والرعاية ككل يوم  .

كذلك طفليها وبيتها ومطبخها  ،  الشيء الوحيد الذي لم تستطع تلبية نداءه هو حقه الشرعي  ،  لم تستطع فعلها بعد التعب الذي لم يكلف نفسه ويمد لها يد العون حتى لو بكلمة طيبة  ،  لم تستطع أن تفصل بين معاملته وحقوقه لذا فضميرها يتأرجح بين ذنبٍ وعدمه  ،  خاصةً وأنه خاصمها قبل ذلك بعدما أخبرها كم أن الملائكة تلعنها وأنها خارج حدود الرحمة لعدم تلبيتها حقوقه الشرعية  .

في بادئ الأمر كانت تبكي وتخشى أن تلعنها الملائكة حقًا لذا كانت تذهب إليه مرغمة ولكن بعد سنوات اعتادت فيها على قسوته وباتت تشعر بثقل يفوق طاقتها لذا لم تعد تبالي   .

انتظرته حتى ذهب في سباتٍ عميق وبعدما نام صغارها اتجهت تجلس في ركنٍ خاص بها وتناولت هاتفها وعادت تدون ما يجول في خاطرها  ،  تكتب خواطرًا تعبر بها عن الألم القاطن داخلها  ،  وعن الألم الذي تعيشه  ،  وعن الثقة واليقين والحب الذي لم تحظَ به  .

تنفث بهذه الخواطر ما يعتليها فتصبح بعدها على استعداد لاستقبال جولة أخرى معه  ،  الكتابة تجعلها تستقبل الأيام بعازل ضد الألم والسأم واليأس وهذا ما تفعله  ،  لم تتخلَ يومًا عن ابتسامتها وتوزيع الأمل والتفاؤل عن كل من يعرفها لذا فهي محبوبة كثيرًا للدرجة التي تجعله يغار من هذا الحب ويتعمد تحطيم ثقتها بنفسها ولكن عبثًا يحاول  .

دونت ما تشعر به وجلست تتنهد بـ.ـارتياح  ،  ابتسمت فسطعت الشمس على ملامحها الجميلة التي ورثتها عن أمها  ،  جميلة بعيونٍ لامعة وبشرة راقية وابتسامة عرفت بها دومًا  .

اتجهت لموقع الانستغرام الخاص بها لتدون عليه خاطرة تتحدث عن الأمل والثقة بالله ولكن لفت انتباهها منشورًا آخر لذلك المدعو ثائر ذو الفقار  .

نصًا آخر من كتابه يعبر فيه عن استياءه من العرب وتصرفاتهم وخاصة مصر حيث دوّن 

( بلد أفريقي يفتخر شعبها بحضارة من آلاف السنين ويعيش على أنقاضها ويتباهى بها ويسجل ذلك عبر الهاتف الذي اخترعه الغرب  ،  ألم يكن من الأفضل أن يخترعوا بأنفسهم آلة يسجلون بها افتخارهم بجدودهم المزعومين بالعظمة مع أنني لم أرها أبدًا  )

شعرت بالدماء تغلي مجددًا في عروقها  ، من أي ملة هذا الرجل؟  لا تستوعب أنه مصري مسلم  .

بالرغم أنها اعتادت منذ برهة من الزمن على الثبات الانفعالي ولكن عند ذكر بلدها بسوء لا تعرف ثباتًا ولا نباتًا بل تصبح أكثرهن شراسة لذا أسرعت تدون تعليقًا بالعربية برغم أنها تتقن قليلًا من الفرنسية ولكنها فضلت أن تدونها بلغتها فكتبت  :

(  كيف لك أن تكون كاتبًا مشهورًا ولا تعلم أن الخوارزمي ( عراقي الأصل  ) كان هو السبب في صناعة الكمبيوتر والإنترنت ونظام الإلجوريزم الذي يعتمد عليه النظام العالمي الآن وأطلق عليه الخوارزميات نسبة له  ،  ألا تعلم ان ابن الهيثم ( العربي) هو الذي اكتشف الجاذبية الأرضية قبل نيوتن ب 600 عام  ؟ ابحث عن علماء العرب والمسلمين أولًا قبل أن تتباهى بالغرب سارقي الحضارات ولتعلم أن مكتبة العراق تمت سرقتها ومكتبة الإسكندية تمت سرقتها وأحرقوا الحقيقة كي ينبهر بكذبهم أمثالك ) .

أرسلت تعليقاها وجلست تتنفس بقوة تحاول أن تهدأ ولكن رنين هاتفها أخذها من جولة الغضب لتجده والدها  ، خرجت من دائرة غضبٍ لتدخل دائرة غضبٍ أخرى  ،  لمَ  يهاتفها الآن وماذا يريد ؟

ولكنها لم تعتد تجاهله برغم كل ما فعله لذا فتحت الخط تجيبه بنبرة خافتة  :

- أيوة يا بابا ازيك  ، فيه حاجة ولا إيه  ؟

تحمحم والدها وتحدث بنبرة مباشرة  :

- أزيك يا ديما  ، عاملة إيه  ، كنت محتاج منك خدمة  .

ترقبت السمع تنتظره ليتابع بنبرة مترددة وزوجته تجاوره تشجعه على الحديث فقال  :

- يعني لو تكلمي كمال يشوفلي 50 ألف جنيه سلف وهردهملوا  في خلال شهرين  .

سكنت تستوعب ما يقوله واتشحت ملامحها بالصدمة ليتابع والدها مترقبًا  :

- سمعاني  ؟

- مش هعرف أكلم كمال في حاجة زي دي يا بابا  .

- طيب 30 ألف  ؟

نطقها مسرعًا لتعاود الرفض بنبرة أعلى وهي تشعر أن قلبها سيخرج من مكانه  :

- مش هعرف يا بابا  ، شوفلك مكان تاني  .

نظر والدها لزوجته بتجهم لتقابله بملامح مكفهرة قبل أن تشير له بأن يغلق الخط وبالفعل تحدث بجمود قبل أن يغلق  :

- تمام  متشكرين  .

أغلقت وجلست تتنفس بقوة وتحاول أن تهدأ  ، تسعى لتنتشل الهدوء  ، ربما لو كانت تمتلك ذلك المبلغ لكانت أعطته له ولكنها لن تطلب من زوجها شيئًا كهذا أبدًا فهي تعلم جيدًا ردة فعله على هكذا طلب  .

حاولت أن تنتشل نفسها من هالة الضيق التي تحاوطها لذا عادت تفتح الموقع لتقرأ تعليقها متباهيةً به ولكنها لم تجده  .

بحثت عنه بين التعليقات ولم تجده لذا اتسعت عينيها وأردفت بهمس  :

- حذفه  ؟  معقول  ؟

عادت تلكم رأسها معنفة نفسها تستطرد :

- حذفو إيه  ؟   فكرك إنه قاعد مستني تعليقك  ؟   تلاقيكي نسيتي تبعتيه  ،  يالا أحسن بلاش وجع دماغ مع واحد غـ.ـبـ.ـي زي ده  .

❈-❈-❈

بعد ساعة

في فرنسا تحديدًا العاصمة بـ.ـاريس

يقف ينظر بانتشاء لخصمه الذي أبرحه ضـ.ـر.بًا  ،  إلى الآن يصعب على أحدهم الوقوف في وجهه صامدًا ومع ذلك يرفض بشكلٍ قاطع الدخول في مبـ.ـارزات رسمية  ،  كل ما يفعله هو التنفيس عن شيءٍ ما لا يدركه سواه  .

ابتسم ساخرًا من نفسه  ،  متناقضًا بشكلٍ يثير الفضول  ،  كيف لكاتب يعبر عن المشاعر أن يتحول في جزءٍ من اليوم إلى ملاكم لايهتم لمشاعر أحد  .

لهذا يلقبونه بالبحر  ،  لا أحد يدركه ولا أحد يفهمه  ،  تجده في لحظة هادئًا يلهمك التأمل وفي اللحظة الأخرى ثائرًا يبعث الخوف داخلك بينما أعماقه لا يدركها سوا الله  .

انتهت الجولة بفوزه كالعادة ليجفل على نداء ابنه معاذ الذي صرخ بحماس وفخر ولغة فرنسية :

- أجل أبي أنت بطلي  .

التفت له ثائر يطالعه بابتسامة صادقة ثم تحرك ومال قليلًا ليعبر بلياقة من بين الحبال ثم نزل إليه واتجه يلكمه بخفة في معدته وبملامح منكمشة ونبرة قوية نطق  :

- ما رأيك في والدك يا ولد  ؟

- إنه الأفضل على الإطـ.ـلا.ق

قالها معاذ بحماس ليزفر ثائر ويحدق في ابنه لثوانٍ ثم تحدث وهو يحثه على التحرك  :

- هيا تعال معي  .

تحركا خطوة فأوقفهما نداء شخصٍ ما فالتفت ثائر ليراه لتتحول ملامحه إلى الجمود وهو يرى هذا الرجل يتقدم منه حتى وقف أمامه قائلًا بنبرة خبيثة  :

- جولة جيدة  ، كنت أراهن عليك  .

باغته ثائر بنظرات مبهمة ثم تنفس وأردف بنبرة مغلفة بالغموض حتي لا يلاحظ ابنه  :

- لا تراهن سيد توماس اور ليان  ، لا تراهن أبدًا حتى لا تخسر الرهان  .

تحرك بعدها مع ابنه حيث الغرفة المخصصة لتبديل الملابس وأسرع ثائر يبدل ثيابه ويتساءل بترقب متجاهلًا ما حدث عن عمد  :

- هل هاتفتك والدتك  ؟

أومأ معاذ وأردف وهو يخرج هاتفه من جيبه  :

- نعم أبي هاتفتني أكثر من عشر مرات ولكني لم أجبها  .

ابتسم ثائر وأومأ بعدما ارتدى ثيابه ثم مد يده يعبث بخصلات ابنه مسترسلًا بتشفي واضح   :

- هيا لأوصلك  ،  ربما الآن أصيبت بالجنون وهناك احتمالًا كبيرًا أن تقـ.ـتـ.ـل والدها  .

- فلتفعل  .

نطقها معاذ ليضحك ثائر ثم أشار له بالتحرك وتحركا سويًا نحو الخارج يستقلان السيارة لينطلق ثائر وعينه على الطريق يفكر في ما يريده توماس أور ليان منه وما يسعى له معه  .

ليأخذه عقله سريعًا إلى ما حدث قبل ساعة وقبل أن تبدأ الجولة بثوانٍ حينما قرأ ذلك التعليق الذي كتبته امرأة مصرية وقام بحذفه قبل أن يراه أحد  .
من يخبرك أنه يشعر بك كاذب ، هي فقط كلمة خُلقت للمواساة ولكن شتان بين الكلمـ.ـا.ت والتجربة ، لن يشعر بك سوى من عاش تجربتك كاملة .

بقلم آية العربي

❈-❈-❈

أكثر ما يثير جنونها هو التجاهل ، خاصة إن كان مصدر التجاهل هذا هو طليقها الذي تتملكه أو تريد ذلك .

تشعر بالأدخنة تتصاعد من رأسها ، تتمنى لو تعبر عن غضبها بردة فعل قوية ولكن كيف بعدما نالت الأغراض المنزلية نصيبها منها وقد قرر والدها منذ فترة ألا يعاود وضع تحفًا أنيقة مادامت على جنونها هذا .

يجلس على مقعده يضع ساقًا فوق الأخرى ويدخن لفافة تبغه ببرود ، يطالعها وهي تجوب البهو جيئًة وذهابًا وتسب بألفاظ فرنسية مجردة من الأدب .

يطالعها بهدوء وصل ذروته ليتخلى عن صمته بالأخير ويردف بلا مبالاة :

- أرى أن هاتفكِ مازال سليمًا ، أنا مندهش .

لم يكن على وجهه أية علامة اندهاش ولكنه قالها ليستفزها لذا توقفت تطالعه بغيظ وتحدثت من بين أسنانها :

- أنت السبب ، بسببك أنت وبسبب عملك اللعين انفصلنا ، لا تتحدث الآن .

نفث دخان سيجارته للأعلى ثم استرسل دون أن يرف له جفن :

- السبب الرئيسي هو جنونكِ مارتينا ، لا تلقي باللوم علي ، تعلمين أن ثائر رجلٌ يحب الهدوء وأنتِ امرأة تثيرين الجنون .

تمسكت بجانبي رأسها بعدما شعرت أنه سينفجر ثم صرخت به غير عابئة أنه والدها :

- اصمت لا تتكلم الآاااان ، لا أطيق سماع صوتك .

قطع جنونها رنين جرس المنزل لتسرع الخطى نحو الباب وتفتحه بعنف لم يهتز له كلًا من ثائر وابنه بل وقفا يطالعانها ببرود أثار حنقها أكثر ولم تنظر نحو ابنها بل نظرت نحو ثائر قائلة بغضبٍ أعماها عن العواقب :

- إن أخرته مرةً أخرى لن تراه مجددًا .

باغتها بنظرة تحمل على متنها أنواعًا لا حصر لها من التوعد ثم تجاهلها ونزل بنظره لابنه يحدثه بهدوء ويده تحثه على الدخول :

- هيا يا معاذ ادخل وسأراك غدًا .

- لا لن يحدث .

قالتها بتحدٍ غير متكافئ ولكنه تحامل ينتظر إلى أن دلف معاذ وذهب مسرعًا إلى غرفته ليقف ثائر يدس يده في جيبه وينتشل علبة سجائره ليستل منها واحدة يضعها في فمه ثم أشعلها بقداحته وسحب منها نفسًا واحدًا قبل أن يلقيها ويدعسها بقدمه تحت أنظار مارتينا ثم رفع نظره يطالعها وأردف بنبرة ثاقبة وهو يحك ذقنه :

- كيف لن يحدث ؟

تضاءل غضبها وانسحب في ركنٍ بعيد وحل محله الاشتياق ، اشتاقت لهذا الجزء المظلم منه لذا تقدمت منه خطوة حتى باتت ملتصقة به لترفع وجهها وتصبح عينيها أمام شفتيه فسلطتهما عليهما واسترسلت بنبرة متلهفة يعلمها جيدًا :

- ما رأيك أن تدخل ونتحدث ، يمكننا أن نصل إلى حلٍ وسط وبإمكانك أن تظل هنا وقتما تريد .

لم يبتعد بل اقترب منها أكثر لتصبح شفتيه بين عينيها وتابع بخفوت ضاغطًا على أحرفه :

- نحن انفصلنا مارتينا ألا تتذكرين ؟ انفصلنا بعدما كدتُ أن أخنقكِ حينما رفعتِ يدكِ تنوين صفعي ، أخبريني الآن كيف يمكننا الوصول إلى حلٍ وسط ؟ الأفضل أن تتجنبيني حتى لا تتأذي .

نزع نفسه عنها فجأة ليبتعد خطوة ثم أردف بثباتٍ عرف به :

- غدًا سأصطحب معاذ ، لدينا زيارة إلى متحف اللوفر ، وداعًا princesse .

التفت يخطو نحو سيارته يستقلها ويغادر وتركها تقف تتحسر على انفصالها منه بعدما تملكها الكبرياء ووافقت ولكنها الآن نادمة ، ليتها لم توافق وقتها .

لقد ظنت وخدعها غرورها بأنه لن يستطيع العيش بدونها وبدون نفوذ والدها ، لقد فتحت له أبواب الأمنيات على مصراعيه ، أدخلته عالمها ، فرضته عنوةً على عائلتها ، عرفته على الطبقة المخملية و ... أحبته ، ألم يكن من السهل عليه أن يتغاضى عن جنونها لأجل كل تلك المميزات ؟

زفرت بقوة ثم التفتت تدخل وتغلق الباب ليقابلها والدها قائلًا قبل أن يتجه لغرفته :

- ما رأيك ؟ يمكنني أن أجلبه تحت قدميكِ ، هل تودين ذلك ؟

حدقت في عيني والدها لثوانٍ قبل أن تردف بنبرة متجهمة :

- لا تتدخل في شؤوني ، أنت من أفسدها لذا لا تتدخل .

اندفعت تصعد غرفتها والغضب يلحق بها ، الشيء الوحيد الذي يقيد وحوشها هي عزوبية ثائر ، منذ أن انفصلا وهو لم يقترب من إحداهن على الإطلاق بل يعيش وسط كتبه وجولات ملاكماته لتظن أنه يعيش على أطلال حبها .

❈-❈-❈

إشراقة الصباح في وجهها ، الابتسامة التي توزعها على طفليها وابتسامات طفليها لها هما الترياق من عثرات اليوم وكل يوم .

لم تيأس يومًا برغم ما تمر به من ضغوطات بل مفعمة بالأمل دومًا ، أو ربما هناك جزءًا منكسرًا منها يختبئ خلف الأقنعة الكثيرة التي لم تعد ترتديها بل التصقت بها حتى باتت جزءًا لا يتجزأ منها .

نادتها حماتها فاتجهت إليها تطالعها بتفحص متسائلة :

- أيوة يا ماما ؟ عايزة حاجة ؟

أشارت السيدة نحو التلفاز تشير لها على الممثلين موضحة بعقلٍ مفقود :

- شايفة اللي لابسة أحمر دي ؟ تبقى بنت خالتي ، واللي جنبها دي تبقى أختها اللي أخويا علي كان هيتجوزها .

حولت ديما نظرها نحو التلفاز ثم تنهدت بقوة وعادت إليها تتعمق في عينيها وتتعجب مما أصابها ، الأيام غدارة والزمن يشبه الدائرة ، تتخيل نفسها مكانها عند الكبر وتفكر ماذا سيكون مصيرها لذا ... ابتسمت لها بلطافة وتحدثت تستجيب معها :

- بس إنتِ أحلى منهم على فكرة .

ابتسمت العجوز وانفرجت ملامحها تجيبها بلهفة :

- أيوا ماهما كانوا بيغيرو مني ، بس خلاص بقى أنا كبرت ، أومال كمال فين ؟

ثم نظرت حولها واسترسلت بصياح :

- كمــــــــــــال ، يا كمــــــــــال ؟

اتجهت نحوها ديما تمنعها قبل أن يستيقظ الآخر غاضبًا وتقول بتريث وهي تربت على كفها :

- لسة نايم يا ماما ، هروح أصحيه واخليه يجيلك .

أومأت السيدة وعادت تتحدث مع نفسها كأنها تجلس وسط عائلتها وتحركت ديما نحو غرفة نومها ثم إلى السرير حيث ينام زوجها فمدت يدها تضعها على كتفه بخفة وتوقظه بنبرة هادئة بملامح ثابتة :

- كمال يالا اصحى الساعة داخلة على عشرة .

- عملتي الفطار ؟

هكذا كان سؤاله قبل أن يبصر حتى لتومئ مجيبة بشفاه ملتوية :

- أيوة عملته ، قوم يالا .

فتح عينيه يطالعها فوجدها تنظر له بترقب ليبعد عينيه عنها ويسترسل بنزق وتجهم :

- أقولك امبارح تعالي وماتجيش ؟ خلي بالك أنا مطوّل بالي عليكي أوي .

وقفت أمامه كالمتهمة وانعقد لسانها عن إجابة مناسبة ، هو لن يفهمها قط مهما حاولت الشرح ، لذا تنهدت بقوة وأردفت وهي تغمض عينيها وتومئ بكلمات تتناسق مع حديثه :

- تمام ماشي شكرًا إنك مطول بالك عليا ، قوم الأول نفطر وبعدين نتكلم .

نفض نفسه ووقف يتحرك للخارج بعدما لكمها في كتفها بحركته المتعمدة لترتد على أثرها لذا باتت تؤدي تمارين التنفس كي تهدأ ، كل ما تريده هو الحصول على مخزون كافٍ من الهدوء ليمر اليوم كغيره .

❈-❈-❈

الرفاهية والثراء مناسبان لعطلة راقية ولوجبة شهية ولملابس أنيقة ولعدة صور يحسدونك الناس عليها ، ولكنك لن تستطيع شراء الحب ، فالحب عملته الوحيدة هي الصدق ، والصدق طريقه الوحيد هو قلبك .

وقفت تنظر في عين عمها الذي يحدثها بنبرة مغلفة بالنصح والإرشاد :

- صدقيني يا بسمة أنا خايف عليكي ، وبلاش بقى الكلام الأهبل ده والعيون اللي براقبك بيها كل ده علشان مصلحتك ، إنتِ شابة غنية وجميلة وألف واحد ممكن يستغلك ويضحك عليكي علشان كدة لازم أأمنك كويس .

أخفت سخريتها أسفل رداءٍ من البرود وتحدثت بهدوء :

- تمام يا أونكل المرة دي مش هقول كلام أهبل ، بس على الأقل احترم ذكائي شوية ، يعني إيه حد يضحك عليا أو يستغلني ! أنا مش غبية .

تحدثت زوجته التي نهضت من جلستها بعدما لمحت ثقة بسمة تلوح حولها :

- إيه الكلام ده يا بسمة ؟ إنتِ عارفة ومتأكدة إن عمك بيخاف عليكي وهو على دراية بالناس أكتر منك ، وبعدين يا حبيبتي محدش قلل من ذكائك بس هو ذكائك ده ليه مش قادر يتقبل ماجد ؟

حاصرتها زوجة عمها بالقيود التي تقبض على أنفاسها لتزفر بقوة وتجيبها بترجٍ مبطن بالجدية :

- طنط لو سمحتِ ، قلت لحضرتك مليون مرة إن ماجد أخويا ، عن اذنكو .

قالتها والتفتت لتغادر الفيلا بشعورٍ مختنق وتركتهما ينظران لبعضهما نظرات ذات مغزى ، كلٍ منهما يخطط للاستيلاء على ثروتها التي ورثتها من أبويها بأي وسيلة ، ربما ظن عمها أنه الأحق بها ، هو يعاملها بجدية لا بقسوة ولا بحنان ، فقط بعض المشاعر التي تم انتشالها من أسفل ركام العائلة خاصةً بعدما توفي شقيقه وزوجته ولم يتبقَ لابنة أخيه سوى ورثها الكبير وهو .

لم يخطئ حينما طلبها لابنه بل يجب أن تسعد وتشعر بالامتنان ولكنها شامخة لا تنحني مثلها مثل والدها ، لتفكر زوجته بدلًا عنه في كيفية هدم قلعة الشموخ هذه بينما يتركها هو تفعل بها الأفاعيل ما دام هذا سيصب في مصلحتهم ولكن ما يمنعهما من تحقيق حلمهما هو ابنهما ماجد الذي يرى أن بسمة بمثابة شقيقته .

❈-❈-❈

( نبرع في شرح ما يعتلينا للبحر ، نجلس أمامه ومن نظرة واحدة للأفق نعترف بكم الآهات والصراعات التي حبسناها داخلنا والتي لم نتفوه بها أمام البشر حتى لا ننتقص من أنفسنا ولكن .. هل فكرت يومًا أن تبدل الأدوار وتستمع أنت إلى البحر ؟

ذلك الذي تبوح له بكل أحزانك ألم تسأل نفسك عن مشاعره هو ؟

ربما هو حزين ويبكي وما أمواجه هذه إلا دموعًا فائضة ظننتها طبيعته ، تحبه هادئًا وديعًا مطيعًا لك وتخشاه حينما يثور برغم أن ثورته هذه ربما كانت صرخة تحمل شكوى متنكرة لأنه قرر من البداية أن يظل شامخًا مهيبًا لا يدركه أحد )

وضع نقطة بعدما خطّ بقلمه هذه الكلمات في دفتره الخاص ثم التقط لفافة تبغه من بين شفتيه ونفث دخانها للبعيد وعاد يضعها مجددًا بين شفتيه بعدما قرأ ما كتبه ، دومًا يعيد قراءة ما يكتبه بنظرة مختلفة فيصبح هو الكاتب والناقد في آنٍ واحد لذا فهو لا يتقبل أي نقد ، عُرف في الوسط الأدبي بهجومه على ناقديه ، شيد لنفسه قلعة شامخة يُنظر لها بإعجابٍ فقط ، ولهذا هو له أعداءً كُثر وله أيضًا جمهورًا خاصًا به ، جمهورًا حول العالم أحب الغرق في دوامة كلماته ، كلماته التي لم تمس سوى المغتربين ، الساكن في قلوبهم هجرة وظُلمة ، الباحثين عن وطن ، المتلهفين للدفء .

أعلن هاتفه عن مكالمة مرئية من والدته التي اشتاقت له حتى جفت ينابيع الاشتياق ، هذه السيدة التي في كل مرة تحدثه تستطيع إضاءة غرفته المظلمة لعدة ثوانٍ فقط فيصبح أمامها مرئي الأركان ثم يعود بعد ذلك لانطفاءه وغموضه .

نزع سيجارته وسحقها في المطفأة ثم حمل الهاتف يجيبها بملامح جادة ونبرة شبيهة قال بها بالفرنسية :

- صباح الخير يا أمي ، كيف حالك ؟

تعمقت في ملامحه قبل أن تجيبه ورأت في عينيه الصراعات كما تراها دومًا ولكنها ابتسمت الابتسامة التي يتخذها درعًا يحتمي خلفه وقالت بنبرتها العاطفية تجيبه بالفرنسية المماثلة :

- بخير يا ثائر ، لِم لم تهاتفني أمس ؟

استدار بوجهه عنها يبحث عن كذبة سريعة ثم عاد يطالعها بعد لحظات ويجيب بنبرة فاترة :

- انشغلت قليلًا يا أمي ، كيف حال أبي ؟ هل هناك من جديد ؟

تنهيدة حارة خرجت من جوفها وهي تخبره بما حدث أمس ولكن تلك المرة بلهجتها :

- طلبت من أمجد أجيلك فرنسا بس قالي مش هينفع ، نفسي اشوفك والمسك بإيدي وأحضن معاذ يا ثائر ، خلاص اتحكم عليا اتحرم منكم ؟ حد يفهمني إيه اللي بيحصل ومش هينفع ليه ؟

نهض من مقعده واتجه نحو النافذة يفتحها ويمد يده خارجها كأنه يرحب بالمطر الذي هطل فجأة لينتشله من تساؤلات والدته لذا لف الهاتف للجهة الأخرى واسترسل بنبرة تعمد بها تجاهل كل ما قالته علياء ظاهريًا ولكنها مبطنة بمغزى فهمته جيدًا :

- انظري إلى المطر الذي هطل فجأة برغم سطوع الشمس ، الطبيعة دومًا تدهشني يا أمي ، لا أحد يعلم ما يمكن حدوثه بعد لحظات من الآن .

تنفست علياء بقوة وأومأت ثم ارتدت قناع الجدية فهي تعلم جيدًا أنها لن تجد الجواب لا عنده ولا عند أحد لذا تابعت تواري اشتياقها في جوف الصمت لتردف حسب الرغبة :

- أيوة امبارح بردو مطرت فجأة عندنا ، كنت أنا وباباك قاعدين بنشرب القهوة في الفراندا ومطرت ، أمجد دخل بس أنا لاء ، إنت عارف إني بحب المطر جدًا .

وهو أيضًا يحبه وهذه صفة ورثها منها لذا قال :

- نعم أعلم لذا أردت أن أريكِ مطرًا فرنساويًا برائحة القهوة التي تناولتها منذ قليل .

- وفطرت ولا شربت قهوة على معدة فاضية زي عادتك ؟

سألتها علياء باهتمام ليبتسم ثائر ويتجه نحو المطبخ الخاص به ويبدأ في تحضير شطيرة أمامها كي يريحها قليلًا ، راحة جزئية مجردة من السكينة .

ظلت معه إلى أن أنهى تحضيرها واتجه يعود لجلسته ثم تساءل بسخرية حينما وجدها صامتة فقط تطالعه :

- هل ستظلين تحدقين بي هكذا ؟ أليس لديك رجلًا جائعًا ينتظر إعدادكِ للطعام ؟

- عايز تقفل ؟

لم يجبها وكان هذا جوابًا تفهمه لذا تساءلت حينما تذكرت أمر منشوراته على وسائل التواصل :

- مش هتبطل بقى منشوراتك دي ؟ ، بتستفاد إيه من إثارة الجدل نفسي افهم ؟ ماتعلمتش حاجة من كل اللي حصل ؟

قضم قطعة من الشطيرة يلوكها في فمه ثم استرسل قبل أن ينتهي منها :

- هذا رأيي يا أمي من تقبله مرحبًا به ومن لم يتقبله فالحظر أفضل خيار .

تمعنت فيه بنظرة متفحصة ثم استرسلت :

- تمام اعملي حظر يا ثائر ، مهو أنا مش هتقبله أبدًا ، هو انت ناسي إني عربية مسلمة ومحجبة ؟ معقول شايفني بلا عقل ؟

بدأ يشعر بالضيق لاحظته جيدًا لذا أسرعت تتابع :

- اقفل اقفل ، بدل ما تعملي بلوك بجد ، وابقي طمني عليك ولما معاذ يبقى معاك خليني أكلمه ، مش عايزة أكلمه واتفاجئ بمارتينا طلعالي من المكالمة تشوح وتلوّح .

ابتسم حينما أفلتت قبضتها من حوله لذا استرسل :

- حسنًا يا أمي ، هيا اذهبي واطمئني على زوجكِ ودعيني أكمل عملي ، سلام .

أغلق معها وعقله تعلق بحديثها عن منشوراته التي يهاجم بها المجتمع العربي وخاصة المصري وتحديدًا النساء التي تعد والدته واحدة منهن .

ابتسم بخبث وهو يستعد ليكتب منشورًا آخر من هذا القبيل متذكرًا كلمات تلك المصرية التي ظنت نفسها تهاجمه .

أسرع يعبث بهاتفه لتظهر أمامه صفحتها التي حفظها ، للمرة الأولى تكتب إحداهن تعليقًا باللغة العربية فمن أين أتتها الثقة أنه سيهتم به ؟ وكأنها تعلم مسبقًا .

وقفت عينيه أمام منشوراتها والتعريف الخاص بها يقرأه مرة تلو الأخرى ويردد بهمس :

- ديما الصابر
مصرية مسلمة
متزوجة ولدي شمسًا وقمرًا
كوكبي قابل للعيش بسلام .

لم تضع صورتها بل وضعت صورة خيل من السلالة المصرية الأصيلة ، كلمة متزوجة لم تشفع لها ليتوقف عن البحث بل أراد الهبوط على كوكبها ليستكشف السلام الذي قالت عنه لذا بدأ يقرأ تدويناتها واحدة تلو الأخرى وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة ساخرة وهو يردد داخله :

( من هذه المرأة التي تظن الأرض خلقت للسلام ، بالنسبة له هي زوجة مصرية تعيش حياة هادئة مرفهة لا تفقه شيئًا عن العالم من حولها ، فليتركها في أحلامها الوردية ويذهب إلى الواقع )

ابتسم حينما جعلته يستلهم منشورًا جديدًا بسببها لذا أسرع يدون لمتابعيه الذين تخطوا الملايين :

( نساء العرب تعتقدن أنهن يمتلكن النعيم الذي يبحث عنه أي رجل ، والحقيقة أن إحداهن تقرأ رواية عن زعيم عصابات فيصبح بطل أحلامها ، وإحداهن تقرأ عن رجلٍ يتزوج امرأتين فتهيم به عشقًا وتتمنى أن تصبح الثالثة ، وأخرى تقرأ عن رجلٍ يعاني من باقة أمراضٍ نفسية فتتخذه قدوة أمام صديقاتها متباهيةً بأفعاله ، نساء العرب لا يمكن الوثوق بهن فخيالاتهن مليئة بالرجال المنحطين وفي النهاية يحدثونك عن كوكب السلام ! )

دون منشوره وأرفق معه صورة ساخرة و... تم النشر بنجاح وعلى محيّاه ابتسامة متحدية وكأنه يدوّن هذا المنشور لها .

❈-❈-❈

استمعت إلى رنين هاتفه وهي تقف في المطبخ واستشعرت هوية المتصل دون أن ترى .

ترقبت السمع جيدًا ليصدق حدسها حينما سمعت زوجها يجيب بنبرة صلدة قائلًا :

- أهلًا يا حاج محسن .

شعرت بعصرة تقبض صدرها لذا حاولت سحب الأوكسجين بالقدر المستطاع وصبت اهتمامها على القهوة قبل أن تفور وأحضرت فنجانًا تصبها به ثم أحضرت صينية صغيرة تضع بها الفنجان وبجواره صحنًا احتوى على قطع الشوكولاته والبسكويت المحشي .

انتظرت قليلًا تستمع إلى زوجها يتحدث بصوتٍ مرتفع صاخب يثير حنقها ولكنها اعتادت ، ما إن أنهى مكالمته حتى حملت الصينية واتجهت نحو غرفتهما حيث يجلس .

وضعتها أمامه على الطاولة واعتدلت تردف :

- اتفضل القهوة .

- أبوكي بيكلمني على فلوس سلف ، هو مفكرني قاعد على بنك ولا إيه ؟

لم يسعَ يومًا لمحاولة تجنيبها الخوض في مواجهات مرهقة ، لم يقدّر يومًا طبيعة شخصيتها التي تجنح للسلم بل يتعمد أن يضعها وسط ساحة قتال لا تحمل فيها درعًا وليس لها فيها ذنبًا .

زفرت واتجهت تجلس في مقابلته واسترسلت بنبرة جعلتها لينة كطبيعتها :

- قوله مش معايا وخلاص يا كمال ، مالوش لزوم الدخول في جدالات .

تجاهل قولها وحمل قهوته يرتشف منها ثم نظر للأمام يستعيد ذكريات مضت منذ سنوات ويردف بنبرة صلدة قاسية استهدفت روحها :

- كان عامل لي فيها ياما هنا وياما هناك وعمال يتشرط ويتأمر وأنا بطلبك وقُرب الجواز كل شوية يكلمني هات كذا انت يا كمال ، ومعلش أصل وفصل وفي الآخر شيلني الحاجات اللي المفروض انتوا اللي تجيبوها .

هكذا أقنعته والدته قبل أن تمرض ، بل أنه ترعرع على الذكورية المطلقة والأنانية التي جعلته يتربع على عرش اللا مبالاة بمشاعر من أمامه .

ومع ذلك هذا الحديث كان يحطمها في السابق وتسبقها دموعها أما الآن فباتت تبدو فولاذية لا يكسرها شيئًا ظاهريًا
فقط لذا تحدثت باندفاع تدربت عليه لسنوات :

- إنت بتتكلم في إيه دلوقتي ؟ حاجة راحت من سنين وعدت لسة بتحكي فيها ليه ؟ واحد طلب منك مبلغ وقلتله لاء ، خلصنا .

حينما تجابهه ينتبه لها ويستشعر ثورتها لذا يخمدها سريعًا وهذا ما حدث حينما التفت يطالعها لثوانٍ ثم تبدلت نبرته وهو يلتقط إحدى قطع الشوكولاتة ويتابع :

- ماقصدش حاجة يا ديما يعني وبعدين هو إنتِ تايهة عن جوزك ؟ مابيعرفش ينسى بسهولة ، وبعدين إنتِ زعلانة عليه ولا إيه ؟ مش هو ده اللي سابكو وراح دور على مزاجه واتجوز على أمك .

ألقى عليها قنبلة كلماته التي هدمت كل دفاعاتها ، هذه النقطة تحديدًا لا تتحملها ، تستنكرها وتستنكر ذكراها ويظل هو يذكرها بها ، دخول صغيرتها كان رحمة لها حيث حاولت البحث عن شاطئ الهدوء وأثناء ذلك اقتربت الصغيرة منها تسألها مشيرة بإصبعها نحو صحن الحلوى :

- ماما عايزة شوكلت .

مد كمال يده يأخذ واحدة وناولها لصغيرته يقول بفظاظة تحذيرية :

- خدي واحدة أهي بس ماتعمليش كدة قدام حد غريب ، اوعي .

أومأت الصغيرة وهي تأخذ منه القطعة وعادت من حيث أتت فنظرت ديما إليه وتحدثت بجدية موضحة :

- اسمعني كويس يا كمال ، مش كل شوية هتعيد نفس الكلام قدامي ، اللي عمله أبويا لهو عيب ولا حرام ده مهما كان شرع ربنا ، ماتتكلمش تاني معايا في الموضوع ده .

مد يده يتحسس وجنتها وهو يتابع بنبرة تمثيلية متظاهرًا بالود :

- إنتِ زعلتي ولا إيه ؟ ياستي سيبك منه إنتِ محتجاله في إيه يعني ؟ أنا جنبك أهو اعتبريني أبوكي وجوزك وحبيبك وكل حاجة ، مع إنك مزعلاني إمبارح بس إنتِ عارفة مابتهونيش عليا .

عادت لطبيعتها الهشة ، طبيعتها التي تستنكر ما قالته منذ قليل ، تعلم يقينًا أن والدها أخطأ ولم يلتزم لا بشرع ولا بحلال ، تعلم يقينًا أن والدها باع الغالي واشترى البخس وخسر معركة الأبوة معهم ولكنها أبت أن تنحني أمام هجوم كلماته القاسية التي سيتخذها كسلاحٍ يصوبه نحوها بعد ذلك .

أبعد يده عنه حينما لم يجد منها ردًا على كلماته الودودة التي قالها لذا نهض يزفر باختناق واسترسل بتجهم :

- هاتيلي هدومي يالا علشان البس وانزل .

نهضت تتجه لخزانته تفتحها وتنتزع منها إحدى الأطقم المهندمة وتساعده على ارتدائها بصمتٍ استحوذ عليها كليًا فقط تؤدي واجباتها .

❈-❈-❈

جلست دينا على مكتبها الجديد تتحسسه بسعادة حلقت فوق ملامحها وهي ترى أنها تلملم شتات أحلامها واحدًا تلو الآخر .

دينا تختلف عن ديما في كثير من الأشياء ، فهي تفضل نفسها في المقام الأول وقبل أي شخص ، تسترق سعادتها من الحياة مهما كانت النتائج ، أما ديما فهي تضع سعادتها في السطر الأخير من قائمة أحبائها .

دلفت عليها شابة في مقتبل عمرها تخطو بثقة ظاهرية ثم اتجهت تجلس على المكتب المقابل ونظرت إلى دينا بابتسامة مصطنعة ثم أومأت لها بصمت فبادلتها دينا نفس الابتسامة والإيماءة ثم تنهدت وحاولت الاندماج في حاسوبها متجنبة وجودها ولم يدم ذلك طويلًا حتى دلفت أخرى تردف بمرحٍ :

- صباح الخير ، اتأخرت كالعادة .

جلست الفتاة ثم نظرت نحو دينا واسترسلت بعفوية :

- إيه ده معانا وجه جديد ، ازيك ، اسمك إيه ؟

ابتسمت لها دينا بهدوء وتحدثت بنبرة واثقة :

- دينا الصابر .

أومأت لها الفتاة مبتسمة ثم التفتت إلى الأخرى وتساءلت بنظرة مندهشة حينما لاحظت خلو المكتب الرابع في الغرفة :

- هو شريف لسة ماجاش يا مايسة ، معقول ؟

زفرت مايسة بنزق وتحدثت وهي تنظر لحاسوبها بطريقة عملية بحتة :

- مش عارفة ومايهمنيش يا فرح .

طالعتها فرح بغيظ ثم نظرت نحو دينا تشتكي لها جفاء مايسة لتجد ملامحها ثابتة أيضًا لذا تحمحمت بحرج وتابعت عملها بصمت بعدما اكتشفت أن دينا تشبه مايسة في نفس ردود أفعالها .

❈-❈-❈

بعد عدة أيام في فرنسا .

يجلسان يشاهدان عرضًا تمثيليًا بطولة ابنهما معاذ وآخرين من زملائه المقام على مسرح المدرسة حيث تم دعوة أولياء الأمور لمشاهدة هذا العرض .

جلست مارتينا تصفق بحماس في ظاهره تشجيعًا لابنها ولكن الحقيقة هي سعيدة بتواجدها بالقرب من ثائر خاصةً وأنه يعد الرجل الوحيد هنا ، أو يعدان الثنائي الوحيد هنا ، فجميع الطلاب إما مع أمهاتهن فقط أو أبائهم فقط .

لذا فهى ترى ابنها محظوظًا بأبٍ مثله يحبه ولم يؤثر انفاصلهما عليه في شيء ، لما لا يعودان سويًا ويريحها فهذا ما تسعى لتحقيقه في الفترة الراهنة .

مالت عليه تتحدث بهمسٍ عند أذنه :

- انظر إلى دور ابننا ، إنه البطل ، مميز كوالده .

لم يحرك ساكنًا غير شفتيه التي نطقت بثباتٍ وعينيه على ابنه :

- إنه لا يشبه سوى نفسه ، لا تحاولي مارتينا أنا لا أحب أن يشبهني وبالطبع لا أحب أن يشبهكِ .

لم تغضب بل ابتسمت واسترسلت بثقة زائدة ونبرة حماسية نسبةً لحديثه معها :

- لا عزيزي فهو يشبهني شئت أم أبيت ، لهذا أنت تحبه جدًا .

كاد أن يبتسم ساخرًا ولكنه لم يفعل بل تجاهل حديثها وأطلق صافرة تشجيعية لابنه الذي تحمس ونظر له مبتسمًا فبادله ثائر الابتسامة وتجاهل مارتينا التي زفرت بضيق وعادت تتابع العرض بملل ، دومًا التجاهل صفته المعهودة الذي تغذى عليه جنونها .

في الصف الخلفي جلس عدوه الثاني يمعن النظر إليه وإلى ثباته وشموخه بحقدٍ بلغ مبلغه ، حتى أنه جاء هذا العرض ليراه هو بدلًا عن ابنه الذي ينظر إلى والده بحزن حينما لم ينظر الأول له لذا انشغل عقل الطفل عن التمثيل فزجره معاذ في كتفه ينبهه لينتبه الصغير سريعًا ويحاول لملمة شتاته .

أما شيرلي فظلت نظراته الحاقدة مصوبة على ثائر والآخر لا يبالي بأي شيءٍ حوله .

❈-❈-❈

يقود سيارته عائدًا بشقيقته التي بات مؤخرًا يوصلها ويحضرها من عملها بعدما تأخرت من زحمة السير منذ يومين .

تحدثت دينا بنبرة مراعية مبطنة بالخبث :

- معلش يا داغر بتعبك معايا كل يوم ، وأكيد وراك ورشتك وشغلك ، لو بس تخليك أنت وتسيب لي العربية .

- بعينك .

نطقها بصرامة بعدما فهم إلام ترمي بحديثها ليتابع ناظرًا أمامه :

- نفسك تاخديها وتسوقي إنتِ أنا عارف ، بس مش هيحصل يا دودو .

تذمرت ونطقت بنبرة تملؤها الدلال :

- ليه بقى يا داغر ما أنا اتعلمت السواقة وطلعت رخصة ولا هي يعني خيال مآتة ؟

- أيوة خيال مآتة ، معلش خديني على أد علقي أنا مش بثق في سواقة الستات .

- ليه بقى إن شاء الله ؟ وانت اللي محترف أوي ؟ نسيت لما كنت هتدخل في شجرة إمبارح ؟

تذكر ما حدث أمس فهو لا يقود دومًا بل يفضل ركوب المواصلات العامة كما اعتاد ، يبدو أن حياة الرفاهية لا تناسبه أبدًا بالرغم من شرائه لسيارة جديدة منذ عام حتى تساعده في الوصول بشكلٍ أسرع إلى زبائنه المتعطلين في الطريق .

زفر بقوة واسترسل مبررًا بملامح مقتضبة وهو يتطلع إليها :

- لاء دي حاجة مش مقصودة وربنا ستر ، وبعدين احمدي ربنا إني بوصلك وبجيبك بدل ما تتبهدلي في المواصلات ويتخصم منك تاني ، صحيح البني آدم مابيملاش عينه غير التراب .

لم يكد يلتفت أمامه حتى وجدها تجحظ وتردف صارخة ويداها تحاول إيقافه :

- حـــــــــاسب يا داغــــــر .

تشتت في لحظة ولم يلحظ إشارة المرور التي تجاوزها ليصطدم بمؤخرة سيارة أخرى أمامه .

ارتدا سويًا بعدما توقف وتحدث بصدمة تجلت في نبرته :

- يانهار أبيض .

- قال مش بيثق في سواقة الستات قال

قالتها دينا بعدما تجاوزت صدمتها نسبةً لبساطة الاصطدام ليلتفت مشيرًا لها بسبابته وهو يستعد للنزول :

- اخرسي خالص .

ترجل يتجه نحو السيارة التي ترجلت منها فتاة فلم يلحظها بل انحنى قليلًا يصب كامل تركيزه على فحص الجزء المصطدم من السيارة ليومئ قائلًا لنفسه :

- بسيطة بسيطة .

- والله ؟

نطقتها الفتاة التي وصلت إليه وسمعته لذا اعتدل يطالعها وتحمحم بحرج يتابع :

- أنا آسف يا آنسة حصل غصب عني بس ماتقلقيش أنا هصلحها .

- يعني إيه هتصلحها ؟

نطقتها بسمة ثم نظرت نحو سيارتها وزفرت بقوة لتترجل دينا تجاور شقيقها وتنطق بدفاع مبررة :

- هيصلحها لإنه مهندس ميكانيكا وفاهم بيقول إيه ، وعلى فكرة إنتِ كمان غلطانة لإنك وقفتي فجأة .

نظرت لها بسمة بتعجب ثم رفعت إصبعها تشير نحو الإشارة موضحة :

- ماشوفتيش دي ولا إيه ؟

نطق داغر بنبرة رتيبة جادة :

- يا آنسة حصل خير أكيد وزي ماقلتلك أنا هصلحها ، هي ملهاش علاقة بالميكانيكا بس بسيطة وهعرف اظبطهالك ، اتفضلي بس معانا لما الإشارة تفتح هنوصل لحد ورشتي وأوعدك هترجع أحسن من الأول في ساعة واحدة .

تعجبت من ثقته ولكن نبرته جعلتها تتنفس وتردف بهدوء :

- لا خلاص مافيش داعي .

كادت أن تتحرك ولكنه أوقفها قائلًا بنبرة تحمل تصميمًا صريحًا :

- يا آنسة لو سمحتِ امشي معانا لإني هصلحها حتى لو فضلت ماشي وراكي لآخر الطريق .

تعمقت فيه قليلًا ثم التفتت تنظر نحو دينا التي تطالعها بتباهٍ بشخصية شقيقها لذا عادت إليه تومئ باستسلام قائلة :

- تمام ، اتفضلو .

استقل كلٍ منهم سيارته وتحركا بعدما أعطتهم الإشارة الضوء الأخضر .

❈-❈-❈

تجلس على الأريكة تسرح شعر صغيرتها بعناية حتى انتهت ليرن هاتفها معلنًا عن اتصال من صديقتها يسرا لذا لفت صغيرتها إليها تطالعها بنظرة إعجاب وحب ثم مالت تحتضنها بعمق وتأخذ منها مخزونًا كافٍ من الطاقة الإيجابية ثم حررتها قائلة بمرح :

- يالا روحي العبي مع مالك .

أومأت الصغيرة وأسرعت تركض نحو شقيقها بحماس لتزفر ديما وهي تحمل هاتفها وتجيب على صديقتها قائلة بمرح :

- يااااسو ، أخبارك إيه يا بنت الإيه ؟

شخصيتها تختلف كثيرًا حينما تهاتف يسرا ، تعلم جيدًا أن يسرا تحمل طباعًا جادة لهذا تحاول كسر جديتها بنبرتها المرحة التي تستقبلها يسرا بابتسامة حقيقية دومًا تنجح ديما في إظهارها لذا أجابتها الأخرى بحبٍ صادق :

- مادام كلمتك هبقى كويسة ، وياسلام لو سي كمال وافق نخرج النهاردة شوية هبقى كويسة جدًا ، محتاجة اشتري شوية حاجات ومحتاجة أشوفك ، وحشتيني يا ديما .

زفرت ديما بإحباط فهي تعلم رفض زوجها المسبق ولكنها نطقت بعكس ما تشعر :

- نسأله مانسألوش ليه يعني سي الأوستـــــــــــاذ كمال الدين أفندي .

ضحكت يسرا على نبرة ديما واسترسلت :

- أيوة إسأليه ، بصي خلصي اللي وراكي ولما يرجع اديله شوية رومانسية كدة على أكلة حلوة وهو هيوافق .

شهقت ديما بصدمة كاذبة ونطقت بضحكة ظاهرية :

- ابقى بتاعة مصلحتي ؟ دي عمرها ماحصلت ، بس ومالو خليني اجرب .

شجعتها يسرا قائلة :

- أيوة جربي ، وهاتي الولاد بالله عليكي يا ديما .

نطقتها يسرا بلهفة خرجت من جوفها ، لهفة وحنين حينما تذكرت مالك ورؤية التي تحبهما حبًا جمًا لتومئ ديما كأنها تراها وتجيبها بالقبول وهي تدعو سرًا أن يقبل زوجها :

- بس كدة دانت تؤمر يا جميل انت ، يالا خليني أخلص اللي ورايا واشوف هعمل إيه وهبلغك .

تمتمت يسرا لتتخذ ديما نبرة الخذلان في حديثها المتبقي مستطردة :

- بس لو ماوفقش يا يسرا ماتزعليش علشان خاطري ، أوعدك نتقابل عند ماما أول ماروح عندها ، تمام ؟

تنتظر من يسرا التمام كمن ينتظر الإذن حتى يتنفس لتجيبها الأخرى بنبرة مرحة كي تهون عليها :

- طب تصدقي فكرة ممتازة ، أصلًا طنط منال وحشاني جدًا ، خلاص شوفي هتعملي معاه إيه ولو ماعرفتيش مافيش مشكلة نتقابل عند منولة .

تنفست الصعداء وابتسمت وهي تجيبها :

- عيوني يا عيوني ، يالا سلام دلوقتي .

أغلقت معها ونهضت تنهي أشغالها بطيب خاطر ، ليته هين لين رحيم لكانت هانت الدنيا وما فيها ولكنها تحمل أعباء الخوف والترقب والحيطة لتتجنب الدخول معه في ضغوطاتٍ لن تخرج منها سالمة .

❈-❈-❈

انتهت حفلة معاذ وجلس في الكرسي الخلفي من سيارة والده بوجهٍ عابسٍ بعدما صممت مارتينا على المكوث في المقعد الأمامي .

كان ثائر كل دقيقة يطالعه في المرآة ويغمز له بينما الأخرى تجلس تثرثر وتتحدث عن حفلة هامة ستقام في فيلا والدها .

انتبه ثائر لها لتتابع بترقب :

- هل يمكننا أن نجلس في منزلك إلى أن تنتهي حفلة والدي ؟ أنا أكره حفلاته كثيرًا .

تساءل ثائر بنبرة فضولية لا تمثله وهو ينعطف وينظر نحو الطريق :

- وما سبب تلك الحفلة ؟

أجابته بحماس من حديثه معها :

- من المؤكد هناك احتفالًا بشيء لا أعلمه ولا أريد أن أعلمه .

أومأ لها ثم تابع بثبات :

- حسنًا يا مارتينا أخبريني موعدها وسأنتظركما في المنزل وقتها .

انتابتها سعادة هجمت عليها لذا عبرت عنها بطريقة مندفعة مثلها وهي تميل عليه وتقبله من وجنته قبلة هجومية وعادت أدراجها تردف بحماس :

- أعدك ستكون سهرة ممتعة .

لم يحرك ساكنًا إلا عينيه التي نظرت لابنه في المرآة ليجده يلف وجهه للجهة الأخرى بضيق ثم نطق بتجهم :

- لن آتي معكِ ، سأجلس مع جدي ، أنا أحب حفلاته .

هزت كتفيها بلا مبالاة واسترسلت :

- حسنا كما تريد .

وهذا ما تتمناه من الأساس ، تريد أن تختلي بثائر بأي وسيلة يكفيها قبوله لذلك الاختلاء وها هو قبل للتو .

أما ثائر فشرد في الطريق ولم يعلق لا على حديث ابنه ولا على ردها بل واصل قيادته إلى أن توقف أمام الفيلا ليترجل معاذ قاصدًا الداخل وقبل أن يفعل ناداه والده الذي ترجل واتجه إليه ثم انحنى لمستواه يقبله من وجنتيه ويودعه قائلًا بترقب :

- أنت تعلم أنك أغلى ما لدي ، أليس كذلك ؟

ابتسم الصغير برضا وأومأ لوالده بثقة يجيبه :

- أعلم يا أبي .

ابتسم ثائر ولكمه بخفه على ذراعه قائلًا :

- هيا استمتع ، وبلغ سلامي إلى جدك .

ركض الصغير للداخل ونهض ثائر يتجه عائدًا لسيارته ولكن مارتينا نادته ليتوقف ثم اتجهت إليه تقف قبالته وكالعادة تسلط عينيها على شفتيه متسائلة :

- وهل أنا غالية لديك أيضًا ؟

قلب عينيه وأشار برأسه نحو الفيلا ينطق بملل :

- هيا مارتينا ادخلي .

قبل أن تنفذ طلبه لبت نداء رغبتها وقبلته على شفتيه قبلة لم يحرك فيها ساكنًا ولم يعترض ولم يشعر بأي شيء إلا بالهواء الذي عاد لرئتيه بعدما ابتعدت تطالعه بابتسامة انتشاء مردفة :
+

- حسنًا أراك قريبًا عزيزي .
 غريب مغرم بغربته، وحيد مولع بوحدته، هذا أنا…
مُحترِق، من كل ثقب من الألم مُخترَق، هذا قلبي….
بـ.ـارد لا إحساس لا شعور، هذا أنا…..
مهزوم مخذول من الأمل محروم هذا قلبي…
وسيم، مشهور موهوب محبوب هذا أنا……
مسموم، مهموم ، مهزوم هذا قلبي
هناك في القمة، هذا انا…
وهناك في الخطر والغرق والموت و السقوط كان قلبي…
هذا أنا حاضرًا… وذاك قلبي ماضيًا
بقلم فيروزة ( صديقتي وقارئتي المميزة )
❈-❈-❈
لينة بطبيعتها ، تتبع مشاعرها بعدما تستأذن عقلها لذا فهي تقود خلفه دون اعتراض ، برغم أنها ليست بحاجة لتصليحه سيارتها ولكنها تتبعه ، هناك احتمالًا كبيرًا أن عمها علم بما حدث ولهذا أرادت أن تتأكد .
وجدته يدلف من منعطفات غير مألوفة بالنسبة لها ثم دلف شارعًا شعبيًا وهي خلفه ، على يمينها مقهى يحمل لافتة بعنوان قهوة السعادة لتتأمل هؤلاء الرجال الذين يجلسون يتبادلون أطراف الحديث ويحتسون الشاي .
على يسارها مطعم لبيع الأكلة المصرية الشهيرة ( الكشري) يقف أمامه عدة أفراد ينتظرون الحصول على طلبهم ، تحركت قليلًا لترى معصرة لصنع عصير القصب تجاورها مكتبة حولها أطفالًا يتحدثون ويعرضون أدواتهم المدرسية على بعضهم البعض .
أجواء لم تشاهدها في الشوارع الراقية ظاهريًا ، تلك الشوارع التي تشعر فيها بالصقيع ، هناك دفءٌ غريب توغلها منذ أن دلفت ، هذه الأجواء تناسبها وتعطيها شعور الأمان الذي افتقدته منذ وفاة والديها .
لم تشعر براحةٍ قط في منزل عمها منذ أن وطأته قدميها ، تعلم نواياه هو و زوجته والشيء الوحيد الذي يهون عليها الحياة معهما هو ماجد ابنهما والذي لا يشبههما بل أنه يدافع عنها دومًا بعدما اتفقا أن يكونا شقيقين .
توقف داغر أمام ورشة عمله لتتوقف بسمة خلفه بالتبعية تتطلع نحوه وهو يترجل فيهرول نحوه صبية ينادونه ب ( هندسة ) لتتساءل داخلها هل هو مهندس حقًا ؟
ترجلت حينما وجدت دينا تشير لها ليقف داغر قبالتها ويتحدث بنبرة رخيمة :
– اتفضلي يا آنسة ارتاحي لحد ما اخلصهالك .
كان يشير نحو مقعد داخل الورشة نظرت له بسمة ثم تـ.ـو.ترت وقالت وهي تنظر حولها :
– لاء عادي أنا هقف هنا ، الموضوع مش هيطول أكيد صح ؟
زفر داغر وتحدث بتريث موضحًا :
– الموضوع مش هيطول بس ماينفعش تقفي كدة قدام اللي رايح واللي جاي ، ادخلي جوة أو اطلعي مع دينا فوق عند أمي .
شهقت بصدمة ، ما هذه الألفة الزائدة ؟ استرسلت بتعجب وهي تتحرك للداخل :
– لاء اطلع فين ؟ خلاص هقعد هنا .
جلست على المقعد فتنهد داغر ونظر نحو دينا التي تقف قبالته تطالعه بثقب فحدثها وهو يشير لها نحو للأعلى :
– يالا اطلعي إنتِ يا دينا وشوية وهحصلك .
هزت رأسها برفضٍ وتحدثت بخفوت وهي تغمز له :
– لاء أنا هروح اقعد مع المزة قصدي الآنسة مايصحش نسيبها تقعد لوحدها .
قالتها وابتسمت بخبث على ملامحه وتحركت من أمامه نحو الداخل تسحب مقعدًا وتجاور بسمة التي تعجبت منها ، دينا لا تبدي مرحًا مع أي شخص بل تبدي انطباعًا جادًا مع الغرباء ولكن الوضع هنا يقترب من التعارف الجاد من قبل شقيقها لذا فهي تستعمل وسائلها في التعرف على شخصية بسمة .
تساءلت بنبرة متفحصة وابتسامة هادئة :
– ها قوليلي بقى اسمك إيه ؟ أنا دينا أخت الباش مهندس داغر اللي هناك ده .
قالتها وهي تشير على شقيقها الذي بدأ في التصليح لتتحمحم بسمة وتجيبها برزانة :
– أنا بسمة الراوي .
أومأت لها دينا مبتسمة وتمعنت فيها ، ثيابها راقية من ماركة مشهورة وساعة يدها حتى حذاءها وخصلاتها المهنـ.ـد.مة ، ترتدي ثروة تساوي شهرية نصف رجال الحارة وهذا ما يدور في رأس دينا ، على ما يبدو أنها من عائلة ثرية .
أومأت دينا تقول بهدوء :
– أهلًا يا بسمة ، على فكرة عربيتك حلوة أوي ولونها حلو أوي .
– ميرسي .
أجابتها بهدوء وجلست تتطلع على داغر وهو يباشر عمله ويضحك ويتحدث مع الصبية الصغار بود وهم يبادلونه أطراف الحديث ، ابتسمت عليهم تحت أنظار دينا التي وضعت كفها أسفل ذقنها قائلة :
– لاء ده هيعجبك أوي .
انتبهت لها بسمة لتلتفت مسرعة تطالعها بجبين مقطب متسائلة عن مقصدها فتابعت بخبث :
– شغل داغر هيعجبك ، وأنا متأكدة إنك هتجيلنا تاني لو حصل أي عطل في العربية .
– إن شاء الله .
هكذا أجابتها بهدوء بعدما لاحظت مكرًا يلوح في عيني دينا برغم أنها أحبت الأجواء هنا .
❈-❈-❈
الذي يرى نفسه محقًا في كل شيء هو في الحقيقة لا يفقه شيئًا ، الذي ينتشل من الناس سعادتها دون أن يهبهم أي شيء ما هو إلا أناني .
الذي يتخذ من الدين ما يروق له ويترك حقًا يؤرقه ما هو إلا منافق ، والذي يظن أن واجباته فضل ومنة ورحمة منه على شريكه ما هو إلا غليظ القلب لا يعرف عن الحب شيئًا . (بقلم آية العربي )
دلف بيته يحمل في يده كيسًا ورقيًا يترقب السمع ، كان يخطو بحذر حتى لا تعلم والدته بعودته .
كان ينتظر أن يرى ديما تتصفح هاتفها كي يبدأ جولة لاذعة من النقد ولكنها أحبطت مخطته بمكوثها في المطبخ إلى الآن .
صوت قهقهاتها يملأ المكان لذا ترك ما في يده جانبًا وتحرك نحو المطبخ حتى توقف على عتبته يشهق بفزع ويصـ.ـر.خ متناسيًا أمر والدته قائلًا :
– إيه اللي إنتوا عاملينه ده ؟
انتفضت رؤية على صوته بينما تصنم مالك يطالعه بخوف لتلتفت له ديما متسائلة بتعجب :
– فيه إيه بتزعق ليه ؟
تحرك نحو الرخامة حيث تجلس صغيرته فالتقطها وأنزلها أرضًا ثم صفع مالك على مؤخرة رأسه قائلًا بنبرة معنفة :
– إيه اللي إنتوا عاملينه ده ؟ بتلعبو بالنعمة ؟ الغلط على الهانم الكبيرة اللي واقفة بتشجعكو وتضحك بدل ما تعرفكو إن كدة غلط .
ابتلعت لعابها وزفرت بقوة ثم اتجهت تحتضن صغيريها بحماية وتردف مدافعة وهي تقف أمامه بشموخ يضاهيه خوفها :
– كمال وطي صوتك الولاد خايفين ، كنت بعملهم كيكة والدقيق وقع من رؤية من غير قصد وهزرنا شوية ، مـ.ـا.تكبرش الموضوع .
جحظت عيناه كأنه على وشك الفتك بهم واسترسل بغضب :
– أيوة مانتو هتشيلو هم إيه ؟ كل طلباتكم بتجيلكم لحد عندكم وانتو قاعدين مرتاحين ، غيركو بياكل من الزبـ.ـا.لة وأنا يطلع ميتين أمي علشانكم وانتو هنا تلعبو بالنعمة ؟ بدل مـ.ـا.تفهميهم يا هانم إن كدة غلط وحـ.ـر.ام بتضحكيلهم ؟ ماهما كدة هيكبرو على قلة الأدب وقلة تقدير النعمة ، أنا من صغري أمي علمتني ماهنش النعمة ولا اقل منها ، صوني النعمة تصونك يا هانم يابنت الحسب والنسب .
نطق الأخيرة ساخرًا ومقللًا من شأنها فتظاهرت باللا مبالاة ووقفت أمامه تطالعه ببرود وقررت الصمت ، إن تفوهت بحرف الآن ستبكي وهي منذ زمن تخلت عن البكاء ، وقفت تطالعه وهو يصب باقي كلمـ.ـا.ته المشتعلة على جليد ملامحها ، الجليد الخارجي لبيتٍ أحرقته كلمـ.ـا.ته وهدمت أركانه دون رأفة .
انتهى من نوبة غضبه والتفت يغادر المطبخ قائلًا وهو يلوح بيديه :
– منكم لله حرقتو دمي .
اندفع بعدها يغادر من حيث أتى متجاهلًا صرخات أمه باسمه ونداءها المتكرر عليه .
انحنت تحتضن صغيريها وتداري وجهها بينهما قائلة بنبرة انتشلت فيها قطرات من الأمان :
– مـ.ـا.تخافوش هو متعصب بس شوية ، هيهدى ويبقى كويس .
تحرر مالك من قبضتها يطالعها ويطمئن عليها أولًا ليمد يده يمسح أسفل عينيها برغم أنها لم تسقط دمعة واحدة ولكنه قال بحنان :
– مـ.ـا.تزعليش يا ماما .
قبلته قبلة قوية وضحكت له تردف مؤكدة :
– مش زعلانة يا روح ماما .
فعلت رؤية مثله فقبلتها أيضًا ونهضت تردف وهي تلتفت حينما شعرت أن دمـ.ـو.عها ستتآمر عليها :
– يالا روحو العبو برا وانا هخلص المطبخ واجيلكو .
ركض الاثنان نحو الخارج ووقفت تتنفس بعمق وقد أيقنت أنها لن تذهب مع يسرا إلى أي مكان لتومئ محفزة نفسها وتردد بهمس ويدها تملس على صدرها التي تستشعر وخزاته :
– اهدي يا ديما ، اهدي وكل حاجة هتبقى تمام ، هيرجع بليل وهتتكلمي معاه ، معلش يمكن متعصب من حاجة .
هكذا كانت تقنع الجزء الذي أبى أن يقتنع بهذا الحديث ، ولكنه اعتاد .
❈-❈-❈
شاردة كعادتها تفكر في أولادها ، مجبرة على تلك الزيارة المتجهة إليها الآن مع زوجها ولكنه ترجاها ولم تعتد رفض طلبٍ له .
لقد كان ومازال مراعيًا لمشاعرها وتقلباتها حتى عصبيتها يحتويها ، نعم إنه خير سند وأنس لعمرها الذي سيبدو أنه سينتهي دون أن تقر عينيها وتشبع روحها بعناق صغيرها الغالي ثائر وابنه .
تحدث أمجد وهو يقود قاطعًا هذا الصمت الذي لا يفضله :
– مالك يا علياء ؟ بردو زعلانة علشان طلبت منك تيجي معايا ؟
زفرت تعتدل في جلستها وتحدثت بصدق :
– لا أبدًا يا أمجد مش زعلانة ، زيارة المريـ.ـض واجب ، بس أنا بحس إن وائل مش بيحب ثائر .
تنهد بقوة يستنشق ذكرياتٍ مضت ويتابع مبررًا :
– لا إحساسك غلط على فكرة ، هو بس وائل أخويا طول عمره ناشف شوية وأسلوبه صارم ، طبيعة شغله بقى وحبه لبلده مخليينه متعصب شوية .
التفتت تطالعه بعتاب وتحدثت باندفاع :
– وهو ابني كان عمل إيه يا أمجد ؟ كل ده علشان قال كلمتين بيعبر فيهم عن رأيه ؟ يستاهل كل الظلم اللي حصل معاه ده ؟
زفر بقوة وتحدث بنبرة مقنعة :
– يا علياء وضعنا غير أي حد في البلد وطبيعة شغلنا تحتم علينا واجبات كتير أوي ثائر مالتزمش بيها ، وبعدين الحمد لله إنها جت على أد كدة ولولا تدخلي كان زمانك حتى مش عارفة تكلميه ، وخلاص بقى قفلي ع الموضوع ده علشان وصلنا .
توقف بسيارته أمام فيلا شقيقه وانتظر الحرس وهم يهمون بفتح البوابة له ويرحبون به وبزوجته .
دلف فكان يقف في استقبالهم ابن شقيقه الضابط مهاب ذو الفقار يبتسم لهما ويرحب بحفاوة قائلًا :
– ده إيه النور ده يا سيادة اللوا ، اتفضلو يا مرحب .
ابتسمت علياء وحل عنها العبوس خاصةً وأنها تحب مهاب كثيرًا وسعدت باستقباله لهما لذا تحدثت بود وبشاشة :
– تسلم يا مهاب ، وكويس إنك هنا .
ابتسم واتجه يتأبط ذراعها ويتحدث معها باستفاضة وود :
– طبعًا لازم آجي يا طنط لإني متأكد لو ماجتش مش هتضحكي كدة .
– صح .
قالتها وهي تومئ وتتحرك معه للداخل ويجاورها أمجد يهز رأسه عليهما وينتظر لقاء شقيقه وزوجته .
❈-❈-❈
توقعت كل ردود الأفعال الواردة منه على مدار سنوات إلا أن يعود للمنزل بعد عدة دقائق حيث أنه لم يغادره بل صعد للشقة العلوية ، لذا حينما فتح ودلف يطالعها وهي تجلس في ركنها تتصفح هاتفها انتفضت بتـ.ـو.ترٍ ونهضت تطالعه بعدما تركت الهاتف بإهمال على الأريكة فاتجه إليها ووقف قبالتها يتحدث وعينيه تدور حولها كأنه كسر كوب ماء وليس خاطرها :
– معلش بقى اتعصبت عليكي وعلى العيال بس إنتِ عارفة كويس الحاجات اللي بتضايقني خصوصًا لو لقيت الدنيا مقلوبة ومش نظيفة ، ده غير اللعب بالنعمة ، بخاف تزول مننا .
صدمتها في نبرته واعتذاره جعلتها تحدق به كما لو كانت تتوهم ، كأنها تحلم بهذه المعاملة منه لذا تساءلت بترقب وملامحها مشبعة بالصدمة :
– يعني إيه ؟ إنت بتعتذر !
تملكه التعالى ونطق مصححًا وهو يشير بسبابته :
– لاء مش اعتذار ، اعتذار ده لو غلطت إنما رد الفعل كان زايد شوية وأنا أصلًا كنت راجع مزاجي رايق ومبسوط وجايبلك هدية وناوي نقعد أنا وإنتِ قاعدة حلوة بعد الغدا .
زفر يلتفت ناظرًا نحو غرفة والدته التي هدأت ولمح صغيريه يلعبان معها لذا عاد ينظر نحو ديما واسترسل يهمس وهو يلكزها في كتفها ليحصل على ما يريده :
– بس لو تبعتي العيال عند أمك يبقى حلو أوي .
تناقض اجتاحها فجأة بين فرحة وضيق ، جعلها تواجه عاصفة من الحيرة والصمت وتفكر أتجاريه في رغباته أم تثور ؟ أترضخ بعد ما فعله وتدفع سفينتها الغارقة في الوحل أم تتخذ من الوحل أسلوب حياة معه ؟
ولأنها لم تعتد اتخاذ مواقف قوية أمام اعتذار أحدهم ، ولأنها أحيانًا تحزن على امتلاكها قلبًا عفوًا متسامحًا ومتغاضيًا عن أخطائه في حقها لذا كان قرارها هو القبول ، أومأت له بملامح حزينة وعينين لامعتين يختبئ خلفهما فيضانًا من الدمـ.ـو.ع أقسمت ألا ينهار سدهما أمامه أبدًا لذا رسمت ابتسامة تميزت بها وأردفت تتصيد استغلالًا لنفسها متذكرة كلمـ.ـا.ت يسرا :
– تمام يا كمال هكلم دينا تيجي تاخدهم دلوقتي ، بس ليا عندك طلب .
وضع كفيه على بعضهما ووقف يطالعها بعيون ضيقة وترقب فتابعت بتـ.ـو.تر :
– هنزل بليل أنا ويسرا نشتري شوية طلبات ، هنروح المول وبالمرة اشتري حاجات الحضانة لمالك .
– مـ.ـا.تجبيش بقى حجتك في حاجات الحضانة ، قولي إن صحبتك عايزاكي تخرجي معاها وخلاص .
نطقها بنبرة متجهمة ومتباهية بذكائه في كشفها لتومئ له مسترسلة :
– تمام بس فعلًا كنت هشتري حاجات مالك بالمرة ، ومش هتأخر .
رفع يده يملس على وجنتها وقد قرر القبول كثمنٍ لما يريد أن يحصل عليه وابتسم يقترب منها حد الالتصاق يسترسل برغبة وهمس :
– خلاص موافق بس يالا ابعتي لاختك تيجي تاخد العيال ، جايبلك حاجة أول ماشفتها اتخيلتك فيها ، شوفتيها ولا لاء ؟
قطبت جبيتها ثم تذكرت أمر الكيس الذي رأته هنا منذ قليل وأدخلته الغرفة دون شغف لرؤيته لذا نطقت متذكرة :
– أه قصدك الشنطة اللي كانت هنا؟ لا لسة ماشفتهاش .
غمزها وقال بمغزى وقح يشعرها بالصد الذي يحاوط قلبها ومشاعرها عنه :
– طب يالا خلصي وتعالي ، ومـ.ـا.ت عـ.ـر.فيش أمي إني جيت خالص .
أومأت له وتركته يتجه نحو غرفته ، دومًا ما تخبره عند عودته إلى المنزل أن يتجه أولًا ليغتسل من أثر العمل ولكنه لا يهتم برغم أنه مهووس بالترتيب ونظافة المكان من حوله ليصبح بعد كل هذه السنوات مجهولًا بالنسبة لها لا تستطيع تفسير شخصيته التي تحمل عجائب وغرائب الصفات . (بقلم آية العربي)
تنفست بقوة ثم اتجهت لتهاتف شقيقتها كي تطلب منها أن تأتي لتأخذ الصغار كما يريد .
❈-❈-❈
جلست علياء تفرك كفيها وتطرق رأسها بصمتٍ بعدما لاحظت ملامح وداد المتجهمة ، كعادتها لا تفضل التعامل معها .
كان أمجد يتحدث مع وائل شقيقه ويسأله عن النظام الجديد في العمل خاصةً وإنه قد أصبح متقاعدًا وقد انـ.ـد.مج معهما مهاب .
بين الفينة والأخرى كان وائل يسعل ويتنفس بقوة بعدما أصيب بوعكة صحية ولكن حالته ليست سيئة لذا كانوا يصمتون قليلًا كي لا يتعب أكثر .
وحينما عم الصمت لثوانٍ قطعته وداد وهي تنظر في عين علياء ونطقت بنبرة استفزازية متعمدة :
– شوفتو آخر بوست ثائر ناشره ؟
تنبهت حواس علياء لذا رفعت رأسها تنظر في عين وداد نظرة ثاقبة ليتذكر وائل ذلك المنشور الذي عرضته زوجته عليه منذ بضع ساعات لذا تابع بنبرة مستنكرة وهو ينظر لشقيقه :
– لا زودها أوي ، مش لدرجة إن يتريق علينا ، أنا مش قادر أصدق إن ده ابن أخويا وابن عيلة ذو الفقار ، أنا أسف يا أمجد بس بقيت بستعر منه .
زفر أمجد بضيق وعلم أن الرد سيأتي من جواره حيث اندفعت علياء تجيب بنبرة ثابتة وهي تنظر إلى وجه وداد :
– وإنتِ ليه مهتمة بمنشورات ثائر يا وداد ؟ مش بتستعرو منه يبقى الأفضل تعملوله بلوك وتبعدو عنه .
تجهمت ملامح وداد فوق تجهمها وجابهتها باستفزاز خبيث :
– ده اللي حصل فعلًا ، بس قرايبنا بيبعتولي منشوراته خصوصًا إنه دايمًا بيتعمد يثير الجدل ، بيقولولي شوفي قريبك بيقول إيه .
نهضت علياء تقف وتحمل حقيبتها وتحدثت بمشاعر الغضب التي أفرزتها غريزتها الأمومية :
– رأيه وهو حر فيه ، واللي مش عاجبه كلامه يعديه يا وداد ، وشكرًا على المقابلة اللطيفة دي يا مهاب ، وسلامتك يا سيادة المستشار ، عن اذنكو .
اندفعت تغادر ليقف أمجد يتبعها بقلة حيلة وهو يعلم جيدًا أن هذا ما سيحدث عنـ.ـد.ما يتعلق الأمر بثائر .
أما مهاب نهض خلفها ليحاول تهدئتها والاعتذار منها بينما نظر وائل لزوجته بحيرة لا يعلم أيعاتبها أم يشتكي لها اندفاع علياء ولكنه بكل تأكيد يدعمها في حديثها عن ثائر .
❈-❈-❈
كلما جلست في المنزل بمفردها هبت عليها رياح الذكريات من كل حدبٍ وصوب لتشعر بالوحدة الداخلية والفراغ العاطفي الذي لن يملؤه رجلًا آخر ، لقد أحبته حتى فاض الحب حبًا وكان الجميع يضـ.ـر.ب بحبهما المثل ولكن ما فعله بعد سنوات صبرها ودعمها ومساندتها له هو الزواج عليها بأخرى ، مكافئة عظيمة أودت بها في جوف الأرض وتركتها كالصحراء القاحلة لا سبيل ولا مياه ولا ظل .
وقفت في مطبخها تجلي الصحون وتفكر في الذكريات التي قضتها معه قبل أن يتبدل ويصبح أنانيًا مستبدًا ، لا تعلم أكان هكذا من قبل وقد أعماها حبه عن رؤية ظلامه أم أن هذه طباع جديدة اكتسبها من الأيام .
تتذكر لقبها الذي كان يناديها به ( سلطانة ) لا يناديها باسمها قط إلا حينما يكون غاضبًا ، ابتسمت وهي تتذكر مغازلته لها ، وتألمت حينما هجمت على عقلها فكرة تغزله بالأخرى بنفس الطريقة ، إلى الآن النار والآه في صدرها لم تنطفئ ، تزوج وعاش حياته وتركها تعيش مدمرة على بقايا ذكريات لم تزدها إلا دمارًا .
رنين هاتفها أخرجها من هذه الأفكار لتحمد ربها عليه لذا جففت يدها سريعًا واتجهت تلتقطه لتجيب ولكنها جحظت ودبت الرعشة فيها حينما وجدته هو ، تحفظ رقمه عن ظهر قلب ولكن … لِم يهاتفها ؟
ظلت متجمدة تنظر لشاشة هاتفها غير مستوعبة أنه هو ، يتصل بها ، إن ضغطت على هذا الزر ستسمع صوته .
من صدمتها وقفت مذهولة حتى انتهى الرنين ولكنه لم يتوقف بل أعاد الكرة مرة أخرى ولكن تلك المرة استقبلتها بصدمة أقل لذا مدت يدها المتيبسة تفتح الخط وترفعه إلى أذنها تترقب السمع فتحدث هو أولًا بنبرة هادئة :
– ألو ؟
لم تجبه سريعًا بل نطقت بعد ثوانٍ :
– أيوة ، مين ؟
ادعت عدم معرفته ولكنه علم جيدًا أنها عرفته ، يعلم أنها ضعيفة أمام سطوة أفعاله لذا تابع بنبرة مسترخية :
– أزيك يا منال ، عاملة إيه ؟
– إنت مين ؟
نطقتها بصوتٍ منزعج تخفي به كل ما مر على عقلها منذ قليل ليشعر بالضيق من نبرتها ويجيب بزفرة عبرت عن ضيقه :
– أنا محسن يا منال ، عاملة إيه ؟
تمالكت نفسها بصعوبة ولكنها فعلت ، تلك الغريمة القابعة داخلها والتي تريد الثأر لكرامتها فعلت لذا أجابته بجمود :
– وإنت مالك ، وبتتصل بيا ليه ؟
شعر بالضيق والغضب ولكنه غلفهما بنبرة هادئة كي يحصل على مبتغاه :
– مش أول مرة اكلمك بس إنتِ مش بتردي عليا ، كذا مرة حاولت ولما لقيتك مش عايزة تردي قلت خلاص .
ترقبت نبرته وأدركت أن هذه المكالمة خلفها مغزى آخر لذا تساءلت دون مراوغة :
– خير عايز إيه ؟
حاول أن يتلاعب على وتر مشاعرها تجاهه لذا نطق بعبثية خبيثة :
– بطمن عليكِ وعلى الأولاد ، أنا بكلم ديما اطمن عليها وقلت اطمن عليكو انتو كمان .
– لا اطمن ومالوش لزوم تشغل نفسك بينا ، خليك في حياتك بعيد عننا .
استشف من جوابها التجاوب حتى لو لم تُظهِر لذا ابتسم وتابع وهو يعتدل في جلسته في محله التجاري :
– مهو انتو جزء من حياتي بردو يا منال ، ولآخر لحظة أنا كنت متمسك بيكي لولا قضية الطـ.ـلا.ق اللي رفعتيها .
ابتسمت بألم وسـ.ـخرية ونطقت لتنهي هذا الجدال العقيم :
– مـ.ـا.تقول يا محسن عايز إيه وخلصني !
تحمحم وتابع بترقب ليبصق ما في جوفه وليحدث ما يحدث :
– طول عمرك بتفهميني ، بس المرة دي بجد فيه موضوع كدة كنت هكلم داغر فيه بس جبته حجة علشان اسمع صوتك ، ع العموم كنت محتاج من داغر ٥٠ ألف جنيه سلف وهردهمله علطول ، بس لو تكلميه إنتِ كدة وتجسي ميته .
ها هو يسدل الستار عن حقارته المرئية بوضوح للجميع ، لذا لم تحتمل ما سمعته وبصقت الكلمـ.ـا.ت باندفاع :
– دا إنت راجـ.ـل ماعندكش ريحة الدم ، داغر مين اللي يسلفك ؟ بأمارة إيه أصلًا ، روح ياخويا دور على حد من حبايبك واستلف منه ولا من أهل حرمك المصون .
أغلقت الخط في وجهه وجلست تسبه بهمس وتسب تلك الغريمة الخائبة التي تختبئ الآن في جوفها خوفًا من الظهور أمام طوفان غضبها .
ظلت تتنفس بصخب إلا أنهت سمعت صوت الباب يفتح ويندفع منه الصغيرين اللذان أتيا مع دينا ، ركضا نحوها يرددان بسعادة :
– تيتاااااااا .
انحنت تلتقفهما وتعانقهما بتعجب وترحب بهما بعدما تركت ما حدث جانبًا لتعتدل وتنظر نحو دينا التي ارتمت على الأريكة في الصالة فسألتها :
– أولاد اختك جايين منين ؟
تعجبها هذا نابع من عدم رؤيتها لهما باستمرار لذا أجابتها دينا وهي تفرد ظهرها وتستريح :
– من بيتهم يا ماما ديما كلمتني وأنا في الورشة مع داغر وطلبت مني أروح أجيبهم يقعدوا معانا شوية .
ابتسمت لهما بفرحة الجدة المعهودة ثم تحدثت وهي تحتضنهما وتقبلهما :
– وحشتوني أوي ، داغر هيفرح أوي لما يشوفكم .
❈-❈-❈
وقفت أمام مرآتها تنظر لهيأتها بشرود ، ملامحها بهتت قليلًا برغم انتفاخ أوداجها ، ولكن عينيها تحمل حكايات جميعها تصنف ضمن قسم المعاناة .
ارتدت ما جاء به ، قميصًا قصيرًا بتفصيلة تعجبه هو ، نثرت من العطر ذو الرائحة النفاذة الذي يعجبه هو .
وقفت تتأمل نفسها وتنتظر مجيئه بجسدٍ مستنكر أفعالها ، اضطر للذهاب إلى والدته التي كانت تصرخ باسمه حتى وصل صوتها إلى الجيران .
جاء من عندها بعدما نامت ليكور فمه ويزفر بقوة كأنه بذل مجهودًا مضاعفًا ولكن رسم على ملامحه الانبهار وأطلق صافرة وهو يتطلع عليها ويغلق باب غرفتهما قائلًا بتباهٍ يمدح نفسه :
– اوووووو ، كنت متأكد إن اللون ده هيطلع تحفة عليكِ ، اختياراتي دايمًا صح ، بس تخنتي شويتين .
وقفت تبتلع لعابها وهو يقترب منها حتى التصق بها وحاوطها بذراعه ينحني نحو رقبتها ويشمها مستمتعًا ومتمتمًا يكمل تباهيه بنفسه :
– البرفان ريحته تحفة ، لا بجد تسلم إيدي .
أبعدته عنها قليلًا تنظر له بضيق ولم تحتمل استهتاره بلقائهما لذا قالت :
– كمال ممكن تدخل تستحمى وتغير هدومك دي الأول ؟
نظر لهيأته فوجدها محقة ، هو لم يبدل ثياب عمله منذ أن عاد وتلك النقطة تحديدًا يبغضها في نفسه خاصةً حينما تذكره هي بها لذا أومأ وتجهمت ملامحه يقول بتبرير كاذب بعدما ابتعد :
– أنا كنت رايح فعلًا استحمى بس لما شوفتك نسيت نفسي ، هروح وراجعلك .
فتح الباب واتجه نحو الحمام فالتفتت تنظر مجددًا نحو المرآة وتلك المرة تستكشف نفسها وتتساءل هل حقًا زاد وزنها ؟ أومأت حينما وجدت انتفاخًا أكثر من المعتاد ظاهرًا عند بطنها لذا تنهدت بضيق ورفعت نظرها تحدق بنفسها وتقول بنبرة تشجيعية :
– ده جوزك يا ديما ، بلاش شعور الخـ.ـنـ.ـقة والنفور ده ، مهما كان ده جوزك .
❈-❈-❈
أثار فضولها في تلك المدة البسيطة التي جلست تحدق بها في طريقته وأداءه وحديثه مع الصبية .
انتهى ونهض يمسح يده في قطعة قماش قطنية معبأة الشحوم والزيوت واتجه إليها يقول بأثر ابتسامة علقت على شفتيه :
– كله تمام يا آنسة والعربية بتاعتك ولا كإن حصل فيها أي حاجة .
نهضت ثم فتحت حقيبتها ومدت يدها تنتشل عملات ورقية بعددٍ معين ثم مدتهم إليه ورفعت نظرها تطالعه قائلة بامتنان وابتسامة هادئة :
– شكرًا يا باش مهندس اتفضل .
نظر للنقود في يدها ثم رفع نظره يحدق في عينيها ولأول مرة يُمعن النظر فيهما لتأخذه عينيها إلى مسرح الحكايات التي تخفيها لذا تـ.ـو.ترت نظرتها سريعًا وأخفضتها وحركت يدها مسترسلة :
– اتفضل ده حقك ، إنت تعبت فيها وكمان علشان خاطر الشباب اللي تعبو معاك .
تحمحم ولف بجذعه ينظر للصبية ويتساءل بغمزة من عينيه فهمو مغزاها :
– انتو تعبتو يا شباب ؟
– لا يا هندسة مافيش أي تعب .
قالها ثلاثتهم ليلتفت لها ويتابع بنبرة مرحة :
– بيقولوا لاء أهو أومال فيه إيه بقى ؟
نظرت له بثبات فاسترسل بنبرة جدية لا تقبل نقاش :
– عيني الفلوس يا آنسة محدش هنا تعب ، وبعدين اعتبرينا بنجر رجل الزبون لورشتنا تاني ، بس المرة الجاية هنتعب أنا والشباب .
ابتسمت على مقصده وعادت تضع النقود في حقيبتها وأردفت بملامح مشرقة :
– تمام يا باش مهندس ، يبقى تتعوض ، وميرسي على اللي عملته .
– قصدك الخبطة ولا تصليحها ؟
نطقها بمشاكسة غير متعمدة ولكن رؤيته لابتسامتها الساطعة جعلته يشاكسها ليراها تبتسم ولكنها ارتدت قناع الجدية وتحدثت بثبات أحبطه :
– الاتنين .
– احنا في الخدمة .
نطقها بجدية مماثلة فهو لم يعتد التنازل عن مثقال ذرة من كرامته لتودعه برتابة وتتجه تستقل سيارتها وتغادر بهدوء ولكنها ودت لو تعيش هنا في هذا المكان وبين هذه الأسرة التي استشعرت الدفء بها .
زفر بقوة والتفت ينظر للصبية ويتحدث وهو يستعد لمغادرة الورشة :
– تعالى معايا يا بلية يالا علشان ابعت معاك الغدا .
أسرع بلية يركض خلفه ويتجهان نحو منزله القابع في آخر الشارع ليأتي بالطعام له ولزميليه والآخر يخطو معه يفكر في هذه الآنسة وما قصتها .
❈-❈-❈
مكوثها في مطعم عام أمام زوجها وأولادها لم يشفع لهم لتترك هاتفها ، لقد جاء بها إلى هنا كي يتناولوا وجبة الغداء كأسرة ولكنها كالعادة تلتهي بهذا الجهاز عنهم . ( بقلم آية العربي )
قضم أحمد قطعة اللحم المعلقة في شوكته ثم اعتدل يلوكها ويطالعها بضيق إلى أن ابتلعها ثم تحدث باعتراض :
– مش تسيبي الموبايل بقى وتاكلي .
لم تعطِ أهمية لحديثه بل استلت حديثًا أكثر أهمية بالنسبة لها وهي تقول وعينيها منكبة على الهاتف :
– شوفت ثائر أخوك كاتب إيه ؟
قلب وجه للجهة الأخرى وتعكر صفوه مستغفرًا ثم نظر لولديه اللذان يتناولان وجبتهما بصمت فعاد إليها يقول من بين أسنانه بضيق :
– إيه اللي يخليكي تدخلي على أكونت ثائر يا سها ؟
هزت كتفيها بلا مبالاة وتحدثت بنبرة اعتيادية :
– مادخلتش هو ظهر قدامي لإني I follow him .
تعجب من نبرتها العادية ليردف بانزعاج :
– ومن امتى إن شاء الله ؟ ما انتِ علطول مش طيقاه ؟
زفرت بتجهم ووضعت الهاتف على الطاولة بعنف ثم تابعت وهي تطالع زوجها وتبدأ بإمساك الشوكة والسكين :
– دايمًا تسيب المواضيع المهمة وتمسك في الحاجات التافهة ، المفروض تنتبه للي اخوك بينزله لإنه ممكن يضرنا .
بدهاء تميزت به استطاعت إعطاءه سببًا أقنعه ليتساءل بترقب :
– يضرنا ؟
تمسكت بالشوكة بين أصبعيها ورفعتها نحو فمها وتحدثت قبل أن تأكلها بابتسامة لعوب :
– طبعًا ، إنت هنا مدير شركة معروفة واسمك معروف وأكيد واضح جدًا إن أخوك يبقى هو نفسه الكاتب الفرنسي ثائر ذو الفقار المعروف واللي معظم مقالاته مثيرة للجدل ضد العرب .
وضعت قطعة اللحم في فمها تلوكها وتركته يصارع أفكاره ، دومًا هكذا تنأى بنفسها من بحر الشكوك وتتركه يواجه عواصف الصراعات مفرده .
بالطبع ليس كارهًا لأخيه ولكنه يحمل له الاستنكار والغضب مما فعله منذ سنوات ومما مستمر هو في فعله ، خاصةً وإنه يلاحظ جيدًا في أي جهة تميل مشاعر والديه وتؤكد له سها ملاحظته لذا قرر الابتعاد عن أي شيء يخص ثائر بعدما كان هو الأقرب له على الإطـ.ـلا.ق ، والآخر لم يعترض ولا يسعَ للتقرب من أخيه .
❈-❈-❈
حل المساء
تقود يسرا سيارتها بسعادة استحوذت عليها وهي تتحدث مع طفلا ديما التي تجاورها بابتسامة والأخرى تتساءل بملامح منفرجة ضاحكة :
– ها يا ولاد تحبو تروحو فين ؟
– الملاهي .
نطقها مالك لتنطقها رؤية مقلدة شقيقها فأومأت يسرا تجيب بانتعاش :
– حالًا .
تحدثت ديما بسعادة ظاهرية بعدما ألقت بأحزانها داخل منزلها قبل أن تخرج :
– خالتو يسرا هتعملنا كل اللي احنا عازينه ، عاوزين نستغلها أسوء استغلال .
ضحكت يسرا على صديقتها وأجابتها وعينيها على الطريق :
– على قلبي زي العسل .
زفرت ديما ثم استرسلت بجدية :
– لاء بصي بجد بقى خلينا نروح المول الأول نشتري طلباتك وبعدين لو فيه وقت نبقى نوديهم الملاهي أنا معايا ساعتين بس .
أردفت يسرا مطمئنة :
– أصلًا الملاهي في المول نفسه يعني اطمني خالص وأوعدك مش هنتأخر .
أومأت ديما باطمئنان وقادت يسرا مسرعة حتى تصلا إلى المول وتقضي مع صديقتها وطفليها بعض الوقت السعيد .
❈-❈-❈
ليالي بـ.ـاريس عُرفت بسحرها ورومانسيتها ، يضـ.ـر.ب بها المثل بين العشاق متلألأة كأن الشمس مدعوة لديها على حفلة عشاء .
ولكنه كلما حل الليل لا يشعر سوى بالظلام ، بالوحدة ، بالسكون الذي يتوغل صخب أفكاره لذا فهو اعتاد ممارسة الملاكمة ليلًا كي يدوس على وحش النـ.ـد.م الذي يراوده أحيانًا نسبةً للضريبة القاسية التي مازال يدفعها .
ترجل من سيارته بعدما صفها جوار بيته يخطو بخطواتٍ هادئة تنافي عينيه التي تسلطت على تلك السيارة التي تنتظره أمام باب منزله مباشرةً .
كور فمه يزفر بقوة وضيق ثم اتجه نحوها ووقف يخترق الزجاج بنظراته ليجد مارتينا تحمل في يدها زجاجة نبيذ تتجرع منها وتشير بإصبعها محذرة كأنها تتحدث مع أحدهم .
بئس الأمر الذي وضعه في تلك الحالة التي جعلته يطرق على الزجاج فانتبهت له لتبتسم وتفتح الباب فابتعد حينما ترجلت تتمايل بثمالة قائلة وهي تلقي بنفسها عليه باكية :
– لِمَ تأخرت ؟ انتظرك هنا منذ وقت طويل ، حتى أنني قمت بفتح هذه الزجاجة وشربت منها وأنا التي أحضرتها لنشرب سويًا ، ولكن لا تقلق بقى فيها القليل .
كانت تتحدث وهي تلوح بالزجاجة التي تتمسك بها ليحاول إيقافها ويقول بانزعاج واضح :
– لمَ أنتِ هنا في هذا الوقت مارتينا ؟ وما هذه الحالة ؟
تعلقت به كالعلكة الملتصقة فلم يستطع إبعادها وهي تجيبه بحروفٍ مبعثرة :
– تعاركنا أنا وأبي وقام بطردي وكل هذا بسببك أنت ، هو يريدني أن أبتعد عنك وأنا جن جنوني عنـ.ـد.ما تفوه بها ، كدت أن أضـ.ـر.به .
اعتصر عينيه ثم استطرد بهدوء أقرب للبرود :
– حسنًا هيا لأوصلكِ .
قالها وهو يحاول إزاحتها لتبتعد عنه بالفعل ولكنها اتجهت نحو باب منزله والتصقت به تردف برفضٍ قاطع :
– لا لن أعود إليه ، هيا افتح هذا الباب سأنام معك الليلة .
حدق بها بنظراتٍ جليدية ثم تحرك إليها حتى توقف أمامها واسترسل :
– وماذا عن معاذ ؟ كيف سيظل هناك بدونكِ .
ضحكت وهزت كتفيها وأجابته وهى تشير بزجاجة المشروب :
– حتى هو لا يهتم بي ، أخبرته أن يأتي معي ولكنه رفض ، هيا أرجوك ثائر أنا متعبة والصداع يكاد أن يفجر رأسي .
لأول مرة يعطي ردة فعل ويزفر وتعتلي ملامحه الضيق وهو يدس يده يلتقط المفتاح من جيبه ثم اتجه يفتح بابه لتندفع إلى الداخل حتى كادت أن تسقط لولا سنده لها لذا تعلقت به فتحرك بها حتى وصل إلى الأريكة يمددها عليها فارتدت فانحنى يلتقط منها زجاجة المشروب ويضعها على الطاولة المجاورة واعتدل يطالعها وهي تميل على الأريكة وعلى ما يبدو ستغفو .
تركها واتجه عائدًا للخارج يغلق سيارتها ثم دلف وأغلق باب منزله وتحرك نحو خزانته يلتقط ملابس نظيفة ويخطو نحو الحمام ليغتسل من أثر التعرق الناتج عن الملاكمة .
❈-❈-❈
ضحكات صغيريها كانت دواء سريع المفعول لها وليسرا أيضًا ، حينما كانتا تقفان تطالعان الصغيران اللذان يقفزان على لعبة الترمبولين بسعادة وقهقهات عالية تسببت في عدم سماعها لهاتفها القابع في حقيبتها .
انتهى رنين الهاتف وانتهى دور الجولة وخرج الصغار من اللعبة يلهثان ويضحكان ويسرا تشاركهما الضحكات وتتمسك بكفيهما قائلة بسعادة نُقشت على ملامحها :
– ديما تعالي نشتري كتب من المعرض ده .
نظرت حيث تشير يسرا برأسها فوجدت معرضًا للكتاب مزدحمًا بالقراء الذين يقتنون الكتب لذا تحمست وابتسمت تجيبها وهي تتمسك بمالك وتخطو معهم :
– تمام يالا بينا .
دخلوا المعرض وبدأت كلٍ منهما تبحث عن كتابٍ تقتنيه ، ديما تفضل القصص الرومانسية وقصص الغموض وكتب علم النفس لذا تحركت نحو الركن المخصص لما تريده وأخذت صغيرها مالك في يدها بينما ظلت رؤية مع يسرا في الجهة الأخرى من ركن كتب الجريمة والأكشن والفانتازيا .
دارت بعينيها تبحث عن كتابٍ يرضي فضولها بين مجموعة كتب لا تعد ولا تحصى للتتوقف فجأة أمام ركنٍ جمع عدة كتب كتب عليها اسم ثائر ذو الفقار .
شهقت بصدمة ولم تصدق أنها ستجد كتبه هنا لذا مدت يدها تنتشل كتابًا بعنوان ( ما لم نسعَ لمعرفته )
أومأت حينما أدركت أن هذا الكتاب هو الذي يهاجم فيه المرأة العربية والمسلمة على وجه الخصوص لذا وضعته مكانه بملامح منزعجة لتلاحظ كتابًا آخرًا باسمه عنوانه لفت انتباهها وجعلها تقف أمامه تحاول إدراكه ولكنها فشلت ، بغلافٍ عبـ.ـارة عن بحرٍ ثائرٍ وبخطٍ أسودٍ عريض كتب ( بحرٌ ثائر ) .
تناولته تتأمله قليلًا ثم فتحت الغلاف الخارجي لتجد جملة كتبت بالفرنسية في نصف الصفحة الأولى البيضاء :
( écrit Il ne sait pas depuis Son adresse , écrit On dirait la mer Si tu veux Le connaissant Il devrait sur toi Plongée Dedans)
( كتابي لا يُعرف من عنوانه ، كتابي يشبه البحر إن أردت معرفته يجب عليك الغوص فيه )
رفعت حاجبيها بدهشة ثم قررت اقتناء هذا الكتاب تحديدًا لتعلم ما يحتويه لذا أخذته وتحركت مع صغيرها لتدفع ثمنه وتنادي على يسرا .
بعد دقيقتين خرجوا من المعرض وفتحت ديما حقيبتها لتضع الكتاب به ثم تحدثت وهي تلتقط هاتفها :
– يالا يا يسرا نجيب بقية حاجتنا قبل ما الساعتين يخلصوا .
كانت تنظر في الساعة ولكن اتسعت عينيها حينما وجدت ثلاث مكالمـ.ـا.ت فائتة من زوجها لتقول بتـ.ـو.ترٍ وقلقٍ ملحوظ :
– يا خبر أبيض كمال رن تلت مرات وماسمعتش الموبايل .
حاولت يسرا تهدئتها قائلة بتريث :
– طيب اهدي وكلميه ممكن عايزك في حاجة .
قالتها والحزن ينهشها لحالة التـ.ـو.تر والزعر الذي ظهرت فجأة على ديما التي تعيد الاتصال بزوجها لجيب صارخًا بصوتٍ وصل إلى يسرا والصغار برغم أنها لم تشغل مكبر الصوت :
– إنتِ فــــــــــــــــــــــــين ؟
انتفضت من نبرته ولكنها أجابته بهدوء ينافي نبض قلبها :
– مانت عارف أنا فين يا كمال فيه إيه ؟
كانت والدته تصرخ في الغرفة المجاورة لهذا كان في أوج لحظات غضبه وهو يصـ.ـر.خ فيها عبر الهاتف قائلًا :
– بصي في موبايلك وإنتِ ت عـ.ـر.في ، حالًا تبقي قدامي ، على الله تتأخري يا ديما ، على الله .
مهما ادعت قوتها فهي هشة أمام نوبات جنونه لذا بعدما أغلق نظرت إلى يسرا واسترسلت بترجٍ وحرج وملامحها تتلون بالخوف :
– معلش يا يسرا مش هعرف أكمل معاكي أنا لازم أمشي حالًا ، مامت كمال بتصرخ وهو متعصب جدًا .
تمسكت بكفي صغارها وتحركت مسرعة لتلحق يسرا بها وتردف بحزن :
– استني هوصلك مـ.ـا.تقلقيش .
❈-❈-❈
ديما
أفعل كل مايعجبه هو ولايعجبني أنا
ورغم هذا لا يعجبه
ولا أنا في الحقيقة يعجبني
هنيئا له وصال الجسد
أما وصال الروح فليحلم به
أصلا هذا النوع من الوصال لا يغريه
في داخلي أعرف أني لست له
أنا لإنسان في خيالي يقدر روحي
وفي واقعي هو نصف روحي....
ويظل على قلبي غريبا 💔
ويظل قلبي يحن لمن يكون له حبيبا ♥

( بقلم فيروزة)

❈-❈-❈

عن مشاعر من كانت تتنعم بدلال أبويها وتتقلب في نعيم حنانهما وتتشرب الأمان حد الظمأ لتستقيظ فجأة على فاجعة قلبت حياتها رأسًا على عقب حتى باتت تتمنى الموت وتتبعهما .

سنواتها مرت كأنها حلمًا رائعًا لم ترَ فيه سوى الجنة ولم تسمع سوى صوت ضحكاتها لتستيقظ على واقع فقدهما ومعاملة عمها وزوجته البـ.ـاردة .

هجمت عليها المآسي والأحزان خاصة بعد توبيخه لها اليوم ، كانت تعلم يقينًا أنه علم بشأن ذهابها مع غريب إلى مكان شعبي ، لم تبالِ بردة فعله ولم تهتم خاصةً وأنها لم تخطئ ولكنه بالَغ للحد الذي جعلها تقف متصنمة لم تستطع الرد عليه برغم أنها قادرة على الرد .

وقْع كلمـ.ـا.ته عليها ذكرها بيتمها ووحدتها واحتياجها للأهل وللأسف قد فات أوان اتخاذ قرار صارم والمكوث في منزل خاص بها ، هي أضعف من اتخاذ هكذا قرار .
1

أزاحت الدمعة التي سقطت من عينيها على صورة والديها التي تمسك بها ثم رفعتها تقبلها مطولًا وتعتصر عينيها لتسقط الدمـ.ـو.ع مجددًا على الصورة التي كادت أن تنطق أو هكذا تمنت  ، ليتهما يحدثانها حتى لو من خلال صورة ، تريد أن تلقي بنفسها داخل أحضانهما فلم تعد تحتمل ، ليتها سمعت كلام والدها حينما كان يتقدم لطلبها الكثير ولكنها رفضت وصممت على عدم رغبتها في الزواج آنذاك .

أما الآن فهي ترغب بالزواج ، ترغب برجلٍ يحمل طباع والدها ، لا ترغب بطامع أو قاسٍ أو مستغلٍ ولا تعلم كيف تميز بينهم فهي فقدت قدرتها على تحديد نوايا البشر بعدما رأت حقيقة عمها وزوجته .

طرقات على باب غرفتها جعلتها تسرع في إخفاء صورة والديها وتجفيف دمـ.ـو.عها ولملمة شتات نفسها قبل أن تسمح للطارق بالدخول .

دلف ماجد يطالعها بترقب ويتقدم مبتسمًا يقول بنبرة لينة :

- بتعيطي صح ؟ مافيش داعي تخفي دمـ.ـو.عك عني ، بابا حكالي على اللي حصل .
+

ابتسامة ساخرة صدرت منها ثم زفرت وأفسحت له المجال كي يجاورها .

ماجد يعد شقيقًا لها ومعينًا لها على هذه الأيام وتلك المعاملة من والديه ، دومًا كان هو الطرف الأكثر تفهمًا وحنانًا عليها خاصةً وأنه منذ أن وطأت قدميها فيلا عمها للعيش فيها أخبرها أنها بالنسبة له شقيقة له وسيعمل دومًا على حمايتها ومساندتها ومع ذلك يصر عمها وزوجته على إقناعها بالارتباط به .

جلس ماجد أمامها يتطلع على ملامحها بشرود ثم تابع بنبرته الرخيمة :

- تصرفات بابا أوفر شوية بس صدقيني نابعة من خوفه عليكي

- ماجد لو سمحت مـ.ـا.تحاولش تقنعني .

قالتها بجدية وثبات ليتنهد مشيحًا بوجهه عنها ثم أطرق رأسه وشبك كفيه يسترسل موضحًا :

- طيب تحبي اقولك إنه بيكرهك ومش هامه أي حاجة متعلقة بيكي ؟ أنا بحترم ذكائك جدًا وعارف إنك فاهمة وجهة نظره .

تلاعب بحيل الإقناع فطالعته بتمعن تستشف مقصده ليتابع وهو يحدق بها :

- يمكن لو كنتِ كلمتيه وشرحتيله اللي حصل معاكي ماكنش زعل منك ، هو حاسس إنك متجاهلة وجوده دايمًا .

شعرت أن به شيئًا غريبًا قد طرأ عليه فلم يعد هو المتفهم لحالتها بل اتخذ موضع الدفاع والتبرير لوالده لذا احتدت ملامحها وهي تجيبه بنبرة مضغوطة :

- واكلمه ليه وهو عارف كل تحركاتي وبتوصله أول بأول ؟  باباك متعمد يحطني دايمًا جوة دايرة الاتهام وإنت عارف كدة يا ماجد ولو فعلًا يهمك مشاعري مـ.ـا.تحاولش تبرر اللي عمله .

زفر بقوة وصمت لثوانٍ ثم عاد يطالعها وتساءل بنبرة لطيفة :

- طيب ممكن تحكيلي إيه اللي حصل معاكي ؟  أنا لا براقبك ولا عارف تحركاتك ولا فهمت حاجة من كلام بابا لإنه كان متعصب ، ممكن تحكيلي إنتِ  ؟ وده علشان أنا فعلًا حابب اعرف الموضوع مش لأي سبب تاني .

هذه هي طريقته التي تحبها لذا انسحبت بأفكارها إلى داغر وما حدث لتبدأ بإخبـ.ـاره مردفة :

- أبدًا فيه عربية دخلت في عربيتي في الإشارة بدون قصد ولما نزلت لقيته شاب ومعاه أخته ، اعتذر مني وصمم يصلح لي العربية بنفسه لإنه مهندس ميكانيكا وعنده ورشة وأنا وافقت وروحت معاه لحد الحارة بتاعتهم وفعلًا صلح لي العربية ورجعت علطول .

أومأ وتوزعت على ملامحه براعم التفهم والتزم الصمت لثوانٍ ثم مد يده يمسك بكفيها بين كفيه ويسترسل موضحًا :

- طيب يا بسمة أنا فاهم كويس وجهة نظرك بس لازم ت عـ.ـر.في إن مش أي حد نثق فيه ، إنتِ شخصية معروفة ، شابة جميلة ومثقفة وغنية ولازم تاخدي بالك كويس من اللي حواليكي خصوصًا المواقف اللي بتحصل على شكل صدف وهي ممكن تكون غير كدة .

وجدها تحدق به بتعجب بعدما سحبت يديها من بين كفيه فهي لا تحب لمساته حتى لو كانت بدافع الود والأخوة ، شعر بذلك لذا تابع بتروٍ :

- إحنا أكيد مش هنفترض سوء النية بس لازم تاخدي بالك كويس ، الزمن ده صعب وبلاش تثقي في أي حد خصوصًا لو كانوا ناس من طبقة شعبية ، الناس دي معظمهم بيكون عندهم عقدة ضد أي حد غني وممكن يخططوا كويس جدًا علشان يوقعوه ، كل المطلوب منك تاخدي بالك كويس جدًا .

نهض بعدها ثم انحنى دون ملاحظتها وقبل رأسها لتشعر بالضيق والحرج ولكنه ابتعد يطالعها مبتسمًا واسترسل قبل أن يغادر :

- تصبحي على خير ، ومش عايز ألمح دمـ.ـو.عك تاني ، المرة الجاية لو لمحتك بتعيطي هتتعاقبي .

ابتسمت بتكلف وأومأت له مردفة :

- شكرًا يا ماجد .

- العفو .

قالها وتحرك يغادر وأغلق الباب وجلست هي تستعيد كلمـ.ـا.ته داخل عقلها ، تفكر وتتصيد ما حدث جيدًا ، هل يمكن ألا تكون صدفة وأن ما حدث مدبرًا من هذا المهندس ليوقع بها ؟

نفضت رأسها برفضٍ وهمست تقنع عقلها :

- لا يا بسمة مـ.ـا.تخليش حد يشكك في مشاعرك ، لو كان كدة كنتِ حسيتي أكيد .

صمتت لبرهة ثم تابعت كأنها شخصان :

- بس بردو لازم تاخدي بالك كويس .

❈-❈-❈

عاد داغر من عمله ليلًا ودلف منزله يلقي السلام على منال التي تجلس تشاهد التلفاز وتجاورها دينا تتصفح هاتفها .

اتجه للحمام يغسل يديه ثم عاد يرتد على الأريكة ويزفر بتعب ثم مد يده يصفع دينا على مؤخرة رأسها باستفزاز جعلها تنزعج وتتأوه تاركة هاتفها جانبًا تتحسس رأسها ليقول بنبرة مشاكسة :

- شوفتي أخوكي داخل البيت تعبان قوم إجري عليه استقبليه وهتيله ماية بملح يحط رجله فيها .

تجهمت ملامحها وقهقهت بسخرية تجيبه :

- لا ياشيخ ؟ وهو أنا كنت خلفتك ونسيتك ؟

نظرت لها منال بعيون محذرة ونطقت :

- دينا اتكلمي مع أخوكي كويس عيب كدة .

شعرت أنها تمادت معه ولكنه دومًا يدللها ويستفزها في آنٍ واحد لذا فهي تتخذه أبًا وأخًا وصديقًا ، زفرت بقوة تدلك رأسها مكان صفعته واسترسلت :

- مهو لو يبطل يضـ.ـر.ب بإيده اللي زي المرزبة دي ، هيجيلي ارتجاج بسببه .

تملكه الحنين الذي جعله يمد يده نحوها ويتحسس رأسها قائلًا بنبرة خشنة مبطنة بالحنان :

- لا متخافيش راسك مافيش أنشف منها ، لو حصل ارتجاج هيبقى لإيدي أنا .

تنافت نبرته مع لمسته التي أحبتها لذا نهضت تردف بحمحمة تداري بها رضوخها لطلبه :

- دمك خفيف موت ، أنا هروح أجيب الميه بملح بس إنت اللي تدعك رجلك يا حبيبي مش مراتك أنا .

تحركت نحو المطبخ وهى تتمتم بحنق :

- مـ.ـا.تروح تتجوز يا أخي بدل ما انت تاعبني معاك كدة .

ابتسم عليها وفرد ظهره على الأريكة يغمض عينيه قليلًا بتعب ، طالعته منال وهي تفكر أتخبره بمكالمة طليقها لها أم لا ، وكالعادة هجمت عليها التناقضات وظلت تطالعه ليستشعر نظراتها لذا تساءل دون أن يبصر :

- قولي يا ماما فيه إيه ؟

تعجبت وتـ.ـو.ترت في آنٍ واحد فهو كالعادة يشعر بها وبصمتها وبنظراتها لذا قررت أن تصارحه فهي لم تعتد إخفاء شيء عنه لذا تحدثت بقلقٍ تفشى بها :

- هقولك يا داغر بس اوعدني تسمعني من غير عصبية .

حينما يغضب داغر يتحول ، فكما يقولون اتقي شر الحليم إذا غضب لذا فهي تخشى غضبه ليطمئنها قائلًا بعدما فتح عينيه والتف يطالعها :

- طيب ماشي قولي .

تنهدت بقوة ثم استرسلت وعينيها تبحر في عينيه :

- أبوك كلمني النهاردة .

معركة قتالية جنونية قامت داخله ، ثوران رمال ذكرياته مع اشتعال نيران عجزه وسط سهام انتقامه كونت حربًا دامية داخله لم يظهر منها شيئًا سوى بروز عروق وجهه ويده وعينيه التي تشبحت بالاحمرار وهي تتابع مسرعة بعدما رأت حالته :

- ماكنتش هرد عليه بس هو مابطلش رن أتاريه عايز فلوس سلف منك ، بس أنا ماسكتلوش يا داغر .

جاءت دينا تحمل ماجورًا بلاستيكيًا به ماءً وملحًا وقد استمعت إلى الجزء الأخير من حديث والدتها وشعرت أنها تتحدث عن والدها وكادت أن تحتد ولكن انتفاضة داغر من مكانه كانت قوية لدرجة أنها أوقعت ماجور الماء أرضًا وتراجعت  للوراء تنظر بصدمة للماء قبل أن تنتبه لحركة شقيقها واندفاعه نحو الباب ومنال تلحق به وتصرخ :

- لاء يا داغر استني رايح فــــــــــــــين .

أزاحها واندفع يغادر لتلحق به دينا نحو الدرج وكذلك منال ولكن دينا كانت أسرع منها حيث وصلت إليه قبل أن يندفع للشارع ووقفت أمامه عند مدخل البيت تطالعه بدمـ.ـو.ع وتوسل مسترسلة :

- داغر مـ.ـا.تروحلوش يا داغر علشان خاطري ، مايستاهلش .

لم يكن يراها بل استمرت المعركة المقامة داخله ورمال الذكريات تحجب عينيه عن رؤية أحد لذا أزاحها بقسوة وتحرك يغادر ويغلق الباب خلفه لتبقى دينا تصرخ باسمه ومنال تبكي نـ.ـد.مًا لاعنة نفسها على مصارحته .

التفتت دينا تنظر لوالدتها بغضب وبصقت الكلمـ.ـا.ت بهمجية نابعة من خوفها على شقيقها :

- لو جراله حاجة هتبقي إنتِ السبب ومش هسامحك أبدًا ، هتفضلي إنسانة ضعيفة طول عمرك بسبب واحد أناني مابيهموش غير نفسه وبس .

قالتها وتحركت تصعد للمنزل ببكاء وهي لا تعلم بمن تستنجد ليلحق بشقيقها ، كادت أن تهاتف كمال زوج ديما ولكنها تعلمه جيدًا ، سيشمت بهم لا محالة لذا باتت تدعو الله أن يمر الأمر بسلام .

❈-❈-❈

خرج من حمامه يرتدي بنطالا وتي شيرت بدون أكمام والمنشفة على كتفه ، وقف يحدق بها وهي ترتمي بإهمال على الأريكة ورأسها متدلي وخصلاتها مبعثرة على وجهها من أثر الشرب .

تمتمت بكلمـ.ـا.ت لا يميزها ، نزع المنشفة عن كتفه يليقها جانبًا فظهر وشمه الذي يحتل جزءًا من صدره وذراعه ومنكبه الأيسر ، ذلك الوشم الذي مر عليه أكثر من عشر سنوات حينما ترجته أن يرسم صورتها على يساره ليثبت لها حبه واضطر لرسمه في ذكرى عيد ميلادها ليفاجئها به ولتتأكد من حبه هي ووالدها الذي دومًا يكرهه نسبةً لأصله ، وبرغم أن هذا أقل الاختبـ.ـارات التي تعرض لها إلا أن وقعه عليه أقوى من غيره بكثير .
1

ولكنها لم تكن مفاجأة سارة بالنسبة لمارتينا حينما رأته ، لقد طلبت منه صورتها هي وليست تلك المرأة التي تختبئ خلف وشاح لا يظهر منها سوى بعض الخصلات وعينين تحملان نظرة لا تشبه نظرتها قط ، نظرة لا تفهمها بدت كوطنٍ دافء يحمل مزيجًا من الحزن والحنان والاحتياج لمواطنيه .
1

استطاع إقحامها في نوبة مشاعر آنذاك سيطرت على اعتراضها على رسمته وبالفعل رضخت مستسلمة خاصةً وأنه فعلها من أجلها .

خرج من أفكاره على ندائها عليه فاتجه نحوها يردف بثبات جعله كجبل جليد :

- مارتينا هيا انهضي واغسلي وجهكِ ريثما أعد لكِ قهوة ، يجب أن تغادري الآن .

تحاملت تحاول النهوض تحت أنظاره ثم ألقت بنفسها عليه تضحك بصخب ويديها تتحسسه قائلة بتخبط :

- اشتقت لك ثائر ، دعنا نقضي ليلة رائعة ، ألم تشتَق لي؟

برغم سكرها إلا أنها كانت تلعب على غريزته الرجولية التي تعلم جيدًا أنها دومًا تتجاوب معها ، تلمست تلك النقطة الرجولية فيه وها هي تتلاعب على أوتارها ولكن .. إن استطاعت غريزته الرجولية إذابة جليده لن تفلح مع ذكائه الذي عُرف به لذا أبعدها عنه يردف بهدوء ويده تملس على خصلاتها :

- نحن انفصلنا مارتينا ، يجب أن تتذكري هذا دومًا ، وتعلمين جيدًا أنني لن أمارس معكِ علاقة غير شرعية .

- لنتزوج مجددًا ، أرجوك ثائر أنا لم أعد أحتمل بدونك .

أجلسها مجددًا نسبةً لترنحها وسحب مقعدًا يجلس عليه بشكلٍ معاكس ويطالعها مردفًا بغموض :

- كُنا مارتينا ، كنا متزوجين ولكنكِ اخطأتِ معي كثيرًا ، ليس من السهل نسيان ما حدث منكِ ومن والدكِ في حقي .
1

مدت يدها تتحسس ملامحه وبعيون نصف مغلقة ووجهٍ مائل تابعت وهي تشعر بحاجة ملحة للنوم بعدما بات رأسها يدور بصخب :

- ألن تسامحني أبدًا  ؟  لأجل الحب الذي أحببته لك ، أو ليكن من أجل معاذ .

لم يرد صفع باب الأمل أمام سطوة مشاعرها لذا تابع وهو ينهض نحو ركن القهوة ليحضر لها كوبًا منها :

- دعي النسيان يأخذ مجراه يا مارتينا ، مازال أمامنا الكثير من الوقت .

زفرت بيأس وأملٍ في آن واحدٍ لذا مالت مجددًا لتغفو على الأريكة إلى أن يأتي بالقهوة .

❈-❈-❈

إياك واتهامي
إياك واحتقاري
إياك وظلمي
إياك والاستهانة بقوتي
فالكل مثالي ما لم يختبر  .  ( بقلم آية العربي )

دست المفتاح في فوهة الباب تديره ونبضات قلبها تكاد أن تخترق السمع نسبةً لتـ.ـو.ترها ، فتحت الباب ودلفت تتمسك بصغيريها وتترقب القادم بشق الأنفس ، استمعت إلى بكاء حمـ.ـا.تها لذا انحنت على صغاريها تهمس لهما بقلق :

- ادخلوا أوضتكوا واقفلوا عليكوا ومـ.ـا.تطلعوش منها غير لما اندهلكم .

استشعر مالك الصغير خوف أمه لذا قال بغريزة دفاعية وهو يتمسك بها :

- لاء يا ماما أنا هقف معاكِ علشان بابا مايزعقلكيش .

قبلت يده بحنان وابتسمت حتى انفرجت ملامحها تجيبه :

- يا مالك يا أسد ، اسمع الكلام وخد اختك وادخلوا يالا ومـ.ـا.تقلقش أنا وبابا هنتكلم ولو زعق بردو مـ.ـا.تطلعش .

أطاعها الصغير وتمسك بشقيقته ودلف غرفتهما يغلق الباب خلفه فاعتدلت تبحث بعينيها عن زوجها وتسمع بكاء حمـ.ـا.تها الناحب ليتأرجح ضميرها  .

لا تعلم هل تذهب إليها أولًا أم تراه  ؟ ليأخذها خوفها نحو غرفتها لتراه أولًا ولتتحدث معه .

دلفت غرفتها لتجده يستند على الفراش يُدخن بشراهة وملامح وجهه لا تبشر بخير ، خطت نحوه حتى جلست أمامه وتحدثت متسائلة بهدوء :

- فيه إيه بس يا كمال ؟ إيه اللي حصل وليه ماما بتعيط ؟

نظر لها والغضب يتفجر في عينيه وعلى ملامحه  ، ليتجاهل ما تفوهت به ويتساءل بهدوء سابق للعواصف :

- موبايلك فين ؟

نظرت لحقيبتها ثم دست يدها تخرج منها الهاتف وتناوله إياه بنية صافية مردفة :

- أهو .

نزعه منها بقسوة أجفلتها ولم تفق سوى على ارتطام الهاتف بعنف في الحائط المقابل له ليسقط أرضًا متهشمًا إلى قطع كبيرة متناثرة .

انكبت عينيها على الهاتف المتهشم الذي لم يكن سوى قلبها ، الهاتف بالنسبة لها هو المتنفس الوحيد عما يعتليها في هذا المنزل ، ليس مجرد آلة ترفيهية وإنما اتخذته بعد أولادها كمعالج نفسي يجعلها على تواصل بالآخرين برغم أنها لم تشتكِ يومًا ، هذا الهاتف الذي تحطم والذي يمكن بسهولة إصلاحه أو استبداله بآخر كان الجدار الفاصل بين صمتها وثورتها لذا التفتت تطالعه بعيون انفجرت بهما قنابل غضبها وبنبرة اندفاعية محطمة أردفت جاحظة :

- لـــــــــيه ؟  ليه كدة ؟  بتعمل ليــــــــــــه كدة ؟  بتعمل معايا ليــــــــــــــه كدة .

انتفضت من مكانها بعدما غزى الأدرينالين جسدها وباتت تردف بهستيرية نتجت عن كسر الهاتف وكسر خاطرها جعلته يطالعها بذهول :

- بتعمل معايا لـــــــيه كدة أنا عملتلك إيه ؟  أسأت لك في إيه ؟ قصرت معاك في إيه ؟ عايز تجنني صح  ؟ إنت قاصد تحطمني ، قلت ساعتين ولسة ماكملتهمش ، خدمة وذل وإهانة وقهر ومعايرة وتكبر ومتحملة كل ده منك وساكتة ، فهمني بتعمل معايا كدة ليـــــــــــه ؟  بتدي لنفسك الحق تقل مني وتتحكم فيا زي المحكوم عليها حكم مؤبد ليـــــــه ؟  هو أنا مش مراتك ؟ أم أولادك ؟ شريكة حياتك ؟ أي مسمى من اللي بسمعه ليه دايمًا محسسني إني ولا حاجة ؟ ليـــــــــــــــه انطق .
1

صوتها ونبرتها وهيأتها ودمـ.ـو.عها التي تآمرت عليها قيدوه عن الحديث ، حتى أن حمـ.ـا.تها لم تعد تبكِ بعدما سمعت صراخها ، الهدوء عم المكان وكأن ضوضاء العالم كله لبت دعوتها داخلها في هذه اللحظة .
1

كان ينظر لها بصمتٍ وعجز عن قول شيء وكأن الخوف من اندفاعها قيده لينهض ينتزع قميصه من علاقة الملابس ويرتديه بعنف أظهره كي يحافظ على مكانته النرجسية ثم اندفع بعدها يغادر ويصفع الباب خلفه بقوة رجت الجدران ولم تهتز بها شعرة واحدة ، اعتادت على حدته ولم تعتد الجدران بعد .

ارتمت بعدها على الفراش تضع رأسها بين كفيها وتبكي وهي التي كانت قد حرمت البكاء على نفسها ولكنها كانت بحاجة لهذه الثورة وإلا ستتجلط الدماء في أوردتها وهذا ما باتت تلاحظه مؤخرًا حينما تغتسل ، تلك البقع المتجلطة توزعت على ساقيها بشكلٍ ملحوظ ومع ذلك صامدة تواجه الدنيا بضحكة يجزم من يراها أن هذه المرأة لم ترَ في حياتها شقاءً قط .

لا تعلم هل أصيب بالوهن أم أنها قوية لتتحمل كل هذا أم أنها منكسرة من تحطيمه المستمر لها أم أنها مذنبة في حق طفليها ونفسها  ،  لم تعد تعلم أي شيء سوى أنها مستنزفة  .

❈-❈-❈

اندفع داخل محل والده يتجه إلى المكتب فلاحظه لذا أسرع ينهض ويتجه نحو العامل المساعد يستنجد به حينما هجم داغر عليه يقول بصوت جهوري :

- بترن على أمي ليــــــــــــــــــه ؟

حاول العامل تهدئة الأجواء بينما تحدث محسن بتـ.ـو.تر من هيئة ابنه :

- إنت بتعمل كدة ليه ؟  في حد يكلم أبوه كدة ؟

جن جنون داغر أكثر وتحدث وهو يحاول إبعاد العامل من أمام محسن الذي اختبأ خلفه :

- أيوة أنا ابن عاق ، أنا وأمي ناس مافيش فينا خير ، ابعد عننا بالتي هي أحسن واوعى مرة تانية تفكر بس مجرد تفكير ترن عليها ، إنت فــــــــــاهم ؟

لوح بيده يردف بعدما لاحظ تراجع داغر :

- خلاص ياخويا بالراحة على نفسك ، يا خسارة تعبي فيكوا .

قالها محسن وهو يطرق رأسه ويتجه لمكتبه بعدما تأكد من تراجع داغر ليطالعه الآخر بغضب وكره ويبصق الكلمـ.ـا.ت مسترسلًا :

- الظاهر كدة فلوسك حـ.ـر.ام لا نفعت معانا ولا نافعة معاك دلوقتي ، بس مـ.ـا.تقلقش قريب أوي هييجي يوم وتشحت واوعدك مليم واحد مش هتاخده مننا يا محسن يا صابر .

زفر وتحرك يغادر ثم توقف حينما وجد زوجته تخطو للداخل وتتساءل وهي تطالع داغر بكرهٍ وغضب :

- فيه إيه وإيه اللي جايبك هنا ؟ رجلك دي مـ.ـا.تخطيش عتبة المحل انت فاهم ؟  يالا برا .

لم تبالِ بزوجها بل أنها استمدت التبجح والكره لهم منه لذا لم يحرك محسن ساكنًا بل أنه شعر بحقه يسترد عن طريقها لذا وقف يردف بتعالٍ يحتمي بها بعدما تقدمت منه :

- سمعت يالا ؟  برا يالا ورجلك مـ.ـا.تخطيش هنا تاني  .

سكين صدأ غُرز مجددًا في قلبه وبرغم من أنه يدرك أن غضبه يعد نوعًا من أنواع العقوق إلا أنه أيضًا على قناعة بعقوق الأهل لأبناءهم  .

برع في تمثيل اللا مبالاة لذا التفت يطالعهما بنظراتٍ استفزازية ونطق مجددًا بنبرة ذات مغزى خبيثة :

- وانت احسنلك مـ.ـا.ترنش على أمي تاني وتكلمها .
1

اندفع بعدها يغادر وترك خلفه حربًا تندلع منها نحوه وهي تطالعه بجنون وتردف والنيران تندفع من نبرتها :

- نعم نعم نعم ؟ رنيت على مين سمعني كدة ؟

تلعثم محسن وانكمش جلده ليقول أمام العامل الذي هز رأسه برفضٍ لما يحدث :

- كنت عايزها تكلمه على ال ٥٠ ألف جنيه اللي محتاجينهم ، هو أنا يعني مكلمها احب فيها؟ اهدي يا فتحية ووحدي الله بس .

لم ولن تهدأ ولكنها أردفت بإيماءة متوعدة :

- حسابنا بعدين ، مش دلوقتي ، ابن عمي جاي دلوقتي وجايب الفلوس وبعد ما كان هيسلفك على ضمانتي أنا هخليه يمضيك على وصل أمانة علشان تبقى تكلم الهانم ، ولسة اصبر عليا يا محسن إن ما وريتك .

تجهمت ملامحه ومع ذلك لم يستطع الاعتراض بل بات يسب ابنه داغر بخفوت بعدما تسبب له في هذه الفوضى التي لم يحسب لها حسابًا حينما هاتف طليقته  .

❈-❈-❈

نجح كعادته في انتشال غضبها ، يعلم أنها تهالكت من الحزن على فراق ولديها وخاصةً ثائر لذا فهو يتفهم جيدًا حالتها ويعلم أيضًا نوايا زوجة شقيقه .

يتمدد على الفراش ويحتويها ويفكر بشرود في الماضي والحاضر ، كيف يسعدها ؟  يده تجوب على كتفها يهدهدها كطفلة صغيرة بينما هي بدأت تغفو ورأسها على صدره .

تحبه حبًا جمًا ولولا وجوده معها لكانت أصيبت بالجنون منذ زمن بكل تأكيد ، دومًا معينًا يبسط لها الحياة برغم صعوبة العيش بدون الغوالي .

تحدث بترقب متسائلًا :

- نمتِ يا علياء ؟

تمتمت بخفوت وهي على وشك النوم ليتابع بحب وليونة :

- تحبي احكيلك قصة ؟

التوت شفتيها بابتسامة استطاع بها ترحيل العبوس عن وجهها وأجابته بنبرة هامسة :

- هترجعني طفلة تاني يا أمجد ؟

مال يقبل مقدمة رأسها وغزى بأصابعه خصلاتها يدلكها برفق ويسترسل بعاطفة :

- أي حاجة تبسطك وبايدي اعملهالك مش هتأخر ، إنتِ بس شاوري .

تنهدت بقوة وخطر على عقلها شيئًا واحدًا فقط وهو رؤية ثائر ولكنها تعلم جوابه جيدًا لذا باتت تتجنب الحديث عن هذا بعدما لاحظت صمته وتحول المناقشة إلى صراع ، أردفت بنبرة ناعسة وهي تحتضن خصره بذراعها :

- خليني انام في حـ.ـضـ.ـنك ، هو ده اللي هيبسطني حاليًا .

حاوطها واحتواها لتنام كما ترغب ولتشعر بالدفء الذي يحاول بثه فيها عل قلبها يستكين قليلًا .

❈-❈-❈

ليلًا .

أسوأ ما يمكن أن يفعله الرجل في زوجته هو الرحيل ، سواءً كان رحيلًا بالجسد أو بالمشاعر ، كلاهما مدمرًا لأي علاقة .
المرأة تريد الاحتواء ، حتى في خضم جنونها وانفعالاتها تكره أن تتركها ، حينما تخبرك بالابتعاد اعلم أنها تريد عناقًا ، وحينما تجبرك على الصمت اعلم أنها تريدك أن تتحدث بما يطمئنها ، هي هكذا تناقض نفسها لتصطاد حبًا متعطشة لتذوقه .
1

جلست على فراشها تهاجمها الأفكار من كل حدبٍ وصوب ، انتهت من مهامها كالعادة ولم يشفع حزنها للمهام أن تنتظر ، نام صغارها ونامت حمـ.ـا.تها وجلست تناجي سكون الليل ووحشته .

تنظر للجهة المجاورة من الفراش وتبتسم بألم ، هل كثيرًا عليها أن تحظى برجلٍ ينام هنا ويحتويها بين ذراعيه ؟  أكثيرًا عليها أن تجد نفسًا دافئًا يلفح جسدها الذي غلفه الصقيع بقسوته ، أليس من حقها أن تسمع كلمة شكرًا على كوب قهوة تقدمه ؟ 

ابتسمت وكأنها ترى هذا الرجل الذي تتخيله ، تراه يحدثها عن عمله ويتحدث معها عن طفليهما ، أغمضت عينيها بعمق لتستشعر لمسة من يده على جسدها وهو يربت عليها بحنان ، مالت برأسها وهى تتخيله يطرب أذنيها بكلمة امتنان ... ثم ... أبصرت على سراب ووحدة ، سكونًا مرعـ.ـبًِا يتبعه وحشًا خبيثًا يتوغل عقلها ولكنها دومًا تنتصر عليه .

لذا تبدلت أفكارها سريعًا تتذكر الكتاب الذي اقتنته من المكتبة لذا نهضت من الفراش تتجه نحو حقيبتها وتنتشل منها الكتاب ثم عادت أدراجها تتمدد على الفراش ومدت يدها تخفض الإضاءة ثم تنهدت بقوة تستعد لقراءته وليكن هذا أنيسها هذه الليلة .

بعد المقدمة التي رأتها ذكية لتجعلها تبحر في هذا البحر الثائر ولترى ما بداخله .

❈-❈-❈

جرعة السعادة التي ارتشفتها من لقائها بديما وصغيريها جعلتها متحمسة لرؤية حبيبها ، بل أنها استعدت لاستقباله بأبهى صورة يمكن أن يراها عليها .

فبرغم أن كمال كسر عود استمتاعهما إلا أنها قررت أن تفرح حبيبها دياب ، فاليوم موعد تبديل دوريته وسيعود بعد قليل فلتكن بانتظاره .

جهزت طاولة عشاء رائعة المظهر ومنمقة الترتيب ، بشموعٍ ارستقراطية ذات روائح منعشة زينت الأجواء وجلست تنتظره .

يستحق أن تهديه سعادة فهو لم يهدها سواها ، تعلم أنها أحيانًا تظهر حزنها وعدم تقبلها للحقيقة الواقعة في حياتهما وهذا الشيء خارج عن إرادتها ومع ذلك هو لا يكل ولا يمل من احتوائها أبدًا بل يحول حزنه إلى مراضاة لها .

انتبهت على صوته حينما فتح باب الشقة ودلف ينادي باسمها بنبرة مميزة :

- يسرا ؟

نادته من غرفتهما تجيب بنبرة تحمل الحب على متنها :

- أنا هنا يا حبيبي  .

تحرك نحو الغرفة وهو يستنشق الرائحة التي جعلت نبضاته تعلو وتعلو حتى باتت تعزف لحنًا من السعادة حينما رآها تطالعه بابتسامة لونت ليلته مردفة :

- حمدالله على السلامة ، إيه رأيك ؟

ألقى حقيبته ونزع سترته يلقيها جانبًا وفك ربطة عنقه وهو يتقدم منها حتى توقف أمامها ينظر لها فقط ويداه ارتفعت تحاوط خصرها ويسترسل بحشرجة وحماس :

- رأيي في إيه ولا في إيه ؟  عيونك ولا ضحكتك ولا رقتك ولا ريحتك ولا جمالك ؟  كل حاجة منهم محتاجة حكاية لوحدها .

ابتسمت وتوردت بسعادة من وقع كلمـ.ـا.ته ورفعت كفيها تضعهما على كتفه متسائلة بدلال :

- بجد ولا بتجاملني ؟ 

- بصي في عنيا وانتِ ت عـ.ـر.في .

قالها بثقة وصدق لتحدق فيه قليلًا ثم أطرقت رأسها تضعها على صدره قائلة وهي تتعلق به :

- عارفة طبعًا ، وحـ.ـشـ.ـتني أوي يا دياب ، قلت أجهزلك سهرة حلوة النهاردة .

احتواها بسكينة وحزمة من المشاعر الجياشة تفشت داخله وهو يردف :

- أحلى سهرة في الدنيا ، كفاية إنها معاكِ .

قبلته على صدغه ثم ابتعدت عنه قائلة بنبرة مدللة :

- طب يالا أدخل اغسل ايديك علشان تدوق الأكل اللي عملته .

- حالًا .

قالها وتحرك مسرعًا نحو الحمام ليعود سريعًا ووقفت تتطلع على أثره براحة ، ممتنة كثيرًا لصديقتها ديما وطفليها ، تلك الصديقة القادرة على تبديل حزنها دون أن تدري ، وصغيريها اللذان يضخان ألوان الربيع في قلبها المشبح بالحزن دون أن ينتبها ، تدعو الله أن يرزق ديما سعادة مضاعفة تفوق تلك السعادة التي توزعها على الجميع ولم تترك لها نصيبًا منها .
1

❈-❈-❈

في التاسعة صباحًا..

أبصرت تفتح عينيها تترقب السمع فقد هُيّءَ لها أنها سمعت جرس الباب ، ارتفعت قليلًا تشعر بتخدر وجنتها لتجد أنها غفت أمس على الصفحة رقم ( ٢١ ) من كتاب بحر ثائر والتي دون في منتصفها نصيحة راقت لها كثيرًا وأثارت إعجابها بهذا الشخص الغريب ، لقد ساورها الشك بأن هذا الكتاب  لنفس الشخص الذي ينشر منشورات مثيرة للجدل على موقع انستجرام .

فالكتاب عبـ.ـارة عن بحر بحق ، بل أنه متاهة تدخلها ولا تستطيع الخروج منها بسهولة ، غامض غريب مثير للتعجب .

تلك النصيحة التي دونها جاءت لتربت على مأساتها قليلًا  ، حيث دوّن بالفرنسية

( إن أردت التعبير عن غضبك الداخلي تظاهر بالبرود وانتظر قليلًا ... ثم ... كسّر كأسًا واِدّعِ وقوعها بالخطأ ، أو كسّر جسدًا واِدّعِ أنك تمارس الملاكمة ، ثم انعزل ليلًا في غرفتك حينما يظن الجميع أنك ستغفو وضع قلمك بين أصبعيك وخط في دفترك كل ما تشعر به دون أن يشعر بك أحد )
1

انتفضت حينما عاد الرنين يمحو نعاسها لتتأكد أن أحدهم يرن بالفعل لذا نهضت واتجهت ترتدي مئزرها ثم تحركت صوب الباب ومالت تتساءل بترقب :

- مين ؟

- أنا داغر يا ديما .

انشرح قلبها من سماع صوت شقيقها وفتحت الباب تطالعه بعيون تشتكِ وشفاهٍ متناقضة تبتسم مردفة :

- تعالي يا حبيبي ادخل .

طالعها بتفحص يحاول استكشاف ما بها ثم تساءل بنبرة قلقة :

- برن عليكي من بليل موبايلك مقفول ، إنتِ كويسة ؟

تذكرت أمر هاتفها وأخفت ملامح الانزعاج بسهولة تقول بوجهٍ بشوش :

- أيوة يا حبيبي بخير تعالى ادخل ، كنت خارجة أنا ويسرا والموبايل وقت مني واتكسر .

نظر لها بعدم تصديق ونطق بما شغل عقله :

- عمل فيكي حاجة يا ديما ؟

- كمال ؟  لا طبعًا .

نطقتها باستنكار كاذب يمكنها أن تبرع فيه أمام أي أحد عاداهُ هو لذا زفر بضيق وتحدث بنفاذ صبر :

- عمل فيكي إيه يا ديما ؟ 

مسحت على وجهها تستغفر ثم أبعدت كفيها تطالعه بهدوء واسترسلت بتروٍ :

- مافيش يا داغر ولو فيه حاجة ياما بيحصل في البيوت يا حبيبي وصدقني لو احتجت مساعدتك هتلاقيني مكلماك علطول ، وبعدين إنت عارف إن كمال من وقت تعب مامته وهو متغير مع الكل ، أدخل بقى تعالى ، هعمل فطار ونفطر سوا .

لا يعلم أيضحك أم يحزن على هذه الجميلة ، أتخدعه بكلمـ.ـا.تها ؟  ألا يعلم من هو كمال وما هي طباعه التي ترعرع عليها ؟

دس يده في جيبه يخرج هاتفه ثم فتحه سريعًا ونزع شريحة الاتصال منه وناولها إياها يسترسل بصرامة :

- خدي خلي ده معاكي .

اتسعت عينيها وهي تعيده إليه مردفة برفضٍ صارم :

- لاء طبعًا هاخد موبايلك ؟  الموبايل معايا أهو هصلحه مـ.ـا.تقلقش ، أدخل بقى .

لن يدخل بالطبع ولكنه أعاد إليها الهاتف وتبدلت ملامحه للجدية المطلقة التي تعلمها جيدًا وأردف بنبرة لا تحتمل الاعتراض :

- خلي الموبايل معاكي يا ديما ومش عايز كلام كتير ، أنا هروح اشتري واحد دلوقتي وانتِ انقلي شريحتك هنا وابقي رني عليا لو فيه أي حاجة .

تنهدت بقوة تنظر له نظرة امتنان تعادل الدنيا ، شقيقها وسندها الذي تشـ.ـدد به أزرها وتخشى عليه من نفسه وغضبه لذا اومأت وهي تتمسك بالهاتف وتردف بنبرة حنان خاصة به :

- طيب حاضر ، مش هتدخل بردو ؟

- معلش علشان الورشة ، يالا سلام وابقي هاتي العيال وتعالي هستناكي .

أومأت له تودعه بعدما تحرك يغادر وتركها تطالع أثره بشرود ثم أغلقت الباب ودلفت تفعل ما قاله لها .

❈-❈-❈

لم تكن المرة الأولى التي ينام فيها هنا ، بل أنه اعتاد أن يعاقبها بالهجر في الفراش فكان يصعد عند والدته ينام في الشقة العلوية لعدة أيام ولكن بعد مرض والدته ومكوثها معهما في نفس الشقة وجد أنه لن يكون عقابًا قاسيًا إن صعد ونام في الأعلى لذا قرر أن يأتي للنوم هنا في المحل التجاري الخاص به وليتركها تواجه سوء أفعالها  .

هذه المرة الثانية التي يفعلها فهنا يبيع مستلزمـ.ـا.ت العرسان لتجهيز بيت الزوجية  .

لم يأتِ العمال الذين يعملون معه بعد لذا نهض يزفر بضيق شاعرًا بالجوع ليسب ويلعن تلك البريئة من ذنبه .

سمع طرقات على باب المحل الزجاجي فتعجب واتجه ليرى من جاء الآن ظنًا منه أنهما العمال برغم أنهم يملكون المفاتيح ولكنه حينما وصل تفاجأ بسيدة شابة على قدرٍ من الجمال تلوح له .

اتجه يفتح الباب ويطالعها بترقب فتحدثت بأريحية :

- صباح الخير ، أنا لقيت الباب اللي برا مرفوع قلت أكيد فاتحين .

لم يزل تعجبه ولكنه تحدث بنبرة هادئة متسائلًا :

- صباح النور ، اتفضلي خير ؟

نظرت زينة إلى المكان من حولها ثم استقرت عند عينيه واسترسلت بنبرة مترقبة :

- طب ممكن أدخل ونتكلم جوة ؟

صمت لبرهة ثم أومأ وأفسح لها المجال فدلفت تتلفت يمينًا ويسارًا ثم اتجهت نحو المكتب بعدما لاحظت انكماشًا فوق أحد الأسرة المعروضة لتبتسم بخبث ثم جلست واتجه كمال يجلس خلف مكتبه متسائلًا :

- اتفضلي أقدر أساعدك إزاي ؟

تنهدت زينة بعمق ثم رسمت ملامح الأسف والحزن على وجهها واسترسلت :

- بص هو بصراحة أنا اتجوزت شهرين وماحصلش نصيب ، وأهلي كانوا شاريين جهازي من عندك هنا وأنا دلوقتي مش محتاجاه ، فلو ينفع يعني تشتريه بالتمن اللي إنت عايزه ومـ.ـا.تقلقش الحاجة كلها لسة زي ماهي متقفلة بكياسها كمان .

تمتلك في نبرتها وطريقتها وسيلة جذب تجذب أمثاله لذا ابتسم وأومأ يردف بهدوء:

- طيب خليني أبص بصة على الحاجة ولو زي ما بتقولي كدة اشتريها مافيش مانع .

تسلطت عليه بعينيها لثوانٍ ثم ابتسمت تلف وجهها نحو السرير المعروض لتعود إليه وتردف بجرأة فاجأته :

- هو إنت كنت نايم هنا ولا إيه ؟
صدقا لا أعرف لماذا تقتحم خيالي....
رغم المسافات....
بيننا ما لا يفهمه الجميع
ليس الورد في الباقات
ولا الهدايا ولا اللقاءات
بيننا ما لا يفهمه الجميع
بيننا خيط من الكلمـ.ـا.ت
فيعجبني ذاك الغضب من حروفي في حروفك...
وتحيرني جسارة اختبأت من واقع حياة
وظهرت في كلمـ.ـا.تك في حروف من خيال

بقلم فيروزة ❤

❈-❈-❈

عادةً ما يكون النوم العميق من نصيب العقول الراقية والخالية ، التي لا يشغلها شيئًا والتي تخلو من الأحداث .
ولكن أحيانًا يتخذ الإنسان من النوم مهربًا من الحزن والضيق والألم والوحدة ولكنها خدعة ، احذر جيدًا فالنوم ليس مهربًا بل هو اجتماع مغلق بين عقلك الباطن وأفكارك والخاسر في كلتا الحالتين هو أنت ، عليك أن تستيقظ وتواجه أو تثور وإلا سيأتي يومًا ولا تستيقظ أبدًا .

لم يوقظها رنين هاتفه العالي ، لم تهتز بها خصلة حينما نهض من فراشه ليجيب على الاتصال .

ولكنها أبصرت حينما اخترق أذنها صوته وهو يجيب بنبرة متحشرجة :

- صباح الخير آنسة إلوا .

قالها وهو يتحرك نحو المطبخ ويستمع لحديث إلوا ويجيبها بهدوء ولكن هناك عينان لن تهدآ بعد الآن .

المكر الذي تُزين به ملامحها حينما تقف أمامه تبدل بملامح قاتمة عدائية لا ترحب قط بأي زائرة تدخل حياته .

نهضت تمسك برأسها حينما راودها الدوار ولكنها تحاملت واتجهت تجلس على الأريكة الموضوعة أمام المطبخ ، تطالعه وهو يعد الفطور بعدما أغلق المكالمة وعقلها يدور في فلك مظلم انتقامي لذا لم تحتمل أكثر وتساءلت دون مراوغة :

- ماذا تريد منك تلك المدعوة إلوا ؟

- لقاءً صحفيًا .

بثبات متناهٍ أجابها وهو يواليها ظهره لتظل نظراتها مصوبة عليه وعضلاته تهتزر نظرًا لتقطيعه للخضروات .

استكملت استجوابها :

- وهل ستذهب !

التفت بجذعه يطالعها بترقب ثم أجابها باستفهام :

- ما رأيك ؟

عاد يتابع عمله ونهضت تتجه إليه ثم وقفت خلفه ثم مدت يديها تعانقه من خصره وتضع رأسها على ظهره العريض مردفة بنعومة أفعوانية :
- يمكنني أن أقوم أنا به ، أو يمكنني بسهولة أن أحضر لك مجموعة صحفيين هنا ، قم بالإشارة فقط .

التفت لها فابتعدت عنه تطالعه وهو يحدق بها ويكمل عنها :

- ولكن ابتعد عن إلوا ، تلك الصحفية العشرينية التي تريد مقابلتي لأنني كاتبها المفضل ، أليس كذلك ؟

- دائمًا تفهمني .

قالتها وهي تتحسس وشمه بأصابعها وكأنها تريد إزالته ، لا تحب أبدًا النظر في عيون هذه المرأة الملثمة .

- توقفي مارتينا .

توقفت عن لمس وشمه وأطرقت ذراعها بإحباط تقول باستفاضة وتجهم :

- تعلم أنني لا أحبه ثائر .

- أنا لا أتحدث عن الوشم ، أتحدث عن تحكمكِ في حياتي ، أعلم جيدًا العواقب التي ستطول تلك الفتاة المسكينة لأنها فقط أعجبت بكتاباتي ، تبالغين كثيرًا وهذا ما يزيد الحواجز بيني وبينك .

استولت عليها نوبة جنون هستيرية وهي تصرخ في وجهه باندفاع :

- أتريدني أن أتركك تتعرف على إحداهن وتعجب بها وتواعدها ؟ هل أنا معتوهة أمامك لأجلس في الزاوية أبكي وأنت تمرح مع النساء ؟ هل تظنني غـ.ـبـ.ـية لأترك شيئًا يعود لي ولن يكون يومًا لغيري ؟

مد يده يتلمس خصلاتها فهدأت على الفور كحية سامة ناداها مروضَا محترفًا ليتابع بنبرة تحمل في طياتها تهديدًا غير مباشر وهو يردف بثبات وثقة :

- أنا ثائر مـ.ـا.ترينا ، ثائر ذو الفقار ، لست شيئًا يعود لكِ ، أنا ملك نفسي فقط ، فهمتِ ؟

أغمضت عينيها إثر لمسته ونبرته ثم أبصرت وتحدثت بضعفٍ توغلها :

- أنت تعلم أنني أحبك كثيرًا وأغار كثيرًا ، لِم تفعل بي هذا ؟ هل أنحني وأقبل قدمك لنعود ؟ أنا مستعدة لفعلها .

شرد لثوانٍ يطالعها ثم استرسل بغموض :

- وأنا لست مستعدًا لأي شيء الآن سوى اللقاء الصحفي مع إلوا ، ومن بعدها يمكنني التفكير في عرضك ، لذا إياكِ وأذيتها مارتينا .

عاد يلتفت ويحضر الشطائر والقهوة وتركها تطالعه بنظرة جمعت مكر العالم ، هل تهديده سيجعلها ترضخ لدخول أنثى أخرى في حياته ، خاصةً لو كانت معجبة به وبكتاباته ؟

لقد دلف حياتها ليجعلها تجن أكثر ، غموضه وهيبته والهالة المحيطة به جعلتها تجن إن اقتربت منه أنثى أو أعجبت به ، يكفيها هؤلاء اللاتي يعجبن بكتاباته ولحسن حظهن وحظه أنها لا تفضل القراءة وإلا كانت احتلت جميع كتبه وكلمـ.ـا.ته لها .

❈-❈-❈

المرأة التي يشتهيها الشخص المؤذي ليست تلك الضعيفة ولا التي تتسم بالليونة والتسامح ، لا يشتهي المرأة العفوية .

تلك التي تتخذ من حنانها وضحكاتها قاربًا للنجاة ، هذه لن تشبع رغباته ومتطلباته وسمـ.ـا.ته النرجسية .

بل أنه يشتهي تلك التي تفوقه إيذاءً وقسوة ، التي لا تهتم بالمشاعر ولا تعترف بالتضحيات ، إن أحب نفسه شطرًا أحبت نفسها أضعافًا ، التي تشبه تمامًا الحلوى نشتهيها ونأكلها بشراهة وكل ما تفعله بنا هو تدمير صحتنا والاختيار في النهاية لنا .

دهشة ظهرت على وجهه من جرأتها وملاحظتها لذا ضحكت بتباهٍ وتحدثت دون شعور بالخجل :

- أصل يعني إنت اللي فتحت لي الباب ووشك كان باين عليه إنك لسة صاحي ، وكمان السرير اللي هناك ده شكله مش مترتب وده المفروض للعرض ، بس تصدق السرير ده شكله حلو ومريح ، بكام ده !
2

نطقتها وهي تشير على السرير المنشود وتتلاعب بالنظرات والابتسامـ.ـا.ت ليتحمحم ويقول بجدية ظاهرية بينما عقله يحتله التعجب من جرأتها :

- شوفي اللي إنتِ عايزاه وهنعملك تخفيض ، قولتيلي عنوانك فين ؟

سألها ليتهرب من سؤالها ولكنها استرسلت بغنج :

- ماقولتش لسة ، بس هقول ، علشان تيجي تشوف العفش وتشتريه ، وبعدين نبقى نشوف السرير والتخفيض اللي قلت عليه .

قالتها ونهضت تقف وتطالعه بنظراتٍ ماكرة واسترسلت بجرأة أثارت انتباهه أكثر :

- قوم هاتلك ساندوتشين واطلب كوباية شاي ولا حاجة علشان تفوق قبل ما العمال ييجوا ويعرفوا إنك نايم هنا ، مايصحش بردو دي أسرار بيوت مهما كان .

ابتسمت وانحنت قليلًا تلتقط قلمًا وورقةً من فوق المكتب ثم دونت رقمها وعنوانها واعتدلت تناوله إياها مستطردة :

- شوف الوقت اللي يناسبك علشان تيجي تشوفهم ورن عليا .

لوحت بيدها مودعة والتفتت تغادر وتركت خلفها رجلًا يشتهي هذه الأفعال ، محرومًا من التحايل والتلاعب ، حياته كئيبة عبـ.ـارة عن صدقٍ ووضوح .

واعتدنا في قانون الحياة العادل أن من يشتهي شيئًا يجب أن يحصل عليه .

❈-❈-❈

( لا ترحل ، لا تدير ظهرك للمشكلات وتمضي قدمًا ، إن كانت بحاجتك لا تتركها ، حتى وإن آلمتك لا تغادر ، لا تصفع الباب وتمضي وتنصر غضبك عليها وإلا فاحذر لأنك لن تستطيع العودة مجددًا أو ستعود غريبًا )

استوقفتها هذه النصيحة التي يقدمها ثائر في كتابه الذي إلى الآن لا تفهم من يقصد ، هل يقصد الرجل أم المرأة أم الغربة أم الأم أم يتحدث عن المواقف عامةً ؟!

كتاباته تحمل غموضًا مشفرًا لا يحتاج سواه كي يشرحه ولكنها اتخذت نصائحه بشكلٍ عام .

كانت تتكئ على رخامة المطبخ وتقرأ إلى أن ينتهي نضج الطعام ، زفرت بقوة وأغلقت الكتاب والتفتت لترى الموقد وعقلها يفكر فيه .

برغم أنها المتضررة إلا أن قلبها يمتلك من العاطفة ما يجعلها تفكر أين هو وأين نام وماذا أكل وكيف حاله ؟

ترى هل سيأتي لتناول غداءه ، وكيف ستستقبله بعدما انفجرت به أمس .

انفجارها نتج عن ضغطٍ وصمتٍ طال أمدهما ولكنها كانت تتمنى لو لم تنفجر قط ، ليتها ظلت كما هي الصامتة التي اعتادت الكتمان فهي تعلم جيدًا نتيجة ما حدث ، سيهجرها ويهجر طفليه ويعاملها كشيء غير ملموس وهذا أكثر ما تبغضه ، تبغض تكبره ودلاله في خصومته ، تبغض تسلطه وتعمده لاستفزازها بأي شكل ولا يهتم بنفسية أطفاله ولا بسكينة البيت .

زفرت بقوة وأطفأت الموقد واتجهت لترى صغيريها حيث كانا يلعبان في غرفة جدتهما والأخرى تحدثهما كاثنين عاقلين يدركان حديثها .

وقفت على حافة الباب وابتسمت لهما ثم تساءلت بترقب :

- اجيبلكوا تتغدوا يا ولاد ؟

أومأ مالك وفعلت رؤية مثله بينما تحدثت حمـ.ـا.تها مثلهما :

- أيوة هاتلنا ناكل يالا يا عايدة .

- حاضر .

قالتها وتحركت عائدة لتحضر الطعام لهما ودقائق عدة حتى عادت تحمل صينية الطعام لصغيريها ثم وضعتها على الطاولة الجانبية وأردفت وهي تسحب لهما المقاعد :

- يالا تعالوا .

اتجه الطفلان نحو الطاولة يجلسان عليها بحماس بينما توغل العبوس وجه حمـ.ـا.تها ونظرت لها بحزن متسائلة :

- وأنا ماجبتليش ليه ؟

- حالًا يا ماما هجيب الأكل وجيالك .

اتجهت تحضر طعام السيدة ثم عادت تجلس أمامها وتضع الصينية فوق ساقيها قائلة وهي تنفض منشفة قطنية لتضعها على صدر حمـ.ـا.تها التي بدأت تعبث بالطعام لتوقفها ديما بانزعاج :

- ثواني يا ماما أنا اللي هأكلك .

لم تتوقف السيدة بل استمرت في عبثها بالطعام لتزفر ديما بضيق وهي تمسك بكفها وتبعده ثم طالعتها بنظرة ثاقبة وأردفت بجدية :

- استني ، كدة غلط .

توقفت السيدة عن العبث بالطعام وعبست ملامحها فبدأت ديما تطعمها والأخرى تأكل منها وهي مشيحة بوجهها عنها إلى أن انتهت .

جففت لها فمها ثم نهضت تحمل الصينية واستعدت لتخطو ولكن السيدة أوقفتها وهي تمسك بمعصمها فطالعتها ديما بترقب لتردف الأخرى بنظرة مترجية :

- اقعدي عايزاكي .

تعجبت ديما ولكنها وضعت الصينية على الكومود وعادت تجلس أمامها فتابعت السيدة بنبرة تحمل غموضًا لم تره من قبل :

- إنتِ زعلانة مني ؟

سؤالها يبدو سطحيًا ولكنها أعاد ديما لسنوات الحطام ، أعادها للدمار الذي حل على زهرة حياتها ، لا تعلم هل تسأل هذا السؤال لأنها عبثت بالطعام الآن أم لأنها عبثت بحياتها منذ أن تزوجت ونتج عن ذلك العبث زوجًا قاسيًا متعجرفًا لا يرى سوى نفسه .

لها النصيب الأكبر فيما وصل إليه كمال ، لقد تـ.ـو.في والده منذ الصغر بعدما طلقها وهي من زرعت فيه الخصال الذكورية والأنانية ، دومًا أخبرته أنه رجل والرجل لا يعتذر بل يُعتذر منه ، الرجل لا يراضي بل يُطلب رضاه ، الرجل لا يلين بل القسوة سمة أساسية ليكن شامخًا متعاليًا كالجبل ، أنبتته على أحقيته في التحكم بالزوجة وأحقيته في اتخاذ القرارات بدلًا عنها وإجبـ.ـارها على تنفيذها دون جدال أو نقاش ، روَته بالأنانية والانفراد وتنفس حب الذات حتى بات لا يرى مشاعر من حوله من كثرة علو جبال الـ أنا لديه .

ربما لهذا السبب تلتمس له العذر أحيانًا ، ربما تحاول معه كثيرًا لتصلح ما أفسدته هذه السيدة ولكنها مخطئة ، فأثناء محاولاتها إصلاحه دهستها طباعه فباتت تحتاج لإصلاحٍ داخلي يعيد إليها الحياة ، لا يمكن إصلاح زرعة برعمها فاسد وكان يجب أن تعلم ذلك جيدًا .

- سامحيني يا ديما .

أجفلتها بجملتها التي أضاعت أي ذكرى وجعلتها تحدق بها ولا تصدق ما تفوهت به لتوها ، أتطلب منها السماح ؟ هذه المتكبرة التي سقتها كؤوسًا من المُر وأطعمتها أطنانًا من المعاناة تطلب منها السماح ؟ وهل تمتلك المقدرة لتسامح ؟

والأهم كيف نطقتها ونطقت اسمها ؟ لقد نسيت اسمها منذ فترة وتناديها دومًا بـ عايدة ؟ هل اقتربت النهاية ؟

ظلت جاحظة تطالعها بصمت وصدمة أما الأخرى فالتفتت لتنام على جنبها الأيسر ومدت يدها تحك ظهرها فلم تستطع الوصول إليه لذا عادت تنطق :

- اهرشيلي هنا يا عايدة .

التفتت ديما تنظر إلى صغيريها فوجدتهما ملتهيان بطعامهما لذا عادت تبتلع لعابها وتزفر زفرة خرجت من أعماقها ثم مدت يدها تملس على ظهر السيدة بهدوء وعقلها يصارع الماضي والحاضر ولا تصدق إلى الآن أنها طلبت منها السماح .

❈-❈-❈ 

الحزن في عينيكِ لا يمكنكِ إخفاؤه عن ثلاث
أمًا يشعر قلبها بكِ دومًا
وحبيبًا تمناكِ في يقظته وأحلامه
وأخًا تعهد بحمايتكِ مدى الحياة .  ( بقلم آية العربي  )

اتجه داغر إلى متجر كمال كي يراه ويتحدث معه أو يحذره ، لم تغب عنه دمـ.ـو.ع شقيقته المعلقة في عينيها ، لم تخفَ عنه ابتسامتها الباهتة وملامحها الحزينة ، لم يواجه كل تلك الصعوبات في حياته والتحديات لأجلهن وبعد ذلك يسمح لرجلٍ لا يمت للرجولة بصلة أن يحزنهن .

اتخذهن كنزه وتعهد أن يحافظ عليهن ثلاثتهن ، ربما لم يكن قويًا كفاية حينما تزوجت ديما بهذا الكمال الناقص ولكنه الآن يمتلك القوة الكافية ليوقفه عند حده .

دلف المتجر يلقي السلام فردوا عليه العمال عاداه .

اتجه يجلس أمامه وتحدث بثبات ودون مقدمـ.ـا.ت لا تسمن ولا تغني من جوع :

- لو اختي غلطت في حقك وزعلتك تعالى لي ونتفاهم ولو ليك حق تاخده ع العين والراس ، إنما تزعلها بعد كل اللي شافته معاك يبقى كدة إنت عداك العيب وأنا كمان عداني .

تكتف كمال وطالعه بعدم اكتراث ثم قال ساخرًا :

- يا راجـ.ـل ؟ هو حد قالك إني ضـ.ـر.بتها ولا رنيتها علقة وأنا مش واخد بالي ؟ ولا هي اشتكتلك من جوزها اللي معيشها في جحيم ؟

استشعر داغر سخريته التي زادت من غضبه وأردف باندفاع :

- ولا اشتكت لي ولا هتشتكي ، ولو لفيت الدنيا كعب داير على واحدة زي اختي مش هتلاقي ، ومش ديما أخت داغر اللي تتضـ.ـر.ب عارف ليه يا كمال يا وراق ؟

تنفس بتباهٍ ثم استرسل بعيون محذرة :

- علشان أختي ست الستات ، واحدة صاينة بيتها وأولادها وجوزها وحمـ.ـا.تها ولا بتطلب ولا بتشتكي ، يعني نصيحة مني اعرف قيمة النعمة اللي في إيدك بدل مـ.ـا.تزول منك وساعتها هتبكي بدل الدمـ.ـو.ع دم ومش هتعرف ترجعها لو سفيت التراب .

نهض بعدها يحدجه بنظرات مشتعلة ثم التفت يغادر من حيث أتى والغضب يلتهمه وهذا يعد أسوأ ما فيه ، يغضب سريعًا ولكنه يمتلك قلبًا مثل الجواهر .

ظل الآخر ينظر إلى أثره والضيق والغرور اجتمعا على الانتقام ، سيريه من سينـ.ـد.م ، يتباهى بشقيقته التي لا تفعل سوى واجباتها ويخبره أنه سينـ.ـد.م ؟ ألا يعلم من هو كمال الذي تتمناه أي امرأة ؟

يشتري الهدايا والعطور ويوفر لها المسكن والملبس والطعام الجيد كما أنها ترتدي أفخم الثياب وتمتلك هاتفًا تتمناه الكثيرات ، حسنًا سنرى من سيبكي بدل الدمـ.ـو.ع دمًا يا داغر يا ابن محسن الصابر .

❈-❈-❈

حل الليل ولم يأتِ

دومًا يجعلها بين شقي الرحى وتتساءل برغم يقينها بالحقيقة هل هي أخطأت في حقه ؟

حسنًا ربما رحلت المشاعر بينهما كزوجين ولكنه سيظل والد طفليها لذا فهي تريد الاطمئنان دون أن تبادر باتصال تعلم جيدًا أنه لن يجيب عليه .

كانت تجلس في الصالة تقرأ في بحر ثائر ولكن ليس بالتركيز الذي تفضله بل عقلها منشغل به ، توغل إليها صوتًا خافتًا يأتي من الخارج فتركت الكتاب ونهضت تفتح الباب لتتفاجأ به يصعد للطابق الثالث فنادته بتعجب :

- كمال !

لم يجبها بل أكمل صعوده متجاهلًا إياها فوقفت تتعجب لما يفعله وانتظرت قليلًا ربما سيحضر غرضًا ما وسيعود ولكنه لم يعد .

زفرت بقوة وقررت الصعود لتراه وبالفعل ارتدت خفها وصعدت تطرق الباب فلم يجب ولكنها وجدت المفتاح في فوهته ففتحت ودلفت تنظر حولها فوجدته يجلس على الأريكة التي تتوسط المكان ويفرد ظهره وذراعيه ويرفع رأسه للأعلى فاتجهت تناديه بتـ.ـو.تر :

- كمال إنت قاعد هنا ليه ؟

- انزلي تحت .

نطقها دون النظر إليها بل كان مغمض العينين لتتنفس وتبتلع أمره دون تنفيذ بل أردفت بهدوء :

- تمام هنزل بس مش هينفع تفضل هنا ، الولاد سألوا عليك وماما طول اليوم بتصرخ وعايزة تشوفك ، مـ.ـا.تخليش اللي حصل بينا يأثر عليهم .

أعاد رأسه ينظر لها ثم بصق سؤاله متجاهلًا كلمـ.ـا.تها :

- انتِ قولتي حاجة لاخوكي ؟

قطبت جبينها وتيقنت أن داغر تحدث إليه لذا تنهدت وأجابته بصدق :

- إنت عارف إني مش بقول ، بس هو جه لإنه رن عليا والموبايل كان مقفول ، واداني موبايله .

- هيرجع .

نطقها بحدة أجفلتها لتطالعه بنظرة انكسار وصمت بينما هو اعتدل يكمل :

- علشان كدة جاي يكلمني وشايف نفسه أوي عليا ، رجعيله الموبايل وأدبًا ليكي هتفضلي من غير موبايل لحد ما مزاجي يروق ، ويالا خدي بعضك وانزلي وبعد كدة تطلعيلي الأكل هنا وملكوش دعوة بيا نهائي .

هل تثور مجددًا الآن وتنهي هذه المعاناة ؟ هل تهدم سدها وتفيض بمخزون السنوات والأيام ؟ أم تعتد الصمت والتجاهل ، التجاهل الذي لا يريحها ولكن يجنبها معارك جديدة معه فهو لن يفهمها أبدًا لذا استعملت مخزون الأوكسجين الموجود في المكان واسترسلت بهدوء شـ.ـديد :

- تمام .

التفتت تغادر من حيث أتت ولم تعد تنـ.ـد.م على فعلٍ قامت به ، لن تنـ.ـد.م على صعودها خلفه فكلما تقدمت منه خطوة أبعدها عنه أميال وهذا ما تريده وتتعمده حتى يكتمل مخزون ثورتها .

❈-❈-❈

في اليوم التالي صباحًا .

في مقر إحدى المجلات الفرنسية المعروفة .

اتجه ثائر في تمام الساعة الحادية عشر ليقابل تلك المدعوة إلوا وليجري معها اللقاء الصحفي .

كانت تقف في استقباله تبتسم بسعادة لا تصدق أنها حققت إحدى أمنياتها برؤيته ، تعشق القراءة له وتحب جميع كتبه بل وخصصت مكتبة باسمه في منزلها .

مدت يدها تسلم عليه فبادلها برصانة وابتسم يقول :

- كيف حالكِ آنسة إلوا ؟

- الآن أنا بخير جدًا .

قالتها بسعادة وهي تتجه معه إلى الردهة المؤدية للغرفة التي سيتم بها اللقاء ، لم يرد إجراء اللقاء في مكان عام أو في منزله بل أراده في المجلة ذاتها لذا فقد رحبت كثيرًا به .

اتجه يجلس على مقعد رتيب واتجهت تجلس قبالته متسائلة بلهفة وحماس وابتسامة مزينة :

- بماذا نضايفك ؟

- شكرًا لكِ ، دعينا نبدأ .

قالها بنبرة رخيمة فأومأت وبدأت تجهز أدواتها والمسجل الخاص بها ثم أردفت بعيون لامعة :

- من المؤكد أن شخصًا مثلك غني عن التعريف ومع ذلك فأتمنى أن تعرفنا عن نفسك بشكلٍ مميز .

فرد نفسه على المقعد وسلط أنظاره عليها يجيبها بثبات وغموض يشرح من هو ولا يشرح :

- أنا ثائر ذو الفقار ، الرجل الذي يفعل ما يريده بطريقة لا يريدها ، كاتب عمري اثنين وأربعين عامًا اسمي لا يعبر عني ولكنه يعبر عن عيني ، ابن وأب ولكنني لست زوجًا .

نطق الأخيرة بنوعٍ من المرح الذي لا يمت له بصلة وبغمزة من عينيه قالها لتضحك إلوا وتجيبه بعيون متعسة :

- أوه هذا مثير للاهتمام .

ابتسم فزفرت إلوا وتابعت بترقب :

- حسنًا الآن سأسألك عدة أسئلة وأعطني الجواب بكلمة واحدة أو جملة صغيرة ومعك فقط حق الاستفاضة والتوضيح لسؤال واحد منهم .

أومأ بثبات فبدأت أولى أسألتها :

- أي من كتاباتك يعبر عنك ؟

- بحر ثائر

- كنت أعلم

نطقتها بسعادة وحماس وعادت لهدوئها تسأل سؤالها الثاني :

- لمَ تكره العرب وخاصة النساء بالرغم من أنك عربي الأصل ؟

- كلما ابتعدت رأيت بوضوح .

أثار دهشتها بجوابه فعلقت متسائلة بفضول :

- كيف هذا ؟

- طلبتِ إجابة مختصرة .

قالها بذكاء فأومأت لتتساءل بالتالي :

- هل لديك عائلة في بلدك الأم ؟

- نعم

- وكيف علاقتك بهم ؟

- على تواصل منقطع .

وكيف علاقتك بابنك ؟

- ممتازة

وبطليقتك ؟

- جيدة

- لمَ تفضل الكتابات الغامضة؟

- لأنني أُفضل الكتابات الغامضة .

رفعت نظرها إليه فوجدته يعاود الغمز لها لذا ابتسمت وعادت تنظر في ورقة الأسئلة التي دونتها ثم تساءلت :

- هل تحب فرنسا ؟

- كثيرًا .

- ومصر ؟

توقف بعدما كان يجيب سريعًا ، دقق النظر بها ثم سبح للبعيد وتحدث مستفيضًا :

- أحب التقدير ، أحب من يعطيني مكانتي ويقدر أهميتي ، أحب من يفضلني عن الغرباء ويحتويني مهما كانت الصعاب ، لذا اتخذت من الكتب موطنًا لي ومن القلم مسْكنًا ومن كلمـ.ـا.تي مُسَكّنًا ولم أعد أهتم بشيء بعد ذلك .

رفعت بصرها له مجددًا تلاحظ تبدل ملامحه ، لم يعد المرح مرتسمًا فوق محياه بل التجهم لذا تحمحمت وابتلعت لعابها تكمل سريعًا :

- لأي بلد تحب السفر ؟

- فرنسا ومدنها فقط .

هل تفكر بالارتباط مجددًا ؟

- ربما يومًا .

اذكر صفة تحبها في النساء

- السلام .

صفة تحبها في شريكة حياتك

- أن تبتسم دومًا .

هل ترى نفسك غامضًا ؟

- لا أعلم لماذا يراني الجميع غامضًا ؟ جميعهم لهم أسرارًا وخبايا أما أنا فأحب الصمت ولكن كتبي تشرح كل شيء عني .

عادت تطالعه بتعجب ، لقد ظنت أنه سيجيب بنعم دون جدال ولكن جوابه يعد غموضًا في حد ذاته لذا ابتسمت تجيبه :

- مخادع .

ابتسم بثقل وتحدث وعينيه مصوبة عليها :

- ليس بعد .

ضحكت وهزت منكبيها تغلق دفترها قائلة :

- لقد ظننت أنني سأكتشفك بعد هذا اللقاء ولكن تعقدت الأمور أكثر سيد ثائر ، يبدو أنك تتقن فن الرد ، ما رأيك هل نكمل الأسئلة الآن أم نتواعد غدًا لشرب القهوة ؟

زفر لثوانٍ ثم أجاب بهدوء مبطن بالغموض :

- الأفضل لا ، دعينا لا نلتقي مجددًا ، ومع ذلك هذا اللقاء كان من دواعي سروري آنسة إلوا .

نهض يغلق زر بدلته ويودعها فاتجهت معه تتساءل بتعجب :

- لمَ لا إذا كان اللقاء من دواعي سرورك ؟

التفت يطالعها ويجيبها قبل أن يغادر المقر :

- لأنني أقدر حماسك وليس شيئًا آخر ، طاب يومكِ .

ودعها واستقل سيارته وغادر وترك خلفه قلبًا تعلق به أكثر وعقلًا تعجب من أفعاله .

أما هو فقد أتى لشيء في نفسه ليس إلا ، هو ليس بحاجة لقاء صحفي ولكنه أراد توصيل رسالة مشفرة إلى توماس آو ليان ... وغيره .

❈-❈-❈

بعد يومين .

برغم أنها مسالمة لا تحب الخصام إلا أن هجره لها ومكوثه في الطابق العلوي عاد عليها بالراحة والهدوء ، جعلها تمارس عملها وهوايتها دون نقدٍ أو صراعات .

تحسن مزاجها فباتت مرحة أكثر مع أطفالها في هذين اليومين وأوشكت على إنهاء قراءة كتاب بحر ثائر .

قرأت الكثير من الكتب خاصة في مرحلة الثانوية ، قرأت عن الأدب الفرنسي وتعلقت باللغة الفرنسية وقرأت لكتُاب كُثر مشهورين ومؤخرًا باتت تقرأ روايات رومانسية على موقع إلكتروني ولكن بحياتها لم يثِر كتابًا فضولها وتساؤلاتها كما فعل هذا البحر ، غموضه جعلها تريد معرفة ماضي هذا الرجل وما أوصله لتلك الحالة وكيف يكون تارةً حكيمًا وتارةً أخرى متقلبًا عاصفًا مخيفًا .

استلهمت منه بعض التدوينات التي حددتها لتدونها عبر الانستجرام الخاص بها ، لم تعِد الهاتف لشقيقها كما أمرها زوجها بل قررت الاحتفاظ به وإخفاؤه عنه .

استيقظت وبدأت يومها بتحضير الفطور لوالدة زوجها أولًا بسبب أدويتها .

اتجهت إليها تضع الصينية جانبًا وتوقظها ولكن السيدة كانت تنام بعمق وصوت أنفاسها عاليًا بشكلٍ أثار تعجبها .

حاولت إيقاظها ولكنها فشلت فزاد تعجبها وقررت أن تنادي زوجها من الأعلى ليرى ما بها ربما كانت مريـ.ـضة .

اتجهت تناديه وحينما وجدها أمامه كاد أن ينفعل ولكنها أسرعت تقول :

- كمال ماما نايمة وعمالة أصحيها مش راضية تقوم وفيه صوت شخير جـ.ـا.مد .

قطب جبينه وأبعدها ثم نزل الدرج مسرعًا ودلف الشقة يتجه إلى غرفة والدته ليراها فوجدها تنام على ظهرها وصوت أنفاسها حادًا فاقترب يناديها بحذر ويدنو بأذنه من فمها قائلًا :

- ماما ؟ فوقي يالا .

سمع همهمـ.ـا.ت منها فزفر براحة يبتعد ثم نظر بجمود نحو ديما التي لحقته وأردف :

- نايمة ، سبيها تنام براحتها إنتِ عارفة إن بقالها كتير أوي مانمتش .

اندفع يغادر وتركها تقف تطالعها بشرود وتعجب ، هل هذا نومًا ؟

❈-❈-❈

يقف في شرفته يحتسي قهوته الصباحية وفي يده هاتفه يتصفحه ويقرأ اللقاء الصحفي الذي عُرض صباحًا وخلفه التلفاز يبث أخبـ.ـار اليوم الفرنسية .

بملامح ثابتة لا تعبر عن أي شيء ، وضع الهاتف على حافة النافذة وشرد ينظر أمامه ويفكر ، حياته باتت عبـ.ـارة عن لغز كبير ولقاء مع تلك الفتاة جعله يستعيد ذكريات كثيرة ، ذكريات مرت عليها سنوات ولكنه توقف عندها لذا قرر التحدث مع والده .

عاد يمسك بهاتفه ويهاتف والده مكالمة مرئية .

في هذه الأثناء كان أمجد ينام حينما اهتز هاتفه لذا استيقظ بسهولة يلتفت يلتقطه وينظر له فظهر له اسم ابنه فنهض ينظر لزوجته النائمة ثم تحرك يغادر الغرفة ويتجه نحو غرفة مكتبه .

أغلق بابه وفتح المكالمة يطالعه بملامح هادئة ثم ابتسم قائلًا بنبرة مبهمة :

- تقريبًا كدة حلمت بيا ، مهو مش معقول بتكلمني عادي كدة .

تعمق في ملامح والده التي يشوبها النعاس ثم أجابه بهدوء ينافي ضجيج أفكاره :

- أجل رأيتك في أحلامي فقلت أطمئن عليك ، كيف الحال ؟

تنفس أمجد بقوة وقرر مبادلته الحديث بالفرنسية لعلمه أن ابنه تخلى عن العربية منذ زمن :

- بخير ، ولكن والدتك ليست ، تريد أن تراك بأي وسيلة ، باتت لا تحتمل بعدك وكلما مر الوقت ازداد الأمر صعوبة وأنا بالكاد أطمئنها ، ما رأيك لو ترتب أمورك وتذهب إلى دبي ونقابلك هناك ، دعها تراك يا ثائر .

- لا ، لا يمكنني مغادرة فرنسا الآن ، هيا يا سيد أمجد استخدم سطوتك عليها أم أنك بت لا تعرف كيف تحتويها .

قالها ثائر مشاكسًا لوالده الذي يعلم جيدًا أنه يحب والدته ، يحبها ويقدرها ويدللها لذا أجابه أمجد بنبرة مماثلة :

- ومن الذي احتواها كل تلك السنوات أيها العاق ، ليتها أنجبت إناثًا بدلًا عنكما ، أنت لا تبالي وشقيقك أوشك على التبري منا .

بدأ أمجد مازحًا ثم أنهى جملته بملامح حزينة حينما تذكر ابنه ليقول ثائر وهو يتجه يجلس على الأريكة :

- لا أحمد لن يفعلها اطمئن ، حتمًا سيعود ، وبالنسبة لي فأنت تعلم أسبابي ، لا تمزح أبدًا في الأمر الذي يؤرقني ، أتركني أقاوم أبي .

شعر أمجد أنه زادها عليه لذا زفر بقوة وقال وهو يستريح منفردًا على مقعده :

- كيف حال معاذ ، هل هو بخير في ذلك المنزل ؟ أرجو ألا ينشأ على طباعهم ثائر .

كان قد انتبه ثائر لشيءٍ آخر ، شيئـا يعرض أمامه على شاشة التلفاز ، سيارة يتم انتشالها من النهر بعدما وقعت به وأرفق في شريط العنوان أن السيارة تعود لفتاة عشرينية تعمل صحفية عثر عليها داخلها وكانت جثة هامدة ، تدعى إلوا إيفريا .

تجلت الصدمة معالم وجهه وأبعد الهاتف يعاود قراءة الخبر ويشاهد السيارة التي وضعوها على جانب الطريق وبدأوا بفحصها ليتبين لهم كفحص أولي عدم وجود مكابح  .

خرج من شروده على نداء والده لذا طالعه فتساءل الأول :

- ماذا هناك ثائر ؟

- مارتينا .

نطقها بملامح متجهمة وهو يحدق في والده ثم أغلق معه ونهض يرتدي ثيابه على الفور .

❈-❈-❈

أحيانًا تخطو نحو نهاية سعادتك بقدميك وبإرادتك الكاملة ودون أن يرف لك جفن ، بل أن غباءك صور لك أنك تعبر من بوابة الكآبة إلى الجنة .  ( بقلم آية العربي )

وصل إلى العنوان المنشود بعدما هاتف تلك المدعوة زينة ، منذ يومين وهما يتحدثان عبر الهاتف ليذهب ويرى ما تود بيعه لتخبره أن ينتظر قليلًا فوالدتها متعبة ولكنها حدثته ليلًا كأنها تعرفه منذ أمد .

تشتكي له القهر الذي تعرضت له وتخبره بمزاياها التي لم يقدرها طليقها ليستفيض ويبدأ إخبـ.ـارها أيضًا عن مشاكله مع زوجته التي لا تطيعه ودومًا تكون سببًا لافتعال المشاكل .

مكوثه في الشقة العلوية لم يكن هباءً بل لينفرد بمكالمـ.ـا.ت ليلية بينه وبينها وكلٍ منهما يشتكي للآخر عن كم الظلم الذي تعرض له من شريكه .

هي تخبره بمعاناتها خلال شهرين فقط من زواجها ، تخبره كم أهملها زوجها وكيف كان بخيلًا بل شـ.ـديد البخل للدرجة التي كان يتركها فيها دون طعام .

وهو يخبرها بمعاناته مع زوجته التي لا تشعر بكم النعيم والبذخ اللذان تتقلب فيهما ، سرد لها تفاصيل عن حياته ، وتفاصيل أخرى يجملها عن شخصيته وتفاصيل كاذبة ليسيىء إلى زوجته .

والحقيقة أن الأمانة عبئا عليه ، الأمانة التي أبت أن تحملها الجبال وحملها الإنسان لم يكن بمقدوره حملها .

طرق الباب ففتحت له بابتسامة مزينة كحال وجهها وهي ترحب به وتبتعد عن طريقه قائلة :

- أهلًا اتفضل يا كمال نورت .

ابتسم لها ودلف ينظر حوله حيث المكان عبـ.ـارة عن منزل رديء ، تجلس والدتها على أريكة جانبية تطالعه بتفحص ثم تحدثت بترحاب :

- أهلًا أهلًا يابني اتفضل .

أشارت جانبها ليجاورها فجلس يتطلع على زينة التي جلست أمامه ترحب به بحفاوة وتركت والدتها تسرد له سبب بيعها للأغراض .

❈-❈-❈

انهت ديما الغداء وحملته واتجهت لتوقظ حمـ.ـا.تها وتطعمها وحينما وصلت إلى غرفتها لم تسمع صوت أنفاسها لذا وضعت الصينية جانبًا واتجهت تهزها ولكنها تفاجأت بتصلب جسدها .

اتسعت عينيها وهي تحاول لفها لتصدم من التفاف السيدة معها ، بوجهٍ بـ.ـارد وشاحب مفارق للحياة .

شهقة قوية ودمـ.ـو.عًا انهمرت كالشلال ويدان مرتعشتان وضعتهما على فمها وهي ترى أمامها جثة حمـ.ـا.تها .

لا تصدق ما رأته وقد شل عقلها عن التفكير ليأتي من خلفها مالك يتمسك بقميصها ويهزه متسائلًا بطفولية :

- ماما في إيه ؟

انتبهت لطفلها والتفتت تطالعه بجحوظ وبكاء ثم عادت تقترب من السيدة وتردف بترجٍ ونشيج :

- ماما افتحي عيونك لو سمحتِ ، لاء مش ممكن لاء .

بكى الصغير وهو يرى والدته تبكي لتأتي على صوتهما رؤية وتعانقهما وتبكي أيضًا دون أن تعلم السبب .

حاولت التحامل وتمسكت بصغيريها تحتضنهما وتهدهدهما مردفة بحزنٍ شـ.ـديد :

- إنا لله وإنا إليه راجعون ، لا حول ولا قوة إلا بالله .

سحبتهما وخرجت من الغرفة تبحث عن هاتفها ، تركتهما في الصالة وانتشلت الهاتف من فوق السفرة بيدٍ مرتعشة ودمـ.ـو.عٍ لم تتوقف وصوت نشيجها يعلو تحاول الاتصال بزوجها

❈-❈-❈

كانت قد انتهت السيدة من إخبـ.ـاره بالحديث الذي زاده عبوسًا لتتحدث زينة بغنج حينما لاحظت ضيقه :

- ها تحب تشرب إيه يا كمال ؟

بنظرة ذات مغزى أجابها :

- لا شكرًا ، خلينا نشوف بس الحاجة اللي قولتي عليها .

ابتسمت وأشارت له ليتبعها فنهض واتجه خلفها حيث تحركت نحو غرفة فتحت بابها وأشعلت إضاءتها ليظهر له أثاثًا وأدواتًا منزلية مكومة فوق بعضها ، تعجب ونظر لها بصمت فأردفت موضحة بتغافل عن نظراته :

- هما متكومين على بعض كدة علشان الأوضة ضيقة بس مـ.ـا.تقلقش كل حاجة سليمة وجديدة .

أومأ لها ثم أردف بهدوء بعدما شعر بالاستغلال يلوح من عينيها :

- طيب ماشي أنا هروح المحل وأبعتلك حد من العمال ييجي ياخدهم في عربية وهناك هعرف أشوفهم كويس .

تحرك خطوة ولكنه توقف حينما نادته وحينها رن هاتفه ليلتفت لها وينتشل هاتفه في نفس اللحظة .

كانت تبتسم وتقترب منه بخبث لذا فتح الخط يجيب مسرعًا على زوجته :

- أيوة يا ديما ؟

- الحقني يا كمال ، تعالى بسرعة ماما مش بتنطق .

❈-❈-❈

كعادته يباشر عمله في ورشته وسط الصبية  .

كان يجلس يحتسي كوبًا من الشاي الذي أحضره له دقدق من المقهى  ،  يستريح قليلًا ويفكر بشرود في حاله وحال عائلته ومتطلبات الحياة التي لا تنتهي  ،  يسعى ليطمئن عليهن وخاصةً شقيقته الصغرى ويسلمها لرجلٍ يحبها بصدق ويراعيها ليس كما حدث مع شقيقته الكبرى  .

زفر بقوة وعاد يرتشف الشاي ليتفاجأ بظهور شاب أمامه يطالعه ويلقي السلام قائلًا بملامح شامخة :

- السلام عليكم  ،  يعطيك العافية  يا باش مهندس  ،  أنا جايلك بعد ماناس كتير دلوني عليك  .

قطب داغر جبينه حينما استمع للكنة الشاب ونهض يتقدم منه متسائلًا بشك  :

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته  ، اتفضل خير  ؟ إنت منين  ؟

تمعن الشاب فيه وبعزة نفسٍ تعد جزءًا لا يتجزأ منه قال وفيه عينيه ألف رواية حزينة  :

- أنا فلسطيني  ،  من غزة  .

لم تمر لحظات حتى أسرع داغر يرحب به بحبور وتجلت على ملامحه الفرحة  :

- أهلًا يابن البلد الطيبة  ،  نورت ياخويا اتفضل  .

سحبه معه للداخل واستل له مقعدًا ثم جلس وحثه على الجلوس ونادى على الصبي يردف  :

- حاجة ساقعة يا دقدق بسرعة  .

ركض دقدق يحضر طلبه بينما تعامل داغر مع الشاب الذي لم يسعه الشكر لذا أردف  :

- شكرًا يا باش مهندس تسلم  ،  أنا اسمي محمود  ، بقالي شهرين هان بمصر  ،  كنت چاي أدور على شغل والناس دلوني عليك  .

بالرغم من كونه كان يفكر منذ قليل في كيفية سد متطلبات الحياة إلا أنه أومأ دون تردد يردف بلطف  :

-  تمام بسيطة ومحلولة يا حودة  ، أؤمر وأنا عنيا ليك مش هتأخر  .

-  تسلم يا باش مهندس  ،  انت فعلا زي ما الناس حكت عنك  .

ربت داغر على كتفه يردد برصانة  :

- سيبها على الله ربنا يصلح حالنا جميعًا ،  المهم قول لي إنت عامل إيه  ؟  ووصلت مصر إزاي  ؟

تنهد الشاب وبدأ يسرد قصته موضحًا  :

- أنا كنت أدرس هانا بالأزهر تخصص هندسة ميكانيكا ورجعت ع غزة واشتغلت مع عيلتي في المصنع تبعنا بس للأسف كل شيء راح وأهلي واخواتي استشهدوا وما ضل غير أنا وابويا اللي اتصاوب واصابته كانت خطيرة فأجينا على مصر علشان اعالجوا وقلت أدور على شغل هانا  .

تمعن داغر فيه وانفطر قلبه على حال الشاب الذي يبدو أن الرفاهية نالت من حياته ما نالت ولكن الألم والحزن كان له نصيبًا أكبر لذا زفر بقوة يومئ مجيبًا  :

- ربنا يرحمهم جميعًا ويشفي  والدك  ،  مـ.ـا.تحملش هم زي ما قلتلك محلولة  .

❈-❈-❈

ابتعاده عنها لم يكن نفورًا أو كرهًا بل ابتعد لأنها باتت حملًا عليه بعدما كانت حملًا له  .
إهماله لها لم يكن عن عمدٍ بل لأنه لم يعتد تحمل مسؤولياته
انزعاجه منها لم يكن ثقلًا بل كان من تصرفاتها التي لا تروق له  .

لذا كان يركض ويتعثر وصوت أنفاسه تتلاحق حتى وصل بيته ليندفع إلى غرفة والدته حيث زوجته تبكي وتجلس جوارها تمسك بكفها وتتلو آيات القرآن .

انعكست الصورة في عينيه وهو يقترب ثم سقط أرضًا عند رأسها يصـ.ـر.خ بصوت باكٍ يقطع أنياط القلوب  :

- مامــــــــــا ،  قومي يالا قومـــــــــي  ،  قومــــــــي أنا جيت أهــــــو .

جلست ديما بجواره تبكي وتواسيه وتنظر لحمـ.ـا.تها نظرة وداع ومازالت لا تستوعب أن مـ.ـا.تعيشه حقيقة  .

ليحني رأسه بانهيار، يصـ.ـر.خ ويهتز ويهزها بهستيرية  ،  مـ.ـا.تت جيشه الوحيد ولم يعد له أحد  ،  مـ.ـا.تت من كانت قوته ،  حتى في نومتها كانت تمده بالقوة ومن الآن وصاعدًا لن تكون موجودة لذا فعليه أن يبحث عن ركنٍ جديد يمتص منه قوته  .

❈-❈-❈

القـ.ـتـ.ـل بالنسبة له أصبح أمرًا اعتاديًا بات يمر عليه مرور الكرام ولكن أن تقـ.ـتـ.ـل فتاة عشرينية كل ذنبها أنها أجرت معه لقاءً صحفيًا  ؟  هذا مالم يتحمله  .

وصل أمام فيلتها وترجل من سيارته يسيطر على اندفاعه بخطوات هادئة متزنة ثم وقف أمام الباب يطرقه لم ينتظر كثيرًا حيث فتحت له العاملة ترحب به فسألها دون إطالة  :

- أين مارتينا  ؟

- إنها في الداخل سيد ثائر تأخذ حمامًا  ،  تفضل  .

زفر بقوة وألقى لفافة تبغه يدعسها بقدمه قبل أن يلج وتتبعه العاملة حتى وقف في البهو يتطلع على المكان من حوله ثم تساءل بترقب   :

- هل السيد جيلر موجود  ؟

- إنه على وصول  .

- حسنًا سوف أصعد لها  .

قالها وتحرك يصعد غرفتها قبل أن يراه ابنه الذي يعلم جيدًا أنه بغرفته  .

وصل الغرفة وفتح الباب يندفع للداخل يبحث بعينيه فسمع صوت المياه المتدفقة لذا اتجه يقف أمام مؤخرة السرير ويتكئ عليه وعينيه مسلطة على الباب منتظرًا خروجها  .

لم تطل كثيرًا حيث مر حوالي ثلاثة دقائق وخرجت ترتدي مئزرها وتجفف خصلاتها  .

انتفضت حينما وجدته أمامها ولكنها أسرعت تبتسم وتقترب منه وهي تلقي المنشفة أرضًا ثم وقفت أمامه قائلة بعيون ماكرة وملامح سعيدة يختبئ خلف ستارها الجنون  :

- ثائر  !    ما هذه المفاجأة السارة  ؟

- أنتِ قـ.ـتـ.ـلتِ إلوا  !

أومأت واتسعت ابتسامتها تجيبه بفخر  :

- نعم فعلت  ،  وسأفعلها مع كل من تقترب منك  .

فارت دماؤه لذا رفع كفه يقبض على عنقها فجحظت وفرغ فاهها وهو يحركها حتى اصطدمت بالجدار المقابل وحاصرها ينطق بنبرة يختبئ الغضب في رحالها  :

- أنتِ مكانكِ ليس هنا بل في مشفى الأمراض العقلية  ، وسأعمل على ذلك مارتينا  .

حاولت الإفلات منه ولكن قبضته كانت متعمدة  ، قوية وليست مميتة لذا استرسل بملامح قاسية  :

- ما ذنب تلك الفتاة أيتها الحقيرة  ؟    ما ذنبها  ؟

نطق الأخيرة وهو ينفضها ويبتعد عنها لتتعثر وتسكن قليلًا تلتقط أنفاسها ثم اعتدلت تطالعه بنظرات حادة وقد توحشت ملامحها ثم نظرت حولها لتعبر عن جزءٍ من غضبها والذي كان من نصيب تلك المزهرية البائسة وهي تقبض عليها وتلقيها نحوه بجنون فتفاداها ينحني فبدأ جنونها وهي تصرخ وتثور بهجمية وتهشم كل ما تطوله يديها  :

- أنا الحقيرة  ؟    تنعتني أنا بالحقيرة لأجل فتاة تحبك وكانت تريد منك مواعدة  ؟     هل أغرمت بها  ؟   هل أعجبتك  ؟

وقف أمام جنونها مقيدًا  ،  هذا الجنون الذي دومًا ما يعجزه ويقيد حريته  ، ابتسمت بتلاعب حينما لاحظت شروده وقلقه حيال نوباتها لذا اتجهت نحو مرآتها تنتشل كل ما فوقها وتهشمه إما أرضًا أو في الجدار لذا رفع يديه يحاول السيطرة على نوبة جنونها مردفًا بهدوء يحمل وعيدًا  :

- اهدئي مارتينا  .

ثارت أكثر وهي تتابع بصريخ  :

- لست مـ.ـجـ.ـنو.نة  ،  لا تطلب مني أن أهدأ  ،  أنا أعشقك أيها الغـ.ـبـ.ـي  .

أغمض عينيه ثم بسرعة بديهية فكر  ،  ربما اعتاد ابنه على جنونها وتكسيرها لذا فهو لن يهتم ولكن والدها على وشك القدوم وإن علم أن نوبتها هذه بسببه فسيحدث مالا يحمد عقباه لذا تقدم منها يخطو فوق زجاجات العطور وأدوات التجميل المهشمة فرفعت إحدى الزجاجات للأعلى تردف بتحذير  :

- إياك أن تقترب  .

لم يبالِ بل تقدم حتى وصل إليها ولم تستطع ردعه بل هذا ما أرادته  ،  مد يده يلتقط منها الزجاجة فباتت تهتز بين يديه بعنف وتدعي دفعه ظاهريًا ولكنها تسعى للالتصاق به مردفة بصراخ حاد  :

- ابتعد عنــــــــــــــــــــــي  ،  إيـــاك ولمســــــــــــي  .

حاول تقييدها فتلوت بين يديه لذا دفعها نحو الجدار واتجه يقيدها بجسده ويردف بعيون تحذيرية  :

- اخرسي  ،  كفي عن الصراخ  .

كشرت عن أنيابها لتحصل على ما تريده وتعالى صراخها وهي تجيبه  :

- لن أتوقف  ،  هيا قل لي  ،  هل أعجبتك تلك ال****  ،  هل كنت ستواعدها  ؟

كانا ملتصقان بالشرفة لذا سمع صوت سيارة والدها فمال ينظر سريعًا من خلف الستار فوجده يدلف الفيلا لذا عاد يطالعها ويردف بخفوت ونظرة ثاقبة  :

- قلت أخرسي  ،  أنتِ مجرمة  .

اتسعت عينيها وهي تبتسم وتومئ له بتوعد ثم أفرغت فاهها لتعاود الصراخ فهجم عليها يكمم فمها بشفتيه ليعطيها ما تريده  ،  يعلم جيدًا نواياها ويعلم ما تسعى إليه ولكنه مقيدٌ بجنونها الذي سيقلب الأمور رأسًا على عقب  ،  لم يُسمح له بالثورة بعد بل أنه يحتاج عشقها هذا لذا قبلها لتبادله سريعًا باحتراف ومهارة وباتت تحاول فك أزرار ثيابه ولكنه قبض على يديها ثم ابتعد إنشًا وهمس   :

- توقفي  .

ابتعد خطوة يطالعها فوجدها تتلوى احتياجًا له لذا زفر بقوة ثم أردف  :

- لم ينتهِ حديثنا  .

فتحت عينيها تطالعه بمكر يتلاعب على محيّاها ثم حاولت الاقتراب وهى تقول بنبرة هادئة تنافي تمامًا ما كانت عليه بعدما امتصت قبلته جنونها  :

- دعنا لا ننهيه ثائر  ،  فلتخرسني مجددًا  .

وقف يطالعها بثبات فابتسمت وامتدت يدها تحل عقدة رباط مئزرها وأسقطته أمامه تردف بإغواء  :

- ألم تشتاق؟ 

عهدها جريئة بل تتصدر قائمة الوقاحة لذا لم تهتز به شعرة حتى وإن تحركت غرائزه ولكنه بـ.ـارع في التخفي لذا رفع سبابته قبل أن تلتصق به وعاد خطوة للخلف وهو يسترسل بنبرة مبهمة  :

- توقفي الآن  ،  أخبرتكِ ألا تخطئي وفعلتِ لذا ستعاقبين  ،  هذه المرة ليست كغيرها مارتينا  ،  أنتِ قـ.ـتـ.ـلتِ فتاة بريئة  .

هزت كتفيها تردف بابتسامة خبيثة  :

- لا أهتم  ،  وإن كان العقاب منك سأفرح  ، واعلم أنني سأفعلها دومًا وسأقـ.ـتـ.ـل أي أنثى تقترب منك  .

-  أنتِ تكثرين من وضع الحواجز بيننا  ، بعد كل تلك السنوات لم ت عـ.ـر.فيني بعد  .

- لطالما كانت هذه رغبتك  ، أنت لا تسمح لأحدٍ بالغوص في بحرك ثائر ولهذا قـ.ـتـ.ـلت تلك الفتاة  ، فأنا لا أعلم هل ستحبها أم لا ولن أجلس بهدوء وعقلي يهيئ لي أنك ربما تفكر بها أو تعجب بها .

قالتها وانحنت تلتقط مئزرها وترتديه أمامه ثم أردفت بثقة وتباهٍ وعينيها عليه وهي تغلق رباطها :

- لا تقلق  ، لن يعاقبني على مافعلته أحد سواك  ،  مازال هناك شيئًا مميزًا انتفع به من والدي وهي نفوذه  ،  لذا اطمئن  ،  هيا لنخرج ونرى معاذ سيفرح حينما يرانا سويًا  .

وقف يتأملها لبرهة  ،  لم تكن قط تلك المرأة الهينة  ،  لم تكن يومًا مسالمة بل هي امرأة الخراب ذاته  ،  جنونها زاد من قوة الضغط عليه لسنوات وبرغم ذلك يكتم ثورته في أعماق بحره .

  زفر بقوة ثم تحرك يغادر الغرفة وهي خلفه تبتسم بانتصار وهو أمامها عقله ملغمًا بالأفكار ولسان حاله يردد  ؛  كيف ومتى ستكون ثورته  .

❈-❈-❈

عملها في الشركة الصينية مع زميلتيها وزميلها قد أفادها كثيرًا لتتخطى الرهاب الإجتماعي الذي كانت تشعر به  ،  ربما لا تظهر بطبيعتها وعفويتها سوى مع عائلتها وخاصة شقيقها ولكنها اعتادت على زملاء عملها بل أحبتهم خاصةً مايسة قليلة الكلام  .

أنهت ترجمة العقود من العربية إلى الصينية وجمعت الأوراق ثم نهضت لتطبعهم ولكن أوقفتها زميلتها فرح تسأل بنبرة فضولية  :

- رايحة فين يا دينا  ؟

التفتت تطالعها بنفاذ صبر فهي تثرثر منذ أن بدأ الدوام لذا أجابتها بنزق  :

- هطبعهم يا فرح وراجعة مش مسافرة الصين أنا  .

زفرت وغادرت المكتب فابتسمت عليها مايسة وسلطت أنظارها على حاسوبها دون إعطاء الأمر أهمية بينما كان  شريف يختلس النظر إليها وفرح تلاحقهما بعينيها وتبتسم بمكر  .

تحركت دينا في الردهة المؤدية للمطبعة الخاصة بالشركة وأثناء مرورها من أمام المصعد انفتح بابه وخرج منه شابًا بشكلٍ مفاجئ اصطدم بها فوقعت الأوراق من يدها  .

شهقت ولم تنظر له بل تمتمت بتجهم وضيق   :

- يووووه بقى  ،  مش ناقصة أنا صدف المسلسلات التركي دي  .

انحنت تلملم الأوراق فوقف يتفحصها ثم تحدث باللغة الفصحى  :

- أعتذر منكِ آنستي  .

قطبت جبينها متعجبة من نطقه لذا رفعت أنظارها تطالعه لتجده شابًا صينيًا وخلفه يقف اثنان من الحراس  .

فرغت فاهها ونهضت تطالعه لبرهة ثم تحمحمت وأردفت بهدوء يخفي تباهٍ بلغتها الصينية  :

- 不 在你身上 ( لا عليك).

رفع حاجبيه بإعجاب ثم وضع كفيه في جيبيه وتابع بالصينية   :

- 合法化 中国人 ( تتقنين الصينية  ) 

- 一点  ( قليلًا)

نطقتها بابتسامة هادئة فأومأ ثم تحرك وتبعه حراسه والتفتت هي تكمل طريقها بأنفاسٍ متصاعدة من هيبته وهيأته ولكنه توقف عن السير يلتفت ويسألها بالفصحى  :

- ما اسمك آنستي  ؟

تجمدت لبرهة ثم التفتت تنظر له بتعجب ولكنها أجابته بنبرة مغلفة بالجدية  :

- اسمي دينا  .

أومأ له والتفت يكمل طريقه فعادت تلتقط أنفاسها وأكملت طريقها وهي تنسج قصصًا وخيالات وتبتسم على سذاجتها وخيالاتها   .

❈-❈-❈

بعد مرور أسبوع  .

استنفذ فيه كمال طاقته وقضاه في الحزن والعُزلة في غرفته  ،  عاملته ديما كما تعامل مالك ولكن بمشاعر مختلفة تمامًا  ،  بنوعٍ من الرأفة ساندته وواسته هي وأسرتها  .

كان بعيدًا عن طباعه  ، وديعًا مسالمًا وكأن موت والدته كان انهدام لقلعة جبروته  .

على باب شقتها كانت تقف مع داغر الذي أتى ليعطيها أغراضًا ويطمئن عليها  ، وقفت تلتقط منه الأغراض وتقول بامتنان وابتسامة محبة  :

- تعبتك معايا الأسبوع ده يا داغر  .

مد يده يلكم رأسها بخفة قائلًا  :

- بقيتي مملة  ، جوزك عامل إيه دلوقتي  ؟

نطقها باهتمام من أجلها لا من أجله لذا أومأت تردف  :

- بيتحسن يا داغر  ، ماكنتش أتوقع إن موت مامته هيأثر عليه أوي كدة  .

زفر يومئ ثم تابع  يدعو  بشك :

- يارب بس يكون دافع ويتغير للأحسن  .

- يارب يا داغر  .

سمعه ينادي لذا استرسل وهو يربت على ذراعها  :

- يالا ادخلي إنتِ شوفيه ولو احتجتِ أي حاجة كلميني  .

أومأت والتفت يغادر مسرعًا فأغلقت الباب بتنهيدة قوية وتحركت تضع الأكياس على مائدة الطعام ثم توجهت نحوه لتجده يجلس على فراشه ويشير لها أن تجاوره قائلًا  :

- ديما تعالي عايزك  .

اتجهت بترقب تجلس أمامه وتطالعه بعيون متسائلة لتجده فجأة يلقي بنفسه في حـ.ـضـ.ـنها ويبكي  ،  تصنمت تستوعب فعلته لتجده يهتز ويردف داخلها  :

- مبقاش ليا حد يا ديما  ،  أمي مـ.ـا.تت وسابتني  ،  مابقاش ليا غيركوا  .

بعاطفة لفت ذراعيها حوله تربت على ظهره وتسانده وتردف بنبرتها اللينة :

- اهدى يا كمال  ،  ماما ارتاحت وربنا رحمها  ،  إنت عارف إن وضعها كان بيسوء يوم عن يوم  ،  ادعيلها بالرحمة  .

ابتعد عنها يومئ مرددًا  :

- بدعيلها دايمًا  .

رفع نظره يتعمق فيها ثم استرسل  :

- إنتِ بنت أصول  ،  اتحملتي معايا مسؤوليتها  ،  ماقصرتيش معاها وشيلتيها في تعبها  ،  أنا عمري في حياتي ماهنسالك اللي عملتيه معاها  .

صدقته  ،  صدقته لأنه يتحدث بهذه الطريقة للمرة الأولى لذا أردفت بصدق  :

- أنا عملت ده لنفسي يا كمال  ،  سواء أسأت ليها لنفسي سواء أكرمتها لنفسي بردو  ،  أنا مؤمنة جدًا بالحكمة اللي بتقول افعل يابن آدم ما شئت فكما تدين تدان  .

تأملها لبرهة شعر فيها بالخوف الذي تبخر سريعًا وهو يسترسل ويقتنع بأفكار نفسه  :

- خلينا نبدأ صفحة جديدة مع بعض يا ديما  ،  أنا عارف إني عصبي وطباعي صعبة شوية بس أنا مابقاش ليا غيركوا  ،  وصدقيني أنا بحبك جدًا واللي في قلبي ليكي كبير أوي  ،  خلينا ننسى أي حاجة عملناها في بعض قبل كدة ونفتح صفحة جديدة ومن هنا ورايح في أي مشكلة تحصل بينا هنتناقش ونحلها  ، المهم مـ.ـا.تبعدوش عني  .

ابتلعت لعابها وشبح ابتسامة مر عليها وهي تجيبه بنبرة مبطنة بعدم الأمان  :

- هنبعد عنك إزاي بس يا كمال  ، إحنا معاك دايمًا وصدقني فترة صعبة وهنعديها سوا  ، ومادام إنت نويت نبدأ من جديد هتلاقيني دايمًا إيدي ممدودة للصلح  ، إنت عارف إني مش بحب أي خناقات بينا ولا بحب جو التـ.ـو.تر والمشاكل   .

مد يده يتحسس وجنتها ويبتسم مردفًا بتأكيد  :

- عارف طبعًا  ، صحيح أوقات بتستفزيني بهدوءك بس أنا بحبك زي مانتِ كدة  .

ابتسمت بتكلف ولم تناقشه فانحنى يقبلها فجأة فتهاوى قلبها وشعرت أنها تتنفس في قدميها فلم تستطع مبادلته بل تجمدت لثوانٍ لذا ابتعدت يحدق بها متسائلًا بملامح متجهمة لا تمت لحديثه بصلة  :

- مالك يا ديما متخشبة كدة ليه  ، ماوحشتكيش ولا إيه  ؟

تحمحمت ورفعت كفها تعيد خصلاتها خلف أذنيها بتـ.ـو.تر تجيبه  :

- لا أبدًا اتفاجئت  .

زفر وعاد يقبلها فادعت الاستجابة وهي تتمنى لو استطاعت مبادلته بصدق ولكن لا تعلم ما الذي أصابها  ،  موجة من الصقيع اجتاحت مشاعرها نحوه هكذا فجأة  ..  أو على مراحل متعددة ولكن هبت على عقلها الآن رياح مقولة قرأتها في كتاب بحر ثائر والتي كانت  .

( تظاهر أنك تصدقهم في كل مرة تشعر أنهم مخادعون ، تظاهر فقط ) .
لم يكن صمتي خيارا
ولم يكن غموضي قرارا....
كلاهما كانا إجبـ.ـارا...
في حين صمَتت أوجاعي
واتَّخَذَتِ الغموض ستارا.....
باحت كلمـ.ـا.تي
وروت عن غموضي سطورا
******************
صمتي لم يعني يوما أني بلا ألم...
لكنه ربما عَنَى أني بلا أمل....
بحر ثائر كلي عُقَد
لن تفهمني امرأة مثلك بلا عُقَد....

( بقلم فيروزة )

❈-❈-❈

يقود متجهًا إلى صالة الملاكمة ويجاوره معاذ الذي يحب دومًا الذهاب معه ورؤية جولاته بحماس .

شاردًا في الطريق يفكر في عدة أمور ليخرجه معاذ بحديثه حينما قال بنبرة طفولية ذكية :

- أبي ، ليلة أمس كنت ألعب في الحديقة وحينما صعدت غرفتي وجدت جدي يعبث بأغراضي ، لا أعلم لِمَ فعل ذلك ولكني لم أرتح لفعلته .

لم يحرك ثائر ساكنًا سوى حينما نطق بغموض :

- لا تبالغ معاذ ، ربما كان يبحث عن شيء ضائع ولم يجده .

ابتسم الطفل ساخرًا ثم نظر لوالده يردف :

- أبي حتى أنا لا يمكنني تصديق ما تقوله ، لمَ سيبحث جدي عن أغراضه في غرفتي ، هل هناك شيئًا تخفيه عني ؟ أخبرني تعلم أنك يمكنك الوثوق بي .

التفت ثائر ينظر إليه بفخر ثم مد يده يملس على وجنته وعاد يتطلع نحو الطريق ويسترسل :

- بالطبع أثق بك جدًا ولكن حقًا لا أعلم لمَ فعل ذلك .

أومأ الصغير فاسترسل ثائر بنبرة مترقبة :

- هل أعطيته الكتاب الذي اقتنيناه له من يومين ؟

- نعم أبي أعطيته إياه وسعد به كثيرًا وأخبرني أنه يحب الأدب الروسي وخاصة ديستويفسكي ، حتى أنه فتحه وقرأه على الفور .

تعجب ثائر وشرد يفكر في أمرٍ ما فسأله معاذ بفطنة :

- أبي هل هناك خطب ما ، أشعر أنك تخفي شيئًا عني .

انتبه ثائر للصغير ومد يده يعبث بخصلاته ويجيبه بنبرة تحمل مرحًا خاصًا به :

- نعم ، الليلة الجولة ليست عادية ، الخصم هذه الليلة ليس بهين ، وإن تغلبت عليه ستواجهني في الحلبة .

قفز معاذ بحماس وهو يكور قبضته ويضـ.ـر.ب الهواء بها مردفًا بحماس :

- أجل هذا هو .

ابتسم على طفله وقاد يفكر في كل شيءٍ يحدث حوله ، أعداءه وابنه وطليقته ووالدها ، والدها الذي استطاع بنفوذه إبعادها عن أي شكٍ أو اتهامٍ خاص بموضوع إلوا الذي قيد على أنه حادث وزورت الدلائل والتقارير كالعادة .

❈-❈-❈

منذ أسبوع وهي تحاول الوصول إليه بشتى الطرق ولم تستطع .

ذهبت إلى محل عمله ولم تجده ، حاولت الاتصال عليه مرارًا وتكرارًا وهاتفه مغلق ، تتلوى على صفيحٍ ساخن وتتوعد ألا تتراجع عما نوت ولكن ليظهر ، علمت من العمال أن والدته توفت لذا هدأت قليلًا ولكنها لا زالت تحاول الوصول إليه عبر الهاتف برسائل واتصالات .

لعنت وصفعت باب غرفتها وهي تغادرها فلمحتها والدتها لذا قالت بتوبيخ :

- براحة ع الباب ياهانم ، بدل ما يتخلع في إيدك ومانعرفش نصلحه .

نبرتها حملت سخرية فنظرت لها زينة بغيظ وأردفت محتدة :

- بلاش كلامك ده دلوقتي أنا على أخري .

اتجهت والدتها تجلس على الأريكة وتساءلت بترقب :

- ليه بس ؟ هو بردو ماردش عليكي ؟

زفرت باختناق واتجهت تجلس جوارها وتسترسل بشرود :

- موبايله مقفول ، يفتحه بس وهتشوفي .

تنهدت والدتها وربتت على ساقها تردف بنبرة نصوحة :

- بلاش السكة دي يا زينة ، ده واحد متجوز وشكله مش سهل بردو .

ضحكت زينة عاليًا والتفتت تحدق في والدتها ثم أجابتها بثقة وتأكيد :

- بالعكس ، كمال مكشوف بالنسبالي واللي زيه أعرف كويس ازاي أتعامل معاه ، أوعي تفكري إنه هيبقى زي الموظف الكحيان اللي كنت متجوزاه لاااااء ، وبعدين هو مش مرتاح مع مـ.ـر.اته ، يعني أنا مش هخرب بينهم هي كدة كدة مخروبة من قبل ما اقابله ، سبيني بس يا ماما وبلاش ضميرك اللي بيغطس ويقب ده الله يسترك ، عاجبك يعني وضعنا والدنيا اللي مديانا ضهرها دي ؟

نظرت والدتها حولها ثم زفرت بقوة وأردفت بنبرة مبطنة بالاقتناع :

- ربنا يجيب اللي فيه الخير .

- هيجيبها خير بإذن الله أنا مش بعمل حاجة غلط ده جواز .

❈-❈-❈

يقود متجهًا إلى زبونه الذي اعتاد التردد عليه بعدما أتاه اتصالًا منه يخبره بعطله الذي واجهه أثناء عودته من عمله .

الطريق مزدحم لذا يقود بهدوء حتى لا يصطدم بأحدهم ، انعطف يمينًا حسب العنوان فلمح الرجل يقف أمام سيارته ينتظره .

توقف داغر وترجل يتجه إليه ثم رحب به وأردف وهو يتجه ليفتح غطاء السيارة :

- قلتلك نغير البطارية علشان مـ.ـا.تعطلش تاني .

ضحك الرجل وأجابه باستفاضة :

- معلش بقى العين بصيرة والإيد قصيرة ، اصبر عليا لما أقبض الشهر ده وربنا يسهل ، ظبتهالي بس مؤقتًا كدة .

أومأ داغر واتجه نحو سيارته يحضر عدته ويردف بترقب :

- هنشوف أهو .

عاد للسيارة يفحصها والآخر يقف يطالعه ولكن اعتدل داغر يزفر ويطالعه قائلًا :

- مش هينفع يا طارق ، لازم تروح الورشة ولازم البطارية تتغير .

ظهرت غيوم الهموم في عين طارق وتنهد يفكر كيف سيدبر ثمن البطارية الآن ولكن جاء حديث داغر كالغيث يبخر همومه حينما استرسل :

- هركبلك بطارية من اللي عندي ولما تقبض نتحاسب .

نظر له طارق بامتنان يساوي العالم فزفر داغر بضيق وابتعد يحضر حبلًا من سيارته ، لا يحب التباهي بخيرٍ يفعله بل إن الشهامة باتت جزءًا لا يتجزأ منه ، انتشل سلسالًا آخره خطاف واتجه يناوله إلى طارق ويردف برصانة :

- امسك ده أنا هطلع قدامك وانت اشبك العربيتين في بعض وهسحبك لحد الورشة .

اومأ طارق واتجه ينفذ بينما استقل داغر السيارة وتحرك بها للأمام وتوقف منتظرًا طارق .

في تلك الأنثاء كانت بسمة تترجل من شركة صديق والدها بعدما أتت لزيارته ، وصلت الى الشارع وكادت أن تستقل سيارتها ولكنها لمحت داغر يمكث في سيارته ، وقفت متعجبة تتفحصه ثم هبت رياح كلمـ.ـا.ت ماجد على عقلها لذا تملكها الغضب واتجهت إليه تطرق زجاج سيارته فالتفت لها وحينما رآها توقف عقله للحظات يستعيد هويتها لذا فتح الزجاج يطالعها بتعجب فتحدثت بانزعاج :

- ممكن أفهم بتعمل إيه هنا ؟

- نعم ؟

قالها بعدم فهم فزفرت بضيق وتابعت باندفاع لا يمت لها بصلة :

- إنت بتراقبني ؟

تجلت الصدمة على ملامحه وفي نبرته حينما أردف :

- براقبك ؟!

كادت أن توبخه لولا مجئ طارق من جوارها يطالعها بتعجب ثم تجاهلها ونظر إلى داغر يردف :

- يالا يا داغر أنا ربطت العربيتين أهو .

نظر له وأومأ يقول :

- تمام اركب عربيتك يالا .

اتجه طارق يستقل سيارته فشعرت بسمة بالإحراج وودت لو تنشق الأرض وتبتلعها ولاحظ داغر شحوب ملامحها ثم همست بخجل وهي تطرق رأسها لاعنة تسرعها هذا :

- أنا أسفة ، أنا بس فهمت الأمور غلط .

أومأ وتعمق فيها يحاول استكشاف ماهيتها بعدما أثارت فضوله لذا أجابها بمغزى :

- كدة مرتين بتفهم غلط ، المرة الجاية هفكر إنك مستقصداني .

ابتلعت لعابها بحرج وعادت تعتذر وهي تعيد خصلاتها خلف أذنها بتـ.ـو.تر :

- بجد أسفة ، عن اذنك .

تحركت من أمامه تستقل سيارتها وتغادر على الفور ليزفر بقوة ثم بدأ يتحرك هو الآخر ساحبًا خلفه سيارة طارق الذي يجلس متعجبًا منهما .

قادت تعنف نفسها على اندافعها الغريب عليها فقد عُرفت متزنة وعملية ولكن يبدو أن الصراع الذي تعيشه هذه الأيام هو الذي دفعها لهذه الأفكار .

أما داغر فيقود بتعجب منها ، اتضح له أنها تعاني من انعدام الثقة فيمن حولها ، هل ظنته يتبعها ؟ لَِ سيفعل ؟

❈-❈-❈

إن الانسان لكنود ، يعبث دومًا بسكينته على أمل العثور على الأفضل ، أولم يخبرنا تعالى في كتابه ( عسى أن تحبوا شيئًا وهو شرٌ لكم ) ؟

وقفت تودعه كعادتها فقبلها بحبٍ وامتنان ثم ابتعد يردف :

- لو احتجتي أي حاجة كلميني وهبعتهالك .

تحمحمت تجيبه بتـ.ـو.تر بدىَا عليها :

- لاء سلامتك بس لو سمحت تخلص وتيجي علطول علشان عايزة أروح أنا وأنت مشوار .

قطب جبينه بتساؤل ونطق بترقب :

- مشوار إيه يا يسرا ؟

ابتلعت لعابها ثم تعمقت بنظراتها فيه مسترسلة :

- الدكتور اللي كلمتك عنه ، جه من ألمانيا وأنا تواصلت معاه على الانترنت وحجزت .

نظر لها بخيبة وحزن ثم أردف بتعجب :

- حجزتي ؟ يعني تواصلتي معاهم وحجزتي من غير ما ترجعيلي ودلوقتي بتحطيني قدام الأمر الواقع مثلًا ؟ مش كنا قفلنا على الموضوع ده ولا إيه ؟

تبدلت ملامحها تجيبه بانزعاج ولم تعد تشعر بالراحة :

- ماينفعش الموضوع ده بالذات تقفل عليه يا دياب ، ماينفعش أبدًا ، أنا مش مرتاحة كدة ، فيها إيه لو جربنا الدكتور ده مش يمكن يكون كويس !

مسح على وجهه يستغفر حتى لا يظهر غضبه وضيقه أمامها ثم عاد يطالعها ويردف بتأنٍ :

- ماشي يا يسرا ، هاجي معاكي ، بس علشان مايحصلش زي كل مرة لو الدكتور ده قال نفس الكلام اللي سمعناه مليون مرة قبل كدة أوعديني تتقبلي الحقيقة ومانفتحش سيرة الموضوع ده تاني .

تـ.ـو.ترت نظرتها وأردفت وهي تعاتبه :

- ليه بتعمل كدة يا دياب ؟ هو إنت مش نفسك يكون عندنا طفل ؟ مش ربنا سبحانه وتعالى طلب مننا السعي ؟ ليه دايمًا بتحبطني من ناحية الموضوع ده ؟

رفع كفيه يحيط وجهها وتابع موضحًا :

- أبدًا ، مش بحبطك بالعكس أنا بخاف جدًا على زعلك ، وعارف إن كل مرة بتبني قصور من رمال يا يسرا ومش بتتحملي الحقيقة .

- لإني عندي أمل ، خليني اتأمل يا دياب مش هيبقى لا حقيقة ولا خيال .

نطقتها بحزن فتنهد بقوة يستدعي الصبر والتحمل وصمت لبرهة ثم استغفر وسحبها يعانقها ثم أومأ يردف بنبرة لينة كي لا يحزنها :

- تمام يا يسرا خلاص روقي ، هخلص بدري واجي نروح .

عانقته بقوة بل اعتصرته داخلها تستشعر الأمان والسكينة وهي تومئ له ثم ابتعدت عنه تطالعه بحب مردفة بنبرة معذبة :

- أنا بحبك أوي ، وأمنيتي إن يبقى عندنا طفل ويكون شبهك ، فاهمني ؟

- فاهمك جدًا ، وأنا كل اللي بتمناه من الدنيا هو إنتِ وطبعًا لو ربنا رزقني بطفل منك يبقى بالدنيا ومافيها .

نطقها بصدق لتشعر بالراحة وهي تبتسم لذا قبل جبينها وودعها وتحرك يغادر وهو يدعو الله أن يسمعا أخبـ.ـارًا سارة هذه المرة لأجلها فقط .

❈-❈-❈

مساءًا

خرج كمال من عزلته يجلس مع صغاره وزوجته في الصالة .

كان الصغيران يلعبان بالكرة ويضحكان وكان يطالعهما بشرود ، البيت ينبض بالحياة بسبب ضحكاتِهما ، نظر حوله لبرهة ، لم يعد هناك صراخ والدته باسمه ويمكنه بسهولة الاسترخاء دون أن تـ.ـو.تره ولكنه اشتاق لها .

اشتاق لرؤيتها وهي تدافع عنه بشراسة ، اشتاق لها وهي تبث فيه العزيمة والقوة ليكمل حياته بهيبة ورجولة تكمن في نبرته العالية وتوبيخه على أخطاء ديما .

جاءت ديما من مطبخها تحمل صينية محملة بالمقرمشات والتسالي واتجهت تضعها أمامه ثم نادت على صغارها بهدوء قائلة :

- يالا يا مالك يالا يا رؤية تعالوا كلوا .

تقدم الطفلان نحو الطاولة يأكلان من التسالي التي ناولتهما لهما ديما وتمسكت بصحنٍ تعبئه لزوجها ثم ناولته له واتجهت تجلس جواره وتبتسم متسائلة بترقب :

- عامل ايه دلوقتي ؟

تنفس بعمق ثم تناول منها الصحن ووضعه على ساقه يلتقط منه القليل ويلوكهم في فمه ثم أردف بشرود :

- كان زمانها عمالة تصرخ دلوقتي .

- الله يرحمها ويغفر لها .

نطقتها ديما بصدق ثم تابعت بتريث :

- افتح موبايلك يا كمال وانزل شغلك ، هون عن نفسك شوية .

أومأ مؤيدًا يردف وهو يلتقط إحدى المقرمشات :

- صح ، كفاية كدة ، لازم أنزل الشغل بقى .

زفرت بقوة تود إخبـ.ـاره بما تريد لذا أردفت بنبرة قلقة :

- كمال عايزة آخد رأيك في حاجة .

التفت يحدق بها وتساءل بترقب :

- خير ؟

ابتلعت لعابها وأجابته بتـ.ـو.ترٍ ملحوظ وهي تفرك كفيها :

- إنت عارف إني بحب الكتابة ونفسي من زمان آخذ الخطوة دي وأجرب أكتب روايات وكدة وقلت آخد رأيك .

- اسمها تستأذنيني يا ديما مش تاخذي رأيي .

نطقها بنظرات ثاقبة لتتنفس بعمق وهي تومئ له مؤيدة وتجيبه :

- استأذنك ، إيه رأيك لو أجرب ، ومـ.ـا.تقلقش مش هجرب أنشر ورقي خالص دلوقتي ، هكتب روايات إلكترونية وأشوف نفسي الأول ، إنت عارف إني بكتب خواطر وبنزلها وناس كتير جدًا بيعجبها كلامي .

انزعج من تصريحها الذي قالته بنية صافية أو ربما أرادت أن تثبت له تميزها ولكنه تجهم وتساءل بنبرة أنانية مغلفة بالغيرة :

- ناس مين ؟ أوعي يكونوا رجـ.ـا.لة ؟

- لاء لاء ، كلهم ستات ، اطمن يا كمال هو إنت مش عارفني ولا إيه ؟

أومأ بصمت ثم بحث عن شيء يحبطها به فتابع :

- وافرضي الكتابة دي عطلتك عن بيتك واولادك وعني ، يبقى ليه وجع الدماغ ده ؟

تحلت بأقصى درجات الهدوء حتى يقبل وأردفت بنبرة هادئة مقنعة :

- مش هتعطلني يا كمال ، ومش وجع دماغ بالعكس دي بتحسن مزاجي ، وأنا هعرف أنظم وقتي كويس ولو لاحظت مني أي تقصير وقفني .

أومأ بقبول فها هي تقدم له الحجج على طبقٍ من ذهب لذا زفر وأردف بنبرة مبطنة بالكذب :

- ماشي ، اكتبي ربنا يوفقك ، وبعدين أنا افرح لك بردو لما تعملي حاجة بتحبيها .

ابتسمت وتنفست بـ.ـارتياح ولكنه تذكر شيئًا ما لذا تساءل :

- بس هتكتبي على إيه ؟

تـ.ـو.ترت مجددًا وقررت مصارحته لذا نطقت وهي تدعو الله ألا تنقلب الأمور رأسًا على عقب :

- موبايل داغر لسة معايا يا كمال مارجعتوش .

كان يعلم ذلك ويلاحظ جيدًا ولكنه لم يعقب على الأمر ومع ذلك التفت يطالعها بنظرة حادة ويردف بهدوء مبهم :

- ماشي ، بس خدي بالك دي أول غلطة أهي في الصفحة الجديدة ، هعديها بمزاجي .

ها هو يؤكد لها أنه مخادع ، لم ولن يتغير أبدًا لذا نهضت تتجه نحو المطبخ لتستدعي الهدوء بينما هو أردف بحدة :

- واد يا مالك ، روح هات لي موبايلي من الدرج .

ركض الصغير يطيع والده وبالفعل عاد ومعه الهاتف فتناوله كمال وفتحه ليرى مستجدات غيابه ولكنه تفاجأ بكم رسائل نصية ومكالمـ.ـا.ت وصلته من تلك الزينة والتي يسجل رقمها باسم مستعار .

نظر نحو المطبخ ليتأكد من غياب ديما ثم نظر نحو صغاره فوجدهما يلعبان لذا بدأ يفتح الرسائل ويقرأها وعلى ثغره ارتسمت ابتسامة من وقع كلمـ.ـا.تها ولكنه أجفل على صوت ارتطام أتى من الداخل لينهض ويتجه نحو المطبخ فوجد ديما تقف تنظر نحو كأسًا متهشمًا فسألها بتعجب :

- إيه اللي حصل ؟

رفعت نظرها تطالعه حيث جالت على عقلها مقولة ثائر فابتسمت وأردفت بغموض :

- وقع غصب عني .

❈-❈-❈

بعد مرور شهر

الإرادة
كلمة ليست مباحة للجميع ولا يمتلكها إلا أصحاب السمو والفخامة
لا يفقهها رجلٌ تعهد أن يغير سلبياته وفشل ، ولا تدركها امرأة قررت اتباع حمية غذائية ولم تفعل .
نحن نريد ولكن لا نتملك الإرادة . ( بقلمي آيةالعربي )

تعهد بالتغيير ولكن تغييره كان ظاهريًا فقط ، نقده على الهفوات لم ينتهِ ، رفضه على اللاسبب مستمر ، ضـ.ـر.به بالكلمـ.ـا.ت قائم ، ما تغير فقط هو اتباعه لأسلوب جديد بعيدًا عن الغضب ، أسلوب البرود والاستفزاز ولكن من المؤكد بروده لن يدوم فهو مثل البركان لا يُعرف موعد ثورانه .

أما هي فباتت تخرج طاقتها في الكتابة والنشر ، تكتب الروايات وتنشرها وتحدد اقتباسات راقت لها ثم تقوم بعرضها عبر الانستجرام ، حصدت الكثير من الإعجابات والمتابعات من داخل مصر ومن خارجها ، نساء راقت لهن كلمـ.ـا.تها ، لمست داخلهن شيئًا تخفيه كلٍ منهن خلف رداء القوة والكبرياء .

نساءً ادعين الشموخ والنجاح والتعافي ولكنهن أبعد ما يكون عن ذلك ، كلمـ.ـا.تها كانت مرآة لهن ، بل أنها أحيانًا تجردهن من هذا الشموخ فتقعن في فخ الوحدة والخذلان .

ذكورًا لم يكونوا رجالًا داسوا على قلوبهن ولم يبالوا ، ذكورًا لم يأخذوا من الإسلام سوى اسمه ، اتخذوا من الكتاب سطرًا وتركوا سطرًا آخر ليشبعوا فقط رغباتهم .

بخطٍ حزين كتبت على صفحتها عبر انستجرام .

( انقلبت موازين الطبيعة رأسًا على عقب وارتدى الخداع ثوب الفضيلة وأضحى الحق مدنسًا بعدما نجح الكذب في الوصول إلى العرش)

كان هذا آخر منشور دونته منذ ساعة قبل أن تنهض وتعد طعام الغداء ، اليوم ستذهب لترى أسرتها وتجلس بينهم ، تحتاج إليهم وتحتاج إلى ساعة فقط تحسن فيها مزاجها لذا ستعد الطعام له كما أخبرها وستذهب .

أطفأت الموقد ثم حملت هاتفها وهاتفت شقيقها الذي أجابها على الفور قائلًا :

- أيوة يا ديما ؟

تنفست وقالت بترقب :

- داغر ممكن تيجي تاخد الولاد وتوديهم عند ماما لحد ما أخلص !

كان يجلس يتحدث مع صالح ويحتسيان الشاي في استراحة قصيرة ولكنه نهض يردف برحابة صدر :

- هعدي عليكي أهو يالا جهزيهم .

أغلق معها ثم اتجه يغسل يده جيدًا وتحرك نحو الخارج يردف موجهًا حديثه إلى صالح الذي نهض ليعود للعمل :

- مشوار لحد بيت اختي وراجع يا صالح .

أومأ صالح وتحدث بنبرة هادئة :

- الله معك يا باش مهندس .

❈-❈-❈

يجلسون حول مائدة الطعام وتجلس بينهم صامتة ، تشعر بالغربة كعادتها دومًا ولكنها تتصنع التأقلم .

قطع الصمت عمها الذي تحدث بنبرة جادة وهو ينظر في صحنه :

- جهزوا نفسكوا كمان يومين هنطلع رحلة لشرم ، في هناك منتجع سياحي شركتنا هتتولى إدارته ، هنروح كلنا نشوفه ونقعد هناك كام يوم .

تحدثت زوجته تجيبه بملامح منفرجة وحماس :

- أنا عن نفسي مستنية الرحلة دي من أسبوع من وقت ما قلتلي ، وأكيد ماجد ماعندوش مانع .

نظر إلى ابنه وتساءل بهدوء مبطن بنبرة آمرة :

- أكيد يا ماجد جاي معانا مش كدة ؟

رفع ماجد نظره إليهما ثم نظر نحو بسمة التي تأكل بصمت وتترقب القادم بانزعاج داخلي ليتنفس بعمق ثم قال :

- مادام شغل يبقى جاي ، بس ماقولتش يعني يا بابا إننا هنروح!

- مانا بقول أهو ؟

نطقها بجمود فتابعت بسمة صمتها الذي ضايقهم لذا تساءل موجهًا حديثه إليها :

- ساكتة ليه يا بسمة ؟

توقفت عن مضغ الطعام ورفعت نظرها تطالعه بنظرات مبهمة ثم ابتسمت وتحدثت بهدوء :

- لإني مش جاية معاكوا يا أونكل .

نظرات كسهامٍ حادة باغتها بها لتردف زوجته بحدة :

- ليه بقى إن شاء الله ؟ أومال عايزة تقعدي هنا لوحدك ؟ لا لا لا لاء مش هينفع الكلام ده خالص .

قالتها وهي تلوح بيدها فزفرت بسمة بضيق وتركت مافي يدها ثم صوبت نظراتها نحوها تردف بتأنٍ :

- حضرتك روحي وانبسطي ومـ.ـا.تشليش همي خالص ، مافيش أي مشكلة إني اقعد لوحدي هنا .

اغتاظت ونظرت لزوجها الذي تحدث بنبرة صلدة :

- مش عايزة تيجي ليه ؟ قوليلي سبب مقنع ، وبعدين ده شغل تبع الشركة مش رايحين نلعب .

ابتسمت له وأجابته بثبات :

- علشان كدة بالضبط يا عمو ، لو كنا رايحين نلعب يمكن كنت فكرت بس ده شغل يبقى الأوْلى أخليني هنا وآخد بالي من الشغل هنا لحد ما ترجعوا .

نظر ماجد لوالده الذي صمت لبرهة وأردف بترقب :

- خلاص يا بابا مش مشكلة أنا ممكن أفضل هنا مع بسمة نتابع الشركة وحضرتك وماما تروحوا .

- لا أنت هتيجي معانا .

نطقها بصرامة وعاد يأكل ليشعر ماجد بالضيق ولكنه رضخ لأمره بينما ابتسمت بسمة تشعر بالانتصار خاصة ونظرات زوجة عمها لها تعبر عن مدى استيائها مما يحدث .

❈-❈-❈

تحب التحديات خاصةً حينما يكون التحدي بينها وبين نفسها ، تعهدت ألا تنحل من حوله أبدًا ، سيصبح لها وانتهى الأمر .

لتكن متفوقة عليه في تلك النقطة ، فهي تمتلك إرادة حتى لو كانت تديرها بشكلٍ عكسي ولكنها تتقن جيدًا استعمال أسلحتها لتوقع به .

لم يكن ذاك الرجل الذكي ليستشف مكرها ، بل أن عصابة عينيه جعلته يرى بها ما لا يراه بزوجته ، أنوثة طاغية ، دهاء ثعلبي ، عبـ.ـارة عن لوحة ملونة بعدة ألوان جميعها تجذبه بينما لا ترى عينيه في زوجته سوى لون النقاء الذي يشعره بالملل .

ذهبت إليه في محل عمله ومن هيأتها استشف أنها تبكي ، نظر لها بقلق وهي تخطو وتجلس أمامه فتحمحم ونظر للعمال بضيق ، أخبرها ألا تأتي إلى هنا ، ليكن حديثهما في الهاتف فقط ولكنها أتت .

زفر ونظر لها فعاودت البكاء ونظرت له بضعفٍ وانكسار أتقنت صنعهما وتحدثت بنبرة متحشرجة :

- أنا عارفة إن أنت منعتني أجيلك هنا بس أنا مخـ.ـنـ.ـوقة وقلت أخرج أشم هوا لقيت رجلي جيباني لعندك .

انـ.ـد.مج معها وتجاهل نظرات العمال من حوله وتساءل باهتمام :

- إيه اللي حصل يا زينة ؟

- طليقي عايز يرجعلي ، والمصيبة إن أمي عمالة تضغط عليا أوافق أرجعله .

نطقتها بملامح مصدومة ليدرك إحساسها فتعجب متسائلًا :

- تضغط عليكي إزاي ؟ وإنتِ ليه توافقيها أصلًا ؟

دققت النظر فيه واستطردت بنظرات مبهمة :

- أنا مش هوافق طبعًا ، أوافق إزاي وأنا قلبي متعلق بحد تاني ومش عارفة أطوله .

تـ.ـو.ترت نظرته فابتعد ينظر حوله وحينما اطمأن عاد إليها يطالعها بعيون متفحصة ويتساءل بترقب :

- اللي هو مين ؟

- إنت طبعًا .

نطقتها بثقة وتأكيد فتحمحم يشعر بالهيمنة والتباهي ثم نفش كتفيه يردف بنبرة تغلفت بالحدة :

- يبقى تفهمي أمك الكلام ده ، واللي إنتِ محتجاه هيوصلك ، واصبري عليا لما أزبط أوضاعي وهجيلك أنا مـ.ـا.تجيش إنتِ هنا .

شعرت بانتصار عظيم ، منذ شهر وهي تتواصل معه وتستقطبه بأساليبها المتعددة ، ترسل له الأشعار والمدح في تصرفاته وملامحه وتفاصيله ، شهر وهي تعطيه الشعور بالتميز والانفراد وكم أنها وجدت فيه الهيمنة والرجولة التي لم تجدها في غيره ، والآن باتت على عتبة تحقيق الأهداف .

امعنت النظر فيه وبابتسامة اختلطت بدمـ.ـو.عها المسرحية أردفت :

- بجد يا كمال ؟ يعني أنت مش بتضحك عليا ولا بتستغلني ؟

اتسعت عينيه وأجابها بذهول مسرحي :

- استغلك ؟ عيب يا زينة مش كمال الوراق اللي يعمل كدة ، أنا الكلمة اللي بتطلع مني سيف على رقبتي .

قالها وهو يصفع رقبته بيده فابتسمت له تطالعه بنظرة فخرٍ وتابعت بثقة :

- عارفة إنك كدة ، بس الشيطان شاطر ، وأنا حبيتك واتعلقت بيك في وقت قصير وساعات بخاف تكون يعنــــــــــــي ....

- لا مـ.ـا.تخافيش ، يالا قومي روحي وهكلمك أنا في الموبايل .

ظلت جالسة تطالعه بعيون هائمة فابتسم يهز رأسه ثم مد يده ينتشل محرمة ورقية ويناولها إياها مردفًا باهتمام :

- خدي امسحي دمـ.ـو.عك وبطلي عـ.ـيا.ط بقى علشان مازعلش منك .

مدت يدها تلتقط منه المحرمة ولكنهما تجمدا حينما وجدا أمامهما ديما ، دلفت حاملة الطعام ليسد جوعه ، لتتفاجأ به يجفف دمـ.ـو.ع امرأة أخرى .

وقفت متجمدة هي الأخرى تطالع زوجها بنظرات مستفسرة ، لا تتذكر على مر السنوات التي تزوجته بها أنه حاول مرة إزالة دمـ.ـو.عها .

لم يتألم قلبها بل طُعنت روحها للمرة التي لم تعد تحصيها ، روحها المنهكة من أفعاله والتي لا تنقصها خيانة .

لم تتألم من مشاعره تجاه أخرى بل تتألم لمشاعرها التي يتعمد تجاهلها ، حياتها التي يدوسها ، تضحيتها التي تراها تذهب سدى .

نهض من مكانه يتجه إليها ويتساءل بتـ.ـو.تر توغله :

- أومال الولاد فين ؟

لم تشح عينيها عن تلك الجالسة تشعر بالتـ.ـو.تر أيضًا بل أجابته وهي تطالعها بنظرات مشمئزة :

- عند ماما .

نهضت زينة تلملم تشتتها وتحدثت بمغزى :

- طيب أمشي أنا بقى يا أستاذ كمال وابقى ابعت العمال ياخدوا الحاجة زي ما اتفقنا .

أومأ لها يردف بنبرة متعجلة من شـ.ـدة تـ.ـو.تره :

- تمام يا مدام زينة هبعتهملك بالعربية ومش هنختلف في السعر .

أومأت له وتحركت خطوة حتى وقفت مقابل ديما تحدق بها بنظرات مبهمة لم يصعب على ديما تفسيرها واسترسلت :

- عن إذنك يا مدام .

تخطتها ورحلت وتركته يقف بجانبها عاجزًا عن الكلام ، لم يزل تـ.ـو.تره بل زاد حينما وجدها صامتة وشاردة .

دام صمتها للحظات ثم تحركت خطوة تضع ما في يدها على المكتب ثم التفتت تطالعه بعمق مردفة :

- جبتلك الغدا قبل ما اروح عند ماما ، قلت أكيد جعان .

ابتسم لها وأردف بنبرة لينة غير معتادة :

- شكرًا يا حبيبتي ، طب اقعدي كلي معايا !

بعيون يملؤها الاتهام والنفور أردفت :

- اتغديت ، انا ماشية .

تحركت لتغادر وقلبها يخبرها بالركض ، يود الهرب ، يود الابتعاد عن هذا الرجل وعن محيطه ، يود كل شيء وأي شيء عدا أن يكون معه .

أما الآخر فقد لملم نفسه سريعًا بعدما استشعر النفور في نظرتها ونبرتها لذا ناداها قبل أن تغادر فالتفتت تطالعه فوجدته ينظر لها نظرة ثاقبة وأردف بجمود :

- مـ.ـا.تتأخريش ، أرجع ألاقيكي .

لم تجبه بل التفتت تكمل سيرها وتغادر قبل أن تتجمد الدماء في عروقها وتخر صريعة أمامه فهو لم يعد حبيبًا ولم يكن يومًا، لقد أصبح زوجًا خائنًا .

❈-❈-❈

ألا تدركين أنني أتألم ؟ ألا تشعرين بي حبيبتي ؟ كيف وأنا أخشى عليكِ من أنفاسي ؟ ألا يمكنكِ التوقف عن الضغط على الجرح الذي أُخفي نزيفه عنكِ ؟

تجاوره في السيارة تنظر أمامها بشرود و ملامح متجهمة لا تصدق ما قاله الطبيب لهما بعد المتابعة .

يقود بشرودٍ مماثل ، هو أيضًا لا يصدق ما قاله ولكن أُضيئت داخله شرارة أمل خاصة بعدما أكد له أنه لا يعاني من أي مشكلات تنمعه من الإنجاب كما قيل له من قبل .

أراد أن يتحدث معها ويشاركها ما يشعر به خاصةً وأنه لا يدرك ما بها لذا تحدث بترقب :

- يسرا ؟ بتفكري في إيه ؟

آنت فرصتها لتتحدث لذا نطقت بضيق :

- يظهر إن كان معاك حق يا دياب ، ماكنش لازم نتابع مع الدكتور ده ، واضح إنه مش فاهم أي حاجة ، إزاي يعني بعد شهر من المتابعة قول إن الوضع طبيعي ؟

شعر بالغضب الذي دومًا يكظمه في حضورها لينطق بعدها بتريث :

- بالعكس أنا اللي شايف إن كان معاكِ حق لما تابعنا معاه ، الدكتور عمل اللازم كله وفعلًا أنا حاسس إن الوضع طبيعي ومافيش حد مننا عنده مشاكل غير بس المشكلة البسيطة اللي عندك واللي هتروح مع الأدوية زي ما قال .

نبش عش الدبابير داخل عقلها فهاجت وتحدثت باندفاع بات جزءًا لا يتجزأ من شخصيتها :

- يعني إيه الكلام ده يا دياب ؟ أنا فعلًا موضوع التكيس ده اتعالجت منه من زمان ، ودكتور محب قال إني بقيت زي الفل وإن المشكلة عندك إنت .

قبل أن تغلق فمها كان النـ.ـد.م يلتهمها على ما تفوهت به ليتوقف عن سيره جانبًا ويلتفت يطالعها بصدمة وحزن دام لثوانٍ ثم أردف باستنكار حزين :

- دلوقتي كلام دكتور محب جه على هواكِ ؟ مانا ياما قلتلك اسمعي كلامه وكنتِ رافضة ، ولا علشان الدكتور ده قال إن ماعنديش مشاكل ؟ للدرجادي إنتِ بقيتي أنانية يا يسرا ؟ هو المهم مين فينا عنده مشاكل ولا إننا نحلها ؟ أنا مابقتش فاهمك بجد .

اغرورقت عينيها بالدمـ.ـو.ع وأرادت أن تعتذر ولكن الصراع الذي يلتهمها داخليًا جعلها تبتلع لعابها وتلتزم الصمت بحسرة على أملٍ ودت إحياؤه عند ذلك الطبيب وانهدم فوق رأسها ، كيف يخبرها أن كل شيء بينهما طبيعي ؟ إذا لمَ إلى الآن لم تحمل بجنين داخل أحشائها ؟

حينما صمتت قرر الصمت مثلها وعاد يكمل قيادته وكلٍ منهما يأكله الحزن بسبب عدم تفهم الآخر له .

❈-❈-❈

يعجبها كونها تبدو للجميع قوية، صامدة، ذات أسسٍ وتيدة كبرج إيفل ولكن ما تخفيه داخلها كان عظيمًا

جلست تستمع لشكوى شقيقتها عمّا يحدث مع والدتها وعلى الجهة الأخرى تجلس والدتها تبرر لها بملامح حزينة من اتهامـ.ـا.ت ابنتها .

حولها الصغيران يلعبان و داغر يستحم في الحمام الجانبي ليزيل تعب يومه ، زفرت وفردت ذراعيها نحوهما تتحدث بنبرة حكيمة :

- ممكن تهدوا ؟

التفتت تنظر نحو دينا وتحذرها بعينيها حتى لا تزيدها على والدتها مردفة بتوبيخ لين :

- مايصحش كدة يا دينا دي ماما مش صاحبتك علشان تتكلمي معاها كدة .

التفتت نحو والدتها تستكمل :

- وانتِ يا ماما مـ.ـا.تبرريش حاجة أنا عارفة وفاهمة تفكيرك ، بس إنتِ قيمتك أغلى من كدة وأغلى من إنك تفكري فيه ، للأسف بابا خسر نعمة كبيرة أوي واختار طريق يشبهه ، إنتِ مش شبهه خالص يا ماما ولازم تحبي نفسك أكتر من كدة ، مش هو الإنسان اللي يفترض يشغل وحدتك ولو ثانية واحدة .

تحدق فيها وتبتسم ، تعشق أسلوبها اللين معها على عكس اندفاع دينا ، تعلم أن ابنتها محقة في كل كلمة لذا تنفست بعمق ونطقت بفخر :

- إنتِ اللي قيمتك غالية أوي يا ديما ، ربنا يكملك بعقلك .

اغتاظت دينا ونهضت تنتفض مردفة وهي تتجه نحو غرفتها :

- أيوة أصل أنا المـ.ـجـ.ـنو.نة اللي عمايلها لا تطاق يا ست ماما ، تعالوا يا ولاد لما أعلمكم كلمتين صيني تقولوهم لابوكوا لما تروحوا لما يسألكوا عملتوا إيه عند تيتة .

ركض الصغيران خلفها يهللان بسعادة بينما خرج داغر من حمامه يرتدي سروالًا وتيشيرتًا قطنيًا وحول عنقه منشفة ثم سلط عينيه على ديما التي تضحك على كلمـ.ـا.ت صغارها الصينية يقلدان خالتهما .

ابتسم واتجه يجاورها ونهضت منال تتجه نحو مطبخها ليردف وهو يرنو منها :

- عاملة إيه ؟

ضحكت مجددًا ولفت وجهها عنه ، تفهمه جيدًا وتفهم مغزى نظراته وسؤاله لذا أردفت بعفوية :

- أهلًا ، سيادة المحقق كونان .

مد يده يلف وجهها له ثم دقق النظر في عينيها فأبعدت يده تخفي ملامحها عنه ليسترسل مستفسرًا حينما تأكد من ظنونه :

- هتفضلي كدة كتير ؟ يابنتي اتكلمي معايا طيب ؟

زفرت بضيق وباغتته بنظرة حانقة تردف باستنكار :

- اتكلم في إيه يا داغر اللا ؟ أقوم أرقص يعني علشان ترتاح ؟

سمعتها دينا فخرجت من غرفتها تتمايل ويجاورها الصغيران يقلدانها في رقصتها وهي تردف بالصينية :

- أجل هيا لنرقص .

نزع منشفته وألقاها عليها ثم نهض يحمل الصغيرة التي تتمايل مثل دينا وقبض عليها ويدنو يقبلها مرددًا من بين صرخاتها :

- بترقصي يا بنت كمال ؟ إنتِ عارفة لو روحتي لأبوكي وقولتيله أنا رقصت عند تيتا هيقول عننا إيه ؟

- داغر ؟

نادته ديما محذرة بعينيها فأنزل الصغيرة بعدما قبلها مجددًا واعتدل يزفر ثم عاد إليها وجلس فتابعت :

- إنت كدة بتنبهها لحاجات هي مش واخدة بالها منها .

أومأ لها ثم حك رأسه يستطرد باستنكار :

- عمايل جوزك هي اللي بقت تنبهكم لأقل حاجة ، سيبك بقى واحكيلي عملتِ إيه في موضوع الكتابة ؟

انتعشت وتناست جُل ما بها وهي توضح له باستفاضة ولمعان عينيها يعبر عن حماسها :

- بكتب وبنزل على صفحتي ولقيت ناس كتير أوي بتشجعني وبأمانة فرحت جدًا ، وكمان اتعرفت على بنات من برا مصر وعجبهم كلامي عن المرأة وناس كتير منهم فكروا إني دكتورة نفسية .

قالت الأخيرة تدعي التباهي فأدرف داغر مشجعًا إياها بـ.ـارتياح :

- كملي بقى يا ديما وأنا متأكد إنك هتقدمي أحسن حاجة ، ولو عايزة كتب تستعيني بيها أنا ممكن أجبلك كتب الهندسة بتاعتي .

نطقها ساخرًا بمرح لترفع بذقنها وتردف بتعالٍ :

- هه ، كتب هندسة مين يا بابا ، أنا بقرأ لنخبة كتاب من جوة وبرا مصر إنت أصلًا ماسمعتش عنهم .

- زي مين مثلًا ؟

- تعرف ثائر ذو الفقار ؟

لا تعلم لمَ هو الذي ذكرته بالتحديد من بين جميع من تقرأ لهم ، ربما لأنها وجدت في كتابه غموضًا أثار فضولها ، فبرغم من كون كتابه من الكتب القيمة بالنسبة لها إلا أنها إلى الآن لا تستطيع تفسير كرهه لبلده ونساءها ، كان يجب أن تكرهه ولكنها لم تفعل ، هل هذه خيانة كونها تحب بلدها أكثر من أي شيء آخر ؟

قطب جبينه يفكر ثم تساءل بفضول :

- ثائر ذو الفقار ؟ ده منين ده ؟

تحمحمت تجيبه بعجالة دون الدخول في تفاصيل :

- ده كاتب مصري بس عايش في فرنسا بقالو سنين ، سيبك من الكتب وقولي بقى مش ناوي تكمل نص دينك ؟

التوى جانب شفتيه بابتسامة ولف نظره يتطلع أمامه ويجيب بسخرية :

- وأجيب منين النص التاني يا ديمو ؟ أنا عايز بنت من اللي وشها بيحمر لما بيتقالها كلام حلو ، عندك فكرة ألاقيها فين دي ؟

جارته في حديثه وتكتفت تجيبه :

- صعب يا بني ، وبعدين هو لسة فيه حد بيقول كلام حلو أصلًا ! دي الرجـ.ـا.لة كلها بقت جلفة .

باغتها بتجهم ثم اقترب يردف موضحًا وعلى محيّاه ابتسامة لعوب :

- أخوكِ رومانسي بس عاينها للي تستاهلها .

ضحكت من قلبها معه وضحك هو الآخر على ضحكاتها التي يعلم جيدًا أنها لا تظهر سوى معهم هنا

❈-❈-❈

فرنسا لم تكن بلدًا ثانٍ لي ، بل هي بلدي الأفضل على الإطـ.ـلا.ق والتي قدمت لي الكثير والكثير من الحب والعطاء الذي لم أحصل عليهما من غيرها وستظل دومًا هي الأقرب لقلبي .

كتب هذا المنشور وأرفق معه صورة خاصة به وهو يجلس على نافذته يحتسي قهوته ويظهر من خلفه برج إيفل .

استل هاتفه وجلس يتصفحه ويرى كم الإعجابات التي انهالت على منشوره وصورته وكالعادة يجلس مترقبًا أي تعليق معارض كي يقوم بالرد عليه بنبرة جليدية مستفزة للآخر يحمي بها قلاعه الصامدة .

عاد بذاكرته إلى نظرات والد طليقته له ، كان يباغته بين الفينة والأخرى بشكٍ لا يعلم مصدره ، فهو لم يفعل أي شيء يستدعي هذا .

رن الهاتف في يده فتناوله يجيب بابتسامة هادئة :

- كيف الحال معاذ ؟ هل أنت بخير ؟

أجابه الطفل بخمول :

- نعم بخير ، ما رأيك أن نلتقي ؟ أنا ضجرٌ جدًا .

- حسنًا هيا بدّل ثيابك وسأمر عليك بعد نصف ساعة .

أغلق واتجه يبدل ثيابه ليذهب لصغيره ، هو الوحيد الذي يستطيع مده بالطاقة اللازمة ليكمل دربه لذا فهو يزرع فيه كل ما يستنكره ظاهريًا ، يغذيه بالصفات التي يدعي غيرها وأهمهم الإيمان .

❈-❈-❈

يصعد درجات منزله وهو يتحدث معها عبر الهاتف ، ظن أن زوجته لم تعد بعد لذا كان يتحدث بأريحية ولكنه تفاجأ بحذائها مرتكزًا أمام الباب لذا زفر وأردف بنبرة خافتة :

- طب اقفلي دلوقتي يا زينة والصبح نتكلم علشان أنا داخل البيت ، يالا سلام .

اخترق صوته مسامعها ليفتح الباب ويتفاجأ بها تجلس في ركنها محتضنة نفسها على الأريكة .

الإضاءة خافتة وفي يدها كتابًا تقرأه ، حدجها بنظرة غير مبالية ثم ألقى السلام هو يغلق الباب ويتحرك للداخل قائلًا بانتقاد لاذع :

- الثقافة مقطعة بعضها أوي ، ياترى بقى هدومي اتكوت زي ما طلبت ولا الباشكاتبة انشغلت في القراءة ؟

أطبقت الكتاب ووقفت تطالعه وشردت فيه بحيرة غير مسبوقة تفكر هل تسأله عن تلك التي كانت معه نهارًا وعما سمعته قبل أن يدخل ؟ لتقرر سريعًا ألا تتطرق إلى هذا الحديث أبدًا لذا ابتسمت قائلة :

- كويت اللي هتلبسه يا كمال .

خيبت ظنونه فقد كان يريد أن يشب بينهما عراكًا ليبرر لنفسه ما يفعله لذا شعر بالغيظ وبدلًا من شكرها قرر مهاجمتها بما طرأ على عقله قائلًا :

- وبتقوليها من غير نفس كدة ليه ؟ هو أنا مش جوزك يابنتي وليا عليكِ حقوق ؟ ولا إنتِ بتتفضلي عليا وأنا ماعرفش ؟

وقفت جـ.ـا.مدة تدرك قلبه للطاولة جيدًا لذا بسطت له ما يريد سماعه قائلة ببرود ينافي نيرانها الداخلية :

- ريح نفسك يا كمال أنا ست ناقصة وإنت تستاهل الأحسن مني ، أنا مش عارفة اعملك اللي يريحك .

توقف مصدومًا من ردها عليه ، تريحه بطريقة لم تستعملها من قبل ليحاول سريعًا قذفها بالكلمـ.ـا.ت لذا استطرد بتعجب :

- طب وليه مـ.ـا.تطوريش من نفسك ؟

هزت رأسها بلا وابتسمت مسترسلة وما ابتسامتها إلا سهامًا تصيبه :

- مش هعرف ، مش هعرف أطور من نفسي ولا هعرف أكون الست اللي إنت عايزها .

وجد نفسه عاجزًا أمام إجابتها وشعر بالضيق والغيظ ليبحث سريعًا عن تهمة جديدة فقال :

- وولادك دول ذنبهم إيه ؟

ابتسمت بألم تجيبه بأنفاس بطيئة متعبة :

- ذنبهم إن أمهم كدة ، قدرهم بقى هتعمل إيه ؟

وقف يحدق بها وهي تتلوى بين أنياب الألم ولكن ملامحها تشبه الروبوت ليزفر وينزع نفسه نحو الحمام ويتركها تطالع أثره بنفورٍ تام تملك منها حتى امتلأت وارتدت على الأريكة تنهج بتعب بعدما خلعت قناع الجمود .

❈-❈-❈

بعد حوالي ساعة

وبعد أن تناول طعامه تحاملت على نفسها لتتقدم وتنام جواره بنفسٍ غير راضية ولكنها فعلتها حينما شعرت بدخوله في النوم .

تمددت تحاول سحب النوم إليها بصعوبة بالغة ولكنها تسعى ألا يلاحظا صغيريها هذا الشرخ بينهما ، لم ترد أن تجعلهما يعيشان ما كانت تعيشه حينما تنظر في وجه والدتها ليلًا تجدها باكية .

ما إن راودها النوم وغفت عينيها حتى شعرت بلمسة يده تسبح على جسدها لذا جحظت تنتفض تحت لمسته وهي تواليه ظهرها ليزفر بضيق ويهمس بتحشرج وانتشاء مختلطان بالغضب :

- إيه فيه إيه اتخشبتي كدة ليه ؟ أنا عايزك .

لم تستطع أن تجاريه هذه المرة ، لم تستطع أبدًا أن تغض الطرف عمّا رأته وما سمعته لذا ابتلعت لعابها وأردفت تجيبه بما تشعر :

- أنا تعبانة يا كمال ، سيبني النهاردة .

نفضها بغضب والتفت يواليها ظهره ويردف بتجهم :

- ده بقت عيشة تقرف ، إيه البرود اللي إنتِ فيه ده ؟ أنا جبت أخري منك ؟ إنتِ بقيتي لا تطاقي يا شيخة .

نزع نفسه من الفراش واتجه ينام في الغرفة التي كانت تنام بها والدته أما هي فتأثرت بكلمـ.ـا.ته للدرجة التي جعلتها تفكر ربما هو محق ، من المؤكد جميع كلمـ.ـا.ته ليست ظالمة ، ربما هي حقًا امرأة بصورةٍ غير مكتملة .

من كثرة تعبيره عما بداخله ومن كثرة كتمانها لما بداخلها باتت تظن أنه محق وباتت تشعر أنها لم تعد زوجة جيدة .

❈-❈-❈

في الإمارات

أعاد كوبين إلى المطبخ واتجه ليرى ولديه ، وجد ابنه قد غفى فأغلق غرفته وتحرك نحو غرفة ابنته التي لم تنم بعد .

طرق الباب فسمحت له بالدخول فدلف ليجدها تجلس تتصفح الهاتف ولم تعره اهتمامًا بل عينيها مسلطة على ما تفعله ليقول بضيق :

- اقفلي بقى الموبايل ونامي ألما الوقت اتأخر .

بنبرة متسلطة أجابته بانزعاج :

- بابي انت عارف إني كنت نايمة ودلوقتي مش جايلي نوم.

زفر بضيق وتمعن بها ولم يجد ما يقوله خاصة وأنها لم تكلف نفسها عناء النظر إليه لذا تحرك يغادر ويغلق الباب ويتجه عائدًا إلى غرفته بخيبة تسكنه خاصة وأنهم ينتزعون منه سلطته التي نشأ عليها .

دلف غرفته ليجد والدتها تشبهها أو العكس صحيح ، فها هي تجلس نفس جلسة ابنتها وتتصفح الهاتف في مشهدٍ مماثل أمام عينيه..

اتجه يتمدد جوارها ويردف بانزعاج خافت :

- بتعملي إيه ؟

لم تسمعه حيث حواسها جميعها في الهاتف ، تتصفح آخر أخبـ.ـار ثائر ومنشوره عن فرنسا .

زفر بضيق وانسدل لينام ورفع الغطاء عليه لتلاحظه أخيرًا وترنو منه ثم مدت يدها تملس على طول ذراعه هامسة بنبرة مترقبة :

- أحمد ؟ إيه رأيك لو نسافر نغير جو كام يوم بما إنك الأسبوع ده أجازة ، أنا وانت بس والولاد هيفضلوا هنا مع الدادا .

التفت برأسه يطالعها بتعجب ثم تساءل :

- نسافر ؟ نسافر فين يا سها ؟

تحمحمت واستمرت يدها في التلاعب على ذراعه وكفه ثم دنت عند أذنه أكثر تقبلها وهمست :

- بـ.ـاريس ، لسة حالًا شايفة عروض سياحية روعة ، خلينا نروح أنا وإنت بس ، من زمان ماسافرناش مكان .

تعلم أنها تؤثر عليه بحركاتها وتتلاعب على رجولته ولكنها نسيت أنه أحمد ذو الفقار لذا تساءل بشكٍ :

- اشمعنى بـ.ـاريس ؟

ابتلعت لعابها وتـ.ـو.ترت لذا اعتدلت تتحمحم وتردف موضحة بخبث :

- عايزة اشتري شوية حاجات من هناك عجبوني ، إنت عارف إني بعشق أزياء بـ.ـاريس .

باغتها بنظرة تشكيكية ثم أبعد يدها عنه واستطرد بنبرة يصارع بها نفسه :

- اللي عايزاه اطلبيه أون لاين يا سها ، أنا لو حبيت أسافر هروح مصر ، تصبحي على خير .

التفت يرفع الغطاء عليه وينام مستشعرًا بالراحة التي انتزعت منه وتركها خلفه تواجه أعاصير الغضب كي لا تغضب وتفسد الأمور برمتها .

❈-❈-❈

بعد وقت

لم يرحمها النوم قط ، بل رحل عنها وحلت محله الأفكار السامة ، تسمع صوت أنفاسه العالية وهو ينام في الغرفة المجاورة وتجلس تتحسر على حالها .

لم تعد كما كانت ، تعترف أنها أهلمت نفسها في الآونة الأخيرة ، جسدها ، ملامحها ، حالتها المزاجية ولكن لماذا ؟

حقًا لا تعلم سببًا لهذا الإهمال الذي عم عليها بالرغم من أنها لم تُعرف يومًا إلا بالالتزام والمسؤولية .

هل يمكن أن يكون محقًا فيما قاله عنها ؟ هل هي بالفعل زوجة مهملة غير مسؤولة ؟ هل بالفعل يتحمل فوق طاقته معها ؟ هل أوصلته بيدها إلى سبيل الخيانة ؟

هكذا جعلها تشعر بأنها السبب في جل ما يحدث وأنه رد فعلٍ على تصرفاتها .

صوت عقلها يحاول التحرر من قيوده ، يخبرها أنها تفعل جُل ما بوسعها معه لتبقى معلقة بين عقلها ونرجسيته وجال على عقلها ارتجالًا أرادت أن تدونه قبل أن تنساه لذا استلت هاتفها وعبث به تفتح صفحتها عبر الانستجرام وتدون :

( فلتقل خيرًا أو لترحل ، نفذ مستودعي لك من الصبر والصمت ، ارحل قبل أن يثور طوفاني ونغرق سويًا فلن يحتمل قلبي مشاركتك حتى في الموت )

لم تنشره بل حفظته في مسودتها وقبل أن تغادر صفحتها رأت منشورًا جديدًا له بعدما قررت متابعته ولكن ما تقرأه الآن أتى ليكمل أركان صدمتها .

يتباهى ببلدٍ غربية ويعيب على بلده ؟

ذكرها بمن ينام في الخارج حينما كان يبتسم نهارًا إلى من تقف معه وحينما لمحها تجهمت ملامحه ، يحملان نفس الخسة والندالة لذا لم تستطع منع يدها من كتابة تعليق له عبـ.ـارة عن كلمة واحدة بالعربية :

( خاين )

ألغت متابعته وأغلقت هاتفها وعينيها وأمرت دمـ.ـو.عها بألا تهطل ولكن منذ متى وهي تطيعها ؟
لن أثور لأنك مسحت دمعتها
لن أثور لأنك شخص مختلف معها
لن أثور لأنك أمسكت يدها وقبلتها
بل......
لآلام منذ ثمان سنين أتحملها سأثور.......
لتلك العلامـ.ـا.ت الحزينة في جسدي سأثور
وربما...
لقلبي ودمـ.ـو.ع أغرقت مخدتي
لتلك السجينة البريئة داخلي منذ ثمان سنين
سأثور....
وربما......
لأني أنثى قلبها مختلف
قلب يبكي ينهار ينزف لكنه أبدا لن يعترف
سأثور.....
وربما لأنك رجل كل مافيك مزيف
سأثور......

( بقلم فيروزة )

❈-❈-❈

ليتني أستطيع احتضان نفسي حتى تهدأ ، ليتني أستطيع احتواءها حتى تطمئن ، ليتها تبكي داخلي حتى تنبت بذور الأمل من جديد بعدما اقـ.ـتـ.ـلعوها بقسوتهم .

فتحت عيناها تنظر حولها بذهولٍ كلي ولم تستطع تحريك جسدها كأنها مقيدة بالأصفاد .

لم تستوعب شيئًا حولها إلا بعد دقيقتين حيث أدركت أنها كانت تحلم وما رأته في منامها هو مجرد نسجًا من عقلها الباطن وأن حدوثه ضـ.ـر.بًا من ضروب المستحيل .

لقد رأت ذلك الشاب الميكانيكي يقبلها ؟ أي هراءٍ هذا هو لم يخطر على عقلها حتى !

تنفست بقوة ثم نهضت تخطو نحو الحمام وتغسل وجهها لتعود تنظر حولها وتسحب شهيقًا قويًا بضيق ، منذ أن سافر عمها مع زوجته وابنه وهي تمكث وحيدة .

ابتسمت ساخرة فهي وحيدة حتى وهم حولها ولكن على أقل تقدير كانت تتحدث مع ماجد ويخترق وحدتها هذه إلا أنها منذ أيام لم تجد من يؤنس وحدتها ليلًا فتتراكم فوقها حطام الذكريات .

اتجهت تتسطح على فراشها وتستعيد تفاصيل حلمها متعجبة ، لما حلمت به وكيف لعقلها أن يصور لها حلمًا كهذا ؟

استلت هاتفها من جوارها وعبثت به ليظهر أمامها رقمه الذي سجلته باسم ميكانيكي ، اعتصرت عقلها تتذكر اسمه ليستنير فجأة حينما تذكرت نداء الصبي له آنذاك ، يدعى داغر .

زفرت بضيق مما يحدث معها ثم نهرت نفسها تردف بصوتٍ مسموع كأنها تتحدث مع غريمتها :

- إنتِ مالك ومال اسمه ؟ وتحلمي بيه ليه أساسًا ؟ ت عـ.ـر.فيه منين ده يا بسمة ؟ يظهر إنك اتجننتي .

اعتصرت عينيها لتنام ولكن عقلها أعاد عليها قبلته لها فنفضت رأسها بقوة كادت أن تنزعها وهي تحاول ألا تتذكرها معللة أن هذا الحلم نسج من تناولها لعشاءٍ دسم بالرغم من أنها لم تتناول سوى قضمة من شطيرة الجبن .

حينما يشعر بالغضب يذهب ليمارس الملاكمة ، لذا فها هو يقف في حلبة المصارعة ويصارع خصمه القوي ويتابعهما من بعيد توماس آور ليان الذي لا تفوته مبـ.ـارياته ، يسعى ليضمه إليه بأي شكلٍ كان فهو يعلم مدى قوته العقلية والجسدية ومدى تأثيره على شريحة كبيرة من المجتمع الفرنسي وخاصةً الشباب .

كان يلاكمه وعقله منشغلًا بابنه معاذ ، و بوالدته التي كانت تبكي اليوم حنينًا له ، بما تعرض له منذ سنوات وبالسمعة التي لحقت به .

هجمت عليها الذكريات واحدة تلو الأخرى دون هوادة وهو يتذكر الماضي كأنه حاضر لذا كانت قبضته قاسية لم يتحملها خصمه فسقط أرضًا مستسلمًا ليعلن عن فوز ثائر ذو الفقار .

مجددًا تجهمت ملامح توماس ولكنه أظهر ابتسامة إعجاب وتحرك من مكانه يتجه نحو ثائر الذي غادر الحلبة حتى وقف أمامه وهو يجفف تعرقه ويلاحظه فتحدث الأول بترقب :

- كالعادة تبهرني ثائر ، ولكن حان دوري لأبهرك ، جئت إليك بأخبـ.ـار لا مثيل لها .

تمعن ثائر في عينيه بقوة يستشف مغزى جملته لينحني توماس نحوه ويهمس بالقرب من أذنه :

- وأخيرًا وبعد عناء علمت عنك كل شيء ، الآن علمت لماذا تركت بلدك وجئت إلى فرنسا ، تاريخك الأسود أصبح في قبضة يدي ، قلعتك التي شيدتها بعقلك ورزانتك ستنهار فور أن أخبر الجميع عنك وعن فعلتك الحقيرة .

ابتعد ليجد ملامح ثائر متحفزة يحدق به بعيون قاتمة ليبتسم الآخر على نجاحه في إثارة غضبه لذا استطرد بنبرة مساومة :

- لا تخف لن أفشي سرك ولن أحطم مكانتك ككاتب ولكن تعلم جيدًا المقابل ، لا أريد منك سوى العمل معي ، لنضع يدنا سويًا ونغزو عالم المراهنات وأعدك ستمتلك فرنسا بمن فيها ، فكر جيدًا .

ابتسم أكثر حينما وجده عاجزًا عن ردعه والغضب يتراقص على تقاسيم وجهه لذا لوح له بيده والتفت يغادر تاركًا خلفه بحرًا يحاول ألا يثور حتى لا يغرق الجميع .

❈-❈-❈

بعد عدة أيام .

اعتادا ألا يديرا ظهريهما لبعضهمها مهما حدث بينهما ومهما اشتدت الخلافات ، ولكنها هذه المرة تشعر بحزنه برغم أنه يتعامل معها بشكل اعتيادي ، تشعر أنها كسرت داخله شيئًا ما لا تدرك ماهيته .

نهض من مكانه واتجه نحوها ثم دنا يقبل رأسها مردفًا بهدوء :

- محتاجة حاجة ؟

قبل أن يرحل أمسكت بيده ثم نهضت تنظر في عينيه وتساءلت بما لم تستطع عليه صبرًا :

- دياب إنت زعلان مني ؟ حساك متغير معايا .

حدق بها لثانيتين ثم ابتسم يخفي ما يعتليه مجيبًا بنبرة دافئة :

- لا يا حبيبتي ماقدرش ازعل منك ، أنا بس مخـ.ـنـ.ـوق من الشغل شوية .

اقتربت منه بل التصقت به تتساءل بترقب :

- طب إيه رأيك لو تاخد أجازة ونسافر كام يوم نغير جو ؟

راوده شكًا من اقتراحها وكاد أن يسأل ليتراجع سريعًا ويقرر أن يراوغها بدلًا عن ذلك لذا قال بتروٍ :

- مش هينفع الفترة دي يا يسرا ، أحمد زميلي آخد أجازة وأنا اللي موجود مكانه ، خليها لما يرجع .

تنبهت لتتساءل بفضول غريب :

- وأحمد أخد أجازة ليه ؟

حدق بها وأجابها متفحصًا نظراتها :

- مـ.ـر.اته حامل وتعبانة وهو قاعد معاها .

سافرت أفكارها في رحلة طويلة بحثًا عن أمنيتها الوحيدة لتسقط طائرتها متهشمة على أرض الواقع لذا ابتسمت بتكلف تجيبه بنبرة لا تحمل ضغينة بل تحمل حزنًا على حالتهما :

- ربنا يتمم لها على خير ، خلاص تمام خلي بالك من نفسك وأنا هكلم ديما لو فاضية ممكن نخرج شوية .

لم يحتمل ما تشعر به خاصةً وهو يفهمها جيدًا لذا مد يده يحتضن وجهها ويملس عليه ثم ابتسم يجيب :

- تمام يا حبيبتي ، خلي بالك من نفسك .

ودعته وغادر وأغلقت الباب ثم خطت نحو السفرة تنتشل هاتفها وتهاتف ديما التي كانت تنظف بيتها بالمكنسة الكهربائية .

ركض الصغير نحوها يردف وهو يحمل هاتفها في يده قائلًا بصوتٍ عالٍ لتسمعه :

- ماما طنط يسرا بترن عليكِ .

تناولت منه الهاتف وأوقفت المكنسة تلتقط أنفاسها ثم فتحت تجيب بابتسامة تنعش من يراها عدا زوجها :

- ياسو ، عاملة إيه يا قلبي ؟

أجابتها الأخرى بهدوء مبتسمة :

- الحمد لله يا دمدومة ، إنتِ عاملة إيه ؟ يارب يكون أستاذ كمال مزاجه كويس ويوافق نخرج سوا شوية ، محتاجة اتكلم معاكِ جدًا .

ابتلعت لعابها وتنفست بقوة تفكر هل يمكن أن يقبل ؟ إن كانت يسرا تود الحديث معها قيراطًا فهي تود ذلك أربعة وعشرين .

زفرت بقوة وأجابتها بترقب :

- وأنا كمان نفسي أوي ، خلاص خليني أكلمه واسأله ولو وافق نخرج طبعًا ، الولاد هيفرحوا جدًا .

تحمست يسرا حيث سترى الصغيران التي اشتاقت إليهما كثيرًا لذا قالت بتلهف :

- تمام يالا كلميه الأول و عـ.ـر.فيني .

أغلقت معها واتجهت ديما تجلس في ركنها المفضل خلف باب منزلها وقامت بالاتصال عليه .

كان في هذا الوقت يجلس في منزل زينة بعدما قرر زيارتها بعد إلحاحٍ منها ، أتى يحمل بين يديه كل ما لذ وطاب للدرجة التي جعلت والدتها تستقبله بحماس مفرط .

بدت في كامل زينتها وهي تجاوره وتتحدث معه بغنجها ، أما هو فبرغم اقتناعه أنها تحتاج إليه كبنكٍ متحرك إلا أنه ينجذب إليها طواعيةً بل وبات يركض في الدرب الذي أوقفته على بدايته .

رن هاتفه فانتشله ليجدها زوجته ، تهاتفه على غير عادة .

تـ.ـو.تر قليلًا فتساءلت زينة وهي تحدق في الهاتف :

- خير عايزاك في إيه ؟

انزعج قليلًا من تدخلها ولكنه لم يبدِ ذلك بل نظر لها وتحدث بليونة لا تشبهه :

- معلش يا زينة هرد عليها برا .

لوت شفتيها تومئ له فنهض يتجه نحو الخارج تحت أنظارها المبتسمة بانتصار وأجاب يتساءل :

- خير ؟

نبرته تحرقها كأنها تتسول منه الود لذا تنفست بقوة وتساءلت مباشرةً :

- ينفع أخرج مع يسرا شوية ؟

كاد أن يرفض ولكنه فكر قليلًا ، من مصلحته ألا تشعر بما هو مقدمٌ عليه ، من مصلحته أن يعطيها مخدرًا ليتسنى له المرح بأريحية لذا تحمحم يجيب :

- وهتعملي زي آخر مرة بقى وأرن عليكِ مـ.ـا.ترديش ؟

ابتلعت لعابها بمرارة وأجابته بمجاراة حتى يقبل :

- لاء يا كمال الموبايل هيكون في ايدي مـ.ـا.تقلقش .

- تمام ، روحي بس هما ساعتين وترجعي علطول .

أجابها بعجالة حينما ظهرت زينة تشير له بالشاي الذي أحضرته فأومأت لها وأغلق الهاتف وتقدم يبتسم بتناقض تام مردفًا :

- تسلم إيدك .

- مش لما تدوقه الأول ؟

- أي حاجة هتعمليها هتبقى حلوة .

ضحكت بجرأة ليعود معها مأخوذًا بأفعالها التي يفتقد إليها في زوجته ديما .

وهكذا هو الشخص السام لا يبخ سمه سوى على من تربت عليه ، أما من تسقيه الوهم فهو يتجرعه ويصب لها السم مصلًا في كاسات .

❈-❈-❈

وقفت في المصنع التابع لعائلتها والتي تملك جزءًا كبيرًا منه ولكن الحال لا يسرها على الإطـ.ـلا.ق حيث وقفت في المكتب تتمعن في التقارير وأمامها عددًا لا بأس به من العمال والمهندس الذي يباشر عملهم .

تطلعت عليهم تردف بنبرة شامخة موبخة لما رأته :

- يعني إيه التقارير دي ؟ ويعني إيه الإنتاج يقل عن السنة اللي فاتت ؟ ليه إن شاء الله ده المفروض يزيد بعد الأجهزة المتطورة اللي جبناها ودفعنا فيها ملايين ؟ ممكن أفهم إيه اللي بيحصل هنا بالضبط يا باش مهندس ؟

تـ.ـو.تر المهندس وشعر بالضيق منها ومن تسلطها ومراقبتها للأوضاع التي لم يهتم بها أحد بعد موت والدها لذا أجابها بفتور :

- يا بسمة هانم إحنا بنعمل اللي علينا والعمال مش مقصرين بس الرواتب مش محفزة .

قطبت جبينها تطالعه باستنكار واستياء مردفة :

- يعني إيه مش محفزة ؟ هو مش مرتباتكم زي اللي مكتوب قدامي ده ولا بتاخدوا أقل من كدة ؟

تحمحم المهندس يجيب بتطاول وطمع اعتاده :

- ايوة هي كدة بس احنا المفروض مرتباتنا تزيد كل 6 شهور وإلا الإنتاج هيقل زي ما شوفتي .

تفاجأت من نبرته وتطاوله عليها لذا ابتسمت وأجابته بثقة وعملية :

- أه ده لوي دراع مثلًا ؟ طب والعمال موافقين على كلام الباش مهندس ولا تحبوا تلتزموا بشغلكوا ؟

لم يجبها عامل واحد بل جميعهم غلف الطمع أعينهم خاصة وأن المال المتروك يعلم السرقة لذا أومأت ونظرت لمحاميها الذي يجاورها ثم استطردت بنبرة عالية شامخة لا تقبل نقاش :

- أستاذ ياريت تدفع لهم راتب 3 شهور لقدام .

حالة مم الهرج والمرج عمت المكتب وانشرحت ملامح المهندس وشعر بالتباهي ولكنها استرسلت متشفية :

- علشان مش هييجوا المصنع تاني ، كلكم مرفودين ، والراتب ده هعتبره كرم مني ليكم مع إن المفروض أرفع عليهم قضية إهمال بس أنا هطلع كريمة ، ماشوفش حد منكم في المصنع بعد النهاردة .

انقلبت فرحتهم وهاجوا يصيحون باعتراض ليردف المهندس باستنكار وغضب :

- يعني إيه الكلام ده يا آنسة بسمة ؟ إحنا لينا عقود عمل هنا ومش ببساطة كدة ترفدينا ، إنتِ عايزة تقفلي المصنع ؟ هتجيبي عمال منين يشتغلوا ؟ احنا مش هنمشي من هنا غير لما نبيل بيه هو اللي يمشينا .

باغتته بنظرة قوية برغم قلقها منه ومن هجومهم ولكنها أردفت بصمود :

- أنا لآخر لحظة براعي أنكم رد فعل على تقصيرنا في المصنع مع إن ده ميشفعش لإهمالكم وطمعكم بس التقارير اللي قدامي دي لو أستاذ محمود قدمها للنيابة كلكم هيتحقق معاكم ، وكفاية أوي لحد كدة ، اختاروا اللي إنتوا عايزينه ؛ نفتح تحقيق ولا تسيبوا المصنع ؟

يدركون جيدًا أنهم أهملوا عملهم كثيرًا عن ذي قبل وعمى الطمع أعينهم خاصة وأن المصنع لم يراقبه أحد منذ فترة طويلة لذا نظروا لبعضهم ثم قرروا مغادرة المكان قبل أن يحدث مالا يحمدوا عقباه .

نظر لها المهندس نظرات وتوعد يومئ متتاليًا ثم اندفع يغادر خلفهم وتركها تقف مع السيد محمود المحامي الذي أردف معترضًا :

- كدة مش صح يا آنسة بسمة ، المصنع هيقف تمامًا ودي خسارة كبيرة .

زفرت بقوة ترتد على مقعدها تفكر ثم استرسلت بشرود :

- إن شاء الله هيكون هنا عمال جديدة بعد بكرة ، أنا مش مهم عندي الخسارة اد ما مهم يكون شغال معايا ناس مخلصة وعندها ضمير يا أستاذ محمود .

أومأ مقتنعًا بحديثها برغم خوفه مما سيحدث خاصة رد فعل نبيل على ما فعلته .

❈-❈-❈

تجلس تباشر عملها بانـ.ـد.ماج وسط زملاءها ، منذ أن بدأت عملها هنا وقد عُرفت بالالتزام والجدية .

لا تشبه فرح التي تثرثر كثيرًا ، ولا تشبه مايسة التي تتسم بالبرودة ، هي فقط تحمل توازن والتزام أُعجب بهما زميلها شريف الذي لاحظ طاقة مرحٍ تدخرها داخلها وقد رأى منها القليل خارج جدران هذه الشركة حينما لمحها تتحدث مع شقيقها قبل أن يغادرا .

أعجب بملامحها الشرقية وشعرها الكيرلي الذي يعطيها مظهرًا جذابًا لذا فهو دومًا يختلس النظرات إليها وقد لاحظت هذا هي وزميلتيها ولكنها تتجاهله .

فجأة دلف مكتبهم مدير الشركة الصيني يرحب بالعربية ويجاوره شابًا من نفس جنسيته ينظر لوجوه الجميع حتى استقر عندها ، دقق النظر فيها وابتسم فهي نفسها ذات البنت التي قابلها هنا من قبل وتدعى ... دينا ؟

هكذا تساءل بها بنبرة عالية أثارت دهشتهم فسأله المدير مستفسرًا بلغتهم الصينية :

- هل تعرفها سيد لو تشو ؟

أومأ الشاب يوضح وعينيه مصوبة نحوها حيث وقفت ترحب به مثل زملائها :

- نعم ، تقابلنا صدفة هنا في آخر زيارة لي ، كيف حالكِ دينا ؟

تـ.ـو.ترت حينما تذكرها لتجيبه بلغته بتلعثم :

- بخير ، شكرًا لك .

وزع المدير نظراته بينهما ثم توقف عند الشاب يهمس بترقب :

- ما رأيك أن تكون هي مرشـ.ـدتك هنا في الشركة ؟ هي موظفة جيدة وملتزمة .

أومأ له بالموافقة فنظر المدير نحو دينا يسترسل بنبرة آمرة :

- حسنًا دينا سوف تكونين أنتِ مرشـ.ـدة السيد لو تشو هنا ، ست عـ.ـر.فينه على كل ما يحتاجه ، وبالمناسبة السيد لو تشو هو مدير القسم الجديد ، رحبوا به .

انحنوا بالترحاب الصيني فبادلهم الشاب وتوقف عند دينا يردف بنبرة ثاقبة :

- حسنًا دينا دعينا نبدأ غدًا ، وجهزي لي تقريرًا عن آخر أعمال القسم .

- كما تريد سيد لو تشو .

هكذا أجابته فأومأ مبتسمًا وودع البقية وغادر مع المدير من حيث أتى لتردف فرح بعدها بنبرة تلقائية تحمل حقدًا تخفيه بابتسامتها :

- يا بختك يا ست دينا ، دايمًا بتجيلك على طبق من دهب .

ابتسمت دينا بتكلف وأجابتها بجدية :

- على إيه يعني ؟ الموضوع عادي .

تحدث شريف بنبرة مندفعة نسبة لغضبه :

- كان المفروض مستر يو هين يختار شاب زيه يبقى معاه .

باغتته بنظرة غاضبة وأجابته بشموخ :

- أومال إحنا بنشتغل ليه هنا ليه يا شريف ؟ كلنا هنا زي بعض وبينا حدود ماينفعش نتخطاها .

هكذا أوقفته عن تخطي حدوده بالحديث معها فهي من النساء اللاتي تفضلن استقلاليتهن بنفسهن وإثبات هويتهن بعيدًا عن الحب والعواطف .

❈-❈-❈

يمارس عمله بشرود حيث أن عقله منشغلًا بصالح الذي لم يأتِ بعد .

حاول الوصول إليه ومهاتفته ولكن دون جدوى .

زفر بقلق ثم أردف بانزعاج :

- واد يا بلية أنت تعرف المكان اللي قاعد فيه صالح فين بالضبط ؟

ركض بلية أمامه وأردف بإيماءة وحماس :

- أيوة يا هندسة عارفه ، أروح أشوفه ؟

أومأ يحثه مسترسلًا :

- أيوة روح بص عليه ولو مالقتهوش اسأل الجيران عنه .

أسرع بلية يركض ويلبي الطلب بينما وقف داغر يحاول مجددًا الوصول إليه ويدعو الله أن تكون العواقب سليمة ، انفرجت ملامحه حينما أجاب صالح ولكن نبرته كانت حزينة مهمومة وهو يجيب :

- أيوا يا باش مهندس ، معلش الموبايل كان بعيد عني .

تساءل باهتمام وترقب :

- مش مشكلة بس إنت كويس ؟ قلقتني عليك .

زفر صالح واسترسل وعينيه منكبة على والده الذي يرقد في المشفى يصارع الألم :

- أنا منيح الحمد لله بس والدي تعبان شوية ، ماقدرتش أتركه اليوم ، معلش اعذرني .

- طب انت فين ؟

سألها داغر وهو يتحرك نحو الخارج متجاهلًا كلمـ.ـا.ته ليزفر صالح ويجيبه بحرج :

- أنا معاه في المستشفى ، خليك زي مانت وأنا هطمن عليه وآجي .

- طب اقفل يا صالح أنا جاي لك .

أغلق معه وتحرك ليراه وهو يشعر بالمسؤولية تجاهه ، يقطن داخله حبًا لهذا الشاب خاصةً وأنه من البلد التي تصدّر للعالم العزة .

❈-❈-❈

في المبنى التجاري .

تجلس ديما تستمع إلى هموم صديقتها ويجاورهما الصغيران يلعبان في الألعاب حيث الركن الخاص بهما .

انتهت يسرا من سرد ما حدث معها عند الطبيب الألماني وعن ردة فعلها وعن حزن دياب لتزفر ديما بقوة وتطالعها بنظرة معاتبة ولكنها لم ترد زيادة وضع الحمل عليها لذا تحدثت بنبرة لينة :

- يمكن إنتِ بالغتي شوية يا يسرا ، دياب بيحبك بجد وأكيد زعله على أد محبته ، وبعدين إنتِ إزاي مش عارفة تصالحيه ؟ أنا اللي هقولك بردو ؟

نطقتها بنبرة معنية لتبتسم يسرا متنهدة ثم تردف موضحة بحزن :

- مش قصة مش عارفة يا ديما ، بس أنا بحس إن دياب أحيانًا مش بيفهم اللي جوايا ، هو حـ.ـر.ام يا ديما لما أحاول ألاقي حلول ؟ حـ.ـر.ام إني نفسي أكون أم لطفل منه ويجمعني بيه رابط قوي ؟ أنا جوايا دايمًا خوف إن دياب هيبعد عني وده مش بيخليني عارفة أنام .

نهضت ديما من مقعدها واتجهت تجاورها وتحتضنها بدعمٍ وحزنٍ لأجلها مردفة :

- ليه بس كدة يا يسرا ده شيطان يا حبيبتي ، دياب بيحبك جدًا ومايقدرش يبعد عنك ، وموضوع الخلفة ده سيبيه على ربنا لإن بصراحة أنا شايفة إنك اللي علطول بتفتحيه .

هزت رأسها بالرفض وهجمت عليها مخاوفها تردف بملامح منزعجة :

- بس إحساسي غير كدة يا ديما ، هو أكيد نفسه يكون أب حتى لو مش بيبين ، مين في الدنيا دي مش عايز أطفال ؟

ابتلعت لعابها بخوفٍ كلي وتابعت :

- وبصراحة أنا كنت مطمنة أكتر لما دكتور محب قال إن دياب عنده مشاكل ، إنما كلام الدكتور اللي روحناله ده خوفني ، أنا خايفة أوي يا ديما دياب يبعد عني ، مع إني أنا اللي صممت نروح له على أساس نلاقي حل بس اللي حصل العكس وحاسة إنها بتتعقد أكتر ، أنا مش عارفة أعمل إيه ؟

أدركت ديما أن صديقتها تعاني ، تعاني كثيرًا وتحتاج لمساندة لذا نظرت لها بقوة تردف بتحذير :

- يسرا بلاش تمشي ورا تفكيرك ده بجد ، خوفك ده هو عدوك الأول لازم تتحكمي فيه ، هو علشان خايفة دياب يبعد عنك تقومي تفرحي إن عنده مشكلة وتزعلي لما يبقى سليم ؟ لا يا يسرا كدة مش صح أبدًا ، خليكي زي ما كنتِ دايمًا وخلي حبك لدياب يبعد عن الأنانية علشان هتتعبي .

هذا ما تسعى لتعود إليه وأتت كلمـ.ـا.ت ديما تحذرها من الانقياد خلف هذه الهواجز لذا زفرت بقوة تومئ بملامح حزينة لتأتي رؤية الصغيرة تلتصق بها قائلة بحبٍ ورجاء طفولي :

- طنط يسرا تعالي العبي معانا .

انتعشت يسرا من التصاق الصغيرة بها لذا نهضت تحملها قائلة بنبرة تناقض ما كانت عليه :

- من عيوني يا عيوني ، يالا نلعب .

ابتسمت ديما لها ونهضت تردف بترقب :

- طيب العبي معاهم وأنا هروح المحل ده اشتري كتب وارجع لكم علطول .

- تمام يا باش كاتبة روحي ، ومش هتنازل عن إنك تعملي قصة حياتي رواية .

قالتها يسرا بنبرة مرحة وتحركت مع الصغيرة تتجه نحو شقيقها وتلعب معهما والصغيران يصـ.ـر.خان بمرح وسعادة .

أما ديما التي توجهت نحو محل بيع الكتب لتنتقي مجموعة أخرى تقرأها بالرغم من أنها لم تنهِ كتاب بحر ثائر بعد أو تخشى أن تنهيه فتفقد المشاعر التي تعيشها عند قراءته بالرغم من أنها ألغت متابعته منذ أيام ، حينها شعرت أنها متناقضة مثله ، كيف لها أن تحب كتاباته وتكره شخصيته التي يظهر بها عبر الانستجرام .

هو أيضًا متناقضًا بشكلٍ يثير الفضول ، من يقرأ بحره يظنه طفلًا يشتهي العودة لأمه ومن يقرأ منشوراته يظنه خائنًا يشتهي أحضان الغرباء .

سارت بين أرفف الكتب تنتقي كتابًا عن علم النفس وآخرًا عن العلاقات الأسرية حتى وقفت عند رفٍ يحمل كتبه ، تفحصتهم بعينيها حتى استقرت عند أحدهم بعنوان ( رحلة عبر الداخل ) .

كتاب باللون الوردي غلافه جريء بعض الشيء لتجد بين قوسين ( أسرار العلاقة الزوجية ) وتدرك أنه يتحدث عن شيءٍ لمسها لذا استلته دون تردد وكأن فضولها هو من أخذه .

منذ أيام وهي تبحث عن إجابة لخيانة زوجها الملحوظة ، تتساءل هل هي المسؤولة عن هذا الخيانة أم أنها الضحية ؟

هل حقًا أهملته وأهملت حقوقه الشرعية كما يحاول إقناعها أم أن طاقتها معه نفذت بفضل أفعاله ؟

ولهذا ستقرأ هذا الكتاب ربما وجدت فيه إجابة ما تبحث عنها .

❈-❈-❈

ذهب يلبي دعوة العشاء التي دُعيَ إليها عند حماه .

برغم تعجبه من تلك الدعوة إلا أنه لم يرفض مثلما كان يفعل ، ربما لأن موضوع توماس يؤرقه ، أو ربما لأنه لم يرد إحزان معاذ .

جلس على الطاولة أمام السيد وليام ارتوا يملس على رأس صغيره الذي يجاوره ويضحك ويتحدث إليه .

لم يحيد وليام نظره عنهما ، منذ أن عرفه وتزوج ابنته وهو يراه مريبًا ، حينما ينظر إلى عينيه لا يصدق الهدوء الذي يُظهره وما علمه عنه كان كافيًا ليؤكد شكوكه حوله ولكن أتى تصميم ابنته عليه ليُرضخه للقبول .

ولكن علاقته بابنه تثير تعجبه ، هو يحب حفيده ولكن ليس أغلى من حبه لابنته ولهذا لا يستطيع التعرض له بأي أذى بل جعله تحت أنظاره دومًا خاصةً وأنه عربي ومسلم وكاتب .

لا يحبه ويعترف أنه يكرهه ولكنه لا ينكر إعجابه به وبشخصيته التي تناقض ابنته تمامًا ، لو كان يمتلك ابنًا مثله لكان الآن يمتلك قوة عظيمة ولهذا هو يسعى ليستقطب معاذ نحوه حتى يجد فيه الأمل المفقود حينما يكبر وحينما ... ينهي حياة ثائر .

ابتسم على أفكاره الخبيثة وتحدث بنبرة تماثل أفكاره :

- أرى أن حالتك المزاجية تبدلت يا صغيري ، يبدو أن ضحكاتك جميعها من نصيب والدك فقط ، أتبخل على جدك المسن يا ولد بهذه الابتسامة الرائعة ؟

نظر معاذ لوالده الذي هدأ ثم عاد يحدق في جده وأردف موضحًا بفطنة :

- أنا أحب أبي كثيرًا يا جدي ، هو يسمعني جيدًا ويعلم ما يحزنني ولا يفعله ، تعلم أنني أحبك أيضًا ولكنك دومًا تستجوبني وهذا يحزنني كأنني أخفي عنك شيئًا .

تجهمت ملامحه وبدا الانزعاج جليًّا عليه ليجيبه باستنكار :

- أنا ! بالطبع لا يا صغير ، أنا فقط أشعر بالقلق حيالك لذا يجب علي أن أؤمنك جيدًا فأنت حفيد وليام ارتوا وليس أي فتىً عاديًا يجب أن تعلم ذلك .

باغته ثائر بنظرة ثاقبة وأردف بثبات مع ابتسامة بـ.ـاردة يظهرهما حينما يتعلق الأمر بطفله :

- حماية ابني مسؤولية على عاتقي سيد وليام ، لا تقلق حيال ذلك .

- كيف حمايته على عاتقك وأنت متورط مع أعدائك ثائر ؟ سمعت أن هناك من يتربص لك ولكتاباتك المثيرة ، ماذا إن حاول الانتقام منك في معاذ ؟

نبرته كانت مستفزة جعلت ثائر يتقلب بين الغضب والصمت لتأتي مارتينا من الأعلى وتردف بتوبيخ خاص بوالدها بعدما سمعت ما قاله له :

- ماذا أبي هل دعوته على العشاء لتسد شهيته ؟ أنت تعلم جيدًا أن ثائر لن يسمح لأي أحدٍ أن يمس معاذ بسوء دعه وشأنه .

انحنت على ثائر تقبله من وجنته وسحبت مقعدًا مجاورًا له وجلست تستطرد بابتسامـ.ـا.ت توزعها على الجانبين ونظرات ذات مغزى :

- لا تفسد هذه اللحظة أبي ، أنا ومعاذ نحب أن نراكما في تصالح دائم ، ليتك تثق في ثائر وتتخذه ابنًا لك ، هو يستحق ذلك .

نطقتها وهي تتفرس ملامح ثائر القريبة منها حتى استقرت عند شفتيه تتخيل تقبيلهما ليزفر ثائر وينظر نحو ابنه مبتسمًا بينما أردف وليام يغيظٍ مكظوم وبنبرة ساخرة :

- لو اعتبرته ابنًا لي إذا حينها لا يجب أن تطالبي بالعودة له ، حينها ستكونان أشقاء .

أردف ثائر بثقل ونبرة ملطفة حينما لاحظ الأجواء تحتد :

- أوه أنا ومارتينا أشقاء ؟ هذا مزعج جدًا .

ضحكت عاليًا ودنت منه تهمس بجرأة عند أذنه :

- نعم مزعج جدًا ثائر ، كيف لك أن تكون شقيقي وأنا أشتهي تقبيلك الآن .

ابتعد قليلًا ولم يجبها بينما علق وليام ساخرًا على وضع ابنته :

- هيا تناولي طعامكِ مارتينا ، الوضع أصبح مملًا .

زفرت بضيق وبدأت تتناول طعامها وجلس ثائر يأكل ويولي اهتمامه إلى ابنه وعقله منشغلٌ بحديث وليام عن أعدائه .

❈-❈-❈

جلست ليلًا في ركنها الهادئ تحمل بين يدها كتابه بعدما قررت فصل شخصيته عن كتبه ، ستتعامل مع كلمـ.ـا.ته فقط بعدما راق لها بحره .

زفرت بقوة ثم تحسست الكتاب بيدها وفتحته تقرأ مقدمته حيث دوّن في الصفحة الأولى :

- أعيدي كتابي إلى ركنهِ إذا ..
*أتيتِ من أسفل حطام انتقاده لكِ .
*اكتشفتِ خيانته وتسعين لاستعادته .
*أَحَبّكِ في السراء وسـ.ـخر منكِ في الضراء .
*يوهمكِ دومًا بأنكِ سبب نرجسيته .
أعيديه وإلا ستتألمين .

وقفت بعقلها أمام تحذيراته لها ، كأنه وصل لأعمق مستوى داخل مشاعرها لتبتسم بسخرية مؤلمة .

يحذرها بألا تقرأ كتابه وإلا ستتألم ! يبدو أنها وقعت معاهدة سلامٍ مع الألم برغم أنه عدوها اللدود لذا مدت يدها تقلب هذه الصفحة وتقرأ التالية حيث كُتب :

- قبل التعمق في القراءة واستكشاف داخلكِ ونقاط متعتكِ يجب أن تدركي أنكِ لا تشبهين الرجل عزيزتي ، الذكر لا تؤثر على متطلباته الجنسية أي تأثيرات نفسية فيمكنه بسهولة دفن زوجته نهارًا وإقامة علاقة مع أخرى ليلًا .

أما أنتِ .. يكفيكي فخرًا بأن الله أعطاكِ عطلة شهرية لأنه أفضل من يعلم دواخلكِ ، لا يمكننا قطع الحبل المتصل بين نفسيتكِ ومتعتكِ الجسدية وإلا ... أصبح الحبل مشنقة .

ابتلت الورقة بدمـ.ـو.عها التي سقطت على كلمـ.ـا.ته ، كان محقًا حينما نصحها ألا تقرأ ، كان محقًا حينما أخبرها أنها ستتألم .

إن كانت بداية الكتاب آلمت روحها هكذا فماذا إن تعمقت فيه لذا أغلقته ، كاذبة إن قالت أنها والألم باتا صديقين ، هما عدوان للأبد .

❈-❈-❈

بعد مرور عدة أيام .

لم تعد تحتمل الصبر أكثر من ذلك ، لقد مر وقتًا طويلًا وإلى الآن لم تصل إلى هدفها ... لذا.

تهيأت وتجملت واتجهت لتراه في محل عمله ، اليوم ستحسم أمرهما وترى هل سيتزوجها أم سيتزوجها فلا يوجد لديه خيارًا آخر .

وصلت إلى المحل ودلفت تباغته بنظرة معاتبة ومتلاعبة في آنٍ وهي تتقدم منه حتى وقفت أمامه وبنبرة يشوبها الحزن والبكاء الماكر قالت :

- أنا جاية النهاردة ومش ناوية أمشي غير وانت مرسيني على بر ، ولا انت كنت بتلعب بيا ؟

التفت ينظر حوله يتأكد من العمال الذين يعلمون بالأمر من البداية ولكنهم يلتزمون الصمت خوفًا من قطع رزقهم ، ليقف يخطو نحوها ويقبض على ذراعها يجلسها بنظرة تحذيرية وبنبرة مهيمنة ينفش شخصيته بها قال وهو ينحني نحوها :

- قلتلك بلاش تيجي هنا وأنا اللي هجيلك ، وبعدين إيه بلعب بيكِ والكلام الأهبل ده ؟ شيفاني عيل قدامك ؟

اقتربت منه وتغنجت في حركتها ونبرتها تجيبه :

- فشر ، دانت سيد الرجـ.ـا.لة كلهم ، بس إنت سايبني لعقلي يودي ويجيب ومش مرسيني على بر وانت عارف إني بحبك ومابقتش اقدر ابعد عنك ، فكرك يعني سهل عليا احب واتعلق بواحد متجوز وعنده عيلين ؟ بس اعمل إيه في قلبي اللي اتعلق بيك أول ما شافك .

كطفلٍ صغيرٍ أبله استقطبته ساحرة بتفاحتها المسموسة وكم كان محرومًا لتذوقها كأنه مل من تناول الشهد لذا ... جلس في المقعد المقابل لها ومد يده يمسك بكفيها وينحني عليها مجيبًا بنبرة مأخوذة بما قالته :

- طب اهدي بس وانا هعملك اللي انتِ عايزاه ، أنا بس بدور على شقة كدة تكون على قدنا واضبطها ونتجوز .

نزعت يدها من يده وطالعته بتعجب تستطرد :

- بتدور على شقة ؟ ليه إن شاء الله مانت عندك البيت كذا دور ؟

تـ.ـو.ترت نظرته قلقًا حينما تذكر ديما ليتحمحم مسترسلًا بتوضيح :

- أيوة بس مراتي والعيال وكدة ، مش عايزهم يعرفوا ، أنا مش ناقص دوشة .

اعتدلت وتجهمت ملامحها وصاحت باستنكار :

- يعني إيه الكلام ده يا كمال ؟ لتكون ناوي تتجوزني في السر ياخويا ؟ لا يا حبيبي إنت لا بتعمل حاجة عيب ولا حـ.ـر.ام ده جواز على سنة الله ورسوله وحقك ، مش إنت بردو قلتلي إنها مش بتديلك حقوقك ومقصرة معاك ؟

ابتلع لعابه وعاد ينظر حوله ثم استقر عليها يردف بنبرة راجية :

- وطي صوتك العمال حوالينا اللاه ، واهدي كدة واصبري لما اشوف هعمل إيه؟ وبعدين بلاش تيجي هنا تاني أنا مابحبش الأسلوب ده .

عادت تقترب منه ورفعت كفها تربت على صدره مسترسلة بهمس وغنج :

- حاضر ، إنت تؤمر يا كمولتي ولما أشوف هتعمل إيه علشاني ، أنا هستنى منك خبر قريب .

نهضت بعدها تطالعه بعيون يتلألأ فيها المكر واستطردت قبل أن تغادر :

- يالا سلام .

غادرت من حيث أتت وجلس يتابعها حتى اختفت ليطـ.ـلق سراح أنفاسه ويملس على صدره باستمتاع كأنه تناول وجبة دسمة لتوه ، يشتهيها بكلمـ.ـا.تها وحركاتها وطريقتها التي تناسبه كما لو كانت فُصّلت على قياسه .

❈-❈-❈

تفعل المستحيل لتعود زوجته من جديد ، بحثت ونقبت عن جميع الخطط والألاعيب التي يمكنها استعادته بها وجميعها باءت بالفشل معه ، حتى ابنهما استغلته ولكن خاب ظنها .

هي لا تستطيع فعل شيء سوى معاقبة كل من تقترب منه ، إذا كان اختار البعد عنها فليبتعد عن أي أنثى تمشي على هذه الأرض وإلا رأى الجنون على أصوله .

ولكنها تتآكل كلما استعادت ذكرياتها معه ، أسلوبه وغموضه وشخصيته ، لمساته لها ، أحيانًا تصبح على وشك الانفجار اشتياقًا له ولذا .. ها هي تقرر اللعب على أوتار شخصيته ولتستمتع قليلًا معه فلم تعد تجد سبيلًا آخرًا للوصول إليه .

تناولت الكأس الذي لم تعد تعلم عدده وجلست بين الجميع تتمايل وتغني بصخب لا يضاهي صخب المكان من حولها .

ترتدي فستانًا التصق بجسدها فباتت تشبه الحية إلى حدٍ كبير خاصة بنقوشه التي تشبه جلد الثعبان ، أحمر شفاهها القاني التصق بالكأس الذي تجرعته دفعة واحدة لذا ارتعشت وانكمشت ملامحها ثم وضعت الكأس على الطاولة واقتربت من النادل تناوله هاتفها قائلة بنبرة مهتزة مترنحة :

- خذ هذا وهاتف زوجي أخبره أن يأتي ليصطحبني فأنا على وشك السقوط .

نهضت بعدها تترنح وتخطو نحو حلبة الرقص بين الرجال والنساء ثم خلعت نعليها وبدأت تتمايل على أنغام الموسيقى باستمتاع وتنتظر مجيئه وتعلم جيدًا أنه سيعاقبها وهذا ما تسعى له .

وبالفعل هاتف النادل ثائر الذي كان يجلس مع شخصٍ ما في مكانٍ ما فأجابها متسائلًا بترقب :

- ماذا هناك مارتينا ؟

- سيدي هل يمكن أن تأتي إلى ملهى المدينة ؟ زوجتك هنا وهي ليست في حالة جيدة.

اغمض عينيه يزفر ويدرك جيدًا إلام تسعى ليجيبه بجمود :

- حسنًا أنا قادم .

❈-❈-❈

كمبنى هدمت أعمدته الداخلية ولم يتبقَ سوى الهيكل الخارجي الذي يأبى الاستسلام .

دلف منزله يفكر باستمرار منذ أن زارته ديما ، يبحث عن سببٍ لفعلته القادمة ، باستطاعته أن يستل من الشرع ما يساعده ولكنه يسعى للبحث عن اتهامٍ لها وكأن فعلته نتيجة تصرفاتها .

كالعادة المنزل هادئ ، صغيراه ناما مبكرًا والسكون يعم الأرجاء ، سكون دومًا ما أجبرها عليه ولكنه الآن يستنفره ، يشعره بالكآبة ، حتى هذه الرائحة العطرة التي تفوح من أركان البيت تخـ.ـنـ.ـقه وكأن عقله تهيأ لاستقبال حياة جديدة .

بحث عنها في ركنها المعتاد فلم يجدها لذا تحرك نحو غرفته ليراها فلم يرها لذا زفر وارتد على الفراش يفكر مجددًا ويبحث في كومة عقله عن سببٍ مقنعٍ ليناوله شيطانه ما يريد .

كانت في الحمام تنظر لساقيها اللتان امتلأتا ببقع الدماء المتجلطة ، حزينة على نفسها ولكنها راضية ، صابرة ومحتسبة ، يكفيها أن صغيريها بخير وصحة جيدة وحياة كريمة .

أنزلت قميصها الأبيض الدانتيل المكون من عدة طبقات ثم نظرت لوجهها في المرآة المعلقة تتمعن النظر في ملامحها الجميلة ، تحتفظ برونقها ولكن عينينها تحملان حزنًا مضاعفًا برغم ابتسامـ.ـا.تها التي توزعها جيئةً ورواحًا .

غسلت وجهها وجففته ثم تحركت نحو الخارج لتستمع لصوت هاتفه يتصفحه لذا تنفست بقوة وتحركت نحو غرفتها .

دلفت تبتسم له قائلة بنبرة هادئة :

- حمدالله ع السلامة ، احضرلك العشا ؟

لم يجبها بل ظل يتابع الفيديو عبر الهاتف فتنفست بقوة لتسيطر على ضيقها وقررت البوح ببعضٍ مما تشعر به فلن تنتظر حتى تصاب بجلطة رسمية لذا استرسلت بنبرة محتدة :

- كمال أنا بكلمك .

أبعد الهاتف يزفر بضيق ويطالعها مجيبًا :

- عايزة إيه ؟

- مش عايزة حاجة ، بسألك لو هتتعشى .

اعتدل في جلسته يحدجها بعيون التمعت فيهما القسوة وبدأ يلقي سهامه نحوها مسترسلًا :

- مش عايز منك حاجة ، مش إنتِ عايزاني ابعد عنك ومش طايقاني وكل ما اقرب منك تطلعيلي بحجة شكل ؟ خلاص ابعدي عني بقى .

كيف لها أن توضح لشخصٍ مثله ما تشعر به ؟ كيف لها أن تقعنه أن أفعاله هي التي تعيقها عنه .

لقد جفت ينابيع حبها وودها وصبرها ، جفت وتصحرت ولن تروي عطشه بقطرة حب بعد ذلك .

زفرت وحاولت تدريب نفسها على ما قرأته في كتاب علم النفس الذي ابتاعته وقررت التحدث إليه لذا أردفت معبرة بتروٍ تحاول تجاهل ما علمته عن شخصيته النرجسية علها تصل معه إلى حلٍ يمكنه مساعدتها على التأقلم :

- أنا غيرك يا كمال ، وحـاول تركز كويس في كلامي ومـ.ـا.تعملش زي كل مرة وتقلب عليا الترابيزة وتطلعني أنا الغلط ، مشاعري غير مشاعرك ، أنا محتاجة أحس إنك بتحبني ومراعي مشاعري ومهتم بيا ، أنا مش بشوف منك أي حاجة تدل على كدة وغصب عني بحس إني مش قادرة اتعامل في حقوقك الشرعية ، كل ما أحاول اتعامل مع الموضوع على إنه حق وواجب بحس إني مش قادرة ، إنت حاطط حاجز بيني وبينك بمعاملتك ونقدك كل شوية واتهامك ليا بكل صغيرة وكبيرة بتحصل ، فيه سد انت بنيته باستهتارك بأي حاجة بعملها وده على مدار سنيني معاك ، كل مرة كنت بحاول أوصل معاك لحل بتتهمني إني مملة ومدية المواضيع فوق حجمها لدرجة انك خلتني أشوفك بتمسح دمـ.ـو.ع واحدة تانية غيري وقلت لنفسي عادي بلاش تدي الموضوع فوق حجمه ، إنت وصلتني لطريق مسدود في علاقتنا ، غصب عني وانت السبب .

كأنها نبشت عش الدبابير وقد كان ينتظرها لتنبشه ، بكل ما أوتي من غضبٍ هاجمها بكلمـ.ـا.ته المسمومة وهو ينهض يتجه نحو خزانة ملابسها ويفتحها ويصيح :

- أنا السبب ؟ أنا راجـ.ـل ماعنديش دم ، أنا مش بعرف اتعامل مع ستات .

كان يتحدث وهو يلقي بملابسها الخاصة التي اشتراها لها أرضًا ليثبت لها أنه فعل ما بوسعه لها وظل يتابع :
1

- أنا راجـ.ـل ناقص مابفهمش ، مشاعرك ومشاعري إيـــــــــــه ؟ دانا ماخلتش هدوم وبرفانات وهدايا غير لما جبت ، دانا مافيش راجـ.ـل في الدنيا كلها زيي ، وفي الآخر أنا السبب ؟

لطم الخزانة بعنفٍ واتجه نحو مرآة الزينة يلقي من فوقها العطور وأدوات التجميل التي ابتاعها لها ويسترسل بأسهمٍ حادة استهدفت روحها :

- إنتِ اللي ست ناقمة ، بتتبتري ع العيشة اللي مافيش حد زيك عايشها ، دانتِ واهلك تحمدوا ربنا إني اتجوزتك ، دا أبوكي زهق منكوا ورماكوا وأنا اللي علمتك يعني إيه لبس وهدايا ، لاء فوقي .

نطق الأخيرة وهو يرطم آخر زجاجة عطر في مرآة الزينة فتهشمت كما تهشم خاطرها ووقفت بين الفوضى وكلمـ.ـا.ته عاجزة عن الحركة ، دمـ.ـو.عها أتت خوفًا عليها من الكتمان ، أتت لتعبر عن وجعٍ مقيدٍ فانهمرت من عينيها أمامه وباتت كلمة الطـ.ـلا.ق على طرف لسانها تتأرجح ليمنعها من قولها صغيرها الذي استيقظ على صوت التكسير وصراخه وأسرع نحوها وحينما رأى هذه الفوضى استقرت عينيه على والدته التي لأول مرة لم تفتح ذراعيها لتستقبله وتطمئنه بل وقفت عاجزة تشتكي عجزها له لذا قرر تولي الأمر عنها وباغت والده بنظرة كريهة ليتحدث بجرأة تملكت منه لأول مرة :

- مـ.ـا.تزعلش ماما ، ابعد عنها .

خمدت نيرانه بعدما عمت الفوضى ووقف ينظر نحو ابنه بغيرة من حبه لأمه ولولا أنه اعتاد ألا يضـ.ـر.بهم لكان تلقى منه ما يستحقه لذا اندفع يمر ويغادر الغرفة بل والشقة بأكملها وصعد لشقته العلوية تاركًا خلفه ابنه يحمل على عاتقه مسؤولية التخفيف عن والدته حيث اتجه نحوها وعانق خصرها يردف بحنان :
1

- مـ.ـا.تزعليش يا ماما ، أنا هشيل الحاجات اللي كسرها ، اقعدي إنتِ .

ولكنها هي التي انكسرت أيها الصغير ، هي التي تفككت إلى قطعٍ يصعب جمعها مجددًا لذا وقبل أن تتراجع فيما طرأ على عقلها ، ربتت على كتفه ثم تحدثت بنبرة تحمل قوةً وضعفًا :

- مالك روح صحي اختك يالا علشان هنروح عند تيتا .

ابتعد يطالعها وتجلت الفرحة في عينيه متسائلًا :

- هنروح دلوقتي ؟

أومأت له ليتساءل بخوف :

- طب وبابا ؟

زفرت بقوة وأردفت :

- روح بس يالا صحيها ومـ.ـا.تخافش .

أومأ لها وأسرع الخطى عائدًا إلى غرفته كي يوقظ شقيقته بينما هي اتجهت تحضر حقيبة وتجمع بها أغراضهم لتغادر ولترى ماذا هي بفاعلة .

❈-❈-❈

انتهى الفصل
أهناك أمل
قلبي انكسر
وعمري اندثر
وروحي وحياتي في سباق مع القدر
أهناك لبقايا النساء من أمل......
وجدت في كلمـ.ـا.تك الكثير من الألم
لكني بينها وجدت أيضا بصيصا من أمل
فهل لي من أمل
فهل لبقايا النساء من أمل

( بقلم فيروزة )

❈-❈-❈

كان في ورشة عمله يعمل ويفكر ، المسؤولية يومًا بعد يومٍ تتراكم عليه ، ومتطلبات الحياة تزداد ، وهو شابًا اقترب من الثلاثين من عمره ولكنه يريد أن يطمئن على صغيرته ثم سيبحث عن زوجة بصفاتٍ تشبه شقيقته ديما ، حنونة لينة وناعمة ومرحة ما إن تراه حتى تبتسم .

أما شقيقته الصغيرة المدللة فهو يسعى ليضمن لها الراحة ، ليته كان بهذه القوة والسلطة حينما تزوجت ديما ، ولكن حدث ما حدث وانتهى لذا فإنه حينما تقدم أحد شباب الحارة لطلب يد شقيقته رفضه دون أن يرجع لها ، هو على دراية بجميع شباب المنطقة وعاداتهم وتفاصيل حياتهم لذا وجب عليه اختيار الأفضل والأصلح لها .

كان صالح ينادي عليه ولكنه لم يسمعه لذا اتجه نحوه يلكزه قائلًا بتريث  :

- شو يا باش مهندس بشو سرحان ؟ بنادي عليك .

تحمحم داغر واعتدل يطالعه وتساءل بترقب  :

-  أيوة يا صالح معلش سرحت  ،  قول سامعك  ؟

أشار صالح نحو سيارة تصطف أمام الورشة وأردف بجدية  :

- السيارة تمام عدلت الترومبة وزبطت الفلتر  ، أنا حروّح علشان بدي أميّل أشوف أبويا  .

دس داغر يده في جيبه وأخرج بعض العملات ثم ناولها إلى صالح وأردف بودٍ دون أن يطالعه  :

- طيب خلي دول معاك علشان لو احتجت حاجة لحد آخر الاسبوع  .

حاول صالح منعه حيث أنه يعلم جيدًا ظروف الورشة ولكن داغر أردف مصممًا  :

- امسك بقى ياعم مش كل مرة هتعمل حكاية ده تعبك وشغلك  ،  سيبها على الله  .

أومأ صالح وأخذ المبلغ الذي هو بحاجته حتى يبتاع طعامًا لوالده ليبتسم بألم دفين وعجزٍ لن يشعر به غير من عاش معاناته  ،  التراكمـ.ـا.ت التي تكمن داخله تحتاج إلى من يزيلها بحبه وعاطفته  ،  الكسور في قلبه تحتاج إلى سنوات كي تجبر  .

اتجه ينزع مريلته ويعلقها ليتفاجأ داغر بظهور شقيقته دينا تقف أمامه وتردف بابتسامة منيرة  :

- سلام عليكم يا باشمهندسين  ،  الولاد روحوا ولا إيه  ؟

قالتها وهي تلتفت باحثة عن الصبية فلم تجد أحدًا منهم فيطالعها داغر بتعجب متسائلًا  :

- أيوة روحوا  ،  إيه اللي نزلك دلوقتي  ؟ 

مدت يدها بالكيس الذي يحتوي على علبة بها قطع من كيك الشوكولاتا وأردفت وهي تشير برأسها نحو صالح واسترسلت بنبرة عفوية  :

- ماما بتقولك ادي لصالح وللولاد من الكيكة دي  ،  لسة طالعة حالًا من الفرن  ،  متتأخرش علشان عايزاك قبل مانام  .

كان صالح قد التفت يطالعها وهي تتحدث مع داغر  ،  للحظة فقط قبل أن يغض بصره عنها ككل مرة يراها ولكن نطقها لاسمه لفت انتباهه لذا أردف وهو يتقدم قاصدًا مغادرة الورشة  :

- تسلموا والله مالوش لزوم  ،  يالا عن اذنكوا  .

حنينها لأهل غزة لا يمكنها إخفاؤه لذا أردفت بلطفٍ وابتسامة تلقائية  :

- لا ماما مأكدة عليا لازم صالح يدوق  ،  كدة ماما هتزعل  .

تحمحم صالح وشعر بالتـ.ـو.تر ليردف داغر بنبرة تحمل غضبًا يسعى ليروضه  :

- اطلعي إنتِ يالا يا دينا  ،  شوية وجاي  .

أومأت له وتحركت تغادر كما أتت فزفر داغر واتجه يضع العلبة على الطاولة ويفتحها ويمد يده يستل قطعة ويناولها إلى صالح مستطردًا بتصميم  :

- امسك بقى ومـ.ـا.تزعلش الحاجة  ،  دي نفسها تشوفك أصلًا وقالتلي أعزمك على الغدا الجمعة الجاية بس أنا نسيت  .

تناول منه صالح قطعة الكيك ولكنه أردف برفض  :

- لا غدا شو مش راح ينفع  ،  سلملي عليها كتير وقولها يسلمو ايديها على الكيك  ،  انتوا عملتوا الواجب وزيادة معايا  .

ربت داغر على كتفه يردف بنبرة مفعمة بالحنان والأمل  :

- مافيش واجب بين الاخوات  ،  لو انا مكانك هتعمل كدة واكتر كمان  .

طالعه صالح بنظرة تحمل امتنانًا وتعهدًا بأن يرد له جميله ما إن تنصلح الأمور  .

انتهى من مضغ الكيكة وودعه وغادر المحل ليتجه داغر يجمع أغراضه ليغلق ويغادر هو الآخر ولكنه انتبه على صوت سيارة توقفت أمام ورشته فرفع رأسه يتمعن فيها ليجدها امرأة تترجل منها وتتجه نحوه .

لم تتضح له ملامحها بعد لذا تقدم يستقبلها وما إن وقعت عيناه عليها حتى تفاجأ بأنها الفتاة ذاتها .

قطب جبينه متناسيًا اسمها لتبتسم له قائلة بنبرة مترقبة :

- ازيك يا باش مهندش ، ممكن اتكلم معاك في موضوع ؟

تعجب من مجيئها ولكنه تحمحم يتساءل بنبرة مرحة :

- حادثة تانية ولا إيه ؟ الحمد لله أنا وعربيتي ماجيناش جنبك .

زادت ابتسامتها وهزت رأسها نفيًا ثم استرسلت موضحة :

- لا أنا جيالك في شغل .

بدا التعجب على تقاسيم وجهه لذا أشار لها نحو المقعد يردف :

- طيب اتفضلي .

تحركت نحوه وجلست بينما هو تحرك لركنٍ ما يسحب منه مقعدًا آخر ويجلس أمامها متسائلًا :

- خير يا آنسة ـــــــــ ؟

- بسمة .

أعطته اسمها الذي لم يتذكره بالرغم من أنها تتذكر اسمه ليتابع :

- خير يا آنسة بسمة ؟ شغل إيه ؟

تحمحمت توضح باستفاضة :

- المصنع عندنا محتاج عمال ومن ضمنهم مهندسين مكانيكا لإني أقلت جزء كبير من العمال اللي فيه .

- ليه بس قطع العيش ده !

قالها معاتبًا ينفض يديه لتجيبه بجدية رسمية :

- لإني مش بحب الخداع وقلة الضمير ، لو كانوا شغالين بضمير مكانش الإنتاج قل بالشكل ده بحجة الآلات ، أنا كنت سايبة المصنع في أمانة ناس للأسف ماطلعوش قدها ومن هنا ورايح أنا اللي هباشر الوضع بنفسي علشان كدة محتاجة عمال ومهندسين عندهم ضمير في شغلهم ، وفكرت ولقيت إنك واحد منهم وقلت آجي أسألك ، تقبل تشتغل معايا ؟

برغم تفاجئه من امتلاكها مصنعًا وهذا دليل على ثراءها وبرغم أنه عرضٌ قدّم له على طبقٍ من ذهب إلا أنه لم يعقب سوى على أمر ورشته موضحًا :

- بس أنا فعلًا ليا ورشتي يا آنسة بسمة وماقدرش أقفلها .

زفرت بقوة خاصة وأنه يثبت لها كم هو صاحب ضمير ومبدأ لذا ابتسمت تعطيه حلًا :

- مين قال تقفلها ؟ الشغل في المصنع هيبقى من سابعة الصبح لاتنين الظهر وتقدر بعدها تعمل اللي إنت عايزه ، وكمان يوم الجمعة والسبت أجازة ، يعني ورشتك مش هتتقفل .

أمعن النظر ولم يجبها لتتنهد وتنهض بعدها مسترسلة قبل أن تغادر :

- بص فكر كويس وبلغني ، معاك رقمي ؟

ما زال في خضم أفكاره ولكنه نهض يقابلها ويبتلع لعابه مردفًا بنبرته المرحة :

- ناخده حالًا يا آنسة ، ده الموبايل ينور .

ابتسمت ومدت يدها له ليناولها هاتفه فاتجه نحو ركنٍ يعلق عليه أغراضه واستل هاتفه من جاكيته وعاد يناولها إياه مسترسلًا بخفة :

- اتفضلي بس لو رقمك مش ٠١٠ زيي يبقى بلاش تفتحي عليا علشان الرصيد ، يعني بما انك طلعتي صاحبة مصنع وكدة يبقى أكيد بتشحني فاتورة .

ضحكت تومئ له وهي تدون رقمه وتردف قبل أن تتحرك لتغادر :

- تمام يا باشمهندس ، إبقى رن وأنا هكلمك المهم توافق .

مد يده يأخذ منها الهاتف مسترسلًا بهدوء :

- ربنا يقدم اللي فيه الخير .

ودعته وغادرت ووقف ينظر لرقمها ويفكر في عرضها الذي جاء في وقت تفكيره في المستقبل وكأن الله أراد أن يطمئنه  ،  لعله باب رزقٍ جديد وأما عن الورشة فيمكنه تركها في أمانة صالح  .

❈-❈-❈

دلف الملهى الليلي يبحث عنها بعينيه وكما توقع تمامًا وجدها تتمايل داخل حلبة الرقص وسط الجموع .

اشتعل ضيقًا مما يراه واتجه نحوها يسحبها إليه فارتطمت به تطالعه بنصف عين وتضحك وهي تقبض على تلابيبه مترنحة وقد بدأت تتمايل عليه قائلة بسعادة من بين سكرها :

- ثائر هيا أرقص معي أرجوك .

باغتها بنظرة كلها برود ثم قبض على كفيها وأردف :

- أنتِ ثملة بشكلٍ مبالغ به ، يجب أن نغادر .

هزت رأسها رفضًا ثم رفعت قدميها لتصل لمستواه واقتربت منه تردف بجرأة :

- لقد ثملت عمدًا حتى تأتي ، أنا أحترق وأريدك ثائر ، هل لك أن ترحم جسدي الذي يطالب بك ، ذلك المدعو توماس آور ليان يتطوق لمواعدتي ولكني لا أريده ، برغم جاذبيته الساحقة إلا إنني لا أريد غيرك أنت ، هل تدرك ذلك ؟ هيا أرقص معي وضع يدك على جسدي ، هيا ثائر .

كانت تتلوى بين يديه وتحاول أن تلتصق به أكثر وأكثر ولكنه تنبه حينما نطقت اسم عدوه لذا استجاب لها ووضع يديه حول خصرها يتساءل بغموض :

- هل قابلتيه مارتينا ؟

ابتسمت تستمتع بلمسته وأجابته وهي تهمس عند شفتيه :

- أتغار عليّ حقًا ثائر ؟

نطقتها وحدقت في عينيه وبرغم ثمالتها إلا أنها لم ترَ في عينيه أي غيرة لذا تجهمت تلكمه بقبضة واهنة وتردف بتوعد :

- لا ، أنت لا تغار أيها الحقير ، ماذا أفعل كي تعود لي ؟ هل تريدني أن أقـ.ـتـ.ـل نفسي كي ترضى !

حاول تهدئتها بلمساته وتساءل بنبرة متزنة :

- اهدئي مارتينا ، أنا فقط سألتك هل قابلتيه أم لا ؟

حينما عانقها أجابته كالمخدرة :

- نعم قابلته ، تعلم أنه صديق والدي ولكنه حقير .

زفر ثم أردف وهو يبتعد ويمسك بمعصمها يسحبها خلفه للخارج :

- حسنًا يجب أن نغادر .

❈-❈-❈

أرجــــــــــــوك
إذا وقفت تتحدث معي أنظر إلى ابتسامتي الدائمة ولا تحدق في عيني التي شيدت سدًا من هلام خلف نهرٍ عظيمٍ من الدمـ.ـو.ع  .( بقلم آية العربي)

كالعادة تنتظر منال داغر لينتهي من تناول طعامه ثم تجلس معه قليلًا قبل أن تتجه لغرفتها .

يجلسان سويًا يتناقشان ، قص عليها عرض العمل الذي أتت به بسمة فسعدت به قائلة :

- طب ومالو يابني بس إسأل بردو عنهم وعن مصنعهم ، إنت عارف الدنيا مابقاش فيها أمان ويمكن البنت دي نصابة ولا حاجة .

ضحك داغر على والدته ثم استرسل :

- نصابة إيه بس يا ماما ؟ وبعدين هتنصب عليا أنا ؟ هو أنا حيلتي غير الورشة يا ست الكل ، وبعدين مـ.ـا.تقلقيش شكلها بنت ناس أوي ، مسيرك تشوفيها لو اشتغلت معاها .

أومأت منال ثم سألته بشك :

- طب وانت تعرفها منين دي يا داغر ؟

غمزها ونهض قاصدًا غرفته يجيبها :

- ابقي اسألي دينا الصبح ، يالا أنا هروح أنام ، تصبحي على خير .

تحرك خطوتين قبل أن يرن جرس الباب ليتوقف مكانه متعجبًا وتوقف مشيرًا بيده إلى والدته التي تحركت قائلًا :

- خليكي انتِ وأنا هفتح .

اتجه يفتح الباب ليصطدم بشقيقته وطفليها اللذان أسرعا يعانقانه بسعادة لم يستطع مبادلتهما إياها حينما وقعت عينيه عليها  ، لأول مرة يراها تبكي بوضوح ودون إخفاء دمـ.ـو.عها  .

ابتعد الصغيران يسرعان نحو منال التي تجمدت تنظر لابنتها وفجأة تأججت نيران الغضب داخل قلب داغر وتساءل باندفاع أهوج :

- ضـ.ـر.بك ؟

هزت رأسها بلا فتابع :

- عمل فيكِ إيه ؟

لا تريد أن تتكلم كل ما تريده هو الراحة الآن لذا أجابته بنبرة منكسرة واهنة :

- ماعملش حاجة ، سيبني أدخل يا داغر أنا مش قادرة دلوقتي .

احتراقه لم يسعفه لمساعدتها فوقف مكانه متجمدًا لذا أسرعت منال نحوها تأخذ منها الحقيبة وتسحبها لتعانقها بحنانٍ بالغ متسائلة بانفطار :

- مالك يا حبيبتي ، عملك إيه قولي  ؟

ارتمت في عناق والدتها ولم تفصح عما بها بل أجابتها بغصة مؤلمة تسد حلقها وتشعر بأحدهم يعتصر أحشاءها  :

- مافيش يا ماما ، سيبوني بس ارتاح .

تحدث مالك الصغير يشتكي ما حدث إلى خاله :

- بابا كسر الحاجة بتاعة ماما كلها وكان بيزعقلها جـ.ـا.مد وأنا قلتله مـ.ـا.تزعلش ماما .

تفاقمت داخله طاقة غضبٍ قاسية أراد أن يصبها فيه لذا أردف من بين أسنانه بتوعد سافر :

- أنا هعرفه مقامه .

كاد أن يندفع نحو الخارج ولكن ديما أسرعت نحوه تمسك بمعصمه فالتفت يطالعها فأمعنت النظر نحوه وأردفت بتوسل مرهق حد السقوط  :

- أبوس إيدك يا داغر أنا مش حمل أي مشاكل ، بلاش تخليني أنـ.ـد.م إني جيت ، أنا كويسة مـ.ـا.تقلقش .

هي الوحيدة التي تسيطر على غضبه لذا زفر متتاليًا كي يطفئ نيران صدره ولكنه لن يمرر ما حدث معها هكذا دون عقاب  ، سيعاقبه على سنوات عدة كظم فيها غيظه ولجم غضبه لأجلها فقط .

❈-❈-❈

في هذه الآونة

وبعد أن رآها وهي تغادر المنزل مع صغيريه من النافذة أسرع يخبر زينة بما حدث ويطمئنها ، فها هو المظلوم قد انتصر وبات يحق له الزواج بكل أريحية .

جلس يتحدث معها عبر الهاتف يشكو لها قسوة ما يعيشه وجراحه الملتهبة وهي تداويها بكلمـ.ـا.تها المعسولة وتتعهد له بأيامٍ تعوضه بها عما رآه .

بنبرة منكسرة أردف يشتكي :

- عملتلها كل حاجة ، عمري ما بخلت عليها بأي حاجة ، هدايا وهدوم وعطور ومن أغلى حاجة وفي الآخر تقولي أنا مابشوفش منك أي حاجة !

- اخص عليها نكّارة خير مـ.ـا.تستاهلش ضفرك ، مـ.ـا.تزعلش نفسك يا كمال بكرة تنـ.ـد.م ، دي مـ.ـا.تعرفش قيمتك .

هذه الكلمـ.ـا.ت تغذي نرجسيته أكثر وأكثر فيشتكي أكثر وأكثر مسترسلًا :

- علمت ولادي مايحترمونيش ، الواد اللي عنده خمس سنين وقف في وشي وبيقولي مـ.ـا.تزعلش ماما ، كرهتهم فيا يا زينة ، مابقاش ليا حد ولا عيلة ولا سند بعد أمي .

تضاعفت طاقتها وأردفت بغضب وعتاب خبيث :

- اخص عليك مـ.ـا.تقولش كدة وانا روحت فين ؟ أنا عمري ما هسيبك أبدًا ، ياريتني جنبك دلوقتي كنت خدتك في حـ.ـضـ.ـني وطيبت خاطرك .

صمتت لبرهة تترقب ردة فعله ثم طرقت على الحديد المنصهر مسترسلة باندفاع ظاهري :

- كمال خلينا نتجوز بكرة ، أنا مابقتش مستحملة اللي بيحصل فيك ده .

تنبهت حواسه وانقشعت غمامة مسكنته ليتساءل مستفهمًا :

- نتجوز بكرة إزاي يا زينة ؟ أنا لسة ماجهزتش أي حاجة والشقة دي ناقصها حاجات كتير .

جُل ما تريده هو الحصول عليه وعلى ممتلكاته لذا أسرعت تردف متلهفة :

- مش مهم ، المهم ابقى جنبك في وقت زي ده ، أنا مش هعرف أنام وانت في الحالة دي ، خلينا نروح نكتب الكتاب ونبقى نجهز الشقة واحدة واحدة ، وخليها عند أهلها علشان تعرف قيمة الراجـ.ـل اللي معاها وتخلي أهلها ينفعوها .

فكر سريعًا وراق له اقتراحها ولكنه يحمل بعض القلق مما ينتظره لذا أردف ليطمئن نفسه أكثر :

- أهلها مين اللي ينفعوها ؟ أخوها البلطجي اللي ماشي يخوف في الناس ولا أبوها اللي اتجوز وزهق منهم  ؟ هتعمل إيه عند أهلها وهتعرف تصرف على العيال منين  ؟ هترجع تاني  بكرة ولا بعده  .

-  أبوها معاه حق طبعًا ، راح دور على راحته مهو تلاقي أمها زيها كدة ، ياخويا بلا هم .

تجاريه في الحديث وهذا ما يريده ليثبت لها ولنفسه أنه يعيش جهنم على الأرض لذا أخذ نفسًا قويًا وقرر أن يتخذ الخطوة التي أمرته أن يخطوها قائلًا :

- خلاص يا زينة خلينا نتجوز بكرة ، بس  عـ.ـر.في أمك بقى وأنا هظبط أموري كدة ع السريع واجيلك .

لا مثيل للنصر الذي تشعر به الآن ولم تستطع منع نفسها من إطـ.ـلا.ق زغرودة عالية تعبر بها عن سعادتها وهي تردف بصياح :

- يا مامــــــــا ، أنا وكمال هنتجوز بكرة .

ضحك عليها كأنه شاب عشريني أعزب ليقول بنبرة ضاحكة خرجت منه تثير الاشمئزاز  :

- يا مـ.ـجـ.ـنو.نة هت عـ.ـر.في الناس كلها  .

أجابته بسعادة وتزين النصر فوق تقاسيم وجهها  :

- فرحانة أوي أوي يا كمال بكرة هبقى معاك ومش هسمح لأي حاجة تزعلك تاني أبدًا  .

شرد يتخيل حياته الجديدة الرائعة والتي سعى لها والتي أخيرًا ستتحقق غدًا  .

❈-❈-❈

لن تترك الحزن قابعًا داخله  ،  ستفعل جُل ما بوسعها لتنتشله  ،  لا تحتمل ذلك الغلاف الذي يحدثها به لذا  .

جهزت كل شيء كالعادة وعلى غير عادة  ،  فاليوم كان مميزًا بعض الشيء  ،  بملابس جديدة وأكلة بوصفة جديدة  ،  وحتى الموسيقى التي صدحت داخل جدران الغرفة جديدة  .

الاعتيادي هنا هي الورود الحمراء والشموع وزينتها  ،  اعتادت أن تتزين له لأنها ترى في عينيه الحب الكبير وتستشعر، بلمساته كم هو عاشقٌ لها ،  وتسمع همساته التي تنعش فؤادها بكلمـ.ـا.تٍ خاصة لا تقال إلا لها  .

تعلم أنها محظوظة بزوجٍ مثله  ،  زوجًا عوضها عن وفاة أبيها ،  زوجًا تمنت نصف مميزاته ولكنها تمنت أن تكوّن أسرة معه  ،  تحبه وتتمنى طفلًا منه  ،  تحبه وتسعى كي ترى بذرة حبهما في جنين يحصلان عليه  .

تعلم أن الله يرزق من يشاء وحاشاها أن تعترض ولكنها تتمنى وتسعى  .

دلف منزله وما إن وقعت عيناه على إضاءة غرفته حتى علم بما تجهزه له لذا ابتسم بتلقائية وتنهد يخطو نحوها وينادي باسمها فنهضت من فوق المقعد تلتفت لتقابله وتبادله الابتسامة قائلة بنبرة لينة  :

- حمد الله على السلامة يا حبيبي  .

تفحصها بدقة من رأسها لأخمص قدميها ليقترب منها أكثر ويتناسى أي حزنٍ سكن قلبه منها لذا رفع يده يزيح خصلاتها الطويلة للخلف ويردف بعيون يغمرها العشق غمرًا  :

- قميص جديد  ؟ 

انحنى يستنشق رقبتها بحالمية مغمضًا عينيه ثم همس عند أذنها  :

- وبرفيوم جديد  ؟  ناوية تعملي فيا إيه  ؟

احتلها جيش مشاعر لا مثيل له فجعلها تسبل أهدابها وانسحبت أنفاسها فأردفت بتحشرج  :

- ناوية أحبك أكتر وأكتر  ،  ناوية أصالحك علشان أنا عارفة إنك زعلان مني  .

ابتعد عن بيته ولم يبتعد عن محيطها بل لف ذراعيه حولها وتمعن النظر فيها ثم أردف  :

- مابعرفش أزعل منك  .

هزت رأسها وهجمت عليها الغيوم تسكن مقلتيها وهي تردف  :

- بس أنا موجوعة إني زعلتك  ،  إنت فهمتني غلط  ، أنا بس بخاف أوي يا دياب  ،  بخاف تبعد عني  .

قطب جبينه واسترسل مستنكرًا  :

- أبعد عنك إزاي يا يسرا  ؟  أنا ماقدرش أبعد عنك  .

برغم المشاعر الحاضرة بينهما الآن إلا أنها لم تستطع إخفاء ما يكمن في جوفها لذا أردفت موضحة مخاوفها  :

- لاء ممكن تبعد  ،  لما تشك إن العيب مني ممكن تفكر تتجوز  ،  أكيد إنت نفسك تكون أب  ،  نفسك يكون عندك ولد  ،  هتتحمل إزاي تعيش معايا وأنا في احتمال إني مش هخلف  ،  هو إنت ممكن فعلًا لو طلع عندي عيب تفكر تتجوز عليا  ؟

سألتها وقد سُحبت الدماء من وجهها لذا أسرع يضمها ويردف باستنكار  :

- إيه الكلام الأهبل ده  ؟  مستحيل طبعًا  ،  إنتِ هتفضلي مراتي وحبيبتي الوحيدة طول العمر  ،  ولو ربنا رزقني بأطفال هيكونوا منك إنتِ غير كدة هنقول الحمد لله راضيين  ،  وشيلي الأفكار دي من راسك يا يسرا لإن بجد كدة غلط  .

ليتها تستطيع نزعها من عقلها  ،  ليت الشخص يستطيع نزع مخاوفه بعيدًا عنه ولكن كلما حاول إبعادها تلتصق به وبعقله أكثر وأكثر وكأنها بقعة خبيثة على نسيج أبيض  .

لم تجبه بل ظلت تستشعر دفء عناقه ليبتعد قليلًا محدقًا بها فبادلته فتنهد بعمق واسترسل موضحًا  :

- يعني ينفع تعمليلي مفاجأة حلوة كدة وبعدين تزعلينا  ؟   فين الضحكة اللي بتهوّن عليا  ؟

أهدته ابتسامتها فأومأ يردف  :

- أيوة كدة  .

ابتسم لها وانحنى يقبلها باشتياق ولهفة وحب صادق  ،  تبادله بمشاعر مماثلة وتهبه كل ما يحتاجه ليشعر بالكمال معها وربما تحاول تعويضه بهذا الجزء عن الشيء الذي تفتقده  .

❈-❈-❈

كلما اشتدت المعاناة اعلم أن الله يؤهلك لشيء عظيم ولا تحزن ولا يضيق صدرك وكن على يقين إن ما أصابك شطرًا سيصيبهم أضعافًا  .

وقفت أسفل دُش المياه الدافئة تغتسل  ،  أرادت أن تنزع هذه الأفكار من رأسها لذا رفعت كفيها تجوب هبوطًا وصعودًا على خصلاتها  .

كأنها تسقط عنها الألم والذكريات والكتمان والقهر وكلمـ.ـا.ته  ،  ليتها تفقد الذاكرة وتنسى هذه السنوات الثمان  .

دمـ.ـو.عها تتسابق أيها سترطم في الأرض أسرع هي أم مياه الدُش  ،  تبكي بصمت وتسعى لتظهر بالصورة التي عُرفت بها دومًا  .

لا يمكنها أن تفصح عما بها لشقيقها فيذهب ويقتص من كمال فيضيع حقها منه  ،  ولا يمكنها أن تبوح لوالدتها التي تحمل هموم سنوات على عاتقها  ،  لا يمكنها أن تسرد لشقيقتها التي تستقبل الحياة حديثًا  .

حتى يسرا يكفيها من الهموم ما تعيشه لذا فاختارت أن تغتسل عل الهموم تتساقط أو تسقط واحدة منهم فقط  .

بعد وقتٍ أغلقت الصنبور واتجهت تلتقط المنشفة وتجفف جسدها ثم استلت ملابسها وارتدتها وخطت نحو الخارج ثم إلى غرفتها بعدما نام الجميع  ، وهذا ما ستفعله  .

كل ما ستفعله الآن هو النوم  ،  كُفي أيتها الروح عن التمزق وتوقف أيها العقل عن التفكير  .

أنا فقط أشتهي نومًا طويلًا أصحو منه على أملٍ جديد يبعث لروحي روحًا ترممها  .

قرر داغر احتضان ابن شقيقته بدلًا عن الوسادة البـ.ـاردة وقررت منال احتضان حفيدتها أيضًا ليعطيا ديما الراحة لتنام على السرير المجاور لسرير دينا التي نامت بالفعل   .

أغمضت عينيها وترجت النوم كي ينتشلها مما هي فيه وبالفعل رأف لحالتها وغمرها سريعًا  .

ليكن النوم أحن عليها من قلوب بعض البشر

❈-❈-❈

في الصباح  .

استيقظ كمال على رنين هاتفه ليتقلب في سريره ثم مد يده يلتقط الهاتف ويجيب بنعاس  :

- مين  ؟

أجابته زينة بلهفة وانشراح  :

- يالا يا كمولتي فوق ورانا حاجات كتير نعملها النهاردة  ،  كفاية نوم الساعة بقت تسعة  .

مسح على وجهه ونهض يستند على ظهر سريره مردفًا بعدما تذكر قراره الليلي :

- تمام يا حبيبتي صحيت أهو  .

تنهدت بـ.ـارتياح تسترسل بنبرة متغنجة جريئة  :

- مش مصدقة إننا هنام في حـ.ـضـ.ـن بعض الليلة  ،  أخيرًا يا كمولتي  .

شرد يفكر في أمرين بجانب ضيقه الذي يستيقظ به إحداهما ممتعًا وحالمًا والآخر قلقًا من ردود الأفعال وأهمها ردة فعل داغر لذا تنفس بقوة وأردف بنبرة يشوبها القلق  :

- طب يالا اقفلي علشان اقوم اشوف ورايا إيه  .

اغتاظت من طريقته وأسلوبه ولم تعتد أن تكظم غيظها لذا تابعت مندفعة بتوبيخ  :

- مالك يا كمال  ؟  هو إنت مش مبسوط ياخويا ولا إيه  ؟  ولا كلام الليل مدهون زبدة  ؟  لا بقولك إيه أنا مبحبش اللي بيرجع في كلامه فوق كدة معايا  .

تراجع عن نبرته وانتزع قلقه يلقيه بعيدًا وسعى لينتعش حيث أردف بنبرة سعى ليضخ بها اللهفة  :

- يابت ارجع إيه بس دانا ماصدقت  ،  انا بس أول ما بصحى من النوم ببقى مضايق شوية  .

- لاء معايا غير  ،  إنت تنسى كل اللي كنت بتعمله قبلي  ،  أنا هخليك تعرف طعم السعادة  .

كان ردًا منها على حديثه ووعدًا تلقاه بلهفة كبيرة كطفلٍ ألهته حلوى العيد ليجيبها وهو ينهض  :

- عرفته أصلًا يا زينة  ،  يالا يا حبيبتي أنا فوقت أهو هدخل آخد شاور وانزل اشوف اللي ورايا إيه وبليل هاجي واجيب معايا المأذون والشهود  .

انتعشت كليًا واستيقظ التحدي داخلها تردف  :

- ايوة كدة هو ده كمال اللي أعرفه   ،  وبعدين مـ.ـا.تقلقش من حاجة طول مانا في ظهرك   .

- هقلق من إيه  ؟  هي اللي جابت آخرها معايا  .

قالها باستنكار زائف لتجيبه بنبرة متلاعبة تتلاعب بها على أوتار ذكورته  :

- صح كدة يا روح قلبي  ،  يالا قوم غير ريقك وشوف وراك إيه  .

أرسل لها قبلة عبر الهاتف وأغلق معها وخطا نحو الحمام يدندن  أن السعادة الحقيقة تفتح له ذراعيها استقبالًا  .

❈-❈-❈

لم يعد يتذكر ملامحه الحقيقة نسبةً لكثرة الأقنعة التي يرتديها والتي باتت تسحبه لمتاهة لا نهاية لها   .

دس هاتفه النقال والتفت ينظر لها حيث تنام بعمق في فراشه  ،  لقد أتى بها عمدًا إلى منزله حيث كانت في حالة ثمالة تامة ولم يرد لطفله أن يرى والدته على هذا النحو  .

زفر وخطا نحوها ثم جلس على طرف الفراش يناديها بهدوء  :

- مارتينا  ،  هيا استيقظي  .

رفعت كفيها تلقائيًا تضغط على جانبي عقلها من أثر الصداع الذي هجم عليها أمس  ،  تتلوى وتئن قبل أن تفتح عينيها قائلة  :

- أوه رأسي ستنفجر  .

- هذا طبيعي لأنكِ تناولتي كمية كحول مبالغ بها  ،  ما تفعلينه خطأ  .

أجابها ويده تعمل على إزاحة خصلاتها المشعثة لذا فتحت عينيها تطالعه بتعجب  .

قريبًا منها يملس على خصلاتها وملامحه  ...  منفرجة  ؟ 

نهضت تجلس وتحدق به مسترسلة وهي مازالت تضغط على رأسها وقد انكمشت عينينها تأثرًا  :

- ثائر  ؟  هل أحلم  ؟

ابتسم لها ونهض يلتفت ويزفر بقوة ثم عاد يطالعها بابتسامة مسترسلًا  :

- قَصة شعرك هذه تعجبني  ،  متى قصصتيه  ؟

نهضت من الفراش تتجه نحوه حتى باتت أمامه ورفعت كفيها تضعهما على صدره وأردفت وهي تكتمعن نظرها به   :

- منذ أيام قليلة  ، أعلم أنك تحب الشعر القصير وأنا عكسك ولكنني فعلتها من أجلك  ،  دومًا أنت مميز ثائر  .

رفع يده يملس بإبهامه على خدها ويسترسل بنبرة مبطنة بالهيمنة  :

- وهل تميزي يعجبكِ مارتينا  ؟

أغمضت عينيها تأثرًا وقضمت شفتيها تتلوى بانتشاء وإغراء وتجيبه بهمس  :

- يعجبني كثيرًا  .

تبعت جملتها بتحريك يدها على جسده بجرأة جيئة وذهابًا قاصدة إثارته وقبل أن تصل لهدفها أمسك كفها وتعمق فيها يتابع بنبرة بـ.ـاردة  :

- ولكنكِ كنتِ تشتكين من تميزي هذا مارتينا  ،  كنا متزوجين وأنتِ تمردتي وسعيتي لتتحرري  ،  والآن ستعين لاستردادي  ،  ما هذا التناقض مارتينا  ؟

ابتلعت لعابها وأطلقت العنان لأنفاسها ووقفت مكانها تطالعه بغضب من تلاعبه بمشاعرها ليزفر ويسعى بألا يثير غضبها لذا تابع  :

- اسمعي مارتينا يجب أن أخبركِ شيئًا بخصوص ذلك ال توماس أور ليان  ربما أنتِ لا تعلمين ولكن والدكِ يعلم هذا جيدًا  ،  هذا الرجل هو عدوي اللدود ويجب أن أنبهكِ منه  .

قطبت جبينها وتساءلت باهتمام  :

- كيف عدوك  ؟  ولماذا  ؟

أجابها وهو يلتقط لفافة تبغه ويشرع في تدخينها مبتعدًا عنها  :

- يكرهني كوني عربي الأصل ومسلم الديانة  ،  كوني أكتب عن أفعاله الخفية ،  أشياءً كثيرة يكرهني لأجلها والأهم أنه يريدني معه في المراهنات   .

نظرت له ببعض الشك وتساءلت  :

- على حد علمي هو أقام في مصر عدة سنوات وليس لديه مشكلة مع العرب أو المسلمين  ، ثم لماذا تكتب عن أفعاله الخفية  ؟

الفت يحدق بها بتعجب ثم استرسل متجاهلًا حديثها الأولي  :

-  تعلمين أنني أحب كتابة ما يثير الجدل  ،  هذا سبب نفيي من بلادي أم أنكِ نسيتي  ؟  أنا لا أخشاه ولكن أخشى عليكِ منه لذا انتبهي .

نجح في التغلب على شكها واستبدله بالمكر الذي أطل من عينيها وهي تعاود الاقتراب منه وتردف بابتسامة لعوب  :

- ما رأيك أن أثير أنا أيضًا الجدل واستقطبه لك تأخذ منه ما تريد  ؟  أستطيع بسهولة أن أفعل ذلك  .

ضحك يقهقه ويطالعها بملامحه التي تشتهيها مردفًا باستنتاج  :

- أشعر أنكِ تستقطبيني أنا مارتينا  ،  أنا لا أريد استقطابه أنا فقط أبحث عن دليل خلفه عما يفعله من رهانات  ،  وتعلمين جيدًا أنني لا أفضل البحث والتنقيب بنفسي  ،  لا أريدك أن تتأذي بسببي  .

كلمـ.ـا.ته حمستها أكثر لتفعل أي شيء تستطيع من خلاله إبرام صفقة معه لذا قالتها صريحة  :

- حسنًا يبدو أن تستهين بي لذا سأريك ماذا سأفعل  ،  وفي خلال أيام سيكون بين يديك اعتراف توماس بكل أفعاله ولكن دعنا نعقد اتفاقًا أولًا  .

- هذا ما كنت انتظره  ،  ماذا تريدين مارتينا  ؟

ترقب إجابتها الذي يعلمها يقينًا حيث أردفت بثقب  :

- نتزوج مجددًا  .

عاد يضحك فوقفت تتأمله ثم تحمحم يردف بنبرة بـ.ـاردة  :

- الأمر لا يحتاج لصفقة  ،  ابتعدي عن توماس مارتينا وانتبهي منه جيدًا  ،  ربما يريد الانتقام مني بكِ  ،  وبالنسبة لزواجنا فسنأجله قليلًا  ،  أنا لم أنسَ الفتاة التي قـ.ـتـ.ـلتيها  ،  أنتِ الآن معاقبة  .

بفحيح أفعى أجابته وهي تقترب وتتلوى أمامه  :

- حسنًا أيها الثائر لنرى متى سينتهي عقابي  ،  هيا دعني أذهب كي أرى توماس  .

غمزته وتحركت تستل سترتها من فوق الأريكة وترتديه ثم لوحت له بيدها وتحركت تغادر من أمامه وتركته يزفر بقوة وينظر بغموضه الذي بات جزءًا لا يتجزأ منه  .

❈-❈-❈

اقتحم مكتبها بملامح قُدّت من نارٍ يصيح بحدة  :

- يعني إيه تعيني عمال منك لنفسك كدة  ؟  وازاي ترفدي المعاين  ؟  إيه هتابعي المصنع بنفسك ولا إيه  ؟

نطقها ساخرًا من بين نيران غضبه لتطالعه بثباتٍ ونظرة واثقة تشبه نظرة والدها ثم تركت ما في يدها على المكتب وشبكت كفيها قائلة  :

- بالضبط  ،  من هنا ورايح أنا اللي هتابع شغل المصنع بنفسي علشان اضمن إن التسيب والإهمال اللي شوفته ده مايتكررش  ،  المعاين اللي حضرتك بتقول عليه ده وواثق فيه أوي بسببه الشركة خسرت التلت شهور اللي فاته خمسة مليون جنيه ومش هستنى لما نفلس من ورا إهماله وقلة ضميره هو والعمال اللي تحت إيده  .

وقف أمامها عاجزًا عن ردعها خاصةً وأنها تذكره بتسلط شقيقه وتحكمه به لذا تملكه الغضب فقال بقسوة  :

- إنتِ تخطيتي حدودك وبدأتي تدخلي نفسك في أمور مـ.ـا.تخصكيش  ،  احسنلك تتراجعي يا بسمة وإلا  ــــــــ  .

نهضت تستند بكفيها على مكتبها وتساءلت بترقب وجسارة ترعرعت عليها مستفهمة  :

- وإلا إيه  ؟

رفع سبابته يحذرها بجمود مسترسلًا   :

- وإلا تقعدي في البيت ومالكيش دعوة بالإدارة نهائي  .

ضحكت بقوة استفزته وعادت تطالعه متسائلة  :

- ومين اللي هيقرر ده  ؟  حضرتك  ؟

للمرة الثانية يعجز عن ردعها ويراها تتحداه لذا ابتلع لعابه وانتزع نفسه بقوة من أمامها يفكر سريعًا في خطةٍ ما  ،  يجب أن يتزوجها ماجد ابنه في أسرع وقت قبل أن تجلس على كرسي السُلطة خاصةً وأنها ذكية و تتقن الإدارة جيدًا ودرست كل صغيرة وكبيرة في شؤون الشركة والمصنع قبل وفاة والديها .

جلست ترتد على المقعد وتزفر بقوة وبداخلها خذلان كبير يجبرها أن تتظاهر بالقوة ولكنها بحاجة إلى من يجابه معها  ،  يشاركها رفع الأثقال التي زادت كثيرًا عليها  
سدًا منيعًا يا الله في الدنيا يمنع عني فيضانات غدرهم  ،  وظهرًا أشـ.ـدد به أزري وأشركه في أمري  .

استيقظت ولم تحرك ساكنًا منذ أكثر من ساعة  ،  عيناها فقط تبصر وجسدها بالكامل متجمدًا تستعيد كل ما مرت به طوال سنين زواجها  ،  تبحث عن خطأ تدين به نفسها حتى تعطيه عذرًا واحدًا فقط كي يستمر هذا الزواج لأجل صغيريها  ،  لأول مرة منذ أن تزوجت تقرر الرحيل وهذا يثبت لها أنها استُنزفت لذا يجب أن تفكر جيدًا  .

طرقات على الباب تبعها دخول داغر ينظر نحوها بترقب كأنه يعلم أنها مستيقظة وهذا ما قاله وهو يتقدم منها  :

- كنت حاسس إنك صاحية  .

جلس على المقعد المجاور للسريرين ثم نادى على دينا يردف بحدة زائفة  :

- نايمة في كهف  ؟  مـ.ـا.تقومي بقى يا بنتي  ؟

تململت دينا تتمطأ ثم التفتت تطالعه بنصف عين متسائلة بتحشرج :

- فيه إيه يا داغر  ؟  هي الساعة كام دلوقتي  ؟

- الساعة دلوقتي تمانية  ،  يالا فوقي علشان تلحقي شغلك  .

تحمحمت ونهضت تنوي التحرك ولكنها تجمدت حينما رأت ديما تستند على الفراش المقابل لتقول بدهشة  :

- ديما  ؟  إنتِ نايمة هنا  ؟

ابتسمت لها تومئ بصمت وإرهاق ولم تتفوه ببنت شفة ليردف داغر نيابة عنها  :

- أيوة جت بليل وانتِ نايمة  ،  يالا روحي جهزي الفطار واحنا جايين وراكي  .

أمعنت النظر في وجه شقيقتها وتيقنت أن هناك خطبًا ما لذا زفرت تومئ بهدوء وتحركت نحو الخارج ليلتفت داغر إلى شقيقته يتمعن ملامحها ويتساءل  :

- مش هتقولي بقى إيه اللي حصل  ؟

ابتسامتها عادت تظهر ولكنها لن توقفه عن أسئلته ليسترسل  :

- ديما اتكلمي  ،  مجيك هنا معناه إن فيه حاجة كبيرة حصلت  ،  قولي إيه الموضوع واوعدك هتكلم معاه بالعقل واشوف مشكلته إيه  .

ابتلعت لعابها وأردفت بنبرة منهكة  :

- ولا حاجة كبيرة ولا صغيرة يا داغر أنا بس قلت اريح دماغي يومين معاكوا  ،  بلاش بقى عمايلك دي وتخليني انـ.ـد.م إني جيت  .

يتفحصها بعينيه ويوخزه قلبه لأجلها  ،  شقيقته القوية والهشة في آنٍ واحد  ، الجميلة الحزينة  ،  المنعشة والبائسة  ،  الحنونة والصارمة  ،  شقيقته التي ليس كمثلها أحد ،  يراها بعينيه التي لا ترى بها عيبًا سوى تهاونها المفرط في حق نفسها  .

زفر بقوة ونهض يومئ ثم استرسل  :

- طيب  ،  ارتاحي خالص وريحي دماغك ولا تشغلي بالك بأي حاجة وانا هنزل الورشة ولو احتجتي أي حاجة كلميني  ،  وفوقي كدة علشان عايز آخد رأيك في موضوع  .

أولته انتباهها وتساءلت وهي تنهض لتعتدل   :

- موضوع إيه يا داغر قول  .

عهدها مستمعة جيدة وناصحة مميزة لذا أردف موضحًا  :

- جاي لي عرض شغل في مصنع كويس بس لسة هسأل عنهم أكتر النهاردة  ،  والشغل هيبقى الصبح والورشة آخر النهار وممكن لو وافقت أسيب الورشة في أمانة صالح   .

ابتسمت وأردفت بتشجيع  :

- دي حاجة كويسة جدًا يا داغر بس هتقدر  ؟

أومأ يؤكد لها بتريث وتلقائية   :

- قولي يارب يا ديما  ،  هي فرصة حلوة وإنتِ عارفة الظروف عاملة إزاي  .

أومأت له مؤيدة تجيبه داعمة  :

- عارفة يا حبيبي بس اسأل على الناس دي وبعدين توكل على الله  ،  بس مين جايبلك الشغل ده  ؟

غمزها يردف بمرحٍ مشاكس  :

- لاء ده موضوع يطول شرحه وأنا هتأخر  ،  لما ارجع بقى هبقى احكيلك  .

أدركت أن هناك مغزى لذا ابتسمت تضيق عينيها وأردفت تجاريه  :

- أوبا  ،  ده باين كدة هنبل الشربات قريب  .

ضحك بعلو ثم تحمحم يردف بثقة  :

- لاء خيالك مايسرحش لبعيد  ،  دي بنت اتعرفت عليها في حادثة بس طلعت غنية ومن عيلة كبيرة ويمكن حست إني جدع وشهم وباش مهندس أد الدنيا قالت تستفاد مني في مصنعهم  .

أومأت له  ثم أردفت  :

- مفهوم مفهوم يا باش مهندس  ،  روح يالا انت علشان مـ.ـا.تتأخرش ولما ترجع نبقى نشوف موضوع بنت الأكابر ده  ،  واضح كدة إنك هتوحيلي بقصة رواية جديدة  .

ابتسم وانحنى يقبل رأسها ثم اعتدل يردف بجدية ونظرات ثاقبة  :

- ايوا اكتبي  ،  واوعي تشيلي هم أي حاجة  .

رفعت رأسها تحدق به ثم تنهدت تومئ له بامتنان كبير وحزنٍ تسعى لتخفيه أسفل وجهٍ مبتسم لا يعبر سوى عن الألم  .

❈-❈-❈

أتى المساء محملًا بالأحداث الخبيثة من قبل أحدهم   .

أتى ومعه المأذون والشهود ودلفوا منزل زينة فاستقبلتهم والدتها بالزغاريد وقد وصل الحماس لأعلى مستوياته عندها  .

جاءت زينة من الداخل في كامل زينتها تبتسم له حتى وصلت أمامه فحدق بها يردف بملامح منفرجة  :

- اتأخرت عليكِ  ؟

هزت رأسها تجيبه بدلالٍ متعمد  :

- لا يا روح قلبي في الوقت المناسب  .

ابتسم لها وبرغم رغبته القوية في امتلاكها إلا أن في داخله ضيقًا لا يدرك سببه  ،  وكأن مظالمه تقبض على صدره غضبًا وقهرًا مما هو مقبلٌ عليه  .

جلس المأذون والشهود ونادت فوزية على جيرانها اللاتي جئن تبـ.ـاركن وتصفقن أثناء إجراءات كتب الكتاب التي انتهت بعد قليل وأعلنهما المأذون زوجًا وزوجة لذا نهض يتجه نحوها ووقفت تستقبله فبادر يعانقها لتسرع في احتضانه بقوة كأنه سجينٌ تخشى هروبه بعدما تم القبض عليه  .

❈-❈-❈

لتصل إلى هدفك يجب عليك التضحية بشيء أو خداع الذئاب  .

وإن كان توماس أور ليان ذئبًا على هيئة بشر فهي أفعى على هيئة قطة هيمالايا  .

ارتدت فستانًا يكشف ما يجب ألا يُكشف وتجملت وقررت تلبية دعوته على العشاء بعدما رفضتها مرارًا وتكرارًا  ،  يكفي أن تدخل أحضان ثائر مجددًا لذا هي على استعداد لفعل أي شيء لتحصل على مرادها  .

استقلت سيارتها وتوغلت في شوارع بـ.ـاريس قاصدة المطعم الذي ينتظرها به  ،  تسعيد ذكرى صباح اليوم حينما استيقظت ووجدت ثائر يملس على خصلاتها  .

تباطئت أنفاسها وتعهدت لنفسها بألا تستسلم قط  .

توقفت أمام المطعم المنشود لذا صفت سيارتها ترجلت تخطو بتباهٍ كأنثى الطاووس حتى دلفت المطعم فاستقبلها النادل يرحب بها فناولته معطفها الملغم بالفرو لتكشف عن فداحة ما ترتديه أمام العيون التي التفتت نحوها منهم من عرفها ومنهم من لم يعرفها ولكن الثراء والجرأة ينبعثان من كل إنشٍ بها  .

رآها توماس فنهض يستقبلها ويتفرصها وهي تتغنج بمشيتها حتى وصلت إليه فمد يده لها لتناوله كفها ففعلت فانحنى يقبله بشكلٍ مسرحي واعتدل يحدق بها بجرأة معلقًا  :

- دومًا تسحرين القلوب بجمالكِ مارتينا  .

ابتسمت بعيون لامعة ببريق الغرور خاصة وهي ترى فريستها تقع لها لذا أجابته بتعالٍ وهو يسحب لها مقعدًا لتجلس بأسلوبٍ نبيل لا يشبهه : 

- القلوب والعقول أيضًا توماس لا تكن بخيلًا  .

جلس مكانه يحدق بها بنظراتٍ خبيثة ويتابع  :

- أنا والبخل لا نلتقي البتة  ،  أنا كريم وأحب البذخ ولكن أعطيني لأعطيكِ  .

ضحكت ونظرت حولها ثم عادت إليه وتساءلت بجرأة  :

- وماذا تريد مني أيها الكريم  ؟

اقترب من موقعها قليلًا وهمس بوقاحة وعينيه تسافر على جسدها :

- كل ما يمكنكِ إعطاءَه لي  ،  أنا لا أشبع بسهولة  .

توقفت عن الضحك وأمعنت النظر فيه ثم أجابته بترقب  :

-  توقف قليلًا حتى لا تختنق  ،  لا تنسى أنني ابنة صديقك وغير ذلك أنا الآن في علاقة  .

تجاهل سيرة والدها وقطب جبينه متسائلًا بشك  :

- أي علاقة  ؟  على حد علمي أنكِ لم تدخلِ علاقة منذ طـ.ـلا.قكِ من ذلك المسلم  .

قالها باستهزاء لتجيبه بثقب  :

- نعم أنا في علاقة مع ذلك المسلم  ،  أو دعنا نقول أنه يحاول معي  .

جاءته الفرصة ليستقطبها ويعلم عنه ما يريده لذا تساءل بخداعٍ  :

- مجيئكِ الآن يثبت لي أنكِ مترددة في العودة إليه  ،  أليس كذلك أم أنه يتلاعب  بكِ بكلمـ.ـا.ته كالعادة  ؟

استشفت خداعه ولكنها تساءلت بثبات  :

- ماذا تقصد  ؟  هل تعلم عنه شيئًا   ؟  أخبرني   ؟

اعتدل يرفع حاجبيه ثم ابتسم يسترسل بشرود  :

- ليتني أعرف  ،  بالتأكيد كنت أبلغتك ولكن كوني حذرة منه  ،  هو محتال كبير  ،  ونصيحة مني لا تثقي في أي عربي الأصل هنا  ،  جميعهم مخادعون  .

رأت أمامها كلمـ.ـا.ت ثائر عن عنصـ.ـر.يته وتأكدت أنه محق  ،  توماس يكره العرب لذا أردفت بنبرة متلاعبة  :

- معك حق  ،  لهذا أنا أرفض العودة له  ،  هيا أطلب لي شيئًا ما أيها الكريم  .

أشار بيده للنادل ليأتي ويطلب ما يريدانه وداخله حماس العالم كونه سينال من ثائر قريبًا ويحصل على مبتغاه في مارتينا محطمة أفئدة الرجال   .

❈-❈-❈

الذكريات أكثر إخلاصًا من بعض البشر  ، لذا فحضورها الآن كان بمثابة صفعة قوية تلقاها وهو يصعد الدرج مع عروسه الجديدة  .

مر على شقة ديما وهجمت عليه ذكرياته معها  ، تذكرها حينما وطأت قدماها المنزل كعروس  ، تذكر خجلها  ، جمالها  ، حُمرة وجهها ، هدوءها الذي يكرهه .

يا له من خائن مخادع لم يستمتع بالنعم ومقتها لذا فها هو يستقبل اختياره بابتسامة يحاول بها التغلب على تلك الذكريات اللعينة  .

نعم لعينة فهو المظلوم هنا  ، هي لم تعد تحبه ويرى ذلك في عينيها لذا اختار من ستهبه الحب والطاعة والراحة  ، فتلك الديما تمادت في الأخطاء حتى بات الغفران لها أمرًا شاقًا  .

صعد الشقة العلوية وفتح الباب ثم نظر إلى زينة التي اتسعت ابتسامتها حينما قال  :

- ادخلي برجلك اليمين  .

أطاعته وولجت فتبعها يفتح إضاءة المكان فأنار فنظرت حولها بملامح رسم عليها الانبهار فقد استطاع خلال الساعات الماضية وبمساعدة عماله أن يجهز الشقة بالأثاث اللازم لاستقبال عروسته الجميلة المدللة  .

ظلت مأخوذة بالمكان ثم التفتت تطالعه بسعادة توغلتها كليًا وقالت  :

-  إيه ده يا كمال  ، عملت كل ده امتى  ؟

ابتسم وهو يخطو نحوها يحاوط خصرها قائلًا بنبرة متعطشة يزيح بها غمامة أفكاره  :

- خلال كام ساعة جهزت كل حاجة علشان تليق بيكي يا أغلى زينة  ، إيه رأيك  ؟

تعلقت به ولفت ذراعيها حول رقبته تجيبه بغنج  :

- ودي عايزة رأي  ؟ أي حاجة تعملها وتلمسها إيدك هتكون روعة يا كمولتي  .

لم يتهمل بعدها ودخل في عمق متطلباته وانحنى يقبلها قبلة تشبه شخصيته استقبلتها استقبالًا يليق بها وانـ.ـد.مجا اثنانهما في علاقة تتلائم بشكلٍ تام مع شخصياتهما ليوقن بعدها أن الجرأة والوقاحة هما بوابته للعبور إلى متعته .

❈-❈-❈

عاد من عمله ودلف المنزل يلقي السلام فركض صغيرا شقيقته نحوه يصيحان  :

- خالو جه  ، خالو جه  .

انحنى يستقبلهما في كنفه ويعانقهما سويًا ثم نهض يناولهما أكياس النقانق والشوكولاتة التي ابتاعها من أجلهما تحت أنظار منال وديما ودينا التي انتفضت تقف وتتساءل بملامح طفولية حانقة  :

- وأنا فين  ؟

ضحك عليها داغر واقترب يناولها أغراضها فعانقته تشكره فبادلها وابتعد يخرج قطعة أخرى من الشوكولاتة بالبندق ويلقيها نحو ديما قائلًا بمرح  :

- كُل شوكولاتة بالبندق وانسى الهم  .

التقطتها تبتسم ابتسامتها المشرقة وشكرته بهدوء دل على حزنها الذي تحاول إخفاؤه ولكنه واضحًا كالشمس  .

اتجه يجلس جوارهن بعدما وضع الأكياس على الطاولة وناول منال قطعة شوكولاتة مماثلة يردف بحنان  :

- ودي واحدة لست الكل  ،  ها عاملين إيه  ؟  فيه جديد  ؟

نظرت منال لابنتها الغالية بملامح حزينة كأنها تشتكي له بصمتٍ وفهم ذلك لذا التفت ينظر نحو ديما وتحمحم يردف بترقب  :

- يالا افرحوا  ،  اخوكو هيتعين في مصنع الراوي للكيماويات  .

التفتت له ديما تتساءل بنبرة متلفهة لا تخلو من حزنها  :

- وافقت يا داغر  ؟  وسألت عليهم  ؟

أومأ له يجيب حينما انتبهن ثلاثتهن  :

- سألت والمصنع كويس والبنت دي كويسة جدًا وعندها ضمير زي أبوها الله يرحمه  ،  أتاريها يتيمة وعايشة مع عمها ومـ.ـر.اته  ،  أمها وأبوها مـ.ـا.توا من سنتين تقريبًا  ،  الله يصلح حاله محمود زبوني هو اللي عرف يجيب لي كل المعلومـ.ـا.ت دي  .

تساءلت منال بقلقٍ  :

- المهم الشغل هناك أمان يا داغر  ؟  يعني يابني لازم تأمن نفسك دي كيماويات  .

ضحك عليها بينما وضحت دينا بسخرية من بين ضحكاتها المماثلة   :

- مـ.ـا.تقلقيش يا ماما هما يعني بيجربوها في العمال  !

باغتها داغر بنظرة لائمة ثم تنهد ونهض يردف بترقب  :

- أنا هقوم استحما وبعدين هدخل أكلم الآنسة بسمة وأبلغها أني قبلت وارجع لكوا  .

تحرك نحو الحمام وجلست منال تربت بحنان على يد ديما التي بادلتها بينما نهضت دينا تتخابث على صغيري شقيقتها كي تنتشل منهما بعض النقانق  .

خرج داغر بعد دقائق وتحرك نحو غرفته فأوقفته دينا التي جلست أرضًا بين مالك ورؤية تردف بمغزى  :

- ابقى سلملي على بسوم  .

ألقى المنشفة في وجهها ودلف غرفته يغلق الباب خلفه فضحكت عليها منال والصغيران بينما عادت ديما لشرودها حينما نظرت للتلفاز ورأت مسلسل تليفزيوني يعرض زوجًا قاسيًا يشبه زوجها  .

في الداخل رفع داغر هاتفه ينتظر إجابتها ولكنها لم تفعل بل انتظرت حتى انتهى الاتصال وعاودت الاتصال به ليبتسم ويغلق مكالمتها وأعاد اتصاله ففتحت تجيبه بمغزى  :

- مش حذرتني مافتحش عليك  ؟

تعجب من تسجيلها لرقمه ولكنه تجاوز يردف برصانة  :

- مايصحش بردو يا آنسة بسمة دي عيبة في حقي  ،  وبعدين أنا كنت بهزر  .

تحمحمت وأعجبها رده لذا تنهدت وتساءلت بترقب وهي تتجه نحو سريرها بعدما اعتنت ببشرتها  :

- تمام  ،  قولي قررت  ؟

أجابها بثبات  :

- أيوا  ،  إن شاء الله هكون قدام المصنع بكرة الساعة سابعة  .

فكرت قليلًا وتذكرت موعد ذهابها للمؤسسة الحكومية صباحًا لذا استطردت  :

- طب خليها بعد بكرة يا داغر علشان أكون في استقبالك وأفهمك المطلوب  ،  تمام  ؟

- تمام يا آنسة بسمة زي ما تحبي  ،  يبقى بعد بكرة إن شاء الله نتقابل  .

- إن شاء الله  .

أغلقا سويًا وكلٍ منهما سبح في فلك أفكاره يفكر في الآخر ليزفر داغر ويقرر الخروج إلى عائلته وتقرر بسمة الولوج إلى فراشها  .

❈-❈-❈

في الثانية صباحًا وفي إحدى الغرف الفندقية

جلس توماس يتخبط على الفراش ويتمايل على مارتينا التي تجاوره وتتغنج عليه وفي يدها كأس المشروب تناوله له وكلما تجرعه تصب غيره من جوارها  .

بدلالٍ وهمس جريئ وحركات وقحة استطاعت إغراقه في دوامة من اللا وعي وباتت تلقي طُعم معلومـ.ـا.ت عن ثائر لا أهمية لها لتستقطبه في الحديث فيلقي بأوراقه  .

وبرغم مكره ودهائه إلا أن غريزته الذكورية ومتطلباته جعلته يسقط في وكرها ويخبرها ببعض الأسرار عنه  ،  أسرارًا أدهشتها لدرجة أنها شردت فاستباح لنفسه أن يتمادى لذا أسرعت تصب له كأسًا آخر بانزعاج فكان يجب أن يفقد الوعي بعد كمية المشروب التي تناولها ولكنه ما زال يريد نيلها  .

❈-❈-❈

في اليوم التالي ظهرًا قررت بعدما غادر شقيقها إلى ورشته وشقيقتها إلى العمل  .

جلست تجاور منال وأرادت أن تتحدث إليها عن قرار ستتخذه خاصةً وأن الصغار نيام  .

أردفت بعدما تنفست بعمقٍ وحرارة  :

- أنا عارفة إن كلمة مطلقة صعبة وإنك اتوجعتي منها قبلي  ،  بس أنا مبقاش عندي طاقة أكمل  ،  مابقتش متحملة بجد ولازم أوصل معاه لحل من غير محاكم أو دوشة علشان خاطر ولادي  ،  يطـ.ـلقني بما يرضي الله ويروح يعمل اللي هو عايزه مابقاش فارق معايا أي حاجة  .

قلبها يحترق وكأن قصتها تمر أمامها لذا تساءلت بتوجس  :

- هو عمل حاجة غلط يا ديما  ؟  أوعي تقولي خاين  ؟

اعتصرت عينيها فرأته وهو يجفف دمـ.ـو.ع أخرى وسمعته وهو يحدثها لذا عادت تبصر وتتنهد مسترسلة  :

- صدقيني يا ماما أنا غيرك  ،  إنتِ خيانة بابا وجعتك لإنك كنتِ بتحبيه إنما أنا حتى لو كمال خان مش هتوجع حب بس أنا عارفة إني مستاهلش كدة  ،  عارفة إن طاقتي كلها نفذت معاه هو  ،  عارفة إني ماعرفش يعني إيه حب ولا جربته قبل كدة بس لقيت الإنسان ده هو جوزي فأخدت عهد على نفسي أني أكون مخلصة ليه طول عمري  ،  زعلانة على نفسي أوي يا ماما وعلى سكوتي  ،  زعلانة على خوفي منه ومن صوته العالي ومن مامته اللي كانت قاسية أوي  ،  زعلانة علشان هيتقالي بيضـ.ـر.بك هقول لاء وهيتقالي مش بيصرف هقول لاء ومحدش هيفهم الكارثة اللي أنا واقعة فيها  ،  الكارثة إنه بيصرف كويس جدًا ومش بيضـ.ـر.ب أبدًا بس قدر يخليني أكرهه وقدر يخليني قربت أكره نفسي وعجزي  .

سقطت دمـ.ـو.ع منال على كلمـ.ـا.ت ابنتها التي كانت شاردة كأنها فتحت كتابها المغلق لسنوات  ،  تسرد لنفسها ولوالدتها ما عاشته  .

ازدردت ريقها وغصتها المتحجرة وتابعت  :

- أنا لازم اتكلم معاه ولوحدي  ،  يطـ.ـلقني ومش عايزة منه حاجة وأنا هشتغل وهصرف على ولادي  .

أردفت منال وهي تحاوط كفيها  :

- طب ما تحكي مع داغر يا ديما وتسبيه هو اللي يكلمه  ؟

تعلم منال أنها مخطئة فإن أطلقت ديما سراح داغر عليه ستكون العواقب وخيمة وسيحدث ما تخشاه لذا هزت رأسها تستطرد  :

- مش هيتكلم  ،  كمال مش بتاع تفاهم خصوصًا مع داغر وأنا مش هتحمل أخويا يتئذي بسببي  ،  اللي لازم يتكلم معاه هي أنا  ،  لازم أوصل معاه لحل من غير فضايح  .

صمتت لهنيهة ثم نهضت تنظر في عيني والدتها وأردفت بتـ.ـو.تر  :

- ماما أنا هروح أكلمه  ،  هجيب بقيت حاجاتي أنا والولاد وأعرفه قراري وأشوف هوصل معاه لإيه  .

تحركت لتبدل ثيابها قبل أن يستيقظ الصغيران فأوقفتها منال تتساءل بقلق  :

- طب آجي معاكِ  ؟

ابتلعت لعابها بتـ.ـو.تر ولكنها التفتت تطالعها وتسترسل مطمئنة  :

- مـ.ـا.تقلقيش يا ماما مش هتأخر  ،  خليكي علشان الولاد  .

تنهدت تومئ فاتجهت ديما لغرفتها تبدل ثيابها سريعًا ثم خرجت تنظر إلى منال الشاردة وتحركت نحو الباب وفتحته وغادرت وهاجزًا يخبرها بألا تذهب ولكنها لم تطعه  .

❈-❈-❈

استيقظ كمال من نومه على نداء زينة المتكرر ففتح عينيه يطالعها بنعاس ويحدق بها كأنه لم يتذكرها ولكنها أردفت بنبرة لعوبة وهي تتحسس صدره العاري  :

- قوم بقى يا كمولتي أنا مُت من الجوع وانت امبـ.ـارح ياخويا هجمت عليا من غير ما اتعشينا  ،  هو البيت ده مافيهوش أكل ولا إيه  ؟

استعاد ذاكرته وتذكر ليلتهما سويًا لذا ابتسم ومد يده يزيح خصلاتها الطويلة للخلف ويردف وعينيه تتمعنها  :

- صباح العسل يا عسل  .

تدللت وتمايلت تجيبه وتبعد يدها عنه  :

- ولا صباح ولا مسا ولا كلمة كويسة  ،  ينفع عمايلك دي  ؟  والبيت مافيهوش لقمة  ؟

ضـ.ـر.ب جبينه يردف متذكرًا  :

- شوفتي أهو أنا نسيت اجيب أكل امبـ.ـارح  ،  معلش انشغلت بكذا حاجة  .

أجابته بحنق ماكر وهي تتكتف  :

- طب انا اعمل ايه دلوقتى  ؟

زفر يفكر ولكنها فكرت قبله تتساءل بخبث  :

- أكيد في أكل تحت مش كدة  ؟

أومأ لها فتابعت  :

- طب قوم يالا هاتلنا أي حاجة من تحت ناكلها  .

نهض يطيعها ويتحمحم قائلًا وهو يشير نحو بنطاله  :

- طيب ناوليني البنطلون ده علشان اقوم  .

نظرت له باستنكار وتمددت بأريحية على الفراش تردف بنبرة قوية  :

- لا ياخويا ناول نفسك وقوم يالا معدتي وجعتني من قلة الأكل  .

أطاعها يومئ برضا ونهض يلتقط بنطاله ويرتديه ثم قميصه ثم نظر لها يردف  :

- هنزل اجيب وراجعلك  .

تحرك خطوة فأوقفته وهي تنهض قائلة بعلو  :

- استنى  .

التفت يطالعها فاسترسلت بخبث  :

- خدني معاك أنا بخاف  .

تحركت معه بقميصها القصير واتجه ينزع مفتاح شقة ديما من مكانه ثم تحركا سويًا نحو الخارج ونزلا الدرج حتى وصلا أمام شقة ديما فمد يده يفتحها ودلف يضيء الإنارة فدلفت تتفحص المكان ليمتلئ مخزون الحقد في قلبها إلى أعلى منسوب حينما رأت المنزل وأثاثه ورونقه وطريقة تنظيمه ونظافته والرائحة التي تنبعث منه  .

اتقدت النيران داخلها وحدثها فلم تسمعه لذا تركها وتحرك نحو المطبخ فاتجهت تستكشف المكان بإحتراق لا يتسع له صدرها  .

وصلت ديما إلى المنزل ودلفت تصعد الدرج بخطواتٍ ودت لو تتولى عنها القرار وتعود ولكنها واصلت الصعود حتى وصلت إلى شقتها للتفاجأ ببابها مفتوح فظنته هو فهي على يقين بأنه ما زال في المنزل لذا تقدمت تناديه بنبرة مهتزة مستشعرة شيئًا سيئًا  :

- كمال  ؟

ما إن وطأت قدماها عتبة الباب حتى تسمرت وهي ترى المرأة نفسها تقف على أعتاب غرفتها وترتدي قميص نومٍ وتطالعها بصدمة دامت لثوانٍ قبل أن تتحول لانتصار وشمـ.ـا.تة حينما انعقد لسان ديما وشعرت بعقلها يتجمد ليأتي كمال على ندائها ويطالعها بملامح متجهمة ثم متـ.ـو.ترة وصمتٍ صادم من كلاهما دام لثوانٍ ثم قطعه وهو يحاول الثبات المزيف ليردف بنبرة صلدة  :

- إيه اللي جابك دلوقتي  ؟

وقفت كأنها تشاهد عرضًا سينمائيًا لا يمت للواقع بصلة وحالها كحال جمهور ارتفع الأدرينالين لديهم فتسمروا يحدقون بالعرض وأفواههم مفرغة مترقبين المشهد التالي  .

خشت أن تنطق أو أن يتحرك لسانها فيتحول المشهد من خيال إلى واقع تكره أن تعيشه ولكن زينة لم ترحم صدمتها بل تعلقت في ذراع كمال الذي كان ينتظر أي كلمةٍ منها لتقول بنبرة شامتة  :

- يالا يا كمال نطلع شقتنا واضح إن المدام رجعت بيتها  .

سلطت أنظارها عليه وبصعوبة استطاعت تحريك لسانها الذي ظنته لن يتحرك مجددًا وتساءلت  :

- إنت اتجوزتها  ؟

❈-❈-❈

قرر أخذ أجازة من العمل اليوم واتجه معها ليتناولا فطورهما في مكانٍ على النيل  .

كانت تجاوره بسعادة خاصةً وهو يحتضن كفها وبين كل دقيقة والأخرى يرفعه إلى فمه يلثمه بحب  .

تحدث وهو يقود وعينيه على الطريق  :

- في بالك مكان معين ولا أختار أنا  ؟

التفتت تطالعه وتبتسم مجيبة  :

- اختار إنت يا حبيبي  .

أشار بيده على اليمين وأردف مترقبًا  :

- المكان ده حلو أوي وهادي  .

- تمام  .

قالتها فتوقف بسيارته يصفها وترجل معها يخطوان نحو الداخل ويتجهان إلى إحدى الطاولات التي تطل على نهر النيل  .

جلس وجاء النادل فأخد طلبهما وغادر فنظر لها يبتسم وتحدث بنبرة لينة محبة  :

- مبسوطة  ؟

رفعت حاجبيها تردف بسعادة  :

- جدًا  ،  طول ما إنت مبسوط أنا هكون مبسوطة  .

رن هاتفه فالتقطه لتتساءل بفضول  :

- مين  ؟

- ده محمد  ،  ثواني هرد عليه  .

فتح الخط يجيب على صديقه وبات يحدثه وهي تتأمله وتستند على قبضتيها شاردة فيه وفي تقاسيم وجهه  ،  وهو يتحدث وهو يبتسم وهو ينكمش معبرًا عن كلمـ.ـا.ته  .

سمعت صوت شغب خلفها قطع تفكيرها فالتفتت تنظر لأثر الصوت لتجد صغيران يركضان خلف بعضهما وعلى الطاولة التي تسبقها يجلسان والديهما يحذرانهما من السقوط  .

تأملتهما وابتسمت بحنين ثم لم ترد هدم سعادتها لذا عادت تتأمل ملامح زوجها لتبعد عنها الأفكار التي تحاربها ولكنها أجفلت حينما انتفض دياب من مكانه يركض نحو الصغير الذي سقط يبكي نسبةً لجرح ركبته وتألمها  .

حتى أنه ترك الهاتف على الطاولة دون أن يغلقه وانحنى يحمل الصغير الذي يبكي ويهدهده قائلًا بابتسامة وحنان ووالده يجاوره  :

- معلش معلش بسيطة  .

أخرج من جيبه محرمة ورقية يمسح بها جرح الصغير ليحمله الأب ويردف بنبرة ودية  :

- متشكر جدًا  .

اتجه بصغيره إلى طاولته وتنهد دياب ثم عاد إلى يسرا يبتسم ويهز رأسه مردفًا بنبرة عفوية تحمل حنانًا غريزيًا  :

- رجله اتعورت يا حبيبي  ،  المكان هنا ماينفعش للجري خالص  .

لم يلحظ بعد تجهم ملامحها وقد انقشعت سعادتها في لمح البصر وحل محلها الخوف الذي تلجمه  ، ردة فعل زوجها هذه واندفاعه العفوي أكدا لها أنه يشتهي أن يكون أبًا لذا ظلت تطالعه بصمتٍ مبهم فتعجب يسألها  :

- فيه إيه يا يسرا مالك  ؟

ازدردت ريقها وهزت رأسها تجيبه بقلبٍ مرتعش  :

- مافيش  ،  أنا كويسة  .

لولا مجئ النادل بطلبهما لكانت طالبته بمغادرة المكان ولكنها باتت مجبرة على التعامل حتى لا يلاحظ   .

❈-❈-❈

جئت لأعالج جرحًا فاسدًا فتدنست روحي وعم فساده في قلبي و بات يدللني حتى ضحكت .

كررت سؤالها حينما لم تجد إجابة منه لذا نظرت لمن تلتصق به وسألتها بترقب شاعرةً بأنها تقف في عالمٍ موازي:

- انتوا اتجوزتوا ؟

تعلقت زينة أكثر في هذا الواقف الذي تحمحم يردف بنبرة مترددة شاعرًا بالضيق من نظراتها ورؤيتها لهما هكذا :

- أيوة اتجوزنا .

هجم جيشًا من الحسرة عليها لتقف ذاهلة لثوانٍ قبل أن تضحك ضحكة عالية لم تضحكها طوال سنين زواجها منه ، ضحكت حتى أدمعت وانحنت تلتقط أنفاسها من كثرة الضحك ثم اعتدلت تسعل بخفة وتشير عليهما مسترسلة :

- اتجوزتوا ؟ يا زين ماخترت يا كمال ، لايقين على بعض جدًا .

باغتته بنظرة انقشع الاحترام منها لتُظهِر نفورها أمامه بوضوح كشمسٍ سطعت وتتابع :

- من تاني يوم مشيت فيه اتجوزت ؟ وجايبها تتفرج على شقتي بقميص نوم  يا و*** .

جحظت عينيه من لفظها الذي لم تنطقه طوال حياتها وانخلع من قبضة زينة يردف متوعدًا بملامح شرسة ونبرة متبجحة :

- اتلمي يا ديما بدل ماعرفك شغلك كويس ، أنا ماعملتش حاجة غلط ، أنا اتجوزتها على سنة الله ورسوله .

التفت يطالع زينة التي تحدق في ديما بغلٍ علني خاصةً وهي لا ترى قهر حبيبة بل ما تراه منها هو حسرة فائضة من امرأة استنزفت حتى الرمق الأخير .

عاد يتابع ويسلط نظراته المترقبة عليها :

- زينة شقتها فوق بس نزلنا نشوف أكل ، وانتِ شقتك زي ماهي ماحدش جه جنبها من ساعة ما مشيتي .

ابتلع لعابه يسترسل متسائلًا حينما وجدها صامتة لا تفعل شيئًا سوى الصمت :

- أومال فين العيال ؟

أصابتها دهشة ليس لها مثيلًا ووقفت تحدق به ولم تجد في قاموس عقلها أي كلمـ.ـا.ت مناسبة ولكن رنين هاتفها فصل نظراتها عنه وعمن تجاوره لتمد يدها في حقيبتها وتنتشله ناظرةً له لتجده داغر لذا أجابت تضعه على أذنها بينهما عينيها استقرت على كمال وأردفت بنبرة رسم فيها العجز لوحته :

- داغر ؟ كمال اتجوز يا داغر .

أغلقت بعدها تطالعه وهو يبتلع لعابه خوفًا من مواجهة شقيقها بينما اهتاجت زينة تردف بردحٍ وتوبيخ :

- اللا إنتِ هتهددينا بسي داغر ده ولا إيه ؟ ماقالك إنه جواز وحقه ، ولا إنتِ فاكرة إنه هيفضل متحمل عمايلك دي كتير ؟

التفت ينظر لها بجمود تمثيلي وقال بنبرة آمرة :

- زينة اطلعي فوق .

كادت أن ترفض وتحتد ولكنها تحمل من الخبث ما يؤهلها للوصول للنصر الذي تريده لذا ربتت على صدره وأردفت بغنج متعمد :

- إنت تؤمر يا سي كمال .

تحركت تباغت ديما بنظرات شامتة قبل أن تتريث في خطواتها وتصعد الدرج .

وقفت تجرده بنظراتها من كل صفات الرجال والابتسامة الساخرة على محيّاها لا تفعل شيئًا غيرها ليتحمحم ويقول بنبرة ذكورية :

- مـ.ـا.تخربيش على نفسك يا ديما وكلمي اخوكي يجيب العيال واقعدي في شقتك واللي هيمشي عليها هيمشي عليكي من هنا ورايح .

حتى أنها ترى أن الحوار معه كثيرًا عليه ، لا يستحق كلمة واحدة تنطقها خاصة وأنها تشعر بثقل أصاب لسانها وجانب وجهها وخشت أن تنطق فتندفع الكلمـ.ـا.ت متعثرة لذا التفتت لتتحرك ولكنها كادت أن تسقط وشعرت بشيءٍ أقل وحشية منه يهجم عليها ويحاول هدمها لتتحامل على نفسها وتتحرك مغادرة قبل أن تسقط أمامه وهذا آخر ما تتمناه .

رآها تغادر فتحرك يناديها بتعجب من صمتها وقلق حيال ما تفعله ولكنها لم تجبه بل نزلت الدرج بتمهل وحذر يصدره عقلها الذي لا يستوعب ما يحدث ولكن كأنه فقد السيطرة على جسدها فبات كلٍ منهما في وادٍ غير معلوم .

زفر بضيق ليسافر عبر ردة فعل داغر والعواقب التي يمكنها اللحاق به ، هو لا يريد الانفصال عنها ولا يسعى لإطـ.ـلا.ق سراحها ، أناني ونرجسي للدرجة التي تجعله يريدها منحنية لسلطانه بكل مميزاتها .

انتبه أنها غادرت من أمامه فتحرك يتبعها وينزل الدرج مناديًا باسمها .

وصلت إلى الشارع ترى الناس من حولها بشكلٍ ضبابي وغشت عينيها بسحابة مضللة وغزى جسدها تنميلًا حادًا ولم تنتبه لشقيقها الذي جاء يركض نحوها وأمسك بها يطالعها وتهيأت على وجهه جنود الحرب متسائلًا بذعر من هيأتها :

- إنتِ جيتي ليه ؟ جيتي ليـــــــــــــــــه  ؟ وهو فين ؟

كان قد وصل عند باب البيت ووقف يطالع داغر بقلق ليراه الآخر فعماه الغضب وترك شقيقته واتجه نحوه يمسكه من تلابيبه ويسحبه للخارج أمام المارة فقد طفح الكيل منه لسنوات من الصمت والكظم  .

تمسك كمال به يجابهه ويحاول منعه من هجومه ولكن داغر أردف بهياج وحرقة جعلته أقوى :

- اتجوزت عليها يا كـ.ـلـ.ـب يا ندل يا وا.طـ.ـي ؟ اتجوزت عليها بعد كل اللي شافته منك ومن امك ؟

حاول كمال نزع نفسه منه وفشل وقد تجمع الناس من حولهما وباتوا يحاولون تخليصه بالكلمـ.ـا.ت والقبضات ولكنه كان متشبثًا به بشكلٍ حاد وغضبٍ عاصف فأردف كمال بنبرة مستفيضة غير مباليًا بأي شيء :

- حقي ، ماعملتش حاجة غلط ، وهي عارفة أنا اتجوزت عليها ليه ، اسألها .

وقفت ديما ترى وتشاهد ما يحدث بتشوش كلي وشريط حياتها معه يمر على درب عقلها ، تتذكر كل لحظة قاسية معه كأنها تراها ، كل شيء وكل مظلمة تعرضت لها أتت ووقفت في محطة عقلها الآن .

باغته داغر بلكمة قوية في أنفه جعلت الدماء تسيل وهو يستطرد :

- اسألها إيه ؟ هو إنت كنت تطول تتجوز واحدة زيها ؟ طلقها يا وا.طـ.ـي ، طلقها .

عند ذكر الطـ.ـلا.ق ورؤية الجيران لما يحدث وكلمـ.ـا.ت داغر التي رأى أثرها في أعينهم استباح الحديث عن محميتها مردفًا بثورة غضبٍ بعدما نفض نفسه بعنف يبتعد خطوة للوراء ويصيح وقد نزلت زينة مرتدية عباءة سمراء تجاوره وتسانده :

- دانتوا متعودين بقى ع الطـ.ـلا.ق ! اشهدوا يا عالم ، أنا مش عايز اخرب بيتي بس أخوها عايز يطـ.ـلقها ويخرب عليها زي ما أمها عملت ، أنا اتحملت كتير أوي ، دي واحدة مش بتديني حقوقي الشرعية وبـ.ـاردة معايا وكل اللي شاغلها الزفت الموبايل واللي بتكتبه عليه ، عاملة فيها ياما هنا وياما هناك وهي مش عارفة ترضي جوزها ولا تشوف طلباته ، اتجوزت علشان أعف نفسي ولا أمشي في الحـ.ـر.ام يا عالم ؟

لم يحتمل داغر سماع تلك الكلمـ.ـا.ت في حق شقيقته أمام الناس لذا نزع نفسه من قبضاتهم بعدما تضاعفت قوته البدنية على أثر الخوض في عرض شقيقته واتجه نحوه يباغته بلكمة أشـ.ـد قوة وفتكًا من الأولى فصرخت على أثرها زينة صرخات متتالية تسب داغر وتلعنه وهو يسدد لزوجها لكمة تلو الأخرى والآخر يستقبلهم بدون فواصل يدافع فيها عن نفسه .

- أختك وقعت ، أختك وقعت الحقها .

اخترقت تلك الجملة مسامعه من إحداهن فانتفض يلتفت وينظر نحوها ليجدها مفترشة الأرض فاقدةً للوعي .

انقشعت نوبات غضبه وحل محلها الرعـ.ـب وهو يركض وينادي باسمها حتى وصل إليها وارتطم بالأرض يحملها ويحاول إفاقتها ولكنها باتت كمن فارقت تلك الحياة القاسية .

حملها بين ذراعيه وبات يركض بها ويبكي على ما تعرضت له ، هيأته مشعثة وملامحه حادة يتمنى لو يختفي كمال من على وجه الأرض .

سيطـ.ـلقها منه ولو كان هذا آخر يومٍ له في الحياة ولكن ليطمئن عليها أولًا .

أما الآخر فساعده أحد الجيران لينهض واقتربت منه زينة تتفحصه بلهفة وتصيح داعية :

- أشوف فيكي يوم يا ديما إنتِ وأخوكِ شلفطوا وش الراجـ.ـل .

وقف يتحسس ملامحه ويتوعد لداغر بعقابٍ قاسٍ خاصةً وهو يرى على وجه جيرانه التعاطف مع ديما والنفور منه فهم يعرفونها جيدًا منذ أكثر من ثمانِ سنوات ويعرفونه أيضًا .

نظر لزوجته التي تجفف له الدماء بكم عباءتها ليقول بنبرة يسعى ليسترد بها شموخه المفقود :

- هسجنه ، اللي عمله ده مش هيعدي كدة أبدًا .

- اسجنه ياخويا طبعًا ده بلطجي ، وطلقها دي مـ.ـا.تتعاشرش ، أنا عارفة إيه بس اللي وقعك في نسب عرة زي ده؟

هكذا شجعته بملامح واجمة ونفسٍ خبيثة ضاحكة على ما سعت له وما ستحصل عليه حينما يطـ.ـلقها .
ما في جبعتها ثمينٌ جدًا وتعلم يقينًا أنه يريد شراءَهُ منها لذا استيقظت باكرًا وتجملت واستقلت سيارتها إليه ، تقود وعلى محياها أعلى درجات الخبث ، لقد باتت على شفا خطوة من استرداده ، سيعود لها ولن تتركه مرةً أخرى ما حيت .

ليلة أمسٍ كانت مثمرة بعدما استدرجت توماس أور ليان وأغرقته في المشروب وسحبت منه معلومـ.ـا.ت لم تكن تتوقع أن تعلمها .

تجهمت ملامحها حينما تذكرت فاتورة ما حصلت عليه ، حينما كادت أن تدخل معه في علاقة كاملة لتتحامل بصعوبة بالغة على نفسها وظلت تناوله المشروب تحت تأثير لمساتها وهمساتها حتى ثمل وغفا .

ابتلعت لعابها بضيقٍ يخـ.ـنـ.ـقها فهي تفعل أي شيء لتستعيده فقط لذا زفرت وتحلت بالغرور والمكر وأسرعت بقيادتها لتراه وتعطيه ما في جبعتها .

ولكن لم يكن توماس ذلك الغـ.ـبـ.ـي الذي استهانت به ، فحينما استيقظ في الفندق صباحًا ولم يجدها تأكد أنها كانت تستقطبه لذا استرد وعيه ونهض مقررًا تتبعها .

❈-❈-❈

اتجه نبيل إلى مكتب ابنه ماجد وجلس يتحدث بترقب :

- بنت عمك تولت هي إدارة المصنع وعينت عمال جديدة ، مش آن الأوان بقى تغير طريقتك دي ؟

رفع أنظاره يطالع والده ثم ألقى القلم من يده وأجابه وهو يشبك كفيه :

- ولو غيرت طريقتي تفتكر هتتقبل الطريقة الجديدة ؟ بسمة مش بتيجي بالأسلوب ده يا بابا .

لوح بيده يجيبه بضيق ساخرًا :

- تمام حلو أوي ، خليك زي مانت لحد ما ييجي اللي يعرف إزاي يستكردها ويضحك عليها ويكوش على كل حاجة ، واهو تبقى أنت الشاهد على عقد جواز بنت عمك لواحد غريب .

تجهمت ملامح ماجد وأبدى انزعاجه متسائلًا بنزق :

- يعني إنت عايزني أعمل إيه دلوقتي يا بابا ؟

اندفعت الكلمـ.ـا.ت من والده يردف معبرًا عما يريده :

- عايزك تقرب منها بصفتك حبيب وتسيبك خالص من جو الأخوة ده ، لازم تقنعها إنك بتحبها وتخليها تتقبلك ، بنت أخويا مش غـ.ـبـ.ـية ولازم تعرف كويس إزاي تكسبها ، والأهم من كل ده لازم تتكلم مع منير لإنه عامل دوشة وزعلان إنها طردته وكل شوية يكلمني .

نهض من مكانه وتحرك نحو الباب وقبل أن يفتحه عاد يستطرد مطالعًا ابنه :

- خلّص المواضيع دي يا ماجد أنا مش فاضي لوجع الدماغ ده ، وأهم حاجة موضوعك إنت وبسمة يتم علشان ماجبش أخري .

غادر وتركه يفكر في حديثه وكيف يمكنه تحويل طريقته الأخوية معها لأخرى معبرًا فيها عن حبه لها ولكن السؤال الأهم والذي يتردد على عقله الآن .. هل هو حقًا يحبها ؟

❈-❈-❈

وصل داغر إلى المشفى بشقيقته الفاقدة للوعي .

استقبلها المسعفون وأدخلوها غرفة الفحص يفحصونها ويستمعون منه إلى ماحدث معها .

لم تسترد وعيها بعد لذا فهو في حالة هياج وذعرٍ لأجلها ، لقد بدت كالأموات حقًا وبات ينتظر منهم أي كلمة ترد له روحه ليسمعها بعد دقائق تئن أمامه ويحاول التحرك بصعوبة نحوها ليتأكد لذا حينما تأكد استرد أنفاسه كمن كان يواجه أمواجًا عاتية .

بعد دقيقتين وقف فيهما كطفلٍ بائس يحدق بها وبما يفعلونه معها اتجه أحد الأطباء إليه يطالعه بأسف قائلًا :

- اشتباه في جلطة ، بس مـ.ـا.تقلقش لحقناها الحمد لله بس لسانها تقيل شوية ، ممكن يكون ده نتيجة صدمة عصبية ، هنبعت حالًا لدكتور نبيل يتأكد .

انفطر قلبه لأجلها ، مازالت في مقتبل عمرها ، صغيرة وكثير عليها ما عاشته من معاناة وكبت وقهر وأخيرًا مرض ، كلما رأى ما يحدث معها زاد كرهه وغضبه لوالده وزاد تأنيب ضميره لنفسه برغم قلة حيلته آنذاك .

أومأ للطبيب الذي تركه ووقف يتجه نحوها حتى وصل إليها حيث تتمدد على السرير وما إن لمحته حتى ابتسمت له نفس ابتسامتها التي لم تفقدها قط .

نال منه الحزن أكثر ، حتى في أصعب لحظاتها تبتسم ؟ رفع كفه يتحسس خصلاتها ويربت عليها بحنانٍ بالغٍ ثم انحنى يردف بهمسٍ وحب :

- أوعي تزعلي أو تشيلي هم وأنا موجود ، كل حاجة هتتصلح .

حاولت أن تطمئنه ولكنها لم تشعر بلسانها يستجيب لذا أغمضت عينيها تخفي حزنها وتألمها ثم عادت تبصر وتبتسم له بإيماءة دلت على ثقتها به .

جاء بعد قليل الدكتور نبيل يتجه إليها ويفحصها ثم جلس بقربها يحاول معرفة ما بها من داغر ونظراته عليها وعلى تقاسيم وجهها فأخبره داغر بمختصر ما حدث ليزفر الطبيب بغيظ استطاع إخماده تحت سؤاله لها :

- ت عـ.ـر.في تحكيلي إنتِ إيه اللي حصل ؟ حاسة بإيه ؟

تشبه مدينة الشرفاء الباسلة التي تآمر عليها العدو والقريب فجعلوها تنزف من الوريد للوريد ، هكذا تشعر ولكنها عاجزة عن الكلام ، تحاول النطق ولم يسعفها لسانها بعد لذا زفر الطبيب بضيق من زوجها النذل ونظر إلى داغر يتابع :

- صدمة عصبية ، هنحاول نسيطر عليها بالأدوية بس لازم تبعد تمامًا عن الجو المؤذي ده ، ونصيحة من أخ أوعى تقبل ترجعها تحت أي ظرف وإلا المرة الجاية هتجيبها خلصانة .

ومن قال أنه بحاجة نصيحة ؟
من قال أنه سيردها إليه ؟
هو فقط سيسترد حقوقها وسيعاقبه على سنوات عمرها وسيقتص منه على ما فعله بها ولكن صبرًا .

نظر للطبيب بعيون ثاقبة وأردف بتعهد :

- اطمن يا دكتور الموضوع ده اتقفل خلاص .

أومأ الطبيب والتفت يحدق بديما التي تحاول التظاهر بالتعافي حتى لا ترى في أعينهما تلك النظرات التي تشعرها بكم الظلمـ.ـا.ت التي جدفت عكس التيار لتتجاوزها .

لا تحب نظرات الشفقة ، هي ليست مسكينة ولن تكون ، هي فقط تحتاج لهدنة تستعيد بها عافيتها بعيدًا عن هجومه المستمر عليها .

❈-❈-❈

صفت سيارتها أمام منزله وترجلت تخطو نحو الباب فطرقته وانتظرت ، نظرت حولها بترقب لتجد المكان هادئًا وهي لا تحب الهدوء ، زفرت بضيق ثم عادت تطرق بابه طرقات متتالية حتى فتح يطالعها بملامح ناعسة ثم تساءل بضجر :

- ماذا مارتينا ؟ هل رأيتيني في أحلامكِ ؟

ضحكت وأزاحته لتعبر للداخل مجيبة بانتشاء :

- أنت دومًا في أحلامي ثائر .

دلفت فزفر يغلق الباب ويتجه خلفها يترقب سبب مجيئها ، ارتمت على الأريكة تجلس بأريحية وتطالعه بتباهٍ قائلة :

- هيا حبيبي استعد لعودتنا ، وهذه المرة لن نقطن عند والدي بل سأسكن معك هنا .

قالتها وهي تفرد ذراعيها وتطالعه بنظراتٍ مبهمة ثم نهضت تتجه إليه وتقف قبالته مستطردة :

- جئت لك بمعلومـ.ـا.ت لن تجدها حتى في الاستخبـ.ـارات الفرنسية .

لوى شفتيه بابتسامة خفيفة ثم دقق النظر فيها يتساءل :

- ومن أعطاكِ تلك المعلومـ.ـا.ت ؟

قربت وجهها منه تهس كالأفعى :

- هو بنفسه قالها ، لقد جعلته يثمل للدرجة التي صرح بها بكل أسراره .

- وكيف فعلتيها مارتينا ؟ كيف جعلتيه يثمل ؟ هل ظننتي أن توماس شخصًا يسهل التلاعب به ؟

نطقها بشكٍ صريح وقد اتضح له كيف فعلتها لتجيبه بمراوغة وخبث :

- لا تسأل عن الفعل ثائر بل انظر إلى رد الفعل وعامة اطمئن فأنا مخلصةً لك .

ضحك ضحكة رجولية عالية جعلتها تغتاظ لذا دفعته بيديها وابتعدت خطوة للخلف تصيح باستعلاء :

- هل تتعمد إثارة جنوني ؟ أخبرك أن بحوزتي معلومـ.ـا.ت عنه قادرة على عودته للعصر الحجري ، ألا تشعر بالحماس حيال ذلك ؟

اتجه يجلس على الأريكة بأريحية وحدق فيها يردف :

- هاتي ما عندكِ لأرى ؟!

اتجهت تجاوره وتضع ساقًا فوق الأخرى لتكشف عن ساقيها أمامه ثم ابتسمت تردف بحاجبٍ مرفوع :

- حسنًا اسمع ماذا أخبرني عنه وعن أفعاله حينما كان في مصر .

بدأت تخبره بما اعترف به توماس ليلة أمس وكلما تعمقت في معلومـ.ـا.تها زاد انتباه ثائر لها أكثر ليكتشف أنها تمتلك بالفعل معلومـ.ـا.ت لا يستهان بها .

❈-❈-❈

اصطحبته إلى قسم الشرطة بأنفه المصاب الذي خبأ جرحها بشريطٍ طبي وقدم بلاغًا ضد داغر وبالطبع شهدت معه وأخبرت الشرطة بأن الجيران جميعهم شهود عيان .

عادت معه إلى المنزل وصعدا شقتهما يدلف معها وجلس يردف بتشفي :

- يالا بقى يبقى يوريني هيعمل إيه لما يروحوا يسحبوه من قفاه البلطجي المجرم .

جلست أمامه تزفر بضيق ثم حدقت فيه تتساءل بنبرة خبيثة :

- طب وأخته هتعمل معاها إيه بعد اللي حصل ده ؟ إنت كنت مستحمل واحدة زي دي إزاي ؟ دي لا شكل ولا عود .

التفت لها يحدق بها ويستعيد هيئة ديما وما حدث معها وسقوطها ولهفة شقيقها والجيران عليها ليشتعل داخليًا حيث أنها استحوذت على حب الجميع واهتمامهم بالرغم من كونها زوجة مهملة لم تستطع إشباعه لذا نظر للبعيد وأردف من بين أسنانه بغيظ :

- ماشي يا ديما ، أنا هعرفك قيمتك كويس .

مدت يدها تربت على ساقه واستطردت بتلاعب :

- روق بس مـ.ـا.تحرقش دمك ، بكرة تظهر على حقيقتها وبعدين إنت واحد مش عايز تخرب بيتك وتطلق هما اللي عايزين ، وخليك مصمم على قرارك ده وتيجي تعيش في شقتها وتربي عيالها وتحمد ربها على النعمة اللي هي فيها .

تنهدت بعمق ثم استرسلت بنبرة ماكرة :

- بس لو صممت على طـ.ـلا.ق بقى وعملتلها حكايات يبقى تِبريك من كل حاجة ، ملهاش حاجة عندك .

ضيق عينيه يطالعها بتمعن ثم مالت شفتيه بابتسامة ساخرة يوضح :

- حاجة إيه ؟ كل الحكاية ٣٠ ألف جنيه مؤخر وشوية كراكيب تحت ، أبوها أصلًا كان بايعها ، ملهاش حاجة عندي ، بس أنا بردو مش عايز أطلقها ويبان اني اتجوزت عليها ورميتها هي وعيالي .

كظمت عيظها من كلمـ.ـا.ته لتمط شفتيها ثم زفرت واسترسلت بدهاء :

- لما نشوف بس الحكومة هتعمل إيه مع أخوها البلطجي ده وبعدين روح هات العيال ، ومـ.ـا.تخافش دانا هحطهم في حبابي عينيا .

ولى ما تقوله انتباهه وأعجبته خطتها ، حسنًا سينتظر القبض على داغر ثم سيذهب يسترد طفليه ليقهرها أكثر ولتتعلم كيف تتقن دور المظلومة جيدًا .

شرد يفكر حينما نهضت زينة تتجه للحمام وتركته ، ربما ليس لها حقوقًا ولكنها حاضنة ومن المؤكد ستأخد من ورائه وأمامه لذا سيسعى لينتشل منها جميع الحقوق ويكفيه ما عاشه معها من معاناة وبرود .

❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي .

دلفت منزل والدتها بمساعدة دينا وداغر الذي يسانداها حتى وصلا بها إلى الأريكة فأجلساها وأسرعت منال تعدل وضعيتها وتضع الوسادة خلف ظهرها ثم سألتها باهتمام وحزن :

- مرتاحة كدة يا حبيبتي ؟

إلى الآن لم تستطع النطق ولكنها ابتسمت تومئ بملامح هادئة ليتجه داغر يستريح على الأريكة ويستند برأسه على كفه بشرود ، لم ينم منذ ما حدث وجُل ما به يتألم لأجلها ، طوال الليل جلس بالقرب منها بعدما نامت دينا جوارهما ، يسرد لها ما حدث معه ومع بسمة وهي تستمع له وتومئ كردة فعل ولكنها صامتة وهذا يشعل داخله براكين الغضب ، أخبره الطبيب أنها ستتجاوز صدمتها مع الوقت ولكن كيف له أن يرى شقيقته التي تعد هي مصدر الأمل والتفاؤل في حياته بهذا الحال ؟

لقد أصر ليلة أمس على عدم مجيئ منال إلى المشفى بعدما علمت أن ابنتها سقطت فاقدة الوعي بعد زواج كمال ، لم يرد أن تراها في هذه الحالة فأخبرها أن تظل هي تهتم بالصغيرين وهو سيتولى أمرها وقد رضخت للأمر بصعوبة بالغة نسبةً لوجود الصغيرين ولكن دينا لم ترضخ وذهبت متلهفة للاطمئنان على شقيقتها بعدما علمت من إحدى الجارات ما حدث معها .

اتجهت دينا إلى الحمام تغتسل وجلست منال تبكي على حال ابنتها وكيف ستتحمل كل ما مر عليها وكيف ستتعامل مع صغيريها اللذان ينامان في الداخل ؟

ما الذي ينتظرها وهل ورثت حظها منها ؟ هل ستنفصل كما حدث معها ؟

نظرت نحو ابنها وفي داخلها ألف سؤال ولكنها التزمت الصمت حتى لا تكسر خاطر ابنتها المتهشم أساسًا .

رنين هاتف داغر جعله يخرج من شروده لذا اعتدل يلتقطه ويجيب بإرهاق :

- ألو ؟

- صباح الخير يا باش مهندس داغر ، أنا منتظراك في المصنع من ساعتين ، ماجتش ليه ؟

بالطبع لم يتذكر هذا الموعد لذا رفع نظره يتطلع على شقيقته التي طالعته بأسفٍ فأبعد عينيه ونهض يتجه نحو الشرفة ويسترسل موضحًا :

- أنا آسف جدًا يا آنسة بسمة بس فعلًا حصل ظروف خارج إرادتي ، أنا طول الليل في المستشفى مع أختي ولسة راجعين البيت دلوقتي ومش هعرف أسيبها في الحالة دي .

ولته اهتمامها وتساءلت بترقب :

- أكيد طبعًا معاك حق ، طيب هي كويسة ؟ إيه اللي حصلها ؟

تنهيدة قوية خرجت من جوفه المأجج بالنيران ليجيبها باختصار :

- شوية ضغوطات ، ادعيلها .

تساءلت باهتمام وترقب :

- هي دي أختك اللي كانت معاك يوم ما اتقابلنا في الإشارة ؟

- لاء دي أختي ديما ، الكبيرة .

أومأت بتفهم والتفت بالكرسي الذي تجلس عليه في مكتبها في المصنع ثم زفرت ولا تعلم لما أرادت أن تقترب منهم لذا تساءلت بتـ.ـو.تر :

- هو ينفع آجي أزورها ؟

تعجب من طلبها الغير متوقع وصمت لهنيهة ثم تحمحم يجيبها :

- أه طبعًا تنوري .

انشرحت بسعادة لا تعلم مصدرها وأردفت بنبرة متحمسة :

- تمام ، قدامي ساعة في المصنع وأنا مروحة هعدي عليك .

أغلقت بعدها ووقف متعجبًا من سبب زيارتها لهم ؟ ألم تصدقه ؟ أتظنه يخترع ذريعة ؟ أم أنها تسعى للاقتراب منه ؟

زفر بقوة ثم عاد للداخل يجلس بجوار ديما متسائلًا باهتمام :

- تحبي تدخلي تنامي ؟

هزت رأسها بلا فهي لا تريد أن تختلي بنفسها قط ، تحاول بالقدر المستطاع أن تتجنب البقاء مع نفسها وأفكارها وذكرياتها لذا هي تحاول أن تنـ.ـد.مج معهم ليسترسل داغر بترقب :

- طيب الآنسة بسمة جاية تشوفك .

نظرة التعجب التي تجلت على ملامحها جعلته يتابع :

- أيوة أنا كمان مستغرب زيك كدة بس يمكن ماصدقتنيش لما قلتلها إنك تعبانة ومش هعرف أروح الشغل النهاردة .

ابتلعت لعابها وأومأت بتفهم لتأتي منال من المطبخ تحمل صينية الطعام وجلست على مقعد مقابل لديما تضع الصينية على ساقيها مردفة بحنين وقلبٍ منفطر :

- يالا يا ديما علشان تاكلي وتدخلي ترتاحي جوة في أوضتي ، الولاد طول الليل بيسألوا عنك وبيعـ.ـيطوا ولما قلتلهم إنك تعبانة زعلوا وفضلت طول الليل اتكلم معاهم علشان مايناموش زعلانين .

انتابها الحزن لأجل صغيريها ولكن هذا ليس مقصد والدتها التي تابعت توضح :

- أنا بقولك كدة علشان أعرفك إن مافيش أي حاجة في الدنيا تستاهل زعلك غير ولادك ونفسك ، اوعي تبقي زيي ، أنا كنت ضعيفة وماليش حد يقف معايا ويسندني إنما احنا كلنا معاكِ وعارفين ومتأكدين إنك حاولتي تصلحي عيوبه وكل ما كان بيتكسر حتة من حياتكم إنتِ اللي كنتِ بتحاولي تلميها وتلزقيها ، بس خلاص يا بنتي مابقاش ينفع تتلزق ، فوقي كدة وشوفي نفسك وعيالك وارميه ورا ظهرك وسيبيه للي فضلها عليكِ ، الزمن كفيل يجيبلك حقك وتقفي تتفرجي على الحقوق وهي بتترد ، ومـ.ـا.تزعليش على سنين عمرك وحاولي تطلعي من التجربة دي باللي يفيدك بعد كدة ، وبصي حواليكي هتلاقي الناس كلها بتحبك وعارفين إنك أحسن منه ، فوقي يا حبيبتي واصلبي طولك ولادك محتاجينك .

نظر داغر نحو منال التي فاضت دمـ.ـو.عها مع كلامتها كأنها تسرد هذا الكلام لنفسها فهذا ما كانت تود سماعه آنذاك ، ليمد يده يلتقط دمعتها ويردف بنبرة مرحة وهو يشير على صينية الطعام :

- الله عليكي وعلى كلامك يا ست الكل ، أومال ماجبتليش فراخ ليه أنا كمان ؟ مانا كنت طول الليل في المستشفى وجاي جعان .

بادلته نظرة حنونة ثم نهضت تناوله الصينية قائلة وهي تتحرك :

- حاضر يا حبيبي حقك عليا قلت أأكل ديما الأول ، هروح أجبلك أكلك وإنت أكلها .

لم يعترض فهو يتضور جوعًا وكذلك يريد أن يطعم شقيقته بنفسه ، يريد أن يدللها ويزيل فتات الحزن من قلبها حتى تعود كما هي ثم يقسم أنه سيطـ.ـلقها منه ويساندها بكل ما أوتي من قوة .

بدأ يطعمها ويدللها كطفلة بكلمـ.ـا.ت الغزل والابتسامة لتشعر بالامتنان والأمان في وجوده ولكن لم تمر كلمـ.ـا.ت والدتها على عقلها مرورًا لحظيًا بل احتفظت بهم لتتفحصهم كلمة تلو الأخرى بعد أن تأكل .

❈-❈-❈

يتجولات سويًا في أحد المولات التجارية وكلٍ منهما شاردٌ في أفكاره .

يتكتفان ويلتصقان ببعضهما ولكن أفكاره في أقصى الجنوب وأفكارها في أقصى الشمال .

ليأتي من سيجمع أفكارهما وينادي على أحمد بحبورٍ :

- أحمد يا ذو الفقار .

توقف أحمد متعجبًا يلتفت نحو من يناديه بلهجة مصرية ليجده صديقه تامر الذي لم يرَه منذ سنواتٍ عدة لذا ابتسم وتجلى الاندهاش على ملامحه يجيب :

- تامر ؟

تحركا سويًا في اتجاه بعضهما يعانقان بعض بودٍ تحت أنظار سها الزافرة بملل ولكنها تحركت نحوهما تطالع تامر بترقب ليبتعد عن زوجها ويطالعه بملامح منفرجة مسترسلًا :

- تعرف إني كان نفسي أشوفك جدًا وقلت يارب أقابله هنا ، الحمد لله إني شوفتك .

انتبه إلى سها ليطالعها مبتسمًا ويستطرد :

- أزيك يا مدام سها .

تعلمه جيدًا وتتذكره ، تتذكر أنه كان صديقًا مقربًا من زوجها و... ثائر لذا ابتسمت بتكلف تجيبه بغرور :

- أهلًا .

تجاوزها وعاد بوجهه إلى أحمد الذي أردف :

- وأنا كمان كان نفسي أشوفك ، عامل إيه يا تامر ، وبتعمل إيه هنا في دبي ؟

أجابه تامر موضحًا :

- جاي في شغل بس راجع تاني خلال يومين ، إنت عارف مابقدرش أبعد عن مصر .

أومأ أحمد بتفهم وابتسامة ظاهرية تخفي حزنًا مكتومًا داخله ليتابع تامر بترقب وعفوية :

- المهم علشان ماعطلكش هات لي رقمك .

أومأ أحمد وأملاه رقمه الذي دونه تامر في هاتفه ليردف الأول :

- ماينفعش بقى تيجي دبي من غير ما أعزمك عندي ، بما إنك هنا ليومين خلينا نتغدا سوا بكرة ، قلت إيه ؟

قلبت سها عينيها بضيق لاحظه تامر ليردف معتذرًا :

- لا مش هينفع يا أحمد اعذرني بس بجد يادوب أخلص اللي ورايا وارجع ، أوعدك لو جيت دبي تاني هتواصل معاك ونتقابل .

رفع أحمد كفه يربت على ذراع تامر ويبتسم بإيماءة متفهمة ثم أردف :

- ولا يهمك .

كاد أن يودعهما ولكنه تذكر شيئًا لذا أردف مستفيضًا :

- أيوة من حق ، هاتلي رقم ثائر هو كمان ، نفسي أكلمه وبعتله على الانستا بس مش بيرد .

ابتسم يكمل بمرحٍ ولم يلاحظ تبدل ملامح كلاهما :

- الباشا بيتكبر علينا مهو بقى مشهور ، بس بصراحة أخوك عامل قلق ، أنا قرأت له كتاب إيه يابني ده ! جبـ.ـار .

ابتسمت سها بمكر بينما شرد أحمد لثوانٍ وكاد أن يخبره أنه لا يملك له رقمًا لتسرع الأولى تجيب بدلًا عنه :

- معلش بس أحمد مش هيقدر يديك الرقم لإن ثائر موصيه إن الرقم ده خاص بعيلته بس ، لكن ممكن تتواصل معاه عن طريق الكومنتس ، اكتبله كومنت عرفه إنك تامر صاحبه وهو لو عايز يشوفه هيشوفه .

بدى الضيق على ملامح تامر وأومأ يردف معتذرًا :

- تمام معلش يا أحمد ماكنتش أعرف ، عن اذنكوا .

تحرك يغادر ولم يمنعه أحمد الذي شعر بالضيق الشـ.ـديد لذا التفت يباغتها بنظرة حادة ويردف :

- إيه الأسلوب ده ؟ وتتكلمي ليه نيابة عني ؟ هو سألني سؤال إنت مالك بتردي ليه ؟

رفعت حاحبيها ومالت بكتفيها تجيبه ببرود :

- الحق عليا اللي قلت ألحقك قبل ما تقوله إنك مش معاك رقم أخوك ، ولا عايزه يعرف اللي بينك وبينه ؟

تحركت بعدها خطوة تكمل سيرها ليشعر أنه لم يعد يحتمل لذا زفر بقوة وقرر اللحاق بها .

❈-❈-❈

التصقت به كالعلكة وهو متجهٌ إلى الحفل المقام في إحدى دور النشر الفرنسية والذي تم دعوته إليه وترشيحه لتوليه إدارته وإدارة المجلة التابعة له .

برغم المعلومـ.ـا.ت القيمة إلا أنه لم يبدِ اهتمامه وهذا أثار حنقها وجنونها وصممت أن تحضر معه .

قاد شاردًا ثم تحدث بنبرة محذرة تحمل وعيدًا :

- إياكِ مارتينا ، إياكِ ومحاولة إيذاء أيًا من معجباتي ، كوني متزنة ولا تثيرين غضبي .

ضحكت والتفتت تتمعن النظر فيه وتجيبه :

- قل لهن أن تلتزمن أماكنهن ونظراتهن نحوك ثائر ، أنا فقط أحافظ على ما هو عائدٌ لي .

أعتاد ألا يظهر مكنونه ولكنها سعت لترى وجهًا آخرًا له لذا توقف جانبًا يباغتها بنظرة بثت الخوف في أوصالها واستطرد :

- قلت لكِ من قبل أنا لست عائدًا لأحد ، أنا لم أنسَ ما فعلتيه في إلوا ولن أنساه لذا احذري تكرارها مارتينا وإلا أقسم سترين مني وجهًا سيجعلكِ تكرهينني حقًا .

صمتت لثوانٍ تطالعه بصدمة ثم ابتسمت تداري خوفها وأردفت وهي تبعد أنظارها عنه :

- تبالغ كثيرًا حبيبي ، اطمئن أنا لست قـ.ـا.تلة ، كانت مجرد مزحة ولن أكررها .

دقائق ووصل إلى وجهته فترجل وتبعته ليجد الحفل قد بدأ .

مجموعة من الكتاب والكاتبات المشهورين وبضع أفراد من الصحافة التي أتت لتبث أخبـ.ـارهم الأدبية .

استقبله مدير الدار المسن بحبور ومد يده يبادله السلام مردفًا :

- أهلًا بك عزيزي ثائر ، كيف حالك ؟

ابتسم ثائر وأجابه بود :

- أنا بخير سيد ألفريد ، أنت كيف حالك ؟

- بخير .

نطقها الرجل ثم نظر إلى مارتينا التي تعلقت في ذراع ثائر وابتسم لها يردف :

- مارتينا ارتوا الجميلة ، سعدت بحضورك الحفل .

ابتسمت له بتباهٍ ثم أفسح لهما المجال ودلفا واتجه ثائر يقف أمام طاولة وتجاوره مارتينا تلتفت حولها وتنظر للوجوه بترقب ، تحاول اكتشاف نظرات إعجاب في عيون من حوله وكأن تهديد ثائر لم يؤثر بها ولكنها أصيبت بالغيظ حينما رأت الكثيرات ينظرن نحوه بإعجاب وأخريات اتجهن ليرحبن به .

حاولت منع نفسها من الغضب وسعت لتهدئة نفسها فهي تعلم أنه شخصية مشهورة في المجتمع وكتاباته حازت على إعجاب الجميع لذا تنفست بقوة ثم حاولت البحث عن شيء تنشغل به فوقعت عينيها على توماس .

نظرته وابتسامته لها جعلاها بالفعل تنشغل به ، بل أنها شحب لونها حينما رفع كأس مشروبه أمامها كترحيب لتدرك أنه كشف لعبتها .

تـ.ـو.ترت ولم تعد تلاحظ كلمـ.ـا.ت المعجبات إلى ثائر حتى أن إحداهن مدت له كأس مشروب وابتسمت تردف بعيون هائمة :

- نخبك سيد ثائر .

وضع يده على صدره معتذرًا يجيبها بصوتٍ رصين :

- عفوًا أنا لا أشرب .

تعجبت ولكنها أومأت وسحب يدها فجاءَهُ شابٌ يطالعه بنظرة متباهية وأردف :

- مرحبا سيد ثائر ، اسمي كريم وأنا مصري مثلك .

تعمق ثائر فيه لثوانٍ ثم ابتسم يردف بشموخ :

- أهلًا بك كريم .

ابتسم كريم بود وسعادة لحصوله على هذا اللقاء ثم أسرع يتساءل :

- شكرًا لك ، أنا أحبك كثيرًا وأحب كتاباتك ولكن أريد أن أفهم شيئًا ، أعلم أنك لم تجِب على هذا السؤال أبدًا ولكن حقًا فضولي يغلبني لذا سأسألك عن شيءٍ ٌوأنت فقط قُل نعم أو لا .

- أنا لا أحب الفضول كريم ، لذا لا تسأل .

قالها ثائر بثبات وملامح بـ.ـاردة ليأتي توماس من خلفه ويجاور مرتينا ويردف بعدما استمع إلى الحديث الدائر :

- ماذا تريد أن تعرف أيها المصري ؟ هل تتساءل لماذا مُنع ثائر من دخول بلاده ؟

احتارت نظرة الشاب بين توماس وثائر ليتابع الأول باستفزاز متعمد وعينيه مسلطة على عين ثائر :

- ربما كان السبب قصة حب مثلًا ، أنت تعلم أن النساء متسلطات وربما هناك إحداهن أقامت عليه الحد واستطاعت استدراجه إلى شيءٍ محظور .

لم يقابل سوى نظرات الغضب المخبأة خلف ستار من الجليد لذا ضحك بعلو وتابع وعينيه على الشاب الذي انزعجت ملامحه :

- إنها مزحة بالطبع ، ولكن كما أخبرك ثائر لا تسأل ، هذا سره الذي لا يعلمه أحد أيها الشاب وبالطبع لن يخبرك به .

أومأ الشاب وابتعد حينما شعر بالتـ.ـو.تر بينما التفت توماس يحدق بثائر تارة وبمارتينا تارة ويردف :

- تناسبان بعضكما كثيرًا ، لمَ لا تعودان زوجان كالسابق ؟ هل هناك من مانع ؟

توقف عند مارتينا التي تـ.ـو.ترت لذا مدت يدها تسحب كأس المشروب وتتجرعه ليبتسم لذا أردف ثائر بثقل مبطن بالتحدي ومغطى بالسخرية :

- عهدتك ذكيًا توماس ولكن يبدو أنك كبرت في السن ولم تعد صالحًا لأي شيء حتى للحب .

ضيق عينيه يطالعه لثوانٍ ثم اغتاظ وأدرك أنه يتعمد استفزازه ويتحداه بمارتينا لذا سيقبل التحدي ولهذا نظر إليها ثم سلط مقلتيه نحوه يردف بنبرة واثقة :

- لا تحكم دون أن ترى النتائج أيها الثائر ، سلام .

غادر وتركهما فتنفست مارتينا بقوة وقلقٍ في آنٍ واحد ، حضور توماس ليس بهين ، نظراته تجردها ، سلطته ليست هينة على الإطـ.ـلا.ق وتعلم ذلك جيدًا لذا عليها توخي الحذر .

انشغل ثائر بعدها مع السيد ألفريد بالحديث عن أعمال الدار ومعهما بعض الكتّاب ووقفت مارتينا تسعى لتتجاوز ما حدث .

❈-❈-❈

كل الفرص التي سرقتها من حياتي سأستدرها
أنت مجرد لصٌ أبت كرامتي العراك معه وتركت الحكم للقدر
بقلم آية العربي

استيقظ الصغيران يركضان نحو ديما التي استقبلتهما تبادلهما العناق وجاءت دينا تجلس بينهم بعدما قررت ألا تذهب إلى عملها اليوم ، جميعهم أصروا على أن يوزعوا جرعات الدفء والسعادة على قلب ديما .

وقفت منال في المطبخ تحضر لهم الحلويات وجلس داغر يشغل التلفاز على فيلم كوميدي تحبه ديما .

لم يمر سوى القليل من الوقت حتى رن هاتفه برقم بسمة فنهض نحو الشرفة يجيبها قائلًا :

- أيوة يا آنسة بسمة ؟ وصلتي ؟

- أيوة يا باش مهندس أنا قدام الورشة بتاعتك .

أردف وهو يتحرك نحو الخارج ليحضرها :

- تمام أنا نازلك حالًا .

أخبرهن بمجيئها ونزل يحضرها من جوار ورشته بينما أردفت منال بعجالة :

- قومي يا دينا بسرعة رتبي المكان .

نهضت دينا تفعل ما قالته والدتها وتجمع ألعاب الصغار لتمر دقائق ويفتح داغر الباب قائلًا لمن خلفه :

- اتفضلي يا آنسة بسمة .

اتجهت منال تستقبلها بترحاب وود وكذلك دينا ، ودودين بشكلٍ جعلها تتمنى لو أنها تنتمي لهم .

دلفت بعدها تنظر نحو ديما التي اعتدلت تبتسم لها وتومئ مرحبة فاتجهت نحوها تردف وهي تتمسك بيدها وتربت عليها :

- ألف سلامة عليكِ ، إن شاء الله تقومي بالسلامة .

أومأت لها ديما وأشارت بيدها بأن تجاورها وجلست بسمة بينهم ثم نظرت إلى داغر واستطردت :

- أنا عارفة إنها زيارة مش متوقعة بس أنا حبيت أتعرف على مامتك واخواتك .

تحمحم يردف بنبرة رجولية وهو يجلس بشموخٍ يليق به :

- لا أبدًا البيت بيتك .

تبعها قول منال الودود :

- يا حبيبتي انتِ منورانا .

ابتسمت لها بلطفٍ ثم عادت تنظر إلى ديما لثوانٍ ولم تجد كلمـ.ـا.ت تقولها في هذا الموقف حتى أنها نـ.ـد.مت على مجيئها ولكنها أرادت أن تتوغل ألفتهم إليها .

كانوا لطفاء يضحكون ويتعاملون بشكلٍ عفوي ، التفتت عينيها إلى داغر تطالعه وهو يتحدث مع ابن شقيقته الصغير ، نبرته وملامحه جعلتها تعلم كم هو حنون .

لا إراديًا سلطت عينيها على شفتيه لتتذكر حلمها وقبلته لها لذا أسرعت تلتفت وتنظر للجهة المقابلة لتجد منال تطالعها وتبتسم لذا غزت الدماء وجهها كأنها اكتشفت أمرها .

لم تكد أن تنطق حتى رن جرس الباب فنهض داغر واتجه يفتحه ليجد شرطيًّا يطالعه بجمود متسائلًا :

- إنت داغر الصابر ؟

تنبهت حواسه وأجابه بثبات :

- أيوة أنا ، خير ؟

أشار الشرطي برأسه يستطرد :

- هتيجي معايا ، فيه بلاغ متقدم ضدك من كمال الوراق وبيقول إنك ضـ.ـر.بته قدام الناس كلها امبـ.ـارح .

التفت ينظر لوجوههن المصدومة ليتوقف عند وجه بسمة لذا زفر بضيق وعاد ينظر للشرطي مسترسلًا بإيماءة :

- تمام يا باشا جاي معاك .

دلف يخطو نحو ديما وانحنى عليها يحتضن وجهها قائلًا بتأكيد :

- مـ.ـا.تخافيش ، ساعتين وراجع وبردو هطلقك منه .

قالها واعتدل ينظر إلى بسمة بصمت ثم التفت يحدق بوالدته ويردف بتوصية :

- خدي بالك من ديما يا ماما وأنا هشوف فيه إيه وارجع علطول .

تحرك يغادر تحت أنظارهن وتوسلات منال للشرطي التي لحقت به ولكن داغر منعها يغلق الباب خلفه حتى لا تلحق به إحداهن

وقفت خلف الباب تنتحب وتردف بقهر وتجاورها دينا تُهدئها وتربت عليها :

- منك لله يا كمال ربنا ينتقم منك .

نهضت بسمة تطالعهن بحيرة وتعجب فالصغيران يبكيان في حـ.ـضـ.ـن والدتهما لذا نظرت إلى دينا الغاضبة واتجهت تسألها بترقب :

- إيه اللي حصل يا دينا ؟ يمكن أقدر أساعد ؟

زفرت دينا بغيظ وأردفت موضحة :

- جوز ديما أختي اتجوز عليها فجأة وداغر ضـ.ـر.به لأنه يستاهل الضـ.ـر.ب واتسببلها في صدمة عصبية خليتها مش عارفة تتكلم ، بس اهو راح بلغ عنه .

تملكها الغضب من ذاك الشخص ووقفت حائرة بينهن ليعاود جرس الباب الرنين فمدت منال يدها تفتحه لتجد أمامها كمال يطالعها بغلظة ويردف بهيمنة قاسية :

- أنا عايز ولادي .

باغتته بنظرة كارهة وكادت أن تغلق الباب ولكنه منعها يقتحم المنزل عنوةً ويطالعهن بتعالٍ خاصةً حينما لمح داغر يغادر مع الشرطي وقد كان ينتظر هذا .

سلط أنظاره نحو ديما التي تحاملت بصعوبة تنهض حتى أنها استندت على بسمة التي تجاورها لتواجهه فأبعد أنظاره عنها وثبتهما على صغيريه يردف :

- يالا يا مالك هات أختك وتعالى .

التصق الصغيران بديما يهزان رأسيهما خوفًا من أخذه لهما لتردف منال بصياح :

- امشي من هنا يا كمال بدل ما اتصل على القسم ، جاي تتشطر على ستات ؟

التفت يباغتها بنظرة منتشية ويومئ باستفزاز :

- أيوة جاي اتشطر على ستات ، ابعدي عن سكتي بقى .

اتجه لينزع صغيريه من عناق ديما التي باتت تنتفض وتمنعه من لمسهما وودت لو تصرخ بكل ما أوتيت من قهر لتتجه دينا تبعده عنها وتحاول دفعه صارخةً به ولكنه لم يتزحزح فأسرعت بسمة ترفع هاتفها وتبتعد قليلًا لتهاتف النجدة بعدما رأت ما يحاول فعله حيث وقف بين منال ودينا وديما يحاول نزع الصغيرين منها .

كانت قوتهن واهنة أمام قوته ، خاصة ديما المحملة بالغضب والقهر والكتمان .

وحينما كاد أن ينجح في سحبهما تفاجأ بصفعة قوية نزلت على وجنته جمدته مكانه جاحظًا ولم يستوعب أنها فعلتها ، صفعته بعدما حاولت أن تصرخ ولم يُسعفها لسانها ، صفعته كما تمنت دومًا أن تفعلها وبرغم رؤيتها للجحيم في عينيه إلا أنها ابتسمت متباهيةً بما فعلته ثم ارتدت على الأريكة كأن جُل ما بها من طاقة قد نفذ في صفعة .
دون أن أدري وجدت في كلمـ.ـا.تك شيئا أسعدني
شيئا جعل عواصف الألم داخلي تهدأ 
دون أن أدري أحبب في كلمـ.ـا.تك شيئا خفيا... او لعله ألما خفيا...
(بقلم فيروزة) 
❈-❈-❈
صفعته وارتدت على الأريكة فأسرعت منال تسندها مع دينا وبسمة ثم تملكت منال قوة هجومية شرسة وهي تلتفت وتقف في وجه كمال الذي ألجمته صدمة الصفعه وصاحت بهدير  : 
- اطلع برا بيتي حالًا بدل ما ألم عليك أمة لا إله إلا الله  ،  ابعد عن بنتي واولادها يا ندل  . 
وجد نفسه يهان ووجدها تحتضن الصغيران بقوة والتقطت أذنه صوت تلك الغريبة وهي تتحدث مع النجدة وعيون دينا تطالعه بشراسة وعنفوان و  ...  ديما لا حول لها ولا قوة بعد أن استنفذت جُل طاقتها في صفعة لذا لم يجد بدًا من المغادرة قبل أن يأتي الجيران ثم الشرطة ويقحموه في مسألة لن يستطيع  مواجهتها  . 
نزع نفسه يغادر وأردف قبلها بتوعد ليداري مذلته مشيرًا بسبابته  : 
- ماشي يا ديما  ،  أنا هدفعك تمن القلم ده غالي أوي  ،  وابقي وريني هتطلقي ازاي  ، هتفضلي كدة لا طايلة سما ولا أرض ومالكيش مكان في بيتي بعد كدة  .
غار وجلست منال تهدئ الصغيران اللذان أجهشا في البكاء ووقفت بسمة تطالعهما بحزن وحيرة ثم أردفت بحزن  :
-  أنا لازم امشي دلوقتي  ،  ومـ.ـا.تقلقوش أنا هكلم المحامي يروح لداغر فورًا  . 
التفتت تحدق في ديما التي كانت على وشك الانهيار واسترسلت بنبرة داعمة  : 
- مـ.ـا.تقلقيش كل حاجة هتبقى تمام  ،  إنتِ معاكِ الشرع والقانون  . 
لم تستطع ديما أن تومئ لها ولكنها أسبلت جفنيها لتغادر بسمة بعدما ودعتهن متجهة إلى قسم الشرطة مع محاميها  . 
تحاملت كثيرًا على نفسها بالقدر الذي جعلها تريد أن تغفو لعدة أيام متواصلة  ،  تريد أن تريح هذا العقل المجهد والقلب المتألم على حال صغيريها وأسرتها التي عانت معها خاصةً شقيقها الغالي  . 
نظرت لوالدتها وأرادت طلب المساعدة لتفهمها منال على الفور وتساندها مع دينا تتحركان بها نحو الغرفة وتردد بقهرٍ على حالها  : 
- منك لله يا كمال  ،  حسبي الله ونعم الوكيل فيك  . 
أدخلتاها وتمددت على الفراش ثم رفعت منال الغطاء فوقها وانحنت تقبل رأسها وتردف بحنانٍ حزين  : 
- ارتاحي يا عمري شوية  . 
أومأت إيماءة بسيطة ثم أغلقت عينيها وغفت علها تستيقظ على حالٍ جديد  . 
❈-❈-❈
عاد إلى منزله بعد قضاء ساعة في رياضة الركض حول منطقته  . 
دلف يزفر واتجه نحو غرفته ليحضر ثيابه ويأخذ حمامًا منعشًا  . 
الدقائق مرت سريعًا وخرج يخطو نحو مطبخه يحضر فنجانًا من القهوة مع شطيرة ووقف يفكر دومًا بلا هوادة في حياته الفاقدة للشغف   ،  خاصة الجزء العاطفي منه وكأنهم وضعوا قلبه داخل صندوقٍ صنع من ثلج  . 
التقط قهوته بعدما أعدتها الآلة واستل الشطيرة يتجه نحو شرفته ويجلس بها كالعادة  ،  يحب الاسترخاء هنا لأطول فترة ممكنة  . 
هنا يلهم بالأفكار وهنا يسافر بخيالاته وهو يسمح لأمنياته بالظهور  ،  مد يده ليزيح الستار ويفتح النافذة ولكنه قبل أن يفعل لاحظ أمرًا غريبًا  . 
سيارة جديدة على المكان تقف في طرف الشارع لا يظهر منها سوى مقدمتها  ،  دقق النظر فيها يحاول افتراص من بها ولكنه فشل  ،  يبدو أن أحدهم يحاول الوصول إليه  . 
لذا ادعى أنه يحاول فتح النافذة مبتعدًا بنظره عن مرمى السيارة التي ما إن لاحظ من بها حركة النافذة حتى تحرك يتراجع للخلف ليختفي في المنعطف المقابل ويتأكد ثائر من شكوكه ويدرك أنه مراقب وبالطبع من المؤكد أن هذا المتخفي أحد رجال توماس  . 
ليتزين ثغره بابتسامة مسلية واضحة وها هو يجد ما كان يتمناه  ،  اللعب مع أحدهم حيث أنهم يعيدون الشغف إليه شيئًا فشيئًا   . 
❈-❈-❈
أراد زوجة تكون تحت رهن إشارته ما إن دعاها إلى الفراش لبته على الفور مهما كانت أعذارها ولأنه يستحق الكرم جاءته من هي على شاكلته بل أنها تتخطاه شغفًا في هذه المسألة  . 
جلس مستندًا على ظهر فراشه يستعيد ما حدث منذ ساعات في منزل عائلة زوجته  ،  لولا أنه عاد إلى زينة وانتشلت بطريقتها وكلمـ.ـا.تها غيظه وغضبه لكان هاج بشكلٍ عاصف  ،  لم يخبرها أن ديما صفعته بل تحدث متباهيًا عما فعله وتعلل بصراخ الصغيرين وذعرهما لذا قرر أن يغادر  . 
التفت ينظر إليها ليجدها تتوسط الوسادة وتنام بلا مبالاة  ،  لقد انتشلت لنفسها ما تريده ولا شيء يثير اهتمامها بعد ذلك  . 
عاد يبتلع لعابه ويشعر بالجوع يلتهم معدته ولكنه لم يوقظها بل نهض يتحرك باحثًا عن طعامٍ كان قد أتى به ليتفاجأ بأنها لم تترك له أي شيء  لذا زفر بضيق وقرر الاتصال على أي مطعم ليقوم بطلب طعام يسد جوعه به . 
أغلق بعدما طلب الطعام وارتدّ على المقعد في الصالة يفكر  ،  لا يريد أن يحررها  ،  لا يريد خلاصها ولا إطـ.ـلا.ق سراحها  ،  يستنكر أن يعترف لنفسه بأنه يحتاجها لذا يبرر رفضه بطفليه  ، يستنكر أن يعترف أنه يعلم يقينًا إن حررها ستنجح وتنهض وربما وجدت عند غيره متاعها لذا فقد أظلمت عينيه وهو يردد داخله بأنه لن يحررها أبدًا مهما فعلوا  وهذا قراره مهما كانت العواقب  . 
ابتسامته ولمعة عينيه جعلتاه يفرد نفسه أكثر معتقدًا أن جُل ما فعله صواب  . 
❈-❈-❈
أدلى بأقواله إلى الضابط الذي أبدى تعاطفه مع الواقعة ولكن يظل القانون قانونًا وقبل أن ينهي المحضر طرق الشرطي الباب ودلف ينظر لرئيسه قائلًا باحترام بعدما أدى التحية  :
- حضرة الضابط الأستاذ وليد محفوظ المحامي والآنسة بسمة الراوي طالبين يقابلوا حضرتك  .
تـ.ـو.تر داغر في جلسته هو لا يريدها أن تأتي وتراه هكذا ولكنه نظر إلى الضابط يوضح بهدوء  :
- الآنسة بسمة الراوي تبعي يا باشا  .
أومأ الضابط بتفهم ونظر للشرطي يردف بجدية  :
- خليهم يدخلوا  .
أومأ الشرطي وسمح لهما بالدخول فدلفت بسمة تنظر إلى عين داغر الذي طالعها بنظرة امتنان وحرج لتومئ له مبتسمة بينما اتجه المحامي يرحب بالضابط ويعرف عن نفسه ثم جلس يردف برسمية وهو يشير نحو داغر  :
-  طبعًا أكيد الباشمهندس حكالك عن اللي حصل واندفاعه ناحية زوج أخته كان بدافع الكبت والقهر اللي اخته اتعرضت ليهم بس بما إن البلاغ تم فخلينا ندفع كفالة والباش مهندس يروح لعيلته وأنا هتواصل مع الطرف التاني علشان يتنازل  . 
كان حديثه ناتجًا عما قالته بسمة له طوال طريقهما ليدرك ما عليه فعله حيث أنه عُرف بالدفاع عن قضايا الأسرة ويعلم جيدًا هذا النوع من الكمال كما يدرك جيدًا كيف لم يسيطر داغر على غضبه  . 
❈-❈-❈
وصلت إلى الأراضي المصرية الطائرة العائدة من فرنسا تحمل على متنها شابة في العشرين من عمرها  ، ترجلت تتقدم خطوة وتؤخر الأخرى  ، نشب عراكًا من الحزن والألم على ملامحها السمراء  .
تعود بخيبة حصلت عليها كمكافأة نهاية الخدمة والنـ.ـد.م يصاحبها منذ أن قررت العودة  ، لم تكن تدرك أنه تم استغلالها بأبشع الطرق وهي من ظنت أنها وجدت الحب الفرنسي كما كانت تتمنى وتحلم  .
دلفت المطار واتجهت لتختم أوراقها بإرهاق وملامح محملة بالهموم التي زادتها عمرًا لا ينتمي لها  .
وقفت في الصف تنتظر دورها بضيق ودوار يشعرها أنها ستسقط لا محالة  ، التفتت تنظر حولها وبرغم يقينها أن لا أحد هنا ينتظرها إلا أنها تمنت لو ترى والدتها أو شقيقها ولكن هذا يعد ضـ.ـر.بًا من ضروب المستحيل فهما تبرآ منها وانتهى الأمر  . 
جاء دورها فوقفت تتحدث مع الموظف وتناوله أوراقها لتنهي الإجراءات وتغادر سريعًا ولكنها تفاجأت بنظراته التي تحمل الشك الذي أرعـ.ـبها لذا تساءلت بحروفٍ متقطعة  : 
- فيه حاجة ولا إيه  ؟ 
باغتها بنظرة شمولية ثم أشار إلى ضابط الأمن الذي جاء يميل عليه فأخبره الموظف أنها الفتاة التي تم التبليغ عنها لذا تحرك الضابط نحوها يردف برسمية  : 
- اتفضلي معانا  . 
وقفت مترنحة وتساءلت والشحوب يزداد على ملامحها   : 
- اتفضل فين  ؟  أنا عايزة أفهم في إيه  ؟ 
- اتفضلي معانا وهتفهمي كل حاجة  . 
انتظرها أن تطيعه حيث الجميع لاحظ ما يحدث ولكنها عاندت تصيح بهياج نبع من خوفها  : 
- مش منقولة من هنا قبل ما أفهم إيه اللي بيحصل  . 
زفر الضابط ونادى على دياب الذي يقف يتابع بتأهب فأسرع نحوه ليردف بنبرة آمرة  : 
- خد منها الشنطة دي وتتفتش كويس  . 
مد دياب لها يده لتناوله حقيبتها الشخصية مردفًا برصانة  : 
- ممكن الشنطة لو سمحتِ  ؟ 
أدركت أنها وقعت في فخٍ نُصب لها وبرغم يقينها أنها لم تضع أي شيء مخالف في حقيبتها إلا أنها تعلم جيدًا حقارة توماس أور ليان ولكن ما كان عليها إلا الإذعان لأوامرهم لذا مدت له الحقيبة وما كاد أن يأخذها حتى ذهل مما يحدث حيث مالت الفتاة عليه فاقدة للوعي بين ذراعيه وأمام الأعين التي أثار المشهد فضولها  . 
❈-❈-❈
بعد أن هدأ الصغيران بصعوبة بالغة واستطاعت دينا انتشالهما بدلالها ولعبها معهما اتجهت منال نحو ابنتها التي أدخلتها الغرفة لتستريح  . 
حملت لها كوبًا من العصير وخطت نحوها تناولها إياه علها استيقظت ولكنها ما زالت نائمة  . 
وقفت تُمعن النظر لها لثوانٍ قبل أن تلتفت وتعود أدراجها بحزنٍ بالغٍ عما أصابها واتجهت عائدة نحو المطبخ تردد داخلها الدعاء على طليقها والذي يعد سببًا رئيسيًا فيما حدث معها  ،  لا سلموا من أذيته وهو معهم ولا سلموا منه وهو بعيد  ، إلى الآن يجنون حصاد أفعاله وبمنتهى الأسف الحصاد هذه المرة هو مرض ابنتها الغالية وصمتها وكأنها لم تعد تشتهي البوح أو الكلام  . 
ولكنها لم تنم كما ظنت منال  ،  هي مستيقظة وأوهمتها بذلك . 
حزنها بالكامل ليس على زواجه من أخرى فهي الآن اعترفت كم هي تبغضه ولكن كل القهر بداخلها على ظلمها في حق نفسها  ،  كيف تحاملت على نفسها إلى حد أن يصل بها الأمر للاشتباه في جلطة  ؟ 
لما لم تتخذ قرارًا منذ زمن  ؟  ومتى أصبحت هشة هكذا  ؟  هو لم يكن ذلك الزوج الذي يستحق تجاوزها عن أخطائه  . 
لن تتخذ طفليها حجة فهي رأت كم هما عانا معها  ،  رأت الخوف في أعينهما من هيأته وهو يحاول نزعهما منها  ،  رأت رغبتهما في رحيله من حياتهما  . 
كانت ترى كل هذا ولكنها غضت الطرف لسنوات معللة بأنه سيعتدل يومًا  ،  لقد أوهمت نفسها أن هناك احتمالًا أن يغير أسلوبه وعادته بعد موت والدته التي زرعت ما زرعته ورحلت ولكنها كانت مخطئة خطأً فادحًا  ،  كيف لنبتة خبيثة تغذت على الفساد حتى اشتد عودها أن تتبدل إلى زهرة عطرة لمجرد انقطاع الغذاء عنها  !  على العكس تمامًا ستصبح متوحشة تقتص غذائها بشراسة ممن حولها ولم يكن حولها سوى زهرة متفتحة مقبلة على الحياة امتصت رحيقها وتركتها ذابلة على وشك السقوط  . 
رفعت يدها تجفف دمـ.ـو.عها الغزيرة وتسعى للملمة ما تبقى منها قبل أن يسقطها خريفه لذا تحلت بملامح العزيمة وهي تؤكد لنفسها أنها ستتحرر منه مهما كانت النتائج ولن تكون منال جديدة بل ستضع نفسها في الحديقة التي تستحق أن تكون بها  . 
❈-❈-❈
في سيارتها يجلس صامتًا شاردًا حالته تستنكر ما يحدث  ،  آخر ما كان يتمناه أن تراه هكذا وتساعده في مسألته   ،  لا يفضل أبدًا أن يكون لأحدهم فضلًا عليه خاصةً هي  . 
زفر باختناق ورفع رأسه ينظر للأمام وتحدث بنبرة صلدة  : 
- المبلغ اللي اندفع هيتردلك كله يا آنسة بسمة ومتشكر على وقفتك معايا  . 
كانت تعلم الصراع الذي يعيشه وتدركه خاصةً مع شخصٍ مثله انفعل على ما أصاب شقيقته لذا حاولت تقبل نبرته وأردفت بتروٍ موضحة  : 
- هيترد أكيد من مرتبك يا باش مهندس بس ماكنش ينفع أسيبك أبدًا تتحبس بسبب شخص معدوم الضمير زي ده  . 
التفتت تطالعه سريعًا لتلاحظ ليونة ملامحه بعد الشيء دون النظر إليها لذا زفرت وعادت تتطلع نحو الطريق مسترسلة  : 
-  على فكرة أنا معاك جدًا في اللي حصل وإنسان زي ده ندل وخاين بس لازم قبل ما تتهور تفكر مليون مرة في مامتك واخواتك  ،  هما ملهمش حد غيرك وفيه مليون طريقة تانية تلجأ ليها غير العنف  . 
لم ترد إخبـ.ـاره ما حدث بعدما قبض عليه حتى لا يغضب ولكنها تنهدت تتابع حينما لاحظت استجابته لحديثها حتى لو لم يُبدِ ذلك  : 
- ابعد عن الشخص ده يا داغر وحاول مـ.ـا.تخليهوش يستفزك بأي شكل  ،  خلص اختك منه وابعد عنه تمامًا  ،  ولازم يكون الأهم عندك هي حالة أختك النفسية لإن اللي حصلها ده مش سهل أبدًا  . 
زفر بقوة والتفت يُمعن النظر فيها بعدما نالت كلمـ.ـا.تها استحسانه لذا تساءل بما جال بخاطره من حيث رتابة كلامـ.ـا.تها ورشـ.ـدها  : 
- هو إنتِ عندك كام سنة  ؟ 
ابتسمت والتفتت تطالعه مردفة باستنكار  : 
- هو ماحدش قالك قبل كدة إن ماينفعش تسأل بنت السؤال ده  ؟ 
استطاعت انتشاله من حالة الغضب التي كانت تلتهمه ليجيبها ساخرًا  : 
- نفسي أفهم السبب في كدة إيه  ؟  هيصغروا عمرهم هيعيشوا أكتر مثلًا  ؟ 
ابتسمت تردف بقناعة  : 
- لا بس مافيش أنثى تحب يتقال عنها أنها كبرت  ،  الأنثى عامةً بتحب دايمًا تعيش على ذكريات سن العشرينات والجامعة  ،  المرحلة دي بتكون أكتر مرحلة ممتعة بالنسبالها علشان كدة العقل بيحتفظ بيها ومش بيقبل يعترف بغيرها  . 
مط شفتيه يومئ شبه مقتنعًا ثم زفر وقرر ألا يسألها مجددًا لتسأله هي  : 
- طيب إنت عندك كام سنة  ؟ 
أجابها على الفور  : 
- 28 سنة  . 
التفتت تباغته بنظرة مندهشة واستطردت باستنكار  : 
- نعم  ؟  ده بجد  ؟  شكلك أكبر من كدة  ،  دا أنا فكرتك أكبر مني  . 
أثارت انتباهه لذا نهشه الفضول وتراجع عن قراره يتساءل مجددًا  : 
- ليه هو إنتِ كام  ؟ 
ابتسمت والتفتت تنظر أمامها وبرغم أنها شعرت بالضيق الذي لا تعلم سببه من كونها أكبر منه إلا أنها أجابت بوضوح  : 
-  ٣١ سنة  ،  أكبر منك يابني  . 
لم يستطع تمالك نفسه من إطـ.ـلا.ق ضحكة عالية وهو يطالعها مندهشًا ويستطرد  : 
- لا مستحيل  ،  دانا فكرتك أد دينا أختي ،  مش باين عليكي خالص   .
تنهد يتابع  :
- بس أقولك إنتِ كان معاكِ حق  ،  مـ.ـا.تقوليش لحد على سنك  . 
- ليه  ؟ 
تساءلت بها وهي تنعطف لتدخل الشارع المؤدي لمنزله ليردف موضحًا بنبرة لا يعلم كيف خرجت منه  : 
- لإن فعلًا ملامحك أصغر برغم إن عيونك فيها حكايات كتير بس فيه جواكي روح طفلة ظاهرة على ملامحك  ،  حافظي عليها  . 
توقفت بالقرب من منزله والتفتت تتمعن فيه ليسرع بالترجل من السيارة قبل أن يزداد الأمر شغفًا هو لن يستطيع عليه مقدرةً لذا التفت للجهة الأخرى ووقف عند نافذتها يردف بامتنان  : 
- متشكر على اللي عملتيه النهاردة  ،  من أول زيارتك لأختي لحد التوصيلة  ،  وديني هسده لأني مابحبش يبقى عليا حاجة لحد  . 
أمعنت النظر فيه ليتابع  : 
- واعملي حسابك دي أول وآخر مرة هتوصليني فيها  ،  إنتِ على راسي بس احترامًا لمكانتك مش هتتكرر  ،  أنا المرة دي ماحبتش أزعلك بعد اللي عملتيه معايا  ،  تمام  ؟ 
سألها كي توضح له أنها لم تحزن لتجيبه بسؤالٍ آخر  : 
- هتيجي الشغل بكرة  ؟ 
زفر ورفع نظره للأعلى ينظر نحو منزلهم لثانيتين ثم عاد إليها يردف بصدق  : 
- لو ديما بقت كويسة هاجي بإذن الله  ،  يالا اتكلي على الله ومعلش هنتعبك بس لما توصلي بالسلامة ابقي رني رنة صغيرة  . 
هكذا اعتاد أن يتعامل مع شقيقتيه ولا يعلم لما أهداها نفس المعاملة برغم أنها لا تنتمي له ولكنه يشعر بأنها تحتاج للحماية كشقيقتيه  ...  أو ربما أكثر  . 
ابتلعت لعابها تومئ له ثم تحركت تغادر وما إن ابتعدت حتى تحرك نحو منزله وصعد لتستقبله منال بالأحضان بعدما رأته من النافذة ودلف يبادلها ويطمئنها ويسألها عن ديما وعن الصغيرين لتطمئنه بأن كل الأمور تمام بعدما قررن ألا تخبره إحداهن بمجيء كمال  . 
ورحلت بسمة عائدة إلى بيتها بعقلٍ شاردٍ فيه وفي أصله الطيب وشخصيته الفريدة نوعًا ما خاصةً في هذا الزمان  . 
❈-❈-❈
اخترق صوتًا ما عقلها الذي يجاهد ليستعيد وعيه لذا أسبلت أهدابها ببطء لتحاول استكشاف المكان وحينما تذكرت ما حدث انتفضت لتجد نفسها تجلس على أريكة في غرفة بيضاء وأمامها رجلان   . 
ثبتت مقلتيها عليهما ثم ابتلعت لعابها ونظرت حولها تتساءل  : 
- أنا فين  ؟  
أجابها دياب بتمهل  : 
- مـ.ـا.تقلقيش يا آنسة إنتِ لسة في المطار  . 
نظرت حولها مجددًا ثم استرسلت بقلقٍ بالغ وهي على وشك البكاء  : 
- إيه اللي حصل  ،  لقوا حاجة في شنطتي  ؟! 
تحرك الآخر خطوة واستل حقيبتها يناولها إياها قائلًا بهدوء  : 
- اتفضلي كله تمام وتقريبا ده كان بلاغ كيدي ضدك  . 
شردت لثوانٍ تفكر هل توماس فعلها أم شخصًا آخر لذا تنهدت بعمق ثم نظرت لهما وأومأت وحاولت النهوض فترنحت فتحمحم دياب يردف بطباعه النبيلة  : 
- لو فيه حد تكلميه ييجي ياخدك أفضل  . 
أمسكت رأسها بكلتا يديها لتقاوم الدوار الذي يحيطها ثم أردفت بخفوت  : 
- لاء مافيش  ،  بس لو ممكن معلش تساعدني لحد ما أركب تاكسي  . 
أومأ وتحرك يسحب حقيبتها الكبيرة وخطا وهي تتبعه وخرجا من الغرفة باتجاه البوابة الرئيسة لتستقل سيارة أجرة  . 
في طريقه نظر لها بقلقٍ حيث كانت تتحرك بترنح كأنها ستسقط مجددًا لذا تساءل  : 
- مكانك بعيد  ؟  
هزت رأسها بهدوء وأردفت بوهن  : 
- لاء  ،  البيت في ****  . 
تعجب وقطب جبينه فهذه منطقته لذا تساءل  : 
- فين بالضبط  ؟ 
لا تتذكر تحديدًا لذا دست يدها في حقيبتها تخرج محفظتها وتستل منها ورقة كتب فيها العنوان لذا ناولته إياه تردف  : 
- هو ده  . 
أخذها منها يقرأها ليرفع حاجبيه اندهاشًا وأردف  : 
- ده في نفس العمارة اللي أنا ساكن فيها  ، ونفس الدور كمان  ،  إنتِ بنت فاروق الهواري الله يرحمه  ؟ 
رفعت نظرها تحدق به لثوانٍ ثم أومأت تجيبه  : 
- أيوة بنته  ،  إنت كنت تعرف بابا  ؟ 
أومأ ومازال الاندهاش باديًا على وجهه يجيب  : 
- الله يرحمه كان صديق والدي بس الكلام ده من سنين طويلة  ، تقريبا كنتِ لسة صغيرة   . 
أومأت بتفهم وانتابها الحنين لرؤية شقيقها فعاد يردف بتريث  : 
- طيب لو كدة أنا خلصت شغل وممكن أوصلك لو تحبي بم إننا طلعنا ساكنين في مكان واحد  . 
نظرت له وعم الامتنان ملامحها فهي كانت تخشى ركوب سيارة أجرة وهي في تلك الحالة ولكنها قالت بحرجٍ  : 
- مش عايزة أزعجك  ،  هاخد تاكسي وخلاص  . 
ابتسم يخفض مقلتيه ثم استطرد يوجهها  : 
- مافيش إزعاج طبعًا ،  اتفضلي  . 
تحركت معه نحو سيارته واستقلتها ليضع حقيبتها في الخلف ويتجه يستقل مكانه وينطلق ليجدها تستند برأسها على الجهة اليمين فتركها لتستريح وقاد إلى وجهته متعجبًا من هذا التصادف  ،  ابنة فاروق الهواري الذي اشترى شقة في نفس عمارته كما فعل والده له وإلى الآن هي خالية حتى ابنه لم يزرها منذ وفاة والديه  ،  أعادت هذه الابنة لتقطن بها بعد كل هذه السنوات  ؟ حتى أنه لم يتذكر ملامحها  . 
نهشته الأفكار الفضولية ولسان حاله يتساءل   : 
أين كانت  ؟  وماذا حدث معها  ؟
❈-❈-❈
بعد عدة أيام  . 
جلست مقوسة الظهر تضع الطلاء على أظافر قدميها وتلوك العلكة بين فكيها مدندنة كلمـ.ـا.ت أغنية شعبية بينما يقف يعد له فنجانًا من القهوة ويطالعها من بعيد بنظراتٍ متفرصة حيث سلبت أفكاره وفاقت توقعاته بأفعالها الجريئة  . 
انتهت من طلاء أظافرها لذا رفعت رأسها تطالعه وتردف بنبرة عالية  : 
- اعملي واحد قهوة معاك يا كمولتي  . 
تحمحم يومئ لها ثم صب قهوته وعاد يحضر قهوتها بطاعة كأنها تتمسك بزمام أموره بين أصابعها  . 
اتجه إليها بعد دقيقتين يحمل الفنجانين وجلس أمامها يحدق بها وهي تنفخ الهواء في أظافرها ثم تعرضهما عليه متسائلة بميوعة  : 
- إيه رأيك يا كمولتي في اللون ده  ؟  عجبك  ؟ 
نظر نحو اللون وأردف مؤخوذًا بها  : 
- تحفة عليكي  ،  كل حاجة فيكِ جميلة يا زينة  ،  تفتحي النفس على الحياة  . 
ابتسمت واقتربت منه تتعلق برقبته حتى باتت أمام شفتيه تردف بنبرة متحشرجة وأنفاسها تتسارع  : 
- إنت لسة شوفت حاجة  ؟  دانا هعوضك عن كل يوم حزن شوفته  ،  هخليك تنسى خالص السنين اللي فاتت دي  . 
وضعت شفتيها على خاصته تقبله قبلة جريئة اندفاعية حتى أنها ناولته العلكة بلسانها لتصبح في فمه وابتعدت تضحك بفجور ثم استلت فنجانها ترتشف منه رشفة قهوة مردفة بمكر  : 
- القهوة مع البوس بتظبط المزاج  ،  ولا إيه رأيك  ؟ 
أومأ لاهثًا يؤكد على حديثها ويستطرد وهو يلتصق بها ويده تسري على جسدها  : 
- حصل  . 
أبعدت يده عنها وباغتته بنظرة محذرة وكأنها الآمرة الناهية في أي تواصل جسدي تردف بتحذير  : 
- اصبر لما نشرب القهوة  ،  وبعدين أنا عايزة أكلمك في موضوع  . 
لم يصبر بل بات يتعمق أكثر وتساءل متلهفًا  : 
- موضوع إيه  ؟  قولي كل اللي إنتِ عايزاه وهنفذه  . 
تجلى النصر على ملامحها وهي تعاود إبعاده عنها وتردف بنبرة بـ.ـاردة  : 
- هتفضل معلق بنت الصابر كدة كتير ولا إيه  ؟ 
ابتعد عنها حينما استمرت في صده وأمعن النظر فيها يتساءل بترقب  : 
- إنتِ عايزة إيه يا زينة  ؟ 
- إنت اللي عايز إيه  ؟  مش بعتولك رسالة تطلقها وقالوا إنها مش هترجع  ،  مستني إيه يا كمال  ؟ 
نطقتها بنبرة حادة فزفر بضيق ثم حاول مراوغتها متعللًا  : 
- واطلقها بقى ويقولوا عليا إني اتجوزت عليها وطلقتها ورميت عيالي زي ما بيتقال على ابوها  ؟  أنا مش عايز يتقال عني كدة يا زينة  . 
لم تسرِ مراوغته عليها ولم يستطع خداعها بأسبابه لذا هدرت بصياح وهي تنهض  : 
- مـ.ـا.تلفش وتدور عليا يا كمال  ،  عيال مين يا حبيبي إللي مافكرت تبعتلهم جنيه من يوم اللي حصل  ،  العيال دول آخر اهتمامك بس يبقى يوم مش فايت لو طلعت لسة عايزها على زمتك  ،  ولا لتكون بتحبها  ؟ 
وضعته أمام مرآته حيث أنه لم يهتم بأطفاله قيد أنملة ولكنه برغم ذلك لا يرغب في تحريرها ولا يستطيع شرح أسبابه إلى زينة لذا نهض يتحلى بجرأة كاذبة ويصيح مقابلها  : 
- اللا مالك يا زينة فيه إيه  ؟  وصوتك بيعلى ليه  ؟  اهدي كدة ومالكيش دعوة بموضوع ديما ده علشان أنا في دماغي حاجة كدة ناوي اعملها  . 
جحظت تردف بجنون تلبسها  : 
- من هنا ورايح مـ.ـا.تنطقش اسمها قدامي وإلا ورحمة أبويا يا كمال ما هتقرب مني تاني  . 
ها هي تهدده بما لا يستطيع عليه صبرًا لذا تراجع عن جرأته وعاد تدريجيًا للاسترخاء يقترب منها ويسعى لنيل رضاها ويده تسعى لإثارتها مردفًا  : 
- يابت اهدي بقى  ؟  معقول بتغيري من اسمها  ؟  هطلقها بس أنا عايز اذلها شوية بحق اللي وريتهولي طول السنين اللي فاتت ،  دانا ماكنتش عايش ولا كنت متجوز ست  . 
تراقص المكر في عينيها وقد أتقنت دور الاستجابة معه لتزفر بقوة ثم تجيبه بنبرتها اللعوب  : 
- أيوا مهو واضح أهو  ،  بتزعّل اللي حبيتك بجد واللي مستعدة تعمل علشانك أي حاجة لكن إنت محدش ياخويا عارفلك راس من رجلين  . 
سحبها بقوة نحو الأريكة يردف برغبة مستفحلة  : 
- هقولك فين راسي وفين رجليا  . 
❈-❈-❈
بعد أسبوع  .
استعادت ديما عافيتها واستطاعت النطق ولكن التعلثم مازال يلازمها ولكنها سعت لتسترد صحتها حتى تنفذ قرارها والذي شجعها عليه أسرتها  . 
وبالفعل عادت إلى المنزل بصحبة داغر بعد نهارٍ مزدحم حيث تم رفع دعوة خلع على المدعو كمال والذي ساعدها في رفعها المحامي وليد محفوظ التابع لبسمة التي قررت دعمها منذ أن رأتها  
لم يقبل داغر بأي شكلٍ من الأشكال أن يكون الدعم ماديًا ولكنه قبل الدعم المعنوي والاجتماعي خاصة وأنه منذ اليوم الأول له في المصنع حاول بكل طاقته بذل جهده في العمل المكلف به ونجح في ذلك بمهارة لاحظتها وجعلتها تثق به أكثر   . 
❈-❈-❈
ليلًا 
وصلت بسمة منزلها وصعدت غرفتها ثم خلعت ثيابها وتوجهت نحو الحمام لتخرج بعد دقائق ترتدي بيجامة نومها وتجفف وجهها بالمنشفة وما إن أبعدتها حتى تفاجأت ب ماجد يجلس على الأريكة يتصفح هاتفه وينتظرها  . 
تجمدت تطالعه بتعجب  ،  للمرة الأولى يقتحم غرفتها دون إذنٍ لذا تساءلت بضيق جلي حينما رفع نظره لها يبتسم  : 
- إنت إزاي تدخل أوضتي من غير ما تستأذن  ؟ 
أصابته الدهشة من أسلوبها الحاد معه ونهض يتجه نحوها ويوضح بعتب  : 
- فيه إيه يا بسمة هو أنا حد غريب  ؟  وبعدين على فكرة أنا خبطت بس إنتِ كنتِ جوة ماسمعتيش وشوفتك وإنتِ راجعة قلت آجي أتكلم معاكي شوية  . 
لم تهدأ ولم تعجبها نبرته وأسلوبه لذا زفرت واسترسلت بنزق  : 
- بص يا ماجد أنا بعتبرك أخويا اه وبحب أتكلم معاك بس فيه حقيقة ياريت مانغفلش عنها وهي إن أنا بنت عمك ومايصحش تدخل أوضتي أبدًا غير لما أسمحلك  . 
سافر بعينيه عبر ملامحها فتجهمت أكثر ولفت وجهها عنه ليجيبها بنبرة لينة  : 
- تمام خلاص أوعدك مش هتتكرر  ،  أنا بس كنت جاي أتكلم معاكي في موضوع مهم عن المصنع  . 
تنهدت بقوة لتهدئ نفسها ثم طالعته تتساءل بترقب  : 
- خير يا ماجد ماله المصنع  ؟ 
وضع كفيه في جيبي سرواله واستطرد وهو يهز كتفيه  : 
- تضمني منين إن العمال الجداد دول هيفهموا الشغل كويس  ؟  مش على الأقل يبقى معاهم مهندس فاهم نظام الشغل من سنين بدل المهندس الجديد ده اللي شكله مش فاهم أي حاجة  ؟ 
حدقت في مقلتيه باستنكار وتساءلت  : 
- إنت شوفت منه إيه علشان تحكم كدة ده هو لسة يا دوب بقالو أسبوع واحد بس وأنا شايفة إن الشغل ماشي كويس جدًا  . 
لا يعلم كيف يقنعها بإعادة المهندس السابق إلى عمله والعفو عنه ليحاول استكمال حديثه ولكنها وقفت ثابتة تكمل مقاطعة كلمـ.ـا.ته  : 
- اسمعني يا ماجد علشان نبقى واضحين  ،  أنا برتاح معاك في الكلام علشان بحس إنك بتفهم وجهة نظري هنا عن أي حد تاني إنما لو اسلوبك هيتغير معايا وهتبدأ تشكك في إدارتي صدقني يبقى مافيش داعي نتجادل  ،  العمال شايفين شغلهم والمهندس الجديد صارم جدا في شغله وده اللي أنا عايزاه ولو حسيت بأي تهاون مـ.ـا.تقلقش أنا هعرف أتصرف وكدة كدة المصنع بقى مسؤوليتي وإنت واونكل عليكوا الشركة  .
أسرع يستدرك الأمر قبل أن يخسر معاهدة الصداقة بينهما لذا رفع كفه يشير ويردف  :
- تمام روقي  ، أنا بس بحاول أقوم بدوري كأخ وصديق وقلت كدة من خوفي مش أكتر إنما أنا واثق فيكي جدًا وفي قدرتك على إدارة المصنع  ، ياريت مـ.ـا.تزعليش من كلامي  .
زفرت بقوة ثم طالعته تومئ مرارًا واسترسلت  :
- تمام حصل خير  .
تفاجأت بيده تقترب من وجنتها قاصدًا احتضانها فابتعدت خطوة للخلف تباغته بنظرة تحذيرية فزفر بإحباط وأنزل يده يردف بضجر ماكر وابتسامة :
- أوف عليكي يا بسمة  ،  بقيتي أوفر  . 
تركها وتحرك يخطو نحو الباب وقد اختفت ابتسامته وظهر وجهه الحقيقي وتجهمه الواضح ليختفي سريعًا متجهًا إلى غرفته  . 
أما هي تنفست بقوة والتفتت تنظر لأثره بقلق ثم اتجهت نحو الباب توصده جيدًا عليها  .
❈-❈-❈
أما ليلًا فقد عاد ثائر  مع ابنه الذي يسعى ليأمنه من شرور أعدائه ويعلم أن مكوثه عند جده هو أفضل قرار لحمايته في هذا الوقت . 
كان يتحدث عبر الهاتف مع مارتينا التي تخبره بأنها قادمة إليه وبرغم أنه أخبرها ألا تأتي إلا أنها لم ترضخ كالمعتاد خاصةً وهي لم تره عنـ.ـد.ما أعاد معاذ حيث كانت تستحم آنذاك  . 
أغلق معها يزفر بضيق وتحرك يفتح باب منزله ودلف وأغلق الباب ولكنه منذ اللحظة الأولى شعر بأنفاسٍ من حوله فأدرك أنه ليس وحيدًا  . 
يعلم أنه مراقب منذ أيام ولكن ما لم يتوقعه أن يتم مداهمة منزله!  
وقف مكانه يحاول تحديد مكان اللص من خلال أنفاسه حيث أن الأنوار مغلقة وهذا ما يريده لذا تساءل بنبرة هادئة  : 
- من هناك  ؟ 
سمع خطوات سريعة وكأن اللص يخشى انكشاف أمره لذا تتبعها سريعًا قبل أن يهرب وبحركة متقنة استطاع الإمساك به وتقييد ذراعيه أولًا وهس بغضبٍ عاصف حينما أحكم قبضته عليه  : 
- من أنت  ؟  ولِمَ دخلت بيتي  ؟  تكلّم  . 
لم يجبه الآخر ولكنه بات يحاول تخليص نفسه من قبضة ثائر الذي كان يسبقه بخطوة وتحرك به لينير الإضاءة ويرى وجهه ولكن تنبهت حواسه لوجود شخصٍ ثالث وقبل أن يحاول استيعاب الأمر اخترق سكينًا ضلعه الأيمن فتأوه وتهاوت قبضته ليُفلت اللص ويسرع في مغادرة المنزل هو وشريكه قبل أن ينكشف أمرهما  . 
تركوه ينزف ويئن...... تحرك ببطئ نحو مفتاح الإضاءة يشعله لتضح الرؤية وينظر نحو ضلعه يحاول السيطرة على نزيفه ولكن الدماء اندفعت بغزاره وبشكلٍ لم يستطع استيعابه ليجد غمامة مشوشة تقتحم رؤيته وتأخذه موجة من اللا وعي ويسقط مرتطمًا بالأرض فاقدًا لوعيه وحيدًا في منزل بـ.ـارد وبلدٍ أكثر برودة  . 
❈-❈-❈
لستُ عرابة ولا ساحرة ولكن المصاب كان ابني  . 
انتفضت علياء من نومها حينما شعرت بوخزة في قلبها لتنظر أمامها بجحوظ مردفة بلهفة  : 
- ابني  ،  ثائر  . 
استيقظ أمجد على صوتها ونهض ثم انحنى يشعل الإضاءة ويطالعها بتعجب ويديه امتدتا تحاوطان جسدها متسائلًا بقلق  : 
- مالك يا علياء فيه إيه  ؟ 
التفتت تنظر له بصدمة وتردف مترجية  : 
- كلملي ابني يا أمجد  ،  كلملي ثائر  ،  ثائر فيه حاجة  . 
ملس بيده على ظهرها يطمئنها بهدوء ظاهري  : 
- اهدي بس يا حبيبتي ده كابوس  ،  استغفري ربنا ومـ.ـا.تقلقيش ثائر إن شاء الله كويس  . 
حاولت أن تهدأ بالفعل وتعمقت فيه عينيه فأومأ لها يكرر كلمـ.ـا.ته ويده تسبح على ظهرها تهدهدها  : 
- مش أحنا كلمناه لسة قبل ماننام وكان مع معاذ  ؟  مـ.ـا.تقلقيش هو كويس  . 
حاولت سحب أنفاسها ورفعت كفها تملس على صدرها لتهدأ والتفتت تنظر في الساعة لتجدها قد تجاوزت الثانية صباحًا لذا عادت تزفر علّ الضيق الذي يحاوط صدرها ينقشع واسترسل أمجد بروّية  : 
- تعالي نامي في حـ.ـضـ.ـني  ،  الصبح هرنلك عليه تكلميه وتطمني بس إنتِ عارفة إن ثائر لو كلمناه دلوقتي مش هيرد  . 
أومأت بتفهم ومالت نحوه فعانقها وعاد لنومه معها وباتت يده تسير على طول ظهرها بحنان فحاولت نزع الأفكار السيئة من عقلها ودعت ربها أن يسلمه من أي أذى وحاولت النوم تاركة أمجد ينظر للبعيد ويفكر  ،  هل حدث شيئًا سيّئًا مع ابنه حقًا  ؟! 
❈-❈-❈
جلست ليلًا في فراشها تتنهد بـ.ـارتياح  ،  ستعيد ترميم نفسها من جديد  ،  ستصلح ما فسد  . 
ستكتب بحرية ودون خوفٍ منه  ،  والأكثر شغفًا بالنسبة لها أنها ستكتب قصتها بثوبٍ مختلف  . 
تتشابك خيوط الأحداث في عقلها لذا تحمست واستلت من جوارها كتاب بحر ثائر تفتحه من حيث توقفت  تعيد قراءة نصائحه التي دونها للقارئ  ..  أو لها فهي تشعر أن جُل رسائله مبعوثةً لها  . 
قرأت بعينيها الكلمـ.ـا.ت ولسان عقلها يردد  : 
( خمس نصائح من ثائر 
إذا شعرت أن ظهرك محمل بالهموم فاسجد 
وإذا كنت من حاملي المسؤولية فلا تحني ظهرك  
وإن جاءتك وردة من سفيه فلا تفرح  
وإن شعرت بالغدر يحوم حولك فابتعد 
وإن كنت تخطو بين أعدائك فابتسم )  
ابتسمت وتنهدت بعمقٍ وراحة ثم نظرت أمامها بملامح منفرجة وعينين تمتلآن بالأمل لتصبح مثل شرنقةٍ دخلتها حزينة وستخرج منها حرة بأجنحة والآن ستنهض لتصلي و... تسجد  .
انتهى الفصل 
شكرا لك... 
فقلبي الضائع بقربك
وجدته وانا بعيدة
شكرا لك... 
فعمري الضائع معك.... 
أنقذت مـ.ـا.تبقى منه
وانا لست معك... 
شكرا لك... 
فكلمـ.ـا.تي صار لها صدى
واصبح لها صوت.... 
شكرا لك
فنرجسيتك اغتالت ضعفي
وعنجهيتك اغتالت خوفي
شكرا لك
فامرأة الصمت والسلام
قد اعلنت الحرب اخيرا
وقررت الكلام.... 
عن كل تلك الآلام.... آلامُها
عن كل تلك الآثام.... أثامُكَ...
( بقلم فيروزة) 
❈-❈-❈
توقفت بسيارتها أمام بيته وترجلت وخطت نحو الباب ثم طرقته تنتظر أن يفتح لها  . 
طال انتظارها فتأفأفت بضيق وعادت تطرقه وتنادي باسمه وكادت أن تجن ولكنها وجدت الباب يُفتح فالتفتت لتطالعه فلم تجده أمامها بل وجدته منكبًا أرضًا يطالعها بملامح شاحبة تمامًا وهسّ من بين أنينه  :
- مارتينا اطلبي الإسعاف  .
صعقت وانحنت نحوه تطالعه بصدمة وتساءلت  :
- ماذا حدث ثائر  ؟
قالتها وهي تخرج هاتفها وتطلب الإسعاف على الفور فلم يجبها بل قرر أن يغلق عينيه. 
❈-❈-❈
كالعادة كانا في سهرة رومانسية مميزة وفريدة من نوعها  ،  تعشق الحالة الدافئة التي يغمرها بها حتى في سطوة مشاعره  . 
تعشق حنانه ومراعاته لمشاعرها  ،  تعشق رائحته فلم تذكر مرةً منذ زواجهما أنه أتاها يومًا مهملًا بل تعهد أن يهتم بنفسه عند كل لقاء فبات عشقها له ممتلئًا ويزداد منسوبه كل مرة  . 
كان ينام ويعانقها بدفء وما زالا بين الاستيقاظ والغفوة لذا عاد يقبلها فابتسمت فتمتم بنبرة متحشرجة محبة  : 
- تصبحي على خير يا قلب دياب  . 
رفعت وجهها قليلًا وطبعت قبلة ناعمة على شفتيه مثله وأجابته بحبٍ بلغ مبلغه منها  : 
- وإنت من أهل الخير يا روحي  . 
ما إن غفيا حتى تفاجآ بجرس الباب يعلن عن وجود أحدهم لذا انتفضت بين يديه فأخذ يهدئها برغم تعجبه واعتدل يتساءل بتعجب   : 
- استر يارب  ،  مين ده اللي هييجي دلوقتي  ! 
ترجل من فراشه يرتدي ملابس بيتية وترجلت ترتدي مئزرها وخطت معه نحو الصالة فاتجه نحو الباب ونظر من العين ليجدها تلك الجارة الجديدة لذا قطب جبينه والتفت ينظر إلى يسرا قائلًا  : 
- الجارة الجديدة  . 
فتح بعدها الباب وتقدمت يسرا ليجداها تترنح وتنحني متمسكة ببطنها وتقول مستنجدة بهما  : 
- الحقوني  ،  مش قادرة  . 
قالتها وسقطت أرضًا فلم تعد تحتمل الألم الذي ينهشها ليجحظ دياب وتسرع يسرا إليها تسندها مرددة بعفوية نبعت من صدمتها  : 
- الحقها يا دياب  . 
بالفعل ساعدها وحملها مع زوجته واتجه يضعها على الأريكة ثم اعتدل وظلت يسرا تحاول إفاقتها فاتجه عائدًا لغرفته ليحضر هاتفه وعاد إليهما يهاتف الطبيب علي الذي يقطن في العمارة المقابلة والذي أجابه بعد وقتٍ يتحدث بنعاس  : 
- ألو  ؟ 
أجابه دياب بحرج  : 
- أيوا يا دكتور علي بعتذر على الإزعاج بس جارتنا وقعت من طولها وهي عندي في الشقة دلوقتي لو ممكن بس تيجي تشوفها  ! 
تنهد الطبيب يجيبه بهدوء يخفي انزعاجه  : 
- تمام يا أستاذ دياب دقايق وهكون عندك  . 
وبالفعل بعد عدة دقائق دلف الطبيب بعدما ارتدت يسرا ملابس مناسبة واتجه يفحص رحمة التي باتت تئن وتتلوى وهو يفحصها تحت أنظار يسرا بينما وقف دياب يواليهم ظهره باحترام  . 
تنهد الطبيب ونهض يردف بنبرة عالية وعينيه منكبة على الفتاة التي تبكي من الألم وربما شيئًا آخر  : 
- المدام حامل  ،  واضح إن عندها سوء تغذية وده ماينفعش مع الحمل إطـ.ـلا.قًا  . 
فرغ فاه يسرا ونظرت لها بتعجب لتجهش الأخرى في بكاء حاد وقد التفت دياب يطالعهم بتعجب تارةً زوجته وتارةً الطبيب الذي وقف يدون وصفته الطبية لها ثم ناولها لدياب يردف  : 
- دي مكملات غذائية ومثبت للحمل ومسكن للمغص ،  محتاجة رعاية طبعًا وابقى خليني أشوفها في العيادة بعد أسبوع  . 
التقطها منه وأومأ يجيبه بملامح متجهمة والأفكار تعصف به  : 
- تمام يا دكتور  ،  وآسف مرة تانية على الإزعاج  . 
غادر الطبيب واتجه دياب يقف بالقرب من يسرا التي تحاول التحدث إلى رحمة الباكية  ،  تكتف يطالعها بنظرات ثاقبة ثم تساءل بتريث حينما لمحها تبكي  : 
-   إنتِ ت عـ.ـر.في إنك حامل ؟ 
رفعت أنظارها إليه تطالعه لثانية ثم هزت رأسها بلا وحاولت النهوض وهي تئن فساعدتها يسرا وأردفت بتروٍ  : 
- استني بس مـ.ـا.تتحركيش دلوقتي  ،  هعملك حاجة تشربيها  . 
هزت رأسها مجددًا مع انكماش ملامحها ونظرت لها تردف شاكرة وهي تعتصر بطنها وتحاول التحرك   : 
- لا شكرًا مش هشرب أي حاجة  ، بس ساعديني أوصل شقتي  .
لم تصدم من خبر حملها  ، كانت تشك في ذلك وكانت تخشى أن تصدق حدسها  ، يا ويلها مما هو آتٍ  ، كيف ستواجه مجتمعها بطفلٍ لن يعترف به أباه وكيف ستخبرهم أنها وقعت في الخطيئة أو ربما تم استغلالها بشكلٍ مؤلم  ،  لذا يجب عليها التخلص من هذا الحمل  . 
لم يمنعها دياب بل وقف متكتفًا يطالع زوجته التي تسندها حتى أوصلتها شقتها وعادت إليه تردف بنبرة مشتتة  : 
- هنعمل إيه يا دياب  ؟  هنسيبها كدة  ؟ 
زفر وارتد على المقعد يطالعها بضيقٍ وتأرجح بين ضميرة وعقله واستنكاره لما يحدث لذا زفر وأردف بنبرة مستاءة  : 
- معلش يا يسرا اعمليلها حاجة تاكلها دلوقتي وبكرة هحاول أتواصل مع أخوها  ،  خلينا نخلي مسؤوليتنا من اللي حصل ده  . 
❈-❈-❈
بعد مرور ثلاثة أشهر 
تم الخُلع 
وأخيرًا انفصلت عنه بطريقة أقسمت ألا تريحه فيها حتى لو قدم لها ثقلها ذهبًا برغم أنه كان يسعى ليطـ.ـلقها قبل حكم المحكمة ولكن شرطه كان أن تتنازل عن كل حقوقها ولكنها أبت . 
رفعت رأسها عاليًا ووضعت شرطها أمامه إن أراد أن يطـ.ـلقها فليدفع لها كامل حقوقها وحقوق طفليه ولكنه رفض بتحريض دائم من امرأته وآخر ما توصل إليه هو الاستسلام لقرار المحكمة بخلعه بطريقة مهينة له مجتمعيًا ولكنها ستحافظ على ثروته التي تريد ديما نهبها بعدما عانى ليكبرها . 
طوال الثلاثة أشهر تمكث في منزل عائلتها هي وصغيريها ويتحمل داغر مسؤوليتها بشكلٍ كامل حيث رفض رفضًا قاطعًا أن تخرج للعمل خاصةً بعد ما أصابها وإن كانت تود العمل فلتكتب قصصها ولتنمي موهبتها وفعلت وبات هو المتكفل بالبيت خاصة وأنه كان على يقين أن الله فتح له باب رزقٍ جديد من أجل شقيقته وطفليها وهو العمل في المصنع والذي أتى في نفس التوقيت ولهذا أخذ بالأسباب . 
بدعمٍ مضاعف من عائلتها ويسرا وكذلك بسمة استطاعت أن تكتب قصتها الأولى التي سيتم نشرها رسميًا عما قريب . 
ليالٍ قضتها وسهرت بها تتعلم وتنمي موهبتها بالقراءة والبحث ثم تذهب بعدها كي تسرد تفاصيل نبعت من أعماقها ، رسمت شخصيتها في بطلة الرواية التي عاشت معاناتها طبق الأصل ، لم تترك صغيرة إلا وذكرتها ، لم تترك مشاعر مكبوتة إلا ودونتها . 
حتى أحلامها وآمالها نالت نصيبها من القصة كي توازن الحزن والسعادة ، ثلاثة أشهر لم يمروا على حياتها مرور الكرام بل كانت رحلة علاج تعافت بها من سنوات القهر والكتمان والحرمان . 
زاد جمهورها على موقع الانستجرام خاصة وأنها اعتادت بشكلٍ يومي نشر تدوينات كانت كسفنٍ متآكلة تحمل على متنها التفاؤل ليتمنى القارئ أن تصل إلى مرساها بسلام . 
لم تنكر أنها استفادت كثيرًا من كتب ثائر ذو الفقار خاصةً بحره الثائر ، استفادت من تناقضه بين أوراقه ومواقعه واستعملت ذات الأسلوب الذي أعجبها فباتت تدون عن شريك الحياة المميز حتى صدّق متابعيها أنها تحظى بقصة حبٍ فريدة وهذا ما أرادته تمامًا . 
لن تعترف قط أنها صاحبة القصة ، لن تخضع للاستعطاف في رحلتها مهما كان ، ستبقى شامخة حتى لو كسروا داخلها ألف عود . 
جلست في الغرفة تتحدث إلى المحامي الذي أبلغها بالحكم لتجيبه بنبرة ساكنة عرفت للراحة سبيلًا : 
- الحمد لله ، متشكرة لحضرتك جدًا يا أستاذ وليد ، تعبتك معايا . 
أجابها المحامي بنبرة بشوشة فرحة وهو يقود سيارته : 
- لا طبعًا يا مدام ديما مافيش تعب ، أنا بفرح لما بقدر أرجع لأي حد اتظلم حقوقه ، علشان كدة آن الأوان بقى نرفع قضية نفقة للأولاد ، مهما كان هما ليهم حق عليه ولازم يدفعه غصبن عنه . 
لو أنها تمتلك رأس مال أو عملًا ثابتًا حينها لن تقبل منه قرشًا ولكنها تعلم أن الحِمل يتضاعف فوق أكتاف شقيقها الغالي وهي مازالت في بداية طريقها بل أنها لم تخطُ بعد لذا زفرت بقوة وأجابته : 
- تمام يا أستاذ وليد شوف اللازم واعمله ، بس المرة دي بلاش تقول لداغر ، خليها بينا وأتعابك كلها عندي أنا . 
زفر ثم أردف يطمئنها بنبرة مبطنة : 
- مـ.ـا.تشليش هم أي أتعاب يا مدام ديما ، المهم عندي نجيب حقوق الأولاد وبعد كدة بسيطة . 
- شكرًا بجد ، بس أتعابك هي حقك مافيش جدال فيها ، وأنا في أقرب وقت هكلمك واجي لحضرتك المكتب وشوف المطلوب وأنا تحت أمرك . 
تجلى السرور على محياه وأردف بنبرة ودودة : 
- تنوري المكتب طبعًا . 
- متشكرة جدًا . 
أغلقت معه بعدها وجلست تتنفس الصعداء ، تحررت أخيرًا من آخر قيدٍ له ، خلعته كما يخلع المرء ثيابه البالية ويلقيها بعيدًا  ،  فعلت ما رغبت به ليكن هذا أقل أنواع الانتقام ولتترك العدالة الإلهية تسترد الحقوق لأصحابها . 
نظرت لصغيريها اللذان ينامان على السرير المجاور لها والذي كانت تنام عليه دينا قبل أن يعطيها داغر غرفته ويشتري لنفسه سريرًا يضعه في غرفة الصالون ويتخذها مسكنه . 
رزقها الله بعائلة سندتها حينما سقطت والتفت حولها كالحصن حينما حاربها ، كانت لها صديقة آنست أيامها وهونت عليها أعباء القلوب . 
كان لها كتبًا شيدت من حطامها حصنًا جديدًا جَسورًا لا يهاب السقوط . 
أما الليل ؟ فياويلها منه ، تأتيها الأفكار التي تسكتها بقراءة بعض آيات القرآن والكتابة ، مازالت تسعى للالتزام . 
طبيعتها التي خلقها الله عليها كأنثى تجعلها تحن لشخصٍ تدرك أن ليس له وجود ، ما ترسمه في خيالها تعلم أنها لن تجده على أرض الواقع ولا حتى في عالم الروايات . 
لقد قرأت روايات عدة وجميع أبطالها كانوا أناسًا عاديين ، بصفات بشرية طبيعية لا مبالغة فيها مهما بلغ حنانهم ولطفهم لذلك هي لا تهيم عشقًا بأي بطل بل تحلم برجلٍ لا وجود له سوى في عقلها فقط . 
ذلك الرجل الذي يأتي فيكون لها كهذا الفراش الذي تتمدد عليه الآن 
إن مرضت تسكنه ، وإن تعبت تغمره ، وإن بردت يحتويها ، وإن ضاقت واختنقت يسعها ، وإن فرحت وقفزت يهلل لها ويشاركها ، وإن شردت وسافرت بعقلها يكن لها ركنًا آمنًا لا تخشى السقوط من سطحه قط .
ضحكت ضحكة عالية وانحنت تقبل فراشها وتربت عليه واعتدلت تحدثه قائلة بهمس حتى لا يتهموها بالجنون :
- مـ.ـا.تقلقش مافيش ولا هلاقي زيك أبدًا .
زفرت بقوة وتركت هاتفها وتحركت تتمعن في صغيريها ثم نادت توقظهما بتروٍ :
- مالك ؟ رؤية ؟ يالا يا ماما فوقوا ، يالا علشان تفطروا وننزل الحضانة .
استيقظ مالك يتثاءب ونهض يتعثر فأمسكت به تحتضنه وتقبله قائلة :
- صباح الخير يا قلب ماما .
ابتسم الصغير وبادلها العناق يردف :
- صباح الخير يا قلب مالك .
ضحكت تعانقه بقوة أكبر واسترسلت بترقب : 
- حبيبي إنت ، بنقول إيه أول ما نصحى ؟ 
- أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر . 
- برافو أشطر مالك في دنيتي ، يالا روح صبح على تيتا وأنا هصحي رؤية وجاية . 
حررته من عناقها أرضًا فركض نحو الخارج واتجهت توقظ الصغيرة التي تنام بعمق لذا حملتها تقبلها وتهمس بحنان : 
- مش يالا بقى يا رؤية هانم ؟ الساعة بقت ٩ ؟ 
تمتمت الصغيرة وهي تعانقها : 
- صحيني الساعة ستة يا ماما . 
قضمتها بخفة في ذراعها تستطرد : 
- ستة إيه بقولك تسعة يا كسولة يالا . 
اعتدلت الصغيرة تحدق بها ثم ابتسمت وقالت : 
- صباح الخير يا ماما . 
وكما فعلت مع مالك فعلت مع صغيرتها وهي تتحرك نحو الخارج وتلقي الصباح على والدتها ثم تركت الصغيرة أرضًا واتجهت نحو المطبخ تلتصق بمنال وتسترسل بخفوت حتى لا يسمعها الصغيران وفرحة زينت ملامحها الزينة  : 
- ماما الحمد لله خلِصت ، أستاذ وليد كلمني وقال إن الحكم صدر ، أنا دلوقتي حرة . 
اتسعت عينا منال بسعادة وأسرعت تعانقها مرددة : 
- الحمد لله يارب ، ربنا يعوضك خير يا حبيبتي .
ابتسمت وابتعدت عن والدتها واتجهت تساعدها في تحضير الفطور لهم بحالةٍ تشبه الطائر الذي تحرر لتوه واستعد ليفرد جناحيه ويحلق عاليًا بينما داغر ودينا قد تناولا فطورهما وغادرا منذ ساعتين .
❈-❈-❈
من يسعى ليحصل على ما يتمناه سيبلغه ، خاصةً حينما يسعى الإنسان ليستبدل راحته بشقائه . 
تمنى امرأة جريئة ، لعوبة ، صاخبة ، متسلطة ، فأتته زينة لتنتزع منه راحته أمام عينيه الجاحظتين وجسده المكبل بأصفاد شخصيتها وفاهه المكمم بلاصق تجبّرها . 
خرج من حمامه يخطو نحو مطبخه ليتناول أي شيء قبل أن يذهب لعمله وبملامح الضيق والانزعاج التي لم ترحل عنه تحرك يغادر بعدما لم يجد شيئًا يتناوله . 
اتجه نحو غرفته ليرتدي ملابسه وما إن أنار إضاءة الغرفة حتى تململت في نومها بانزعاج تصيح : 
- اطفي النور مش شايفني نايمة ؟ 
تحدث من بين أسنانه وهو يتجه نحو الخزانة : 
- عايز ألبس ، هلبس في العتمة ؟ وبعدين فين بقية الفطاير اللي جبتها امبـ.ـارح ؟
زفرت بضيق ونفضت الغطاء عنها بعنف ثم اعتدلت تجلس وتطالعه بحنق ليظهر جسدها الذي يختفي جزءًا صغيرًا منه أسفل قميصٍ شفاف فتسلطت عينيه عليه حينما هدرت مهتزة : 
- هو إنت كل ما هتجيب أكل هتسأل عليه ؟ إيه مافيش بني أدمة عايشة معاك وبتاكل ؟ ولا هعيش ع الطاقة الشمسية ؟ وبعدين مانت عارف إن أمي وخالي كانوا عندي بليل وحطيتلهم يتعشوا . 
لم ينطق حرفًا ولم يستطع أن يعترض فحينها ستهجره وهي سيدة ذلك لذا أومأ بطاعة والتفت يفتح خزانته ويستل منها الملابس لتستطرد بنزق وهي تلتقط هاتفها من جوارها وتعاود التمدد : 
- لو جعان اعملك ساندوتش جبنة وخلص واطفي النور يا إما تنقل هدومك في الأوضة التانية . 
نفض ملابسه يحاول كظم غيظه ولكنه شعر باختناق يقوده للانفجار لذا أردف : 
- مانتِ هتقعدي على الموبايل أهو يا زينة ؟ مـ.ـا.تقومي تعمليلي ساندوتش إنتِ ! 
باغتته بنظرة ثاقبة ثم استرسلت بوقاحة خبيثة تدرك أنها ستمحو غيظه : 
- وهو إنت خليت فيا حيل ؟ ده أنا حاسة إني متكسرة ميت حتة . 
انقشع اختناقه ونظر لها متباهيًا يجيبها بفخر جعله يسقط في ذلة : 
- ما ده العادي ، ولا أدور على التالتة ؟ 
نشب حريقًا داخلها جعلها تتوعد له وتجيبه بتحذير قطعي : 
- بلاش الأسلوب ده معايا ، أنا ماينفعش واحدة تيجي عليا أبدًا ، وبعدين تالتة إيه يا شاطر مهو الأولى خلاص خلعتك . 
ابتسمت تتلاعب على أوتار أعصابه لذا زفر ونزع نفسه يغادر الغرفة ويغلق إضاءتها بعد أن ارتدى ثيابه بإهمال . 
لسان حاله بات يفكر لمَ لمْ يحصل على الكمال الذي يتمناه  ؟  هل هذا نقص في الزوجات أم أن حظه عاثرًا  ؟ 
أليس هناك زوجة تريحه وتهتم به وبتفاصيله ومتطلباته والأهم تحبه كما كانت تفعل أمه؟ لتطرأ على عقله ديما بملامحها الهادئة وابتسامتها الدائمة ويتذكرها بكل حالاتها  للحظات قبل أن ينهره عقله النرجسي ويستنكر حتى أفكاره معللًا لنفسه أنها كانت تفتقد لأهم جزءٍ يريده ألا وهي الجرأة  ،  نعم زينة تناسبه أكثر  . 
❈-❈-❈
كعادتها يوميًا تهاتفه مكالمة مرئية لمدة لا تتجاوز النصف ساعة ، منذ الحادثة التي تعرض لها والتي نشرت عنها الصحف الفرنسية خاصةً بعدما أسعفته مارتينا إلى المشفى وظل بها لأكثر من أسبوع حيث أن إصابته لم تكن عابرة بل استهدفت كليته ، وقد تم التحقيق في الأمر ليتبين أنه حادث سرقة وتم القبض على اللصين واعترفا بذلك .
بصعوبة بالغة استطاع أمجد أن يحجب لهفة علياء وتعهد لها بأن يسعى لتسافر إليه وتراه في أقرب فرصة .
لم تهدأ إلا بعد مكالمة منه حينما عاد منزله يطمئنها أنه بات بخير وأن لا داعي لمجيئها كما تعهد أيضًا أن يسعى ليراها عما قريب .
سألته بقلبٍ منفطر وهي تتفحص ملامحه عبر الشاشة اللعينة :
- جنبك لسة بيوجـ.ـعك ؟ قولي الحقيقة يا ثائر وريحني ؟
أجابها بنبرة هادئة بلغته الأم :
- أنا كويس يا أمي ،  كل يوم تسألي نفس السؤال وبردو بقولك إني بقيت كويس   . 
زفرت بـ.ـارتياح ثم استطردت بملامح متلهفة :
- تعرف الحسنة الوحيدة اللي عملتها مارتينا واللي ممكن تخليني أتقبلها إنها لحقتك يومها ، أنا مش قادرة أتخيل لو بعد الشر حصلك حاجة أنا هعيش ازاي .
ابتسم لها ابتسامة خفيفة ثم جلس على الأريكة حينما شعر بألم يزوره إذا أطال الوقوف وقال بملامح بـ.ـاردة لا تعبر عما به :
-  مش هيحصلي حاجة قبل ما أحـ.ـضـ.ـنك يا علياء هانم ما تقلقيش  ،  يالا هقفل دلوقتي علشان لازم أروح المكتب  ،  هكلمك تاني لو رجعت بدري  . 
أغلق معها والتقط نفسًا قويًا ثم نهض يبحث عن المسكن ويستعد ليتجهز كي يذهب إلى مكتبه الجديد بعدما تم توليه منصب إدارة المجلة ودار النشر الكبيرة التابعة للسيد ألفريد جوبريال . 
❈-❈-❈
في فيلا توماس أور ليان 
التقطت ملابسها ترتديها سريعًا وجلست على طرف الفراش تتصفح هاتفها وتنتظره إلى أن يخرج من حمامه . 
خرج يرتدي مئزره ويتجه نحوها مبتسمًا ثم انحني يقبلها محاوطًا وجهها وتساءل بترقب : 
- إلى أين ؟ 
نهضت تتحدث بنبرة هادئة لا تمت لها بصلة : 
- يجب أن أذهب توماس ما زالت علاقتنا سرية . 
حاوط خصرها يقربها إليه ويستطرد بهمس هائم أمام سطوة إغرائها : 
- أخبرتكِ أن نعلنها مارتينا وأنتِ ترفضين ، هل ما زلت تأملين بالعودة لذلك البائس  ؟ 
ابتسمت وابتعدت عنه تطالعه بمكرٍ يتراقص في عينيها واسترسلت : 
- هل تسعى لاستفزازي ؟ هو من كان يريد العودة لي ولست أنا . 
- إذا لِمَ ذهبتِ إليه آنذاك ؟ لمَ غادرتي بعدما غفوت وركضتِ إليه ؟ 
هكذا تساءل بملامح متجهمة حيث أنه لم يصل لإجابة تريحه بعد ، إلى الآن ولأول مرة يكون متأرجحًا بين أمرين هل خانته أم لا ؟ 
إن كانت خانته وأوصلت ما لديها إلى ثائر لِمَ إلى الآن لم يستخدم تلك المعلومـ.ـا.ت ضده ؟ 
وإن لم تخنه وأحبته كما تدعي لما استقطبته وغادرت وتركته ثم ذهبت إلى ثائر آنذاك ؟ 
لم يستطع الوصول إلى إجابة لذا قرر أن يضعها تحت الاختبـ.ـار منذ شهرين وإلى الآن لم يصل إلى شيء ولا حتى استقطابها بمعلومـ.ـا.ت عن ثائر كما فعلت هي . 
أجابته بنظرة ثاقبة ونبرة بـ.ـاردة من بين أسنانها : 
- لن أجيبك توماس ، لن أجيبك لأنك لم تثق بي ، أنا ذاهبة وليكن بعلمك لن آتي مجددًا . 
تحركت من أمامه ولكنه أسرع يقبض على معصمها ويعيدها إليه ثم عانقها بقوة وأردف متلهفًا حبها : 
- لا لن يحدث ، ليس بعد الآن مارتينا . 
ظل متشبثًا بها ثم ابتعد قليلًا يتمعن فيها وقال بترقب : 
- لنتزوج إذًا ، أثبتي لي أنكِ تحبينني ونتزوج .
وجدت نفسها محاصرة بين عرضه ونظراته ومرت عليها لحظة تـ.ـو.تر انقشعت وهي تبتسم وتجيبه باستنكار : 
- نتزوج ؟ وماذا عن والدي ؟ هل نسيت أمره ؟ 
- سأقنعه ، لا تقلقي ، فقط إقبلي مارتينا ؟ 
زفرت بضيق تخفيه أسفل قناع التفكير ثم استطردت بعد دقيقة : 
- دعني أفكر توماس ، يجب أن أتحدث معه ومع معاذ أولًا . 
أطلق أنفاسه وحل وثاقه من حولها يبتلع لعابه ويردف بترقب : 
- حسنًا كما تشائين ، معكِ أسبوعًا مارتينا تفكرين به ثم تخبريني قراركِ . 
نظرة استمرت لثوانٍ ثم التفتت لتغادر ولكنه عاد يوقفها بندائه : 
- مارتينا  . 
توقفت تلتفت له فتابع فملامح خبيثة وهو يتقدم منها  : 
- ما رأيكِ أن تدعيني أقابل معاذ  !  ربما هو من استطاع إقناع والده بالعمل معي  ؟ 
تجلت التساؤلات على وجهها حتى بات أمامها مباشرةً يستطرد ويديه تسري على ذراعيها  : 
- إن وافق ثائر على العمل معي سيكون رهن إشارتنا  ،  هو يظن أنني لن أقدر على إفشاء سره ولكنه مخطئ  ،  يمكنني بسهولة زجه في السجن ولن يرى النور مجددًا ولكني مازلت أرغب به معي  ،  إن استطعتِ إقناعه بذلك سأعطيكِ ما تريدينه  . 
تمعن في مقلتيها ليجد نظرتها ثابتة قبل أن تبتسم وتبتعد للخلف خطوة تهز كتفيها وتجيبه  : 
- لنبعد معاذ عن الأمر توماس  ،  ثائر لن يرحب بهذه الفكرة على الإطـ.ـلا.ق وربما خسرت العمل معه إلى الأبد  ،  معاذ خطه الأحمر لا تحاول  . 
لوحت له بيدها وغادرت بعدها وتركته يقف يحول ملامحه من المكر إلى الغضب العاصف وقد قرر أن يبدأ في استعمال ما لديه من خبايا  . 
❈-❈-❈
لم تستطع التخلص من الحمل  ،  لم تستطع إجهاض هذا الجنين خاصة بعدما هاتف دياب شقيقها ليأتي إليها ولم يقبل بل أنه هاتفها يهددها أن تبعد عنه بشكلٍ قاطع وألا تسعى للتواصل معه ظنًا منه أنها من طلبت من دياب مهاتفته  . 
لتقرر بعدها الاحتفاظ بالحمل عله يكون معينًا لها لذا أخبرت يسرا ودياب أنها تزوجت بتوماس زواجًا مدنيًا حينما سافرت فرنسا لتدرس ولهذا تبرأ منها شقيقها ووالدتها قبل أن تتوفى  . 
وبرغم ضيق دياب مما فعلته بحق دينها وعائلتها ونفسها وبرغم انزعاج يسرا أيضًا إلا أنها لم تستطع سوى أن تمد لها يد العون وترعاها طوال فترة حملها وبالفعل بدأت تهتم بها وبأدويتها وطعامها وترى الجنين يكبر أمامها يومًا بعد يومٍ حتى أنها تذهب معها لزيارة الطبيب كل أسبوعين  . 
دلف دياب منزله ينادي على زوجته فلم تجبه لذا زفر بضيق وتيقن أنها عند رحمة لذا تحرك نحو شقتها وطرق الباب وابتعد يقف عند باب شقته لتفتح زوجته وتطالعه بتفاجؤ وابتسامة قائلة  : 
- دياب جيت إمتى  ؟ 
نظر لها بضيق وأردف  : 
- مستنيكي جوة  . 
أومأت له وعادت تودع رحمة ثم تحركت نحو شقتها لتجده يجلس ينتظرها فدلفت تتجه نحوه وجلست متسائلة بقلقٍ  : 
- فيه إيه يا دياب مالك  ؟ 
حدجها بنظرة حادة وتساءل  : 
- هو أنا كل يوم هرجع ألاقيكي عند الجيران  ؟  إنتِ مالك ومالها يا يسرا  ؟  الوضع كدة زاد عن حده وأظن إننا عملنا اللي علينا وزيادة بس بلاش القرب ده  ، أنا من الآخر مش بثق في البنت دي  . 
زفرت بقوة ثم مدت يدها تمسك بكفيه بحنانٍ وأجابته بنبرة لينة  : 
- تمام يا حبيبي أنا فاهمة وجهة نظرك كويس وعارفة إنها غلطانة طبعًا وعملت حاجة ماينفعش تتعمل أبدًا بس هي نـ.ـد.مت على كل ده  ،  هي نفسها تبدأ صفحة جديدة مع البيبي اللي جاي  ، وبعدين أنا بس بحاول أساعدها الفترة دي لإنها تعبانة جدًا وحملها معرض للخطر في أي وقت   .
زفر بضيق فهو اعتاد ألا يرفض لها طلبًا ولكن الأمر لا يروق له لذا أردف موضحًا  :
- يا يسرا افهمي  ، دي خانت ثقة أهلها واتجوزت واحد مش من دينها وفي الآخر رماها وبلغ عنها في المطار علشان تتبهدل  ، عايزاني أثق بسهولة في واحدة زي دي إزاي  ؟ نساعدها تمام ماعنديش مشكلة بس مش نقرب منها بالشكل الأوفر ده  .
تعلم أنه محق ولكن قلبها قد تعلق بشيء تمتلكه رحمة ولا تمتلكه هي لذا تنهدت تتساءل بترقب  :
- طيب إيه اللي يريحك  .
نهض يقسو قليلًا ولكنه لا يريدها أن تتألم لذا أجابها بنبرة ثاقبة  :
- اللي يريحني إنك تاخدي حذرك كويس منها وأوعي تحكيلها عن حاجة خاصة بينا  ،  وتقلي تمامًا من مرواحك عندها  . 
تحرك للداخل وتركها شاردة في حديثه  ،  يحذرها مما فعله هو  ،  كلما سردت لها رحمة قصتها مع توماس الذي أوهمها بالعشق سردت لها في المقابل عشق زوجها وكيف يكون العشق حقيقيًا  . 
دب الخوف قلبها من الفكرة التي لن تستطيع تحملها بأي شكلٍ كان لذا نفضت رأسها تهمس لنفسها  : 
- لا مستحيل اللي بتفكري فيه ده  ،  بلاش توهمي نفسك بحاجات زي دي  . 
زفرت بقوة ونهضت لتتبع زوجها وهي على يقين أنه محق لذا ستحاول منع نفسها عنها شيئًا فشيئًا 
❈-❈-❈
أثبت تفانيه في عمله في المصنع ، وقد نال الحب والاحترام ممن حوله ، ثلاثة أشهر لم يروا منه سوى الثقة والجدية . 
لتكن هذه أسبابًا دفعت بسمة كي تقترب منه أكثر خاصة بعدما باتت صديقة ديما ومقربة منها ومن أسرته . 
لذا فقد باتت تتواجد في المصنع بشكلٍ كثيف وتباشر بنفسها العمل ومراقبة العمال  . 
هذا الأمر لم يرُق إلى ماجد وبالطبع إلى عمها وزوجته الذي وصل غضبه لذروته لذا أقنعه ابنه أنه سيجد حلًا في أقرب وقت . 
وصل أمام المصنع وصف سيارته يترجل ويتجه نحو الداخل ليراها ويتحدث معها ، خطى نحو مكتبها باحثًا عنها ولكنه لم يجدها لذا سأل أحد العمال عنها فأخبره أنها تتناول وجبتها في الاستراحة مع المهندس داغر . 
لم يعجبه هذا الأمر إطـ.ـلا.قًا لذا تجلى الضيق على ملامحه واتجه ليراها بخطواتٍ اندفاعية حتى وصل إلى مكانهما ليجدها تجلس على طاولة جانبية تتحدث وتضحك مع داغر الذي يتناول طعامه . 
تكونت داخله الحمم واندفع إليها يباغت داغر بنظرات بعيدة المدى وحادة ثم لف نظره نحوها يتحدث بانزعاج محاولًا رسم الهدوء  : 
- ممكن نتكلم ؟ 
رفعت نظرها نحو تطالعه بتعجب ثم تحمحمت وتساءلت : 
- فيه إيه يا ماجد ؟ 
لم يستطع منع نفسه من قول ما يعتليه لذا استطرد : 
- فيه كتير أوي يا بسمة ، تصرفاتك الفترة الأخيرة بقت مزعجة . 
التفت نحو داغر واسترسل بنظرات حارقة : 
- وانت بتعمل إيه هنا ؟ سايب شغلك وقاعد تهزر ؟ 
استيقظ الغضب داخل جسد داغر لتسرع بسمة في الوقوف أمام ماجد لتواجهه وتتكتف مردفة : 
- إحنا في استراحة يا ماجد لمدة نص ساعة ، وخلي كلامك معايا هنا لأنك مـ.ـا.تعرفش طبيعة شغل الباش مهندس داغر ماشية إزاي . 
نهض داغر يطالعه بغضب ولم يعتد كبت ما بداخله لذا أردف بنبرة ثاقبة وواثقة : 
- معلش يا آنسة بسمة بس الأستاذ ماجد داخل دخلة غلط ، ولو هو مش ملاحظ الفرق في الشغل والإنتاج من وقت ما أنا مسكت وظيفتي يبقى كدة معناه إن مش أنا اللي سايب شغلي . 
اغتاظ ماجد واتسعت عيناه يستنكر ما يقوله هذا النكرة ووجه استنكاره إلى بسمة يستطرد : 
- عاجبك كدة ؟ 
انزعجت ونظرت حولها تترقب نظرات العمال البعيدة نسبيًا لذا زفرت والتفتت تنظر نحو داغر تردف برجاء : 
- داغر لو سمحت أقعد كمل أكلك وخليني أنا أتكلم مع ماجد . 
التفتت تسترسل وهي تشير إلى الآخر : 
- اتفضل يا ماجد نتكلم في مكتبي . 
تحركت واضطر داغر ألا يرفض رجاءها خاصةً وأنها شاركته قسوة عمها وزوجته وبدأ ينتابه الشك والقلق حيال ذلك الماجد الخبيث من وجهة نظره . 
تبعها الآخر وقبل أن يتحرك أطلق نظرة حاقدة نحو داغر الذي بادله النظرات وهو يعاود الجلوس بملامح بـ.ـاردة استفزت ماجد أكثر . 
وصلت مكتبها ودلفت وخلفها ماجد يصفع الباب ويردف بغيظ : 
- الموضوع كدة زاد عن حده يا بسمة ، سبتي الشركة وطول الوقت قاعدة هنا وواضح كدة إن اللي اسمه داغر ده عرف يوقعك ، معقول بسمة الراوي تقعد في الاستراحة مع عامل زي ده ؟ 
تكتفت تطالعه بصمت ولم تتفوه بكلمة بل تنتظره أن يفكر ويستعيد ما قاله لها لذا زفر بعد ثوانٍ والتفت يسحب الهدوء من حوله ثم عاد يحدق بها مسترسلًا بنبرة أقل حدة : 
- بسمة لو سمحتِ اللي بيحصل ده مش صح ، أنا مابقتش قادر أدافع عنك قدام بابا لإن فعلًا تصرفاتك بقت غريبة ، يعني إيه واحد زي ده يقف كدة ويرد عليا كإن هو صاحب المصنع ؟ وطبعًا هو أخد الثقة والجرأة دي من معاملتك معاه ومع عيلته . 
تساءلت بهدوء ملغم : 
- إنت عايز إيه يا ماجد ؟ إيه اللي يضايق في علاقتي بداغر وعيلته ؟ الشغل تمام والمصنع إنتاجه بيزيد يوم عن يوم والأزمة اللي اتعرضنا ليها من كام شهر اتحلت بفضل ربنا ثم بوجود فريق عمل على رأسهم المهندس داغر ، يبقى إيه اللي مزعلكم أوي كدة من علاقتي بيه ؟ 
كل ما قالته صحيح وهذا تحديدًا ما يزعجهم ، يزعجهم كونها تثق في الغريب وتمده بالصلاحيات التي يمكنها أن تؤهله ليعلو على أكتافهم . 
زفر بضيق وأردف مراوغًا : 
- كل ده مايدكيش الحق تثقي فيه أبدًا ، مـ.ـا.تنسيش إنك بسمة الرواي  . 
دققت النظر فيه وتساءلت : 
- يعني إيه ؟ 
- يعني سهل جدًا واحد زي ده سواء هو أو عيلته يمثلوا عليكي دور الحب علشان يوصلوا للي هما عايزينه ، لازم تاخدي بالك كويس وتعملي لنفسك جدار حماية من الناس دي ومـ.ـا.تديهمش أكبر من حجمهم . 
صمت لهنيهة حينما وجد نظراتها تتهمه بالتضليل لذا تقدم منها خطوة ورفع ذراعيه يحاوط كتفيها مسترسلًا :
- بسمة أنا خايف عليكي ، إنتِ عارفة إنك غالية عندي وبعتبرك جزء مني بس أنا ملاحظ إنك بتبعدي جدًا عني . 
اتخذت خطوة للخلف تبتعد عن لمسته ثم أردفت بنظرات اتهام واضحة : 
- ياريت يا ماجد تقعد مع نفسك وتفكر مين فينا اللي اتغير مع التاني ، واطمن من ناحيتي أنا أقدر أحمي نفسي كويس وأعرف أميز بين الناس اللي بتحبني بجد واللي بيستغلوني . 
صُدم من حديثها وتساءل قاطبًا جبينه : 
- يعني إيه با بسمة ؟ قصدك إيه بالكلام ده ؟ 
رفعت حاجبيها تستطرد بثقة : 
- قصدي واضح يا ماجد ، قلتلك قبل كدة ياريت تحترم ذكائي . 
ظل لثوانٍ يحدق بها ثم أومأ مرارًا وتحرك يغادر المكتب والمصنع بأكمله وفي نفسه توعد بأن يريها كم هي غـ.ـبـ.ـية أو يُري ذلك الداغر من هوه ماجد الراوي . 
❈-❈-❈
ليلًا 
جلست تكتب قصيدة عن حبها لوطنها وتمدح  الدفء الذي يحيطه من جميع الجهات وكعادتها تقوم بنشر أي شيءٍ يمكنه تلميع اسم مصر البراق . 
نشرت تدوينتها وتنفست بـ.ـارتياح ، استبدلت احتياجها لحب حقيقي بحب وطنها واكتفت . 
أغلقت الموقع واتجهت إلى التطبيق الذي تكتب قصتها عليه والتي ستقوم بنشرها عما قريب بعدما تعاقدت مع إحدى دور النشر وقد كان لبسمة يدًا في الوساطة للموافقة على قراءة جزء من قصتها التي نالت استحسان المدققين لذا وافقوا على النشر معهم . 
أوشكت على كتابة النهاية التي قررت أن تكون مفعمة بالأمل فتخيلت نفسها بعد عشرين سنة وهي تقف في حفل تكريم ابنها الضابط مالك ، التخيل فقط جعلها تحلق فوق غيوم السعادة فما بالك بالحقيقة ؟ 
لأكثر من ساعتين خطّت مستقبلها مع صغيريها اللذان عوضها الله بهما فكان الابن ضابط والابنة طبيبة ، هكذا تمنت وختمت قصتها وسنوات كفاحها دون التطرق للحب ، لن تقع في مثل هذا الفخ مجددًا . 
وكما قال الكاتب ثائر ذو الفقار في كتابه بحر ثائر . 
( يبدو أن المحن لم تخلق عبثًا بل خلقت لتصنع العظماء ) 
وهكذا استدلت بمقولته في روايتها كغيرها من أقواله التي اقتبستها منه . 
زفرت بـ.ـارتياح حينما انتهت ، الكتابة جعلتها تُخرج كم الضغوطات التي تعرضت لها ، جعلتها تدرك أنها صاحبة القرار وأنها قوية بقدر تحملها على ما تعرضت له . 
روايتها التي سردت فيها الردود التي تمنت لو فعلتها في الحقيقة ولكن يبقى بين الحقيقة والخيال جدارًا يسمى الخوف ، يشيد في الواقع ويهدم في الروايات . 
لمحت إشعارًا برسالة ما من إحداهن تراسلها عبر تطبيق انستجرام لذا تفصحتها لتجد محتواها الآتي 
( مرحبًا بكِ ديما ، أنا اسمي ليان من الإمارات ولكني أحب كل ما هو مصري وخاصة لو كانت كاتبة راقية ذات مشاعر عميقة تعبر عن أوجاعنا بهذا الإبداع والإتقان ، أردت أن أخبركِ أنني من أشـ.ـد المعجبات بخواطركِ التي تأسرني وتترك فيّ أثرًا مفعمًا بالأمل والتفاؤل برغم الألم الساكن فيها ، كم أنتِ رائعة يا ديما ) 
❈-❈-❈
في صالة المصارعة 
دلف ثائر يستعد لبدء جولته ولكنه وجد توماس يقف يتحدث مع خصمه بنبرة خافتة سرية  ،   توقف مكانه وعينيه عليهما يمرن جسده ويستعد للقتال و....  اللعب  . 
ابتعد توماس عن الرجل الذي تحرك داخل الحلبة والتفت ليجد ثائر أمامه لذا رسم ابتسامة خبيثة فاتجه إليه حتى توقف قبالته فتعجب توماس يتساءل  : 
- هل جئت تتحدث معي  ؟ 
أومأ ثائر وانحنى يهمس بالقرب من أذنه  : 
- نعم توماس  ،  جئت أخبرك أنني سأعمل معك  . 
تجلى الذهول فوق ملامحه ونطق باندهاش  : 
- أووووووه ثائر  ،  لقد أدهشتني يا رجل  ،  هذا ما لم أتوقعه قط  . 
أومأ ثائر إيماءاتٍ متتالية وأردف بعيون قاتمة محذرة  : 
- نعم أعلم  ،  لذا دع فمك مغلقًا ،  إياك واستفزازي توماس  . 
ضحك الآخر عاليًا ولم يظهر أي خوف من تهديده له بل أجابه بحقد  : 
- هل تقصد المعلومة الصغيرة التي قلتها اليوم للسيد ألفريد   ؟  
تجهمت ملامح ثائر وبلغ الغضب منه مبلغه ليسترسل توماس بهسيس شيطاني وهو ينحني عليه  : 
- لا تخف لن أفشي سرك مع زوجة شقيقك  .
انتهى الفصل 
قد لا أبدو كذلك!!! 
لكني يا سيدتي حزين.... 
لكني يا سيدتي سجين... 
لكني يا سيدتي غريق.... 
قد لا أبدو كذلك!!!! 
لكني في منفايا وحيد... 
فقدت الشعور 
وفقدت السرور
قد لا أبدو كذلك!!! 
لكني يا سيدتي  قد تخلى عني كل من أحببت... 
قد لا أبدو كذلك 
لكني حقا قد تألمت.....
( بقلم فيروزة  ) 
❈-❈-❈
يتمدد على فراشه يطالعها وهي تمشط خصلاتها المموجة وتدندن كلمـ.ـا.ت أغنية شعبية قبل أن تنهض وتتمايل أمامه وتشير له أن يأتي إليها فضحك ولبى طلبها وترجل يخطو ويتمايل معها فأطلقت ضحكة عالية على حركاته الغير متقنة وباتت يدها تلكزه وتقرصه في أماكن متفرقة فجحظ محذرًا إياها بعينيه لتعاود الضحك ثم تحركت تلقي بنفسها على الفراش وتسحبه معها ليعتيلها ويتفرص ملامحها مبتلعًا لعابه حيث لا تترك له مجالًا لهدنة يأخذها بين مشاعره وأنفاسه لذا مال يقبلها واستقبلته بجرأتها التي لم تعد تفاجئه . 
أبعدته عنها فتعجب يطالعها فاعتدلت تحدثه بخبث : 
- لا بقولك إيه مـ.ـا.تقفلنيش السهرة لسة في أولها ، وأنا مجهزة شيشة وتسالي وهنفتح التليفزيون ونقعد قعدة حلوة ، وبعدين أنا عايزاك في موضوع مهم . 
تأفأف ولكنه اعتدل يجاورها وتساءل بنزق لم يستطع الاعتراف به : 
- موضوع إيه يا زينة خير ؟ 
مدت يدها تتلاعب بكفه بأصابعها واسترسلت بتلاعب : 
- إيه رأيك لو جبنا أمي تسكن في الشقة اللي تحت ؟ واهي تبقى معايا وتونسني . 
حدجها بنظرة شمولية ولم يستوعب بعد لتحتد نظرتها من تعبيراته وتستطرد : 
- مالك وشك قلب كدة ليه ؟ مش الشقة فضيت خلاص ؟ وبعدين أنا كل ما بجيلك الوكالة بحس إنك زهقت مني وأنا ببقى زهقانة فقولت بدل كل شوية ما أروح لأمي تيجي هي تقعد معايا هنا ، وبعدين على فكرة أنا فيه حاجة شاكة فيها وماكنتش عايزة أقولك غير لما اتأكد ، بس من ملامحك كدة هقولك علشان تفهم قصدي . 
زفر وانتابه ضيقًا لا مثيل له ، كيف لوالدتها أن تأتي وتسكن معهما ؟ في شقته ؟ مكان ديما وأولاده ؟ 
لم يستطع هذه المرة إخفاء ضيقه فأسرعت تتناول كفه وتضعه على معدتها مردفة بنبرة حماسية : 
- أنا بايني حامل . 
ذهل مما سمعه فالتمعت عينيها تومئ وأسرعت ترفع كفها تحتضن صدغه وتتابع بنبرة لعوبة : 
- أيوة يا كمولتي ، العادة غيبة بقالها أسبوع أهو وحاسة بدوخة ونفسي غامة عليا ، بس كنت مستنية أتأكد وساعتها هيبقى ربنا عوضنا أنا وأنت بكمال صغير ييجي ينور حياتنا ويعوضك عن ولادك اللي أمهم قست قلبهم عليك . 
أطفال ؟ هل كان يريد منها أطفالًا ؟ لم يكن هذا مخططه على الإطـ.ـلا.ق لذا ابتلع لعابه وأردف بملامح متجهمة : 
- حمل إيه بس يا زينة دلوقتي ؟ إحنا يا دوب بقالنا مع بعض 3 شهور . 
انزعجت فنهضت وأبدت ذلك في نبرتها وهي تصيح : 
- نعم نعم نعم ؟ يعني إيه حمل إيه ؟ داحنا اتأخرنا كمان ياعنيا ، دانا بدعي وبتمنى من أول يوم ربنا يرزقني بحتة عيل منك وانت جاي تقول لي حمل إيه دلوقتي ؟ هي دي فرحتك ؟ 
هدأها ومد يده يقبض على ذراعها ويعاود إجلاسها ثم زفر واستغفر وحاول تقبل الأمر خاصةً وأن هذا الوضع طبيعي لذا أجابها بهدوء نسبي : 
- يابت افهمي ، أنا قصدي كنا ندلع شوية وبعدين ييجي الحمل والخلفة ، مهو انتوا بتخلفوا من هنا وبتقلبوا جعفر من هنا . 
نزعت يده عنها وصاحت باستنكار : 
- لاء يا عنيا صوابعك مش زي بعضها وحسك عينك مرة تانية تشبهني بحد يا كمال وآخر مرة هقول ، أنا يا حبيبي طول مانت كويس معايا وبتنفذ لي طلباتي هتشوف مني الدلع كله حتى لو معايا بدل العيل عشرة ، فاهم ؟ 
طريقتها في التوبيخ تثيره أكثر من هدوءها ، تشعله أكثر من دلالها لذا لكزها يسترسل بتريث بعدما انقشعت غيمة غضبه : 
- خلاص اهدي اللا ! فتحتي ع السابع مرة واحدة ، أنا كل اللي عايزه إن نفضل كدة حلوين مع بعض ومتفاهمين . 
زفرت بقوة ثم قلبت عينيها للجهة الأخرى وتكتفت تبدي حزنها وتبدأ عقابها لذا صمت لثوانٍ يفكر . 
لا يريد أن يعيش حالة الهجر التي تتركه فيها دون اي اهتمام ، حتى أنها لا تشبه ديما التي كانت تراعيه حتى في هجره بل أنها تتجاهله بشكلٍ تام وهو لم يعتد التجاهل لذا يسعى لمراضاتها ولكن إلى متى فيبدو أنها علمت نقاط ضعفه . 
زفر بقوة ثم التفت لها يردف مشجبًا : 
- هتقلبي وشك بقى وتقفشي ؟ 
لم تجبه لذا أسرع يلبي لها ما تريده : 
- خلاص يا زينة اعملي اختبـ.ـار ولو طلعتي حامل أنا موافق أمك تيجي تعيش تحت ، علشان ت عـ.ـر.في أنا بحبك إزاي وفرحان بالحمل . 
أبدت فرحتها حينما التفتت تقابله وتحدق به فتابع : 
- ده ابني ولازم أفرح وهربيه زي مانا عايز ، بس كل ما في الأمر إن انتِ فاجئتيني ، خلاص بقى مـ.ـا.تزعليش . 
أسرعت تلقي بنفسها داخل حـ.ـضـ.ـنه وتنتشل منه دفئًا لا يمتلكه ثم ابتعدت تطالعه بعيون منتصرة فرحة ونهضت تجيبه بميوعة : 
- هروح بقى أجهز السهرة وأجيلك . 
❈-❈-❈
السعادة التي تغمرها حينما تقرأ تدوينة أو تعليقًا يمدحها سعادة من نوعٍ خاص ، لا تحب المدح بقدر حبها لإيصال مشاعرها إلى الناس . 
لا تحب التفخيم بل تحب نعمة الله عليها التي تتمثل في محبة أناس لا تعرفهم ولا يعرفونها وبينهم حدودًا وبلاد ومع ذلك يحبوها لأنها عبرت عن شيءٍ لمسهم . 
أخذت نصيبًا جيدًا من التواضع الذي يؤهلها للفوز بالقلوب . 
عبثت على لوحة المفاتيح ترسل ردًا على هذه الرسالة الرائعة وتعبر عن امتنانها وحبها للمرسلة وختمت رسالتها بوردة وقبلة . 
ابتلعت لعابها وابتسمت تشكر ربها على النعم التي انهالت عليها بعدما تحررت من قيود سجانها وكأن الله يكافئها على هذا التحرير ، نعم لم تكن تظن أنها ستراها خاصةً هذا التـ.ـو.فيق والسرعة في درب مستقبلها الأدبي . 
في الغرفة المجاورة يتمدد داغر مستيقظًا شابكًا كفيه أسفل رأسه وعقله يسبح فيها ، يفكر في حديثها ، مخاوفها ، حزنها على فراق والديها الذي لم يقل ولم ينتزعه أحدٌ بعد ، وحدتها وشعورها بالغربة والخوف في منزل عمها . 
لقد أخبرته بكل هذا ، ثلاثة أشهر اقتربت منه برغبتها وفتحت أمامه كتابها دون خوف أو قيد ، بل أنها شعرت معه بالأمان والراحة اللذان تفتقدهما . 
ولكنه أحبها ، ربنا الأمر بالنسبة لها صداقة أو ارتياح أما بالنسبة له تحول لحبٍ ومسؤولية ، هو لا يعترف بأي صداقة بين رجلٍ وامرأة ولكن معها وقع في الخطيئة والآن يتقلب على صفيح الحب الساخن بل أنه يحترق فقصتهما مستحيلة من جميع الجهات أولهما عدم مبادلتها لمشاعره وآخرهما مستواها المادي . 
لم يكن يريد أن يقع في العشق ، يعلم أن العشق يضعف صاحبه لذا أراد أن يختار شريكة حياة مميزة حسب عقله ، لتكن من نفس مستواه ولكن ... كان لقلبه رأيًا آخر . 
تنهيدة مأججة خرجت من جوفه والحيرة باتت لا تفارقه ، يريد أن يبتعد ولكن كيف وأسعد أوقاته باتت في قربها ، كيف يبتعد وهو يشعر أنها مسؤوليته كأنها من ضمن أسرته . 
لذا فهو يكره ماجد ، برغم أنها حاولت استنكار أفعاله معها ولكنه لم يفعل ، يعلم نواياه جيدًا ولكنه عاجزٌ عن ردعه . 
عاد يزفر وهمس بترجٍ : 
- يارب حلها من عندك يارب . 
دعا ربه وحاول أن ينام . 
❈-❈-❈
وحاولت هي أيضًا حيث تنام على جانبها الأيمن وتفكر فيه ، وقعت في حبه ، الهالة المحيطة به وهيبته مع العمال وشخصيته التي تفرض نفسها على الجميع جعلتها تعشقه ولكنها بـ.ـارعة في عدم إظهار مشاعرها .
فالموانع كثيرة لقصتهما وأولها غدر عمها وآخرهما فارق السن بينهما .
لمَ ليست الحياة هينة ؟ لمَ لم تجد مواصفاته في غيره ؟ لمَ هو مميزٌ إلى ذلك الحد الذي يجعلها تتألم في صمت ولأول مرة تكون عاجزة عن اتخاذ قرار يريحها .
تنهيدة حارة صدرت عنها تعبر عما تشعر قبل أن تلاحظ محاولة فتح بابها بهدوء شـ.ـديد من خلال لف مقبضه ببطء .
جحظت عينيها برعـ.ـب وابتلعت لعابها وغزى الأدرينالين جسدها ولكن لحسن حظنها أنها توصد الباب لذا عاد المتطفل خالي الوفاض وتركها تودع النوم الذي قرر الرحيل عنها . 
❈-❈-❈
تهديد توماس له بسيرة زوجة شقيقه جعله يريه وجهًا لم يظهره منذ جاء إلى فرنسا ، ملامح قاتمة تلبستها شياطينه وهو يكشر ويقترب منه حد الالتصاق مردفًا بتوعد سافر : 
- إياك ونطق اسم فرد من أفراد عائلتي أيها القذر ولا تختبر صبري ، إذا كنت تمتلك معلومة أو اثنتين عني فأنا أمتلك السكين التي ستنحر رقبتك ، كن حذرًا ودعنا نعمل في صمت ، هل فهمت ؟ 
تشبحت ملامح توماس بالصدمة ، هذا يعني أن مارتينا خانته وأفشت أسراره ، نعم هذه الثقة التي يتحدث بها ثائر ليست من فراغ لذا ... عض على شفتيه ثم ابتسم يردف بتركيز : 
- حسنًا ، لنعمل في صمت إذًا ، كلانا لا يفضل أن تكشف أسرار الآخر ، أليس كذلك ؟ 
تجلت ابتسامة خبيثة على ملامح ثائر وهو يومئ له ثم تحرك يغادر من أمامه تركه يتوعد لمارتينا الخائنة . 
❈-❈-❈
في اليوم التالي 
ترجلت دينا تخطو في شارع حارتها لتصل الى الطريق العام وتستقل الحافلة التي ستقلها إلى الشركة . 
توقفت حينما رأت صالح يفتح ورشة شقيقها فابتسمت ترحب به قائلة بلطفٍ عفوي : 
- صباح الخير يا باش مهندس صالح . 
رفع صالح الباب المعدني والتفت يطالعها باحترام ثم ابتسم يجيبها : 
- صباح الخير يا آنسة دينا ، كيفك ؟ 
أجابته بودٍ : 
- أنا كويسة الحمد لله ، فاتح بدري النهاردة ! 
أومأ لها يوضح وهو يسعى ليتجنب عينيها : 
- ااه ، صحيت بكير قلت آجي افتح الورشة عبال ما الولاد ييجوا . 
أومأت بتفهم ثم أردفت مودعة : 
- تمام ربنا معاك ، عن اذنك . 
غادرت وتركته يقف شاردًا في أمرها ، من المؤكد أنها تفعل ما تفعله بطريقة عفوية ولكن معاملتها هذه أسرته رغمًا عنه ، لا يريدها أن تبتسم له ، لا يريدها أن ترحب أو تسلم أو تتطلع عليه ، لا يريد لعقله أن يفكر بها فهو ليس لديه الحق في عيش أي مشاعر الآن سوى الحزن على مصابه ولكن منذ متى وعلى القلب سلطان ؟! 
لولا توصية داغر له بمتابعة الورشة لكان قد تركها وابتعد ولكن كيف يرد الجميل بفعلته التي سيفسرها داغر على أنها غادرة ؟ 
ليتها تكف عنه ، ليتها تنجو من حطام أحزانه فهي لا تشبهه قط ، مفعمة بالحياة تستحق شابًا مثلها وأكثر بينما هو نال من الحياة ما يجعله في رجاءٍ دائم لمقابلة من ذهبوا . 
❈-❈-❈
بعد عدة أيام
في طريق عودتها إلى المنزل بعد أن سلمت العمل للدار واتفقت مع مديرها على نشر كتابها الأول . 
تجلس في سيارة بسمة التي تقود مبتسمة وسعيدة من أجلها لذا تحدثت وعينيها على الطريق : 
- لازم بقى نبدأ نعمل لها دعاية قوية ، القصة دي تستاهل فعلًا إنها تتشهر . 
تحدثت ديما بحرج من كرم بسمة الذي تراه زائدًا : 
- بسمة أنا عايزة أشكرك جدًا على كل حاجة عملتيها علشاني ، بس لو سمحتِ كفاية لحد كدة ، أنا هعمل الدعاية كلها ، بلاش تحرجيني أكتر من كدة . 
قطبت جبينها واستطردت معنفة بتعقل : 
- ايه ده يا ديما ؟ معقول بعد كل ده مش معتبراني صاحبتك المقربة ؟ وبعدين عايزة أفهم أنا عملت إيه علشانك ؟ قوليلي حاجة واحدة عملتها ؟ 
- كتير أوي يا بسمة أولهم الأستاذ وليد اللي كلمتيه يتولى قضيتي ، ودار النشر اللي كلمتيهم هما كمان ، ده غير وجودك ودعمك . 
نطقتها وملامح الحرج بادية على تقاسيمها لتجيبها بسمة بتوضيح صادق : 
- أولًا داغر هو اللي دفع أتعاب أستاذ وليد كلها وأنا بس وصلته بيه ، ثانيًا الدار إنتِ مكسب ليها مش العكس ، وهما فرحوا جدا بالتعاقد معاكِ بعد ما شافوا كتاباتك وحب الناس ليكِ خصوصًا برا مصر ، ثالثًا وجودي ودعمي أنا اللي عايزة أشكرك عليهم ، أنا ماعنديش أخوات يا ديما ولأول مرة أحس يعني إيه أخت معاكِ ومع دينا ، حتى طنط منال أنا بحبها جدًا وحقيقي أسعد وقت هو اللي بقضيه معاكم ، فياريت بلاش كلامك ده لإنه بجد بيزعلني وبيحسسني إني غريبة . 
نظرت لها ديما بعطفٍ وامتنان وأرادت عناقها ولكن المكان لم يسمح لذا عانقتها بنبرتها حينما أردفت بلمعان عينيها الفرحة : 
- شكرًا يا أجمل أخت . 
كانت جملة خرجت من قلب ديما واستقرت في قلب بسمة التي شعرت بها بكل وجدانها ، إنها بالفعل الأخت التي عوضها الله بها . 
❈-❈-❈
تجلس على الأريكة التي كانت تجلس عليها ديما ، تنظر لكل شيء وما زال الغيظ يغمرها حتى بعدما أتت والدتها لتقطن معها . 
كانت تقف تزيح الغبـ.ـار الذي تراكم على الأثاث وتنظر نحو ابنتها الشاردة لتردف موبخة بضيق : 
- مـ.ـا.تقومي يا بنتي تساعديني ضهري وجعني من التنضيف ، ماكنتيش عارفة تنزلي تنضفي الشقة قبل ما أجي ؟ 
حدجتها بنظرة مستنكرة وأردفت وهي تفرد نفسها على المقعد أكثر : 
- انضف إيه يا ماما إن شالله عنها ما نضفت ، وبعدين أنا حامل أساعدك إزاي يعني ؟ 
تمسكت السيدة بظهرها الذي يـ.ـؤ.لمها واستطردت بعتب : 
- وإيه يعني حامل ؟ دانتِ لسة عارفة إنك حامل امبـ.ـارح ، مانا كنت حامل فيكِ وكنت بشيل واحط . 
نهضت تصيح وتشير إلى رأسها بيدها : 
- بقولك إيه يا ماما حلي عن نفوخي ، أنا غلطانة إني نزلت ، وبعدين احمدي ربنا إنك هتقعدي معايا هنا من غير ما تدفعي إيجار ولا حد يخبط عليكِ كل أول شهر ، نضفي وانتِ ساكتة . 
زفرت والتفتت تغادر الشقة وتصعد شقتها متعهدة أمام نفسها أن تبدل أثاث شقتها بآخر يليق بها ويكون أفضل من أثاث ديما . 
❈-❈-❈
في الشركة الصينية . 
جلست دينا في مكتبها تباشر عملها قبل أن يأتيها اتصالًا من مديرها يطلب حضورها . 
نهضت تغادر لتردف فرح من خلفها موجهة حديثها إلى شريف الذي سلط عينيه عليها : 
- أنا حاسة إن فيه إن في الموضوع ده ، كل شوية يطلبها تروح له ، ليكون ـــــــــــ . 
قاطعتها مايسة تنهرها بغضب مخبأً أسفل نبرة هادئة معنية : 
- مايصحش الكلام ده أبدًا يا فرح ، دينا زميلتنا وإنتِ كنتِ لسة بتتكلمي معاها قبل ما تروح ، عيب وحـ.ـر.ام . 
مطت شفتيها بضيق من كلمـ.ـا.ت زميلتها وتمتمت بخفوت بكلمة لم يفهمها أحد وعادت تكمل عملها بينما شريف انشغل عقله بكلمـ.ـا.تها ، هو أيضًا يشك أن بين دينا ومديرها علاقة ولهذا يجب عليه التصرف . 
في الجهة الأخرى وصلت دينا المكتب وطرقت الباب فسمح لها لذا تحمحمت ودلفت تبتسم له وتتقدم مردفة بالصينية : 
- تفضل سيد لو تشو أسمعك ! 
رفع بصره يمعن النظر فيها ثم ابتسم يردف : 
- بعد قليل هناك اجتماع طارئ بيني وبين رجل أعمال سعودي ، استعدي للترجمة . 
تعجبت فهناك مترجمة خاصة بالاجتماعات لذا تساءلت بترقب : 
- وماذا عن الزميلة نهلة ؟ 
هز رأسه وأردف بثبات : 
- من الآن فصاعدًا أنتِ من ستحضرين اجتماعاتي وتقومين بالترجمة ، أنتِ من ستتولين أموري جميعها دينا . 
كانت نبرته تشير لشيء آخر ، شيءٍ لا تفهمه أو تخشى أن تفهمه فهي تلاحظ تحوله معها ولكنها تتعامل بجدية مطلقة ولهذا ابتسمت تجيبه بعملية : 
- حسنًا سيد لوتشو على الرحب والسعة ، سأذهب لأستعد . 
تحركت تغادر فأوقفها ينادي باسمها فالتفتت تطالعه بعيون متسائلة فوجدته يحدق بها لثوانٍ وترتها لذا ابتسم وأردف بهدوء : 
- في انتظارك . 
أطلقت تنهيدة مقيدة وأومأت تغادر وتحاول ألا تتأثر بأي مشاعر هنا ، هنا فقط العمل الذي سيجعلها تصل إلى أهدافها ، هي تسعى وتطمح لتثبت نفسها وتجمع المال الذي ستأمن به مستقبلها بعيدًا عن تسلطات الرجال المزعجة كما حدث مع والدتها وشقيقتها ، لن تخضع للحب والمشاعر بأي شكلٍ كان . 
❈-❈-❈
التحذيرات التي حذرها لها جعلتها في عين الاعتبـ.ـار وقد بدأت تتراجع عما كانت تفعله . 
ولاحظت رحمة ذلك جيدًا فيسرا لم تعد تزورها يوميًا وتتحدث معها بل تتعمد تجنبها لذا نهضت رحمة تخطو نحو شقتها بعدما قررت أن تعرف منها سبب التجاهل هذا ، هل أخطأت أم حدث شيئًا آخر خاصة وأن يسرا تقبلتها كما هي برغم خطيئتها ، ترى أتخبرها بالحقيقة ؟ ربما وثقت بها أكثر ، هي بحاجة أشخاص في حياتها كيسرا و .... زوجها . 
طرقت باب يسرا وانتظرت ففتحت لها الأخرى بعد ثوانٍ تطالعها بابتسامة هادئة متحدثة : 
- أهلًا يا رحمة تعالي ، إنتِ كويسة ؟ 
التمعت مقلتيها وهي تطيل النظر إليها قبل أن تتساءل : 
- إنتِ زعلانة مني في حاجة ؟ 
تـ.ـو.ترت نظرات يسرا خاصة حينما لمحت غيومها وأردفت موضحة بعاطفة : 
- لاء خالص هزعل منك ليه بس ، إنتِ كويسة ؟ 
هزت رأسها بلا تجيبها بنبرة متحشرجة : 
- لاء مش كويسة خالص ، أنا مخـ.ـنـ.ـوقة جدًا ، ممكن أتكلم معاكِ ؟ 
شعرت يسرا بالحرج فلا يمكنها أن ترفض وفي ذات الوقت أوشك دياب على العودة فوقفت مترددة تطالعها دون أن تجيبها لتفهم الأخرى لذا أومأت وبكت وهي تلتفت مستطردة : 
- معلش أسفة ع الإزعاج . 
تحركت خطوة لتغادر فلم تستطع يسرا أن تتركها خاصة وهي في هذه الحالة لذا مدت يدها تمنعها من إكمال خطواتها مردفة : 
- استني بس يا رحمة إزعاج إيه ! تعالي أدخلي يالا . 
يفترض أن ترفض ولكنها لم تستطع حيث تحركت معها داخل شقتها واتجهت تجلس على الأريكة وتفرك كفيها بتـ.ـو.تر وجلست يسرا قبالتها تستطرد بنبرة لطيفة : 
- يالا قولي مالك ؟ 
أمعنت النظر إليها وتساءلت مستفسرة : 
- هو إنتِ بتحاولي تبعدي عني ! 
عاد التـ.ـو.تر ينشب داخلها وتنهدت تجيبها بمراوغة : 
- هبعد عنك ليه بس ! كل مافي الأمر إن الحمد لله شهور الوحم والقلق عدت وإنتِ بقيتي زي الفل فقولت اهتم بدياب شوية ، الفترة اللي فاتت أنا قصرت معاه جدًا وهو بصراحة مش بيشتكي بس أنا بدأت أحس إنه زعلان . 
حاولت إخبـ.ـارها بطريقة غير مباشرة دون أن تذكر لها تحذيراته بالابتعاد عنها ولكنها وقعت في تحذيره الآخر وعادت تخبرها بشيءٍ عنهما . 
أومأت رحمة بتفهم وأردفت آسفة : 
- أيوة إنتِ معاكِ حق ، أنا فعلًا شغلتك جدًا معايا الفترة اللي فاتت ، بجد أسفة . 
نهضت تجبها بملامح بشوشة : 
- لاء يا قلبي خير ، قوليلي تشربي إيه ؟ 
أوقفتها بيدها تسترسل بعيون ثاقبة : 
- لاء اقعدي مش هشرب حاجة ، أنا عايزة أتكلم معاكِ . 
عادت يسرا تجلس حينما لمحت التصميم في عينيها فتنفست رحمة عاليًا ثم بدأت تسرد عليها ما حدث في الماضي : 
- إنتِ عارفة إني كنت بدرس في فرنسا ، وهناك اتعرفت على جوزي وهو لما عرف إني مصرية قرب مني جـ.ـا.مد وبقينا نتقابل كتير وبقيت أشوفه حواليا في كل مكان برغم إن هو كان أكبر مني ضعف عمري بس مكانش باين عليه ده ، كان وسيم جدًا وجنتل مان وعرف يخليني أحبه وأنا كنت بمر بفترة صعبة في حياتي وموت بابا كان مأثر عليا جدًا بس بردو اختلاف ديانتنا كان عائق كبير بالنسبالي لكن هو أكد لي إنه أقرب لديني من دينه وأنه قريب هيشهر ده بس طلب مني نتجوز جواز مدني . 
تعلم يسرا اختصار هذا الأمر من قبل ولكنها استمعت بإذعان والأخرى تتابع بخجل من فعلتها وحزنٍ يطفو على ملامحها : 
- في الأول رفضت طبعًا بس هو كان لحوح جدًا وكان معيشني في حالة غريبة جدًا ، كان بيجيب لي كل حاجة من غير ما اطلب ، حاجات كتير جدًا وهدايا كتير جبهالي لحد ما قبلت لكن كنت رافضة ده من جوايا وشايلة جدًا هم أهلي بس قلت بعد ما نتجوز ويشهر إسلامه هخليه ينزل مصر ويتكلم معاهم ، كنت غـ.ـبـ.ـية جدًا .
زفرت بحرارة وحزنٍ تتابع :
- وفعلًا أخدني واتجوزنا مدني ومن بعدها عيشني أجمل أيام حياتي بس كان بحذرني من إني أحمل منه ، بعد فترة بدأ يتغير وبدأت أخاف منه خصوصًا أني سمعته مرة بيتكلم عن مراهنات المصارعة وشغل مش مظبوط واتكلمت معاه وقلتله ينفذ وعده ويشهر إسلامه زي ما قال وننزل مصر لإن أهلي كان وصلهم خبر بجوازي وزعلوا جدًا مني . 
بنظرة بها كل معاني القهر استرسلت : 
- لحد ما حصل اللي عمري ماكنت أتخيله في يوم وأنا بتناقش معاه صوتي علي لقيته ضـ.ـر.بني ومن بعدها اتحول لشيطان ، كان مرعـ.ـب جدًا وهو بيقولي إنه اتجوزني لأهداف في دماغه مش لحب وكلام فارغ وإنه مستحيل يعلن إسلامه . 
شهقت يسرا بفزع فأومأت رحمة تتابع بعيون باكية ودمـ.ـو.ع منهمرة وهي تتذكر : 
- من بعدها عيشت أسوأ أيام عمري معاه ، كان حرفيًا بيعتدي عليا حتى في المشاعر ، استغلني بطريقة بشعة واتحول كل الحب اللي عيشهولي لكره لدرجة إني كنت هنتحر وحاولت أتكلم مع أخويا بس هو رفض تمامًا يسمعني وفعلًا يئست ومنعت الأكل وكنت في حالة بين الحياة والموت لحد ما لقيته بيقولي إنه حررني وإني خلاص مابقتش كارت مهم بالنسباله وإن أصلًا جوازنا مكانش جواز ، ده كان ترتيب منه وأوهمني بيه وإني لو عايزة أرجع مصر عايشة يبقى أنسى تمامًا إني شوفته ، ووافقت أرجع مصر وأنساه بس آخر حاجة كنت أتوقعها إني أطلع حامل ، أنا كنت باخد الأقراص بانتظام في الأول بس من وقت ما اتحول وأنا فعلًا مابقتش مركزة في أي حاجة ، والباقي إنتِ عارفاه . 
لم تستوعب يسرا كل ما سمعته ، الصدمة بادية على ملامحها بقوة ، لم تكن تتوقع أن الأمور معقدة بهذا الشكل لذا نطقت تحت وطأة صدمتها :
- أنا مش قادرة استوعب ، إيه كل الغلط ده ؟ 
انهمرت في بكاءٍ حاد ويسرا لم تعد تعلم ماذا تفعل بل دلفت في نوبة حيرة من استهتار الماثلة وأخطاءها المتكررة وتهيأت أمامها كلمـ.ـا.ت زوجها لتشك في حديثها برمته لذا تابعت موبخة بانزعاج :
- يعني أصلًا مافيش جواز ؟  أوهمك إزاي  ؟ 
لم تعد في حالة تسمح لها بالدفاع بل غطت وجهها بكفيها تبكي وبرغم عاطفة يسرا إلا أنها نهضت تستطرد بضيق حينما سمعت صوت زوجها :
- رحمة الأحسن تروحي دلوقتي على شقتك . 
نطقتها تزامنًا مع ظهور دياب الذي فتح الباب ودلف يتعجب من صوتها ومن تلك الجالسة تبكي وتنتحب لذا تحرك نحوهما يتساءل بقلق وهو يوزع نظراته بينهما :
- فيه إيه يا يسرا  ؟ 
زفرت بقوة تطالعه بعجزٍ وتخبره بعينيها أنه كان محقًا من البداية بينما نهضت رحمة تطالعه بعيونها الباكية وتردف بتـ.ـو.تر وحشرجة :
- أنا أسفة جدًا ، يسرا معاها حق .
التفتت إليها وأمسكت بكفيها تتابع ببكاء وضعف :
- أنا احتفظت بيه لإن ماليش حد ، قلت يمكن يعوضني ويكون هو عيلتي اللي خسرتها بغبائي ، صدقيني يا يسرا أنا ماكنتش ناوية أحتفظ بيه .
تمسكت يسرا بعقلها عاجزة عن الاستيعاب ووقف دياب يحاول فهم ما يدور لتبتلع رحمة لعابها وتتمسك بذراعها وأردفت بتشتت وانهيار :
- طيب أنا ممكن أنزله ! 
استيقظ وحش خامد داخل يسرا واتسعت مقلتيها تطالعها بذهول ، ستقـ.ـتـ.ـل جنينها الذي تجاوز عمره الأربعة أشهر ؟ 
هدرت بانفعال مبالغ : 
- تنزلي إيه ؟ إنتِ مـ.ـجـ.ـنو.نة ؟ 
حاول دياب تهدأتها حيث لمح الأخرى تنكمش خوفًا فقال يبعدها : 
- اهدي يا يسرا مش كدة . 
طالعته مستنكرة تجيبه : 
- كدة قـ.ـتـ.ـل يا دياب ، تنزله إزاي وبسهولة كدة ؟ مش ممكن . 
لم تستوعب رحمة أن هذه هي نفسها يسرا الهادئة الحنونة التي راعتها لمدة ثلاثة أشهر ، الآن هي في أشـ.ـد حالتها غضبًا ، تحولت هي الأخرى حينما تعلق الأمر بالجنين . 
لتجد دياب يحاول تهدأتها وضمها كي يهدأها مردفًا بنبرة لينة وهو يربت على ظهرها : 
- اهدي بس دلوقتي علشان خاطري ، اهدي وهنتكلم . 
نجح في امتصاص غضبها لتتنفس بقوة وتتعلق في عينيه تسترد منهما الهدوء والسلام لذا عادت إلى رحمة وقد اتضحت لها الرؤية الآن ، هذه الفتاة غريبة عنها ، لا تعني لها شيئًا ، لا هي ولا جنينها ، الخطأ هنا واقع عليها حينما صدقت أنها ستكون أمًا ثانية لهذا الجنين لذا ... 
ابتلعت لعابها وأمعنت النظر في زوجها الذي يقف يراقبها ثم عادت إلى رحمة وأردفت بهدوء صارم : 
- بصي أنا طبعًا ماليش أي حكم عليكي إنتِ كبيرة كفاية علشان تاخدي قراراتك ، ومن هنا ورايح اعتبريني جارة ليكي وبس . 
أدركت أنها خسرت يسرا أيضًا ، خسرتها كما خسرت أهلها وتوماس وستعود وحيدة منبوذة لذا سلطت عينيها على دياب الذي يصب اهتمامه على زوجته وبنظرة احتياج أردفت بوهن قبل أن تغادر : 
- تمام ، عن اذنكوا . 
تحركت تغادر وتعود لشقتها بخيبة تحت أنظاره وقلبه الذي رأف لحالتها بينما عقله يحاول تجنبها . 
انتبه على زوجته التي أمسكت به تلفه إليها وتردف بنظرات نادمة : 
- إنت كان معاك حق يا دياب ، البنت دي ماكنش ينفع أثق فيها أبدًا . 
تساءل بعينيه عن السبب قبل أن يردف : 
- انتوا اتكلمتوا في إيه بالضبط يا يسرا . 
زفرت بقوة وأمعنت النظر تردف : 
- هقولك ، بس سيبني الأول أحضر الغدا . 
تحركت بعدها نحو المطبخ لتحاول الانـ.ـد.ماج في أي شيء عدا التفكير في أمرها . 
❈-❈-❈
ليلًا وقف يتحدث مع صالح أمام ورشته التي أغلقها للتو وتساءل : 
- فكرت يا صالح في اللي قولتلك عليه إمبـ.ـارح ؟ 
شعر بالحرج يجيبه مستفسرًا : 
- طيب فهمني يا داغر إنت بتعمل هيك عشان ظروفي ولا فعلًا انتوا محتاجين حد زيي في المصنع ! 
نهره داغر يردف بنبرة تأكيدية : 
- يابني افهم بقى ، قولتلك إن المصنع أقسام منهم القسم اللي أنا مسؤول عنه وفيه غيره وأحنا محتاجين لقسم المعدات التقيلة مهندس كفؤ وأنا مش هلاقي أحسن ولا أأمن منك ، أنا كان ممكن أكلم آنسة بسمة بس قلت أرجعلك الأول ، وافق بقى يا صالح والورشة نبقى نفتحها أنا وانت بعد العصر . 
تجلت الفرحة على محياه وبات لا يعلم كيف يشكره ليدرك داغر ذلك لذا أسرع يوضح : 
- قبل ما تقول أي حاجة أنا مجرد سبب ربنا بعت لك رزق عن طريقه ، يعني بطّل الدراما بتاعتك دي . 
ابتسم صالح فأشرقت ملامحه وأومأ يجيبه بامتنان : 
- تسلم يا داغر . 
ودعه داغر وتحرك عائدًا إلى منزله وهو ينوي التحدث مع شقيقته عما يعتليه وليرى نصيحتها ، ربما دلته إلى شيءٍ لا يراه . 
كانت في هذا الوقت تتصفح الانستا الخاص بثائر وأخذها فضولها لتقرأ آخر منشورٍ له حيث أرفق صورة فتيات فرنسيات يضحكن وهن يتجولن في شوارع بـ.ـاريس ودوّن أسفلها 
( الوجوه هنا خالية من الهموم ، تعبر عن حياة وحرية وطاقة إيجابية ، هيأتهن تعبر عن انفتاح لن تجدوه في عوالم أخرى ، إنها بـ.ـاريس عاصمة الموضة ، إنها العشق ) 
نجح في استفزازها سلبيًا كما تنجح كتبه في إلهامها بكل ما هو إيجابيًا لذا دوّنت ساخرة بالعربية وعلى محياها ابتسامة تحدي عابر 
( ما بك أستاذ ثائر ؟! ألست من الرجال الذين يتساءلون لما عينيكِ بها حزن ! إذا فـ كيف ستتواعد مع إحداهن إن كانت ملامحها خالية من الهموم ، أخبرنا فمنك نستفيد ) 
أرسلته وهي تعلم أنه لن يراه بين هذا الكم من التعليقات ، لقد تضاعفت التعليقات على منشوراته بشكلٍ كثيف أثار انتباهها خلال الأشهر الماضية ، إنه يحظى بشعبية كبيرة وهذا يجعلها تشعر بالضيق من تصديره لمنشورات تلمع الغرب دونًا عن بلده . 
زفرت بقوة وانتبهت للطرقات على باب غرفتها لذا سمحت للطارق فدلف داغر يبتسم لها ويتساءل : 
- بتعملي إيه يا باش كاتبة ؟ 
ابتسمت تشير له بالجلوس قبالتها قائلة بحبور : 
- تعالى تعالى يا باش مهندس ، كويس إنك جيت تعترف بنفسك قبل ما آجي استجوبك ، يالا احكي . 
هكذا دلفت في صلب الموضوع فهي تلاحظ شروده وحيرته ولمعان عينيه كلما جاءت سيرة بسمة لذا مرت على رئتيه تنهيدة معبأة بالأحمال وازدرد ريقه يردف : 
- هحكيلك وانتِ ساعديني ألاقي حل ، بس قبلها حطي نفسك مكاني . 
أومأت بتفهم فبدأ يسرد عليها ما يحدث معه بعدما ولته كامل انتباهها . 
❈-❈-❈
في طريق خالٍ محاط بغابة يقود سيارته وتجاوره مارتينا التي لا تعلم أين تذهب ، أخبرها فقط أنه يعد لها مفاجأة وجاء بها إلى هنا ولم تستطع الرفض . 
كانت تشعر بالغدر يحوم حوله لذا تأهبت تطالعه بين الفينة والأخرى وهو يقود بصمت قطعته بسؤالها : 
- ألن تخبرني ما هي المفاجأة توماس ؟ 
لم يتفوه ببنت شفة بل استمر في قيادته حتى توقف أمام كوخ في وسط هذه الغابة ، التفت لها يبتسم ابتسامة لم تصل لعينيه الماكرتين وأردف بهدوء مخيف : 
- هيا مارتينا انزلي . 
تـ.ـو.ترت ولكنها ترجلت معه واتجها نحو الكوخ ودلفا فأسرع يلفها إليه ويقبلها بعنف لم تعتد عليه منه ولكنها تقبلته قبل أن يبعدها عنه ويتجه إلى مقعدٍ ما يجلس عليه ويضع ساقًا فوق أخرى مردفًا وهو يمعن النظر فيها : 
- هيا أيتها الساحرة اخلعي ثيابك ببطء و أخبريني كيف خنتيني وكذبتي علي . 
قطبت جبينها وتساءلت بتـ.ـو.تر : 
- ماذا ؟ أي خيانة توماس ؟ أنا لم أخنك . 
ضحك بشر ودس يده في خصره يخرج سلاحه ويشهره أمامها مردفًا بنبرة قاسية : 
- بل فعلتِ وكذبتِ ، أخبرتي ذلك الثائر عن أسراري وقلتِ بأنكِ لم تفعلي ، هل كنتِ تستغليني ؟ 
برغم خوفها الذي هجم عليها إلا أنها وقفت في مواجهته تردف باستنكار وبراعة تمثيلية : 
- ماذا ؟ من قال لك هذا توماس ؟ أتتهمني بالخيانة وأنا التي جئت إليك برغبتي بعدما وقعت في حبك ؟ تحديت أبي وابني وذلك الثائر الذي كان يتلهف ليسلطني عليك ولم يفلح فقط لأني أحببتك وأنت تتهمني بالخيانة ؟! 
نطقت الأخيرة بدمـ.ـو.عٍ وهي تتقدم منه وللعجب نجحت في التأثير عليه لذا أنزل سلاحه وتساءل وهو يراها تقترب منه : 
- كيف حاول أن يسلطكِ ؟ أخبريني كل شيء ، والأهم أخبريني ماذا قولتِ له آنذاك . 
أومأت وقد وصلت إليه ثم جلست على ساقه تتعمق في عينيه ورفعت كفيها تحاوط وجهه وانحنت تطبع قبلة ناعمة على شفتيه فاستقبلها بجمود لم يدم طويلًا حتى أعلن استسلامه أمام سطوة إغواءها فابتعدت إنشًا تهمس : 
- سأخبرك كل شيء ولكني أشتاق إليك بشـ.ـدة . 
همسها وحركاتها وتلويها جعلوه يقع في فخها لذا ارتخت يده من فوق السلاح الذي تركه على الطاولة جواره ورفعها يحاوط خصرها ليبادلها الحب ولكنها انتفضت فجأة تبتعد وقد استولت على سلاحه تبتسم بتشفي وتتلوى بمكر وهي تشهره أمام عينيه الجاحظة وتردف : 
- هل صدقت توماس ؟ هل صدقت أنني أحبك ؟ 
تجلى الغضب فوق ملامحه خاصةً من نفسه ونطق من بين أسنانه محذرًا : 
- مارتينا ناوليني السلاح وإلا ــــــــ
- وإلا ماذا توماس ؟ 
نطقتها بتلاعب ثم تابعت توضح تحت التهديد : 
- أنا فقط كنت أنتظر هذه اللحظة التي أسرعت أنت بترتيبها ، منذ أن أرسلت كلابك إلى ثائر وأصابوه وأنا أسعى للانتقام منك ، ونعم لقد أفشيت له جُل أسرارك الحقيرة أيها الحقير . 
تأججت النيران داخله ولم يعد يستطيع السكون لذا نهض يندفع نحوها فلم تتردد في إطـ.ـلا.ق النار عليه بطلقة استهدفت صدره وأسقطته صريعًا تحت أنظارها الجاحظة . 
وقفت تطالعه بصدمة ولا تصدق أنها قـ.ـتـ.ـلته ، لقد فعلتها أخيرًا . 
ابتسمت ثم عبست وتحركت تغادر دون الالتفاف خلفها .
وماذا لو التقينا
وأشرقت الشمس 
على غير العادة
وتألّقتِ النجمـ.ـا.ت... 
على غير العادة 
ماذا لو التقينا فجأة
على غير العادة
ماذا لو في اللقاء
فر النبض منك إليَّ
و مني إليك ...... 
ماذا لو التقينا.... 
ماذا لو تعانقنا...
وانتهى اللقاءُ.... 
بوعد باللقاءِ...
( بقلم فيروزة  ) 
❈-❈-❈
بعد ثلاثة شهور أخرى 
ها هو حلمها يركض على هيئة كتب وحفيف الأوراق يطرب الآذان أثناء تمريرها على شريط آلة الطباعة  . 
يتم نسخ الطبعة الثالثة لكتابها الأول  ( رحلة قائدها الأمل  )  بعد أن تم بيع الطبعتين الأولى والثانية في وقت قياسي . 
وأخيرًا احتضنها الحظ وربتت على خاطرها السعادة  ، سعيدة بأول إنجاز حقتته لنفسها  ، راضية تمامًا عما كتبته في كتابها  .
ولم تنكر مساعدات بسمة لها حيث أنها تكفلت بالإعلانات رغمًا عن ديما التي رفضت  . 
نُشِر كتابها في مصر والدول العربية ونال إعجاب الكثير من السيدات خاصةً وأن القصة المسرودة بداخله لمست قلوبهن ومشاعرهن وتساءلن كيف لكاتبة أن تتقن براعة وصف إحساسهن الذي يعشْنه  ؟ 
طالبوا برؤيتها لذا قررت الدار عقد ندوة ودعوتها لحضورها مع غيرها من الكُتاب ولكنها كانت الأبرز من بينهم  . 
تجاور شقيقها الذي يقود بسعادة وكأنها ابنته التي يأخذها لحفل تخرجها  ،  سعيدٌ لما وصلت إليه  ،  يشعر بالفخر بها ولها  . 
التفت يحدق بها حينما وجدها شاردة تفرك كفيها بتـ.ـو.تر فسألها وهو يعاود النظر للطريق  : 
- إيه يا دمدومة متـ.ـو.ترة ليه كدة  ؟  أنا معاكي أهو  ،  وبعدين هنحضر الندوة وتقولي كلمتك وخلاص كدة  ،  عايزك تكوني واثقة من نفسك وراسك مرفوعة لفوق  . 
زفرت بقوة والتفتت تطالعه بابتسامتها وتجيبه بتـ.ـو.ترٍ  : 
- أنا فعلًا متـ.ـو.ترة أوي يا داغر  ،  خايفة لساني يتعوج واغلط في الكلام  ،  أكيد كلهم هنا كُتاب مشهورين وحضروا ندوات ومعارض كتير ومتعودين على الظهور على المسرح بس أنا لاء  . 
أردف بثقة مغلفة بالتشجيع يؤكد : 
- بس أنا بقى واثق إنك هتقدري تقولي كلمتك زي ما قدرتي تسردي حكايتك بالطريقة اللي أبهرت الناس كلها  ،  يابنتي إنتِ مش شايفة اللي قصتك عملته  ؟  دي قالبة الدنيا حرفيًا  ،  وخليتي واحد زيي مش بيحب يقرأ قرأها وأعجب بيها جدًا وكان نفسي أدخل آخد البطلة في حـ.ـضـ.ـني  . 
ضحكت برضا وقالت بعدما انقشع تـ.ـو.ترها من تحفيزه  : 
- هو أي حـ.ـضـ.ـن والسلام  ؟  
أومأ يستطرد بمرح  : 
- ياستي سبيني أتخيل  ،  يعني هيبقى لا واقع ولا خيال  ! 
التفتت تحدق به وتساءلت بخبث مقنّع  : 
- طب ما نخليه واقع يا داغر  ؟  مش كفاية عزوبية كدة وتخطب بقى  ؟ 
ابتلع لعابه وقطب جبينه يردف بادعاء استعطافي  : 
- أخطب إيه بس يا ديما  ؟  مين دي اللي تقبل بواحد زيي  . 
- بسمة  . 
نطقتها بدون أي مقدمـ.ـا.ت وبنظرات ثاقبة نحوه اخترقت دهشته حينما التفت لها فرفعت حاجبيها وحدقت به تستطرد باستطلاع  : 
- مـ.ـا.تلفش وتدور عليا علشان أنا فاهماك كويس  ،  إنت معجب ببسمة  . 
عاد ينظر أمامه ويزفر بقوة ثم صمت لهنيهة لتسترسل هي  : 
- مش بتصارحها ليه يا داغر  ؟  قلقان من إيه  ؟ 
كيف يصارحها بشيء لم يتقبله بعد  ؟  كيف له أن يتجاوز الفروقات والطبقات بينهما  ؟  ماذا إن رفضته لأسبابٍ يدركها ويعلم أنها غير متكافئة  ؟ 
أردف بملامح بـ.ـاردة بعدما دخل قوقعة الكتمان  : 
- شكلك كدة انـ.ـد.مجتي في الروايات يا ديما  ،  بسمة إيه بس يابنتي دي واحدة أكبر مني وكمان غنية وانا عندي فوبيا من الفلوس وانتِ عارفة  ،  أنا باخدها باليمين بصرفها بالشمال يا ديما المهم اللي حواليا يكونوا مبسوطين  . 
صمت يترقب ردة فعلها على كلمـ.ـا.ته ولكنه خشي أن يلتفت لها كي لا تكذبه عيناه لذا ظل يقود  ليجدها صامتة تنتظر هي ردة فعله حيث أنها تعلمه جيدًا لذا استرسل يخفي سره   : 
- أنا عايز واحدة بنت حلال وحنينة وبتضحك علطول زيك كدة وتكون اصغر مني بكام سنة تدلعني وادلعها وتكون من مستوايا يا ديما  ،  أنا مش عايز واحدة تيجي في يوم تتكبر عليا أو تقولي إنت وانت  ،  مش هتحمل أنا الحوارات دي  . 
كلمـ.ـا.ته واقعية تميل إلى المنطق لذا استسلمت لها ولكنها تدرك جيدًا أن وراء جبل هذه الكلمـ.ـا.ت مدينة مشاعر خضراء لم يكتشفها أحد بعد ، لم يعترف لها آنذاك حينما كاد أن يعترف بل أنه سرد لها قصة عائلتها وخاصة ماجد الذي لم يرتح له لكنه أبقى مشاعره طي الكتمان  . 
زفرت بقوة وأردفت داعية  : 
- ربنا يرزقك بالزوجة اللي يختارها قلبك يا داغر  ،  إنت تستاهل أحسن واحدة في الدنيا كلها  ،  ده كفاية حنيتك علينا  . 
توقف أمام المكان المنشود وأردف وهو يستعد للنزول  : 
- طب يالا علشان وصلنا   . 
❈-❈-❈
صافرات الأجهزة نبهت من في الجوار على استيقاظ المريـ.ـض الذي دامت غيبوبته لأشهر  . 
غادرت وتركته غارقًا في دمائه وبصعوبة بالغة استطاع طلب الإسعاف قبل أن يفقد الوعي ولكن تطلب وصول الإسعاف إليه وقتًا طويلًا لذا فكان على وشك الموت وبرغم أنهم أسعفوه في اللحظات الأخيرة إلا أنه لم يستيقظ ودلف في غيبوبة طويلة  . 
نظر حوله بعيون واهنة وملامح ذابلة وجسدٍ هزيل ليأتيه الطبيب ويفحصه بعناية تحت أنظاره وعقله الذي يحاول الاستيعاب ليتحدث الطبيب بابتسامة قائلًا  : 
- هيا يا رجل لقد نمت كثيرًا  . 
ازدرد لعابه وأسبل جفنيه يهس بنبرة واهنة  : 
- منذ متى وأنا هنا  ؟ 
تنهد الطبيب وأجابه  : 
- منذ ثلاثة  شهور  ،  إصابتك كانت خطيرة وبصعوبة استطعنا إنقاذك  ،  هل تتذكر شيئًا   ؟ 
صمت لبرهة يستعيد عقله ما حدث ليمر من أمامه كل شيء  ، لم ينسَ أي تفصيلة حتى في غيبوبته وكأن عقله كان ينتظر العودة لينتقم لذا هز رأسه ببطء يردف بنبرة متعودة   : 
- نعم  ،  مارتينا ارتوا  ،  هي الفاعلة  . 
حدجه الطبيب بنظرة متفحصة لثوانٍ ثم أشار إلى الممرضة التي تجاوره وقال  : 
- أبلغي الشرطة في الحال  . 
أسرعت الممرضة تفعل مثلما قال  ،  منذ إصابته والشرطة تتحرى عن الفاعل ولم تصل لشيء حتى تسجيلات الكاميرات لم تجدها في ذلك المنزل  ،  الفاعل ليس سارق وسلاح الجريمة ليس له وجود لذا فكان عليهم انتظاره ليستيقظ  . 
وها هو يفعل  ،  يعلم جيدًا نفوذ صديقه لذا أخفى تسجيلات الكاميرات بعيدًا ليتحكم بها خاصةً حينما ظن أنه سيتخلص منها آنذاك  . 
❈-❈-❈
يجلس في مكتبه يتابع بعض تفاصيل النشر الجديدة  . 
هالة الغموض والهيبة التي تحيطه تجعله محط أنظار حتى لأولئك اللاتي تعملن معه ولكنهن تبتعدن عنه حيطةً من جنون مارتينا الذي وصل إليهن عن طريق الأقاويل المتناقلة  . 
رن هاتف مكتبه فالتقطه دون أن يحيد بأنظاره عن عمله يجيب  : 
-  ألو  ؟ 
جاءه الرد بنبرة رصينة متقنة للفرنسية ولكن ناطقها عربي حيث قال  : 
- مرحبًا سيد ثائر  ،  معك حُسين من دولة الإمارات  ،  هل يمكنني استعارة وقتك لثوانٍ  ؟ 
ولاه انتباهه وترك ما في يده يلتفت بمقعده ويردف بترقب  : 
- أسمعك   ،  تفضل  . 
أجابه حسين بنبرة رسمية  : 
- تعلم أن مؤتمر الشارقة الأدبي للقراءة سيقام بعد أسبوع ويشرفنا حضورك كثيرًا وهذا بناءً على طلب القراء  ،  سيكون من دواعي سرورنا قبول الدعوة لتسرد للشباب قليلًا من خبراتك في مجال الأدب . 
شرد يفكر لبرهة من الوقت  ،  لا يجب أن يأخذ قرارًا كهذا دون اتخاذ الحيطة  ،  ثوانٍ مرت حتى ظن المتصل أنه لن يجيبه لذا عاد يتساءل بتـ.ـو.تر  : 
- سيد ثائر هل أنت معي ؟ 
- نعم معك  . 
زفر بقوة ثم استرسل برصانة  : 
- حسنًا دعني أفكر في الأمر وسأبلغك قراري  . 
- حسنًا كما تريد ولكن نتمنى حضورك  ،  وسأنتظر اتصالك بالتأكيد  . 
أغلق ثائر معه وعاد إلى عمله وبدأ يفكر في الأمر  ،  منذ اثنا عشر عامًا لم يغادر حدود فرنسا قط  ،  يتجول في مدنها ولكنه لا يستطيع مغادرتها  ،  فهل يمكنه السفر إلى الإمارات  ؟ 
حن للأمر سريعًا وتمنى لو أنه حضر ذلك المؤتمر ولتجمعه صدفة مع شقيقه ، أي صدفة . 
❈-❈-❈
بعد أن أخبرته يسرا بمَ حدث مع تلك الفتاة وهما يلتزمان حدودهما ولكنهما عاطفيان للدرجة التي جعلتهما يساعدانها خاصة وأنها دلفت في شهرها الثامن واشتد الحمل عليها  . 
لترضخ يسرا لنداء قلبها وتقرر مساعدتها مع أخذ الحيطة ووافقها دياب في ذلك . 
وها هي تساندها بعدما عادتا من عند الطبيب الذي طلب منها الراحة التامة خلال هذين الشهرين  . 
أدخلتها شقتها واتجهت تجلسها لتزفر رحمة بقوة ولم تعد تستطيع التحمل لذا بكت من شـ.ـدة الألم ورفعت نظرها إلى يسرا التي تطالعها بقلة حيلة لتردف  : 
- مش قادرة يا يسرا  ،  حاسة إني هموت  . 
جلست قبالتها وحاولت طمأنتها ومدت يدها تمسك بكفها قائلة بنبرة تبث فيها الأمل  : 
- وحدي الله بس يا رحمة وبلاش الكلام السلبي ده  ،  كل ده بسبب تعب الحمل وبإذن الله أول ما تولدي هترتاحي  . 
تنفست بعمق وحاولت التمدد قليلًا لتنهض يسرا وتنظر في ساعتها حيث قارب دياب على العودة لذا استطردت : 
- خليني أعملك حاجة تاكليها وأروّح علشان دياب قرب يرجع  . 
أومأت لها فتحركت نحو المطبخ لتحضر لها طعامًا سريعًا وتمددت الأخرى على الأريكة تستدعي الراحة ولم تفكر في شيء سوى حالتها  . 
ربما التعب تولى سيطرته على أفكارها لذا قررت أن تلد وترى ماذا ستفعل في حياتها البائسة هذه  . 
❈-❈-❈
جلست ليلًا في غرفتها تستعيد ذكرى صباح اليوم وكيف وقفت بين المعجبات والكتّاب تحاول مواكبة حديثهم بابتسامتها الودودة  . 
تتذكر كلمتها التي ألقتها أمامهم ولولا وجود داغر وتشجيعه لكانت تلعثمت بكل تأكيد  ،  كانت شاردة تملس على خصلات صغيرتها التي قررت النوم في حـ.ـضـ.ـنها الليلة  . 
في يدها الأخرى كتابًا تقرأه وبالطبع كان عن كاتبها المفضل والبغيض في آنٍ واحد  (ثائر ذو الفقار  ) لدرجة أنها ظنت أنهما شخصان ولا يمكن أن يكون  شخصًا واحدًا  . 
حينما تقرأ كتبه يلمس روحها ليكون مفضلها وحينما ترى منشوراته تبغضه ليكون عدوها  . 
انتبهت لصوت رسالة عبر الهاتف فأغلقت الكتاب تضعه جانبًا وهي تبتسم ثم استلت هاتفها تنظر إليه وقد صدق حدسها حينما وجدتها ليان تلك الصديقة الخليجية   . 
كانت مكالمة مرئية حيث اعتادت محادثتها  بعد أن توطدت علاقتهما كثيرًا في الآونة الأخيرة واستطاعت ليان أن تحتل قلب ديما بعفويتها وجمال روحها وتعهدت بأن تزور مصر في أقرب وقت لتراها  . 
ضغطت ديما تبتسم لها وتجيبها بهدوء حتى لا يستيقظ صغيراها  : 
- إيه اللي مصحيكي دلوقتي يا لينو  ؟ 
كانت نظرات الحيرة والترقب والقلق مرتسمة جميعها على تقاسيم وجه ليان لتنكمش ملامح ديما على أثرها وتتساءل بريبة  : 
- فيه إيه يا ليان مالك  ؟  طنط كويسة  ؟ 
أومأت لها بملامح قلقة لتنطق بحذر اختلط بالسعادة  : 
- ديما أنا سويت شي  ،  بس أعطيني الأمان  . 
- عملتي إيه يا ليان  ،  قولي  ؟ 
نطقتها ديما وقد تعالت أنفاسها لتنطق ليان بسعادة لم تستطع حجبها  : 
- إنتِ لازم تيجين الإمارت كمان أسبوع  . 
- نعم  ؟  آجي الإمارات ازاي  ؟ 
سألتها ديما بصدمة فازدرت ريقها واسترسلت موضحة  : 
- طبعا ت عـ.ـر.فين إن أخو زوجي أُهو المنظم لمؤتمر الشارقة الأدبي  ،  وإنتِ رفضتي أقدمج لُهم بس أنا قدمت اسمج في ترشيحات القراء واشتريت روايتج وعطيتها لاخو زوجي يشوفها ويقيمها بنفسه وبصراحة أهو طلب مني اتواصل معاج وابلغج انج مدعوة  للمؤتمر خصوصًا إنج أخدتي المركز الخمسة وعشرين بتصويت القراء من ضمن أفضل 50 كاتب عربي للعام ،  هم كانوا راح يكلمونج بس أنا طلبت منه أكلمج بنفسي واشرحلج اللي صار علشان لا تزعلين مني  . 
نظرت لها ببلاهة كأنها لم تسمع ما قالته وأردفت بعدم استيعاب  : 
- مافهمتش حاجة  ؟  يعني إيه  ؟ 
صاحت ليان بجدية وقد تخلت عن حذرها  : 
- أقولج إنج لازم بعد أسبوع تكونين هني في الشارجة يا ديما  ،  يعني يا دوب تحضرين نفسج  . 
- مستحيل  ،  مستحيل يا ليان ماينفعش خالص  ،  إمارات إيه بس مش هعرف  ،  أولادي واخويا و  ...  حاجات كتير أوي  ،  لاء مش هعرف خالص  . 
زفرت ليان بانزعاج منها واستطردت بتروٍ  : 
- يا ديما يا حبيبتي الله يهديج  ،  الموضوع كله أسبوع وبس  ،  ماكو حتى رفاهية إنج تقعدين وياي لحين ينتهي المعرض ،  راح تيجين تحضرين المؤتمر واليوم الثاني حفلة توقيع لقرائج والباقي لي بروحي  ،  أبغى أدور وياج الإمارات إمارة إمارة  ،  بالله انج توافقين  . 
نظرت لصغيريها ثم عادت تنظر إلى ليان المـ.ـجـ.ـنو.نة وتفكر كيف يمكنها أن تقبل بهذا الأمر ولكن  ...  هذه فرصة لن تعوض  ،  هي لم تكن تتوقع أن يغمرها ربها بهذا الكم من الكرم والعطاء  . 
ستذهب ليكرموها وتتوسع دائرة قراءها بشكلٍ أكبر  ،  فرصة لا تحدث مع غيرها بنسبة 1٪ حتى لذا  ...  أخذت نفسًا قويًا وعادت تنظر إلي ليان وتزدرد ريقها لتحاول ليان إقناعها بطريقة أخرى خاصة وأنها تدرك أحلامها وطموحاتها  : 
- ديما هذي فرصة ممتازة  ،  الأولاد اتكلمي معاهم وأكيد خالة منال راح تاخذ بالها منهم  ،  ثلاث أيام بس يا ديما ، قصتج تستاهل وايد وإنتِ خابرة إنها أثرت فيا وذكرتني بوجع أمي ،  وبعدين فيه بعد جايزة مالية تقدرين تبدئين فيها مشوارج اللي قولتي عليه  ،  يالا ديما قولي إيه  . 
ها هي المغريات تتراقص أمامها  ،  شهرة وجائزة وحب أناس بدون سعيٍ منها لذا تنهدت بعمق ثم أردفت بحيرة ممتزجة بالسرور : 
- طيب خليني اتكلم مع ماما وداغر يا ليان وبعدين هكلمك  . 
أومأت لها مسترسلة  : 
- تمام كلميهم وأنا متأكدة إنهم ما راح يعترضون  . 
❈-❈-❈
 من قبل كان يعاني كمن آلمه ضرسه فقرر أن يلكمه ويسقطه بدلًا من إصلاحه ظن أنه سيزرع مكانه آخرًا يحقق له المعادلة الكاملة ولكن ما حدث معه كان العكس فالألم الذي نتج عن أفعاله لم يكن يتوقعه بل أنه انتشر في محيطه بالكامل وأصبح الكمال الذي يتمناه هو كمال معاكس  . 
إهانة وتسلط وتبجح جعلوه يشعر بأنه لا شيء  ،  وكلما حاول كسب سلطته هاجت وصاحت هادمة فوق رأسه أي سلطة خاصةً بعدما حملت وأتقنت دور المدللة بل أنها تنتشل الدلال بالقوة ولم يستطع الاعتراض . 
جلست على المائدة تفرد ظهرها شاعرةً بالتخمة بعدما تناولت وجبتها الدسمة ونهض يجمع الأطباق ويتجه بها نحو المطبخ بنزق وتأفأف لا يلفظه أمامها  ،  يقنع نفسه أنها ستلد ويعود كل شيء لمجراه  ،  هو فقط يساعدها قليلًا وهذا أمرٌ يعتبره جيدًا أو يقنع نفسه بذلك  . 
عادت ديما تحتل عقله  ،  لقد رأى نجاحها وشهرتها وحديث الناس عنها وهذا يشعله أكثر وأكثر   ،  حصلت على أشياءٍ لا تستحقها  ،  هو من يستحق الخير وليس هي  ،  هو الضحية هنا فكيف تنقلب الأمور  ؟ ليلازمه سؤالاً يتكرر دومًا على عقله  ،  هل كان عليه اختيار زوجة أفضل  ؟ ربما معاناته مع ديما جعلت عقله يسارع في البحث ليتعثر في زينة وها هو يجني نتيجة تسرعه أما هي فمن المؤكد تنتظرها أيام الانتقام ، يجب أن تعاني من بعده لتدرك أنه كان نعمة في حياتها وسينتظر هذه المعاناة عما قريب  . 
❈-❈-❈
استيقظت باكرًا لتتحدث مع شقيقها قبل ذهابه لعمله  ،  طوال ليلها تفكر في العرض الذي تحدث عنه ليان من قبل ولكنها ظنته حلمًا صعب المنال حتى أنها أخبرت داغر بذلك والآن بعدما أصبح حقيقة باتت متلهفة عليه لذا تحمست لمعرفة رأي داغر ومنال  . 
جلست بينهما وأردفت بترقب وابتهاج   : 
- ليان صاحبتي اتكلمت معايا بليل وقالت إن جالي دعوة لحضور مؤتمر الشارقة الأدبي وده طبعًا لإن أخو جوزها هو اللي بينظمه  ،  وطلبت مني أسافر الإمارات خلال أسبوع أحضر المؤتمر وارجع علطول  ،  السفر هيكون كام يوم بس  . 
السعادة التي تفشت على ملامحهما جعلتها تتنفس بـ.ـارتياح وتسكنها البهجة ليتحدث داغر بفرحة وقلقٍ ممتزجان  : 
- بسم الله ماشاء الله  ،  أنا فخور بيكِ جدًا وعارف إنك تستاهلي كل حاجة حلوة في الدنيا  ،  بس موضوع السفر ده جه فاجأة كدة  ، هتسافري إزاي  ؟ 
نظر لوالدته كأنه يسألها لتبتسم له بسعادة وتجيبه بسرور  : 
- هتدبر  ،  تسافر وإيه يعني ده السفر للإمارات بقى أسهل من شرم دلوقتي  . 
التفتت تنظر لابنتها واسترسلت بابتهاج : 
- سافري يا حبيبتي واحضري المؤتمر وحققي أحلامك كلها  ،  اوعي تضيعي أي فرصة تجيلك   ،  ربنا يقدملك كل السعادة اللي في الدنيا  . 
ابتسامة سطعت منها ثم نهضت تخطو نحو والدتها وتعانقها بقوة لتبادلها الأولى بحنانٍ بالغ وسعادة جعلت داغر يردف بمرح مبطن بالجبر : 
- اللا لا لا لا لا لا  ،  دانا اتركنت ع الرف بقى  . 
ابتعدت ديما تضحك واتجهت تعانقه فوقف يبادلها بل حملها لترتفع قدميها فضحكت أكثر قائلة بحرج  : 
- لا يا داغر نزلني تقيلة عليك  . 
أنزلها بالفعل وأردف بنبرة استفزازية محاطة بالسعادة  : 
- أيوة فعلا تقيلة وأنا صحتي على أدي  . 
لكمته بخفة فابتسم وتنهد بـ.ـارتياح ثم استرسل بجدية  : 
- طيب لو كدة بقى البسي وتعالي معايا نجهز أوراق السفر  ،  الوقت قليل  . 
نظرت لوالدتها التي أومأت لها ولكنها عبست تردف بحيرة   : 
- والولاد  ؟ 
تحدثت منال مطمئنة  : 
- الولاد معانا طبعًا  ،  هتقلقي عليهم معايا ولا إيه  ؟  
هزت رأسها بلا وزفرت بعمق وعادت تفكر كيف ستتركهما لينتشلها داغر من تساؤلاتها  : 
- روحي بس البسي يالا يا ديما مافيش وقت  . 
أطاعته وتحركت تبدل ثيابها لتبدأ في إجراءات السفر 
❈-❈-❈
استيقظت على نداء والدها المتكرر حيث ينتظرها في الخارج أفراد من الشرطة الذين أتوا للقبض عليها بعدما تبين لهم أنها من حاولت قـ.ـتـ.ـل توماس أور ليان وظهر ذلك من خلال تسجيلات الكاميرات التي قدمها المدعي بعدما أخبر أحد رجاله أن يحضرها  .
نهضت بفزع حينما أخبرها والدها بوجودهم في الأسفل لتصيح بتبجح  :
- أي شرطة  ؟ هل جُنّ هؤلاء ؟ أنا لم أقـ.ـتـ.ـل أحدًا   .
كشر عن أنيابه وهو يقبض على معصمها ويردف بغضب عاصف  : 
- أيتها الغـ.ـبـ.ـية  ،  لمَ لم تخبريني أنكِ من فعلتيها  ؟  ماذا سأفعل الآن  ؟  
حاولت نزع يدها من قبضته وتلوت تردف باندفاع  : 
- أترك يدي  ،  أنا لم أفعل شيئًا  َ. 
ترك يدها ونفس عن غضبه واستطرد بغيظ من تهورها الدائم  : 
- حسنًا  ،  أبدلي ثيابكِ ولنذهب ونرى ماذا لديهم  . 
تحرك يغادر وتركها تقف تطالع أثره بغضب وقلق مما يحدث  ،  لقد ظنت أنها فعلتها وستنجو خاصةً بعدما أخفت السلاح ودلف في غيبوبة لم تتوقع أن يستيقظ منها ولكن يبدو أن ذلك التوماس بسبع أرواح وعاد لينتقم وسينكشف أمرها معه للعلن ولثائر . 
❈-❈-❈
مر الأسبوع في تجهيزات الأوراق الخاصة بها وها هي تقف على أعتاب المطار تودع داغر ودينا اللذان أتيا لتوصيلها بينما صغارها في المنزل مع منال التي ظلت تطمئنها عليهما طوال الأسبوع   . 
اتجهت تؤدي الإجراءات ثم جلست تنتظر موعد الطائرة ونبضات قلبها تعزف لحنًا من السعادة التي ودت لو يسمعها كل من في المطار  . 
حتى هذه اللحظة لا تستوعب كم الكرم الذي تتنعم به لدرجة جعلتها تخاف وتخشى من القادم لتعود سريعًا وتتسلح بالأمل والتفاؤل  . 
❈-❈-❈
في الإمارات كان قد وصل ثائر الذي قرر الذهاب خاصةً بعد القبض على مارتينا  . 
خرج من المطار حيث كان في استقباله حسين وشابان آخران يرحبان به بحفاوة بالغة ليردف الأول بترقب  : 
- شكرًا لحضورك أستاذ ثائر  ، الحين راح نروح الفندق وباجر إن شاء الله راح يبدأ المؤتمر الساعة تسعة  ، تحب كلمتك تكون الافتتاحية ولا في الختام  ؟
تحدث بثباتٍ وهيبة  :
- أفضلها الختامية  . 
استقل ثائر السيارة وجاوره حسين والشابان في الأمام ليسترسل موضحًا برصانة  : 
-  لنعطي الأولوية للمواهب الجديدة  . 
أومأ حسين يردف بطاعة  : 
- حسنًا  ،  كما تريد  . 
❈-❈-❈
منذ أسبوع يحاول والدها إخراجها بشتى الطرق ولكن باءت جميع محاولاته بالفشل  ،  حيث أن دليل توماس كان قويًا جدًا مما لم يترك مجالًا للشك لذا كان عليه أن يرضخ للقانون  . 
جلس حزينًا على ابنته  ،  لأول مرة يكون عاجزًا عن إنقاذها لذا صب اهتمامه على حفيده معاذ بعدما أوصاه ثائر عليه حيث أخبره بدعوته لحضور ذلك المؤتمر  . 
وبرغم كرهه لثائر إلا أنه يحب حفيده كثيرًا لذا قرر أن ينشغل معه إلى أن يجد حلًا أو يساوم توماس ليتنازل  . 
وبالفعل حاول الوصول إليه ولكن الآخر تسلح برجاله ولم يسمح لأحدٍ أن يساومه على شيء  ،  يكفيه أنه لن يقـ.ـتـ.ـلها بل سيجعلها تتحسر على حياتها وهي في السجن  . 
❈-❈-❈
بعد ساعات وصلت ديما إلى المطار حيث استقبلتها ليان تشير لها بتفاعل حماسي وصل لذروته لذا أسرعت نحوها تحتضنها ولم تبالِ بزوجها الذي يقهقه عليها  . 
بادلتها ديما العناق ورحبت بها وتحركتا سويًا نحو زوجها الذي رحب بوقار ثم اتجهت معهما تستقل سيارتهما  . 
جلست ليان معها في الخلف تترجاها بتلقائية  : 
- ديما بليز تعالي عندي  ،  بلاش الفندق  بليز  ؟
تنهدت ديما وأردفت موضحة بهدوء  : 
- معلش صدقيني مش هكون مرتاحة يا لينو  ،  وبعدين إنتِ قولتي الفندق قريب من بيتك صح  ؟ 
أومأت لها ليان باستسلام واسترسلت موضحة  : 
- أيوة قريب جدًا  ،  بس معقول تيجين الشارجة وما تقعدين وياي  ،  هو أنا كنت اتخيل  ؟ 
مدت ديما يدها تربت على كفها وتسترسل بهدوء  : 
- معلش تتعوض إن شاء الله  . 
قاد زوج ليان حتى وصل إلى الفندق وصعدت ديما مع ليان إلى الغرفة التي تم حجزها لها ثم عادتا سويًا إلى الأسفل حيث سيتناولوا الغداء في أحد المطاعم   . 
❈-❈-❈
لم يدرك أيٍ منهما أنّ الآخر يقطن جواره  ،  في ذات الفندق  ،  وفي الطابق نفسه . 
بينهما فقط عدة غرف  . 
قضت ديما اليوم مع ليان التي عبرت فيه عن سعادتها بوجودها ثم تركتها لترتاح وستعود لها صباحًا  ،  لتجلس بعدها تتحدث إلى عائلتها وصغيريها بسعادة تحاول أن تقتنصها عنوة  . 
أما ثائر فقد استعد للنزول حتى يحتسي كوبًا من القهوة في ذلك الكافيه الذي رآه من شرفة غرفته  ،  لأول مرة منذ اثنا عشر عامًا يشعر أنه طليق الإرادة  ،  يفعل شيئًا لنفسه  ، قريبًا من رؤية أفراد عائلته الذين اشتاق لهم حتى جف الشوق في قلبه وتصحر  . 
❈-❈-❈
في اليوم التالي استعد الكتاب والقراء والمنظمين لبدء المؤتمر الحاشـ.ـد الذي يقام كل عام  ،  يأتيه الناس من كل حدبٍ وصوب  . 
مؤتمر أدبي يتمنى أبرز الشخصيات الأدبية التواجد به ودعوتهم إليه لتكون ديما صاحبة الحظ بحضوره وكأن الله أرسل لها الدعوة كتعويض عما حدث معها من صدمة نفسية أخيرة كادت أن تصيبها بجلطة  . 
أتت مع ليان وزوجها الذي تواصل مع شقيقه يخبره بوجود ديما الصابر معهما ويوصيه بها  . 
على الجهة الأخرى اصطحب حسين ثائر وقد وصل حماسه إلى ذروته حيث تحدث باحترام  : 
- أستاذ ثائر اتفضل وياي علشان نرحب بيك ترحيب حار أمام جمهورك   . 
بنبرة ثابتة غامضة مهيبة أردف وهو يضع كفيه في جيبي المعطف الخاص به ويرتدي نظارة تحجب عينيه عن الجميع حيث لا يعلم أحد بحضوره بعد وهذا حسب رغبته  : 
-  الأفضل أن أكون في الآخر زي ما اتفقنا  ،  خليني اقعد وسطهم من غير ما يعرفوا واتابع الأول  ،  كدة أفضل بالنسبالي  . 
تعجب حسين من رغبته في ذلك وتساءل  : 
- بس حضرتك ضيف الشرف  ! 
أجابه بثقة عالية يوضح  : 
- علشان كدة خليهم مايحسوش بوجودي  ، خليهم يعبروا بأريحية وأنا هتابع  ، عايز أشوف المواهب الأدبية الجديدة  . 
برغم أن هذه لم تكن الخطة التي وضعوها لاستقباله ولكنه أومأ يردف باحترام  : 
- تمام زي مـ.ـا.تحب  ،  اتفضل  . 
اتجه معه حيث المسرح ثم تحرك بمفرده يجلس في الصف الثاني بين الحضور منتظرًا بدء المؤتمر لتأتي ديما بعد دقائق ومعها ليان وزوجها وشقيقه الذي رحب بها وأخبرها أنها أول من ستلقي كلمتها فلتستعد  . 
وهذا جعلها تتـ.ـو.تر أكثر وتحاول تنظيم ما نوت قوله في عقلها وليان تدعمها وتضخ بها ثقتها لتتجه تجلس في الصف الأمامي وتحديدًا في المقعد الأمامي ليصبح ثائر خلفها مباشرةً  . 
جلست وجاورتها ليان تحاول تهدأتها حيث شعرت بتـ.ـو.ترها لتنطق  : 
- اهدي يا ديما  ،  إيدج بـ.ـاردة وايد  ،  ليش كِل هذا  ؟ 
نظرت لها نظرة متـ.ـو.ترة واستطردت برهبة من الجموع  : 
- أنا فعلًا اتـ.ـو.ترت جدًا وحاسة إني هعك الدنيا  ،  شوفي الناس أد إيه  ؟  أنا هقف قدامهم واقول كلمتي إزاي بس  ؟ 
خجولة ومحرجة ومتـ.ـو.ترة وهذا ليس عدم ثقة في ذاتها بل رهبة من الموقف برمته وخشيةً من أن تفسد الأمر لذا استمرت بقول الأذكار وقراءة القرآن . 
بدأ المؤتمر وبدأت فقراته وتقديم الأعمال الأدبية في كافة المجالات  . 
بدأ العرض الرائع والذي قدمه أطفال صغار من جميع البلاد العربية وهم يلقون شعرًا عن الشرق الأوسط وكلٍ منهم يتغزل في بلده واستطاع العرض انتشال التـ.ـو.تر من ديما التي كانت تنظر لهم وتتخيل طفليها وتبتسم  ،  فصاحة لغتهم وسلاسة كلمـ.ـا.تهم جعلتها تُحفز نفسها وتهمس داخلها 
( لقد فعلها الصغار يا ديما هيا لا تكوني جبانة  )
انتهى العرض بعد دقائق ووقف مقدم الحفل في منتصف المسرح خلف الطاولة المعدة يردف بنبرة عالية رتيبة  : 
- أهلًا وسهلًا بكم في مؤتمر الشارقة للقراءة  ،  تشرفنا بحضوركم ككتّاب وقرّاء  . 
تم التصفيق الحار ليتابع المقدم بعدها موضحًا  : 
- لقد حرص القائمين على المؤتمر اختيار أبرز وأفضل القصص التي أضافت شيئًا للمجتمع وبعثت الأمل فيه  ،  وبتوظيف هيئة مختصة من المراجعين والمدققين استطعنا اختيار عدد هائل من الأعمال التي تم ترشيحها لنا وتذكروا أننا لا نختار الأكثر إثارة ولكننا نختار الأفضل والأهدف ولهذا نود أن نرحب معنا بالنخبة الرائعة من كتابنا الكرام حول الوطن العربي ولنبدأ من أم الدنيا مصر  ،  البلد الذي حصلت على أعلى نسبة قراءة  ،  والبلد الذي عرفت بالحضارة والسلام والثقافة على مدار سنوات  ،  علمتنا الكثير وصدرت لنا الأدب كما يجب أن يكون قديمًا كان مثال الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي رحمه الله وحديثًا كالشخصيات البـ.ـارزة الذين أتوا بيننا الآن ومن بينهم كاتبة شابة وأم مصرية استطاعت من خلال قصتها الأولى أن ترسل رسالة مشفرة إلى المرأة العربية ليحصل كتابها على اهتمام بلغ صداه حول العالم العربي في فترة وجيزة جدًا ولتكن هذه معجزة العصر والتي سنتحدث عنها معها الآن  لذا دعونا نرحب بالكاتبة الشابة الأستاذة / ديما الصابر عن روايتها  ( رحلة قائدها الأمل  ) 
تهاوى قلبها أرضًا ثم ارتفع لحلقها في أقل من ثانية وهي تنهض وسط تصفيق الجميع وتخطو بتشجيع من ليان ولكنها شاحبة تشعر بالسقوط الحتمي وتمنت في هذه اللحظة لو لم تأتِ أبدًا ولكن هناك شيئًا داخلها دفعها لتتقدم  . 
ألم وقهر وعذاب سنوات دفعوها للأمام وشجعوها لترفع رأسها وتخطو نحو المسرح وألا تنحني مجددًا  . 
ذكريات مرت كشهب على سماء عقلها ألهمتها ألا تنصر عليها عدوًا وتفرح فيها خائنًا وألا تهاب شيئًا فالذي أوصلها إلى هنا سيقف معها للنهاية لذا همست داخلها  : 
( يارب ساعدني يارب  ،  ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل العقدة من لساني يفقهوا قولي  )  
لم يمر اسمها مرور الكرام عليه  ،  علق في ذهنه  ،  ديما الصابر  ؟  امرأة السلام  ؟  لم تفلت من ذاكرته منذ ذلك الوقت لذا تسلطت عينيه عليها وهي تخطو نحو المسرح وليتسنى له رؤيتها بشكلٍ أدق رفع يده ينزع نظارته ويتفحصها بتمعن وتركيز . 
صعدت على المسرح ورحب بها المقدم ثم أشار لها بالتوجه نحو مكبر الصوت وإلقاء كلمتها وكيف كانت رحلتها ومن ألهما لكتابة قصتها  . 
توجهت تبث العزيمة داخلها حتى وقفت تستند على الطاولة وتتنفس بعمق ثم أشرقت شمسها على الجميع وهي تبتسم وتردف بتـ.ـو.ترٍ تسعى لإخفائه وبلهجتها قالت : 
- أهلًا وسهلًا بيكم  ،  يسعدني ويشرفني إني أتواجد بينكم النهاردة وفي المؤتمر العظيم ده وطبعًا كل الشكر والامتنان لترشيحكم ليا ولكتابي  ( رحلة قائدها الأمل  ) . 
تحدث المقدم متسائلًا بنبرة رزينة  : 
- نحن الأسعد بتواجدك بيننا أستاذة ديما  والآن حدثينا عن كتابك وقصته وأهدافك داخله ومن ألهمك كتابته  ؟  وما هي نصيحتك للشباب خاصة الذين يملكون موهبة مثلكِ  ؟ 
تنهدت بحرارة تحاول سحب الأوكسجين بالقدر المستطاع ثم اتجهت أنظارها نحو صديقتها لتجيب ولكن وقعت عينيها عليه  . 
تجمدت كليًا فأصبحت كالتمثال وهي تمعن النظر في عينيه اللتان تحدقان بها وترسل إليها سهامًا مخترقة ضـ.ـر.بتها كصاعقة سقطت عليها من السماء لتهمس من بين شفتيها متناسية أن مكبر الصوت يعمل ولكن لحسن حظها لم يفسر همسها سواه حينما نطقت  : 
- ثائر ذو الفقار  ؟ 
ابتسامة جانبية زينت محياه لتوقن أنه هو  ،  لا لم تتوهم أنه هو  ،  نعم هذه هي الملامح التي تراها على صفحته  ،  هذه نفسها العيون التي يعرضها فيبدو كأنه ينظر لمتابعينه  . 
طال صمتها فلوحت لها ليان بأن تتحدث قبل أن يلاحظ الحضور الذين بالفعل لاحظوا وتعجبوا   . 
بحثت عن شيءٍ تلملم به شتات نفسها لتجد منشوراته عن المرأة العربية هي القشة التي تعلقت بها قبل أن تلتهمها أمواج الصمت وصدمة ظهوره وهيبة حضوره لذا أسرعت تبعد أنظارها عنه وتنظر نحو ليان التي تشجعها بيدها ونظراتها وهمساتها لتسرع في التبسم ثم التقطت نفسًا قويًا ورفعت رأسها بشموخ وقررت الانتقام  ،  الانتقام منه أولًا ثم من كل رجلٍ استباح قلب ومشاعر امرأة  ،  من كل ذكرٍ خائن ومن كل شبيه رجال يهين ويقسو ويمارس نرجسيته على المرأة التي أعطاها الله حقوقها كاملة فمن هو لينتشلها بأفعاله لذا نطقت بعدما أعادت عينيها ثقب عينيه  : 
- رسالتي موجهة للمرأة لإن كتابي المتواضع هو قصة تحاكي الواقع للأسف  ،  حاولت أعبر فيه وأوصف معاناة المرأة العربية المضطهدة بشكل مؤذي جوة العالم العربي وكمان برا  ،  المرأة العربية اللي بالنسبالي هي أساس المجتمع وأساس الأسرة السليمة  واسمحولي أعبر بلهجتي أكثر وأقول إن الست في مجتمعنا بتواجه صعوبات وتحديات صعبة جدًا  ،  الست اللي شالت دور مش دورها واتحملت عبء مش ليها أصلًا ولكن ده لإنها مالقتش حد يشيله عنها  أو اللي شايل الحمل بيوقعه  ، مش شايله صح لإن أساسه مش سليم  ،  الأم اللي بتربي وتعلم وتكبر وبيكون شغلها الشاغل هو مستقبل أولادها   ،  قوية جدًا وبرغم كدة بتكون في أمس الحاجة إنها تسمع حتى لو كلمة بسيطة كتعويض عن حمل كبير  ،  كلمة شكرًا  لوحدها قادرة تخليها تقدم كتير لو اتقالت واتحست لكن للأسف الطرف التاني بيكون أبخل من إنه يقولها أو يحسسها بيها  ، وأنا هنا بتكلم عن الست السوية والناضجة والعاقلة  ،  الست اللي بتواجه عنصـ.ـر.ية المجتمع العربي لإنها ست واللي بتواجه عنصـ.ـر.ية المجتمع الغربي لإنها عربية   ،  كتابي استهدف الطاقة الموجودة داخل كل ست بتواجه عنف نفسي وضغط وقهر وخيانة وبتكمل في الحياة علشان خاطر أولادها ورسالتي ليها أوعي تفكري إنك ضعيفة أو قليلة الحيلة بالعكس  ،  إنتِ مركز القوة نفسها  ، إنتِ اللي بيتخاف منك  ، إنتِ اللي عقله المحدود مش قادر يدرك حجم مميزاتك فاضطر يدور على صفات تناسب مقاس إدراكه  ، إنتِ مش غـ.ـبـ.ـية ولا ساذجة ولا عديمة الفايدة زي ما بيحاولوا يوهموكي بده  ، بس لازم تبصي حواليكي وتتأكدي كويس هتلاقيه إن الدايرة المظلمة اللي فكرتيها مقفولة حواليكي ليها قبس نور صغير جدًا حاولي تنطلقي منه  ،  خرجي طاقتك ومشاعرك بطريقة تحافظي بيها على مكانتك كأنثى ومـ.ـا.تقللش من قيمتك ومـ.ـا.تعرضكيش للعنف  ،  والحل السلمي اللي بفضله هو الكتابة  ،  اكتبي وعبري عن كل اللي جواكي على الورق  ،  اسردي قصتك واقرئيها  ، وردود الأفعال اللي ماقدرتيش تاخديها زمان اكتبيها على الورق  ،  ارجعي لكل موقف معلم جواكي وسايب أثر نفسي وثوري واغضبي بردو على الورق  وارجعي تاني الأم المثالية لأولادك واللي بتجاهدي علشان تعلميهم الصح في زمن انتشرت فيه الفتن  ،  اوعي تختاري طريق الاستسلام  ، والتقليل من  مكانتك   ،  أوعي تسيبي مكانك أو تفلتي من شعاع النور اللي بيجذبك للصح وافتكري دايمًا إن ربنا سبحانه وتعالى كرمك وإن الإسلام نصرك واداكي حقوق مش هتلاقيها في المجتمعات الغربية نفسها علشان كدة مهما كانت الظروف خليكي قوية قصاد نفسك علشان لما تبصي لنفسك في المراية تفتخري باللي حققتيه حتى لو كانت كل انجازاتك في الحياة هي صبرك على ابتلاء بس لازم ت عـ.ـر.في كويس الفرق بين الصبر والذل  .
انتهت ليتعالى صوت التصفيق لها ما عدا هو  ،  يتكتف ويحدق بها ولكنها قررت تجاهله  ،  تنفست الصعداء بل وشعرت بالانتصار في حرب استمرت داخلها لسنوات  . 
بعد التصفيق والتصفير الذي صدر من ليان سألها المقدم مجددًا بترقب  : 
- هل يمكننا معرفة من ملهمكِ للقصة وهل هي قصة واقعية أم من وحي الخيال ؟ 
وخزة هجمت عليها فجأة ولكنها تظاهرت بالثبات خاصةً بعد ما قالته لذا نطقت بعيون كاذبة لم يكتشفها غيره وابتسامة أدرك بها مراوغتها  : 
- واقعية واتكررت قدامي مع حالات كتير جدًا علشان كدة حبيت أكتب عن معانتهم  ،  وطبعًا أنا فخورة إني قدرت أوصل صوتهم وإحساسهم بالشكل ده لإن كان مهم عندي القارئ يشعر بمعاناة الشريحة الكبيرة دي من نساء العرب وطبعًا حاولت أقدم حلول أهمها إننا نربي ولادنا صح بنت أو ولد  ،  نزرع فيهم الأسس صح  ،  نفتخر قدامهم بعروبتنا وهويتنا الإسلامية مش العكس  ،  ماينفعش أبدًا نقلل من نفسنا علشان نرضي مجتمع أسسه غلط . 
نطقت جملتها الأخيرة وعينيها مسلطة عليه وكأنها ترسل له رسالة ذات مغزى جعلته يبتسم ساخرًا ثم عادت تنظر للمقدم وهو يحييها مرة أخرى قبل أن تغادر المسرح ويقدم غيرها  . 
حيته برأسها وابتسامتها ثم تحركت تعود لمكانها ولكنها تفاجأت بعدم وجوده  ، ب
مقعده خاليًا لتوقن أنه رحل  . 
جلست تجاور ليان التي تعبر لها عن انبهارها بأدائها لتنـ.ـد.مج معها  . 
أما ثائر فقرر أن يغادر وفي طريقه قابل حسين الذي أوقفه متعجبًا وتساءل  : 
-  لوين بس  ،  والمؤتمر أستاذ ثائر  ؟! 
بنبرة هادئة ثابتة أجابه متظاهرًا بالمرح  : 
- دعني أنا في يوم الغد  ،  فهناك من خطفت الأنظار مني  ،  ثم أنني شعرت بالصداع المفاجئ   ،  أعذرني   . 
استسلم حسين لرغبته ليغادر بعدها على الفور ولا أحد يدرك أسبابه سواه
❈-❈-❈
بعد ساعات 
انتهى المؤتمر وتم تكريمها أمام الأعين والعدسات التي تذيع الخبر لتخبر العالم أن ديما الصابر نجحت في توصيل صوت المرأة المنكوبة وأخرجتها من بئر الظلمـ.ـا.ت إلى النور دون أن تحاول زعزعة ثواب المجتمع والتشجيع على الطـ.ـلا.ق مثلما تفعلن البعض إلا في حالات نادرة  ...  كحالتها   ، فالطـ.ـلا.ق أبغض الحلال لذا يجب أن يكون آخر السبل مسلكًا . 
صعدت غرفتها بسعادة ليس لها مثيل  ،  صعدت لتشارك أسرتها سعادتها وتهاتفهم مكالمة مرئية تخبرهم بها ما حدث  . 
وبالفعل هاتفتهم وكم كانوا فخورين بها بشكلٍ جعل ثقتها تتضخم داخلها  . 
منع تواصلها معهم هبوط الأمطار لتغلق معهم وتقف تنظر للمطر من النافذة ولم تستوعب أنها فعلتها  . 
حررت نفسها من الأصفاد التي خـ.ـنـ.ـقها بها لسنوات  ،  التمعت عينيها بالدمـ.ـو.ع فبكت وأصبحت عبراتها تتسابق مع المطر أيهما يسقط أكثر  . 
حررت الضغوطات التي تراكمت داخلها واستطاعت أن تحرث صحراءها مجددًا ببراعم الأمل والفخر  . 
ازدردت ريقها وقررت أن تحتفل بنفسها مع نفسها وبما أنها في مكان جديد قررت النزول والوقوف تحت المطر لذا أسرعت تفعلها لتسرق من هذه اللحظة نوبة جنون لن تتكرر أبدًا  . 
كان في ذلك الوقت يجلس في المقهى الذي زاره بالأمس يحتسي قهوته وينظر للخارج حيث الأمطار تهطل والشارع خالٍ من المارة  . 
أجواء تشبه الأجواء الأوربية التي اعتاد عليها  ،  لا شمس تسطع على قلبه المتلبد فتنعشه  ،  ولا أي دفء  . 
نزلت واتجهت برغم تحذيرات حارس الفندق بألا تفعل ولكنها ركضت تقف في نصف الشارع أسفل المطر ثم فردت ذراعيها تستقبله بترحاب  ،  تخبره أنها انطلقت ولن يوقفها شيء بعد ذلك  ،  ستفعل المستحيل لأجل صغيريها فقط  ،  ستواجه أي تحديات ليكونا شخصيتان يفتخر بهما الوطن  وهذا وعدها لنفسها . 
كان يجلس في الداخل يرتشف القهوة وفي يده الأخرى نسخة من كتابها  ( رحلة قائدها الأمل  ) الذي اشتراه قبل أن يغادر المعرض وقرر قراءته ليعلم هوية من أمامه جيدًا  . 
القلم لا يخطئ أبدًا  ،  يمكنك نشر الأكاذيب والإشاعات والفتن بمنشورات عابرة ولكن يستحيل أن تكتب قصة كاملة عن شيءٍ لا ينتمي لك  ،  لا يشبهك  ،  لا يعبر عنك  . 
وصل للصفحة العشرين ولكنه تفاجأ باستعانتها ببعض أقواله التي حاولت صياغتها بشكلٍ مختلف ولكن أهل مكة أدرى بشعابها  ،  يدرك جيدًا مقولاته  . 
سمع همهمـ.ـا.ت شتتت عقله عن القراءة فرفع بصره ينظر لمصدر الصوت ليتفاجأ بمن في المكان ينظرون نحو الخارج ويتعجبون من شيء ما لفت انتباههم لذا التفت يحدق من النافذة المجاورة ليتفاجأ بها تقف تدور حول نفسها أسفل المياه التي توغلت إليها . 
ظل يحدق بها لبرهة ثم قرر أن يذهب إليها  ،  من المؤكد ستمرض بعد فعلتها هذه  . 
خرج من المطعم يخلع معطفه ويتجه نحوها ثم رفعه يحاوط به كتفيها بصمتٍ تام فانتفضت على إثر حركته والتفتت وهي تحتضن المعطف بيديها كي لا يسقط وأردفت مبتسمة  : 
- شكرًا  . 
أنهتها مع صدمتها به  ،  وقفا اثنانهما أسفل المطر ينظران لبعضهما لهنيهة فقد كانا قريبان جدًا لدرجة أنهما رأيا انعكاس صورتهما في أعين بعضهما  . 
عادت تهمس بعدم تصديق وهي تراه الآن أمامها بوضوح تام وبملامح وسيمة بـ.ـاردة ومهيبة  : 
- ثائر ذو الفقار  ؟ 
- ما رأيك أن تناديني بالخائن أفضل  ؟ 
نطقها بالفرنسية وبنبرة متحايلة حيث لم ينسَ قطعًا تعليقها آنذاك حينما نعتته بالخائن  ،  نطقها وهو يتأمل ملامحها عن قرب  ،  يتأمل عينيها المدارية ليتحدث عقله  (  الشمس تدور والقمر يدور وكلٍ في فلكٍ يسبحون وأنا في فلك عينيكِ غارق ) 
ولكنها لم تتذكر كلمتها التي دونتها في لحظة غضبٍ لذا قطبت جبينها وبدأت تشعر بالصداع فتساءلت بالعربية  : 
- نعم  ؟ 
نفض عقله سريعًا واستطرد بالمصرية بنبرة رصينة ونظرة ثاقبة  : 
- كدة هتمرضي  ،  أدخلي المطعم أفضل  .
بعض النساء يرينني مثيرا للجدل
وبعضهن... 
يرين اني مثير للغزل.... 
ولا واحدة منهن لمَحت!!! 
خيبات الأمل... 
في القلب... 
والألم المختبئ في المُقَلْ
وحدك أنت لمستِ فيَّا 
ذلك الألم الخفيَّا
( بقلم فيروزة  ) 
❈-❈-❈
لم ينَل إعجابه ما يحدث مع ابنة أخيه منذ أشهر  ،  علاقتها مع ذلك المهندس لم ترُق له على الإطـ.ـلا.ق  . 
وجاء إنتاج المصنع الجيد ليكون عائقًا له عن تنفيذ أي مخطط لطرده أو اتهامه بالتقصير بل على العكس فهو يعمل بشكلٍ جيد وصارم مع العمال الذين يحبونه وما زاد الأمر سوءًا هو ذلك الشاب الفلسطيني الذي أصبح يعمل معه وكأنهما استوليا على المصنع  . 
نعم هذه هي خطتهما سويًا  ،  يعززان ثقلهما في المصنع كي يحصلا على ثقة بسمة وخاصةً هذا الداغر الذي يسعى ليوقعها في شباكه وهذا لن يحدث سوى على جثته  . 
بسمة لن تكون لأحدٍ سوى ابنه وميراثها لن يتنعم به أحدٌ غيرهم  . 
بصرامة منه وتحريض من زوجته قرر تهديدها تحت قناع الخوف لذا اتجه إلى غرفتها كي يتحدث معها بعدما نفذ صبره خاصةً وأن ابنه لم يفلح التصرف  . 
طرق الباب فانتفضت  ،  باتت تخاف منهم  ،  ترى في عيونهم الانزعاج الذي يمكنه التحول للكره لذا زفرت بقوة واتجهت نحو الباب تتساءل بتـ.ـو.تر مغلف بقوة زائفة  : 
- مين  ؟ 
- أنا عمك  . 
مدت يدها تفتح الباب وطالعته بترقب فأمعن النظر فيها واستطرد متعجبًا : 
- من امتى بتقفلي على نفسك بالمفتاح  ؟  
هزت كتفيها تجيبه بهدوء متكتفة  : 
- عادي يا أونكل  ،  حضرتك بس اللي مش بتاخد بالك  . 
زفر يجيبها بنزق   : 
- طيب أنا عايز أتكلم معاكِ  . 
أفسحت له المجال مسترسلة  : 
- اتفضل  . 
دلف يتجه نحو الأريكة وجلس يفرد نفسه فاتجهت تجلس أمامه منتظرة حديثه الذي بدأه على الفور يردف بنبرة مدروسة بعد تفكير ومساعدة من زوجته : 
- بصراحة كدة من وقت ما بعدتي عن الشركة والأوضاع مش ولابد  ،  وخليني أعترف إن جديتك في العمل وأسلوبك بيحلوا عقد كتير  ،  زي أبوكي الله يرحمه  ،  هو كان عارف يمشي الشركة صح  ،  علشان كدة إيه رأيك لو ترجعي الشركة معايا تاني وماجد هو اللي يدير المصنع  ؟ 
وجدها تحدق به بنظرات مبهمة ليستطرد بنبرة خبيثة  : 
- كان الأول المصنع وضعه مش تمام إنما دلوقتي أنا شايف إن العمال شغالين كويس جدًا  ،  وخليني اعترفلك بردو إن المهندس اللي إنتِ جبتيه شايف شغله كويس ووجود ماجد هناك هيكون مناسب زي ما وجودك في الشركة مناسب أكتر  ،  ولا إيه رأيك  ؟ 
تكمن بين طيات حديثه نوايا خبيثة تشعر بها ولكنه منطقي إلى حدٍ ما  ،  الشركة التي شيدها والدها بجهده لم تعد كسابق عهدها وسمعت عن بعض التسيب الذي حدث بها مؤخرًا على عكس المصنع الذي يعمه الالتزام  ،  فماذا تفعل  ؟  
هي تثق في داغر وتدرك أنه سواءً تواجدت هناك أم لا سيعمل بجدٍ ومعه صالح والعمال حتى لو كان ماجد مديرهم هذا لن يؤثر في شيء  . 
وبرغم أنها ستحرم من رؤيته كل صباح إلا أن واجبها نحو شركة العائلة يحتم عليها التواجد فيها لذا زفرت بقوة وأجابته ببعض الحيرة التي لم تظهر في حديثها  : 
- معاك حق من جهة المصنع هو في إيد أمينة وأنا مطمنة من ناحيته بس بردو الشركة مع حضرتك يا أونكل والمفروض إنك بتديرها أفضل مني  ،  وحضرتك كمان عندك جدية وصرامة في العمل  يبقى إيه سبب الخلل اللي بيحصل  ؟  
ألقت الكرة في ملعبه ليجيبها ببعض الضيق الذي تجلى في عينيه  : 
- يمكن كبرت والسن ليه أحكامه وبعدين ده الطبيعي  ،  أنا بفكر اتقاعد وانتِ وماجد اللي تمسكوا الشغل كله بس وضعكوا مش مطمني  ،  بعد ما كنتوا قريبين من بعض بقيتوا تبعدوا عن بعض أكتر  . 
دلف في المنطقة المحظورة بالنسبة لها ليسترسل بتوضيح كاذب  : 
- على فكرة أنا بردو اتكلمت معاه في النقطة دي وهو قال أسيبك براحتك بس أنا مهما تشوفيني قاسي ومتسلط لكن بخاف عليكي ويهمني أمرك  ،  بخاف على اسم العيلة وثروتها ولازم تفهمي إن الأطماع كتير  . 
وجدها تتمعن فيه دون حديث فزفر ونهض يواري غيظه ثم تابع قبل أن يغادر بنبرة تحمل لينًا خبيثًا  : 
- حاولي تدي لماجد فرصة من حياتك يا بسمة  ،  ومش لأنه ابني بس انتوا الاتنين تهموني جدًا  ،  وبردو فكري في موضوع الشركة وبلغيني قرارك  . 
تحرك يغادر وتركها تجلس تعيد كلمـ.ـا.ته  ،  للمرة الأولى تشعر أن حديثه منطقي مهما كانت نواياه خاصة في أمر الشركة ولكن ماذا عن داغر  ؟  عليها أن تتحدث معه وتخبره وإلا فلن تطمئن  .  
❈-❈-❈
وقفت تحدق به بذهولٍ جعلها لم تعد تشعر بالمطر الذي يتساقط فوقها لذا كرر جملته وهو يحثها على التحرك معه داخل المطعم  : 
- ماينفعش وقوفك هنا  ،  أدخلي بسرعة  . 
انتهبت لنفسها وله حيث ابتلت ملابسه أيضًا لذا تحركت معه نحو المطعم سريعًا فدلها على طاولته فاتجهت تجلس وتحتضن معطفه كأنه عائدٌ لها ولكنها فعلت حينما نهشها الصقيع فجأة  . 
تمعن فيها والتفت يجلس قبالتها ثم أشار للنادل ليأتي وجاء ليتحمحم ثائر ويردف وعينه مسلطة عليها  : 
- اسبريسو  ! 
- لا شكرًا  . 
نطقتها بحرجٍ وهي تداري ارتعاشها ليتجاهل شكرها حينما رفع نظره للنادل يستطرد  : 
- واحد اسبريسو  . 
أومأ الرجل وغادر فعاد ينظر إليها ليجدها تمعن النظر في روايتها التي ترتكز أمامه لذا أردف بخبث  : 
- كنت بقرأ قصتك  . 
- مش قصتي  . 
لا تعلم لمَ أجابته هكذا على الفور وهي تُمعن النظر فيه كأنه ألقى عليها اتهامًا بأن ما كتب عائدًا عليها لذا رفع الكتاب أمام عينيها ثم أشار بإصبعه نحو اسمها يردف بخبث  : 
- ديما الصابر  . 
وعت على نفسها لترتعش وتضم المعطف أكثر ثم أردفت موضحة بشموخٍ ومغزى بعدما تذكرت منشوراته  : 
- آه فكرتك تقصد اللي مكتوب مش الكاتب  ،  بس أظن إنها مش هتعجبك لإنها بتتكلم عن مميزات وقوة المرأة العربية  . 
أومأ يردف بنبرة بـ.ـاردة مستفزة  : 
- فعلًا أنا شايف إنك بالغتي شوية في الوصف   ،  وبالغتي أكتر لما قلتي في الندوة إنها قصة واقعية خصوصا النهاية الخيالية  ،  مافيش في الواقع العربي ست تقدر تقدر تخرج سليمة من تجربة زي دي بالعكس بتخرج مشوهة وبالتالي الجيل اللي هيتربى على ايدها هيكون مشوه وهكذا   .
فرد ظهره واستطرد بتباهٍ أمام سهام نظراتها يوضح بكفيه :
- ممكن لو كنتِ ذكرتي إن البطلة من المجتمع الغربي كنت اقتنعت لإن العوامل في الدول الأوربية بتساعد الست إنها تتجاوز أي تجربة سيئة مرت بيها  ،  المجتمع إدراكه واسع وبيساعدها تتعافى أسرع  ، على عكس المجتمع العربي طبعًا  . 
استشاطت غيظًا وكادت أن تبصق مافي جوفها وتخبره أن هذه قصتها ولكن لاااا  ،  نهرها عقلها بألا تفعل وإلا أثبتت له صدق حديثه لذا كظمت غيظها وابتسمت ابتسامتها لتجيبه بثقة وثبات برغم برودة جسدها  : 
- بيتهيألي ماينفعش تحكم حكم مطلق زي ده وانت أصلًا عايش برا ومش عارف ولا عايز تعرف المجتمع العربي بيفكر إزاي  ،  صحيح جزء كبير من كلامك صح بس هتفضل النخوة العربية موجودة على عكس الانحلال اللي بيعاني منه الغرب واللي بيتسبب في كوارث بنسمع عنها   . 
تنهدت ثم تابعت بنبرة هادئة تحمل الأسف  : 
- للأسف جزء كبير جدًا مننا انحرف وبقى مبهور بالتطور الغربي زي حضرتك كدة بس الجزء الأكبر بينتمي لوطنه وأصله  ،  ولا إيه يا سيادة الكاتب  ! 
صمت لهنيهة يُمعن النظر بها لتستطرد وقد حررت يديها تعبر بهما بعدما شعرت بالدفء من المكان ومن ثقتها  : 
- الحقيقة أنا قرأت كتب كتير ليك وطبعًا عجبوني جدًا وأثاروا فضولي لدرجة إني شكيت إن اللي كتب الكلام ده مش هو نفسه اللي بينشر منشورات هجومية على وطنه  ،  فيه عمق غريب بين سطورك مخليني أحس إنك فعلًا بحر  ، حسيت بكلمـ.ـا.ت مشفرة تبان عادية وفي المجمل بتدل على معاني عامة بس كإنها لغز إنت قاصد توظفه بالطريقة دي  ، إيه السبب  ؟ وليه بتعمل كدة  ؟  
يبدو أنه لأول مرة إحداهن تغوص في بحره  ،  تحاول استكشاف أعماقه  ،  لأول مرة إحداهن تستطيع قراءة ألغازه أو تحاول لذا أفلت عينيه من قبضة نظراتها حتى لا تقرأ ما فيهما لينظر نحو أصابعها الخالية من أي دليل يثبت له أنها ليست صاحبة القصة وكاتبتها لذا تأكد من شكه فعاد يحدق بها ويبتسم مسترسلًا بنبرة مبهمة  : 
- خيالك واسع يا حضرة الكاتبة  ،  كل ما في الأمر إني بكتب اللي بحس بيه وأكيد إنتِ فهماني في النقطة دي  ،  إنتِ متجوزة  ؟ 
سألها بشكلٍ مفاجئ لتتـ.ـو.تر نظرتها ثم أخفضت عينيها وأجابته بنبرة تجاهد لتجعلها طبيعية  : 
- مطلقة  . 
ابتسامته الساخرة جعلتها تباغته بنظرة محذرة بألا يستهين بها لتعاود رفع رأسها بثقة وتستطرد مترقبة  : 
- هو ممكن اسألك سؤال  ؟ 
أردفت بعينين تمعنان النظر به  : 
- بعد النظرة دي ممكن نسميه استجواب  . 
هزت رأسها تجيبه بصدق  : 
- لا أبدًا إنت ليك مطلق الحرية تجاوب أو لاء  ،  هو مجرد سؤال  . 
أومأ يعطيها الإذن فتنفست بعمق ثم أردفت بنبرة مبطنة بالشك  : 
- اللي عرفته عنك إن أهلك كلهم في مصر  ،  عيلتك كلها ناس مهمة وشخصيات محترمة رجـ.ـا.لة وستات  ،  إنت بقى إزاي بتفكر بالطريقة دي  ؟  مافكرتش إن تفكيرك اللي بتنشره ده ممكن يؤذيهم  ؟ 
أطرق رأسه وتحركت يداه تتلاعب بفنجان قهوته ثم أردف بغموض  : 
- ما هما أذوني  ،  أنا وكتاباتي ومنشوراتي رد فعل ومهما قرأتي ودورتي ورايا مش هتلاقيني الفاعل أبدًا  ،  بس هو إنتِ عرفتي عني كل ده منين وليه  ؟ 
عاد يوترها بأسئلته ويتلاعب على خجلها بعدما أثارت انتباهها إجابته  ، كيف آذوه يا ترى؟! ولكنها هزت كتفيها تردف بثقة  : 
- زي ما قرأت كتبك سهل جدًا اقرأ سيرتك الذاتية  ،  خصوصًا إنك شخصية مشهورة  ،  وأنا من الناس اللي لما تحب كتاب بتحب تعرف عن الكاتب تفاصيل عامة   ،  انتماؤه وأفكاره وعيلته  . 
- وانا زيك  . 
قاطعها بمغزى متعمد لتقام بينهما حفلة نظرات قطعها النادل حينما جلب لها القهوة ووضعها أمامها وغادر  . 
زفر ثائر ولف نظره نحو النافذة ينظر منها ليجد أن المطر قد توقف فزفر وعاد لها ليجدها تنهض وتردف بابتسامة مجاملة  : 
- متشكرة جدًا لذوقك  ،  وفرصة سعيدة جدًا إني اتعرفت عليك وحقيقي كانت صدفة غريبة  ،  عن إذنك  . 
- الاسبريسو  ؟ 
نطقها بعدما التفتت تواليه ظهرها فعادت تطالعه وتردف بابتسامة معنية : 
- إنت اللي طلبتها  ،  أنا مش بشربها كدة  ،  شكرًا مرة تانية  . 
التفتت تغادر بتباهٍ تشعر بانتصارها عليه ولكن من العجيب أنها تحتضن معطفه ولم تعِده إليه  ،  لقد أحبت دفئه وانتشلته لنفسها دون أن تشعر  . 
جلس يتأملها بعينيه حتى دلفت الفندق وعلى محياه ابتسامة رسمت حينما وجدها تعانق المعطف الخاص به  ،  إنها بحاجة لعناق  . 
دس يده في جيب جاكيته يستل محفظته ليترك حسابه على الطاولة ونهض يلتقط كتابها في يده وباليد الأخرى استل هاتفه يجري مكالمة هامة وهو عائدٌ إلى الفندق  .
❈-❈-❈
أنهت ترجمة الخطاب إلى الصينية لتوها وتسللت إلى الفراش  .
كادت أن تغفو بعدما غفى مالك على الفراش المقابل لفراشها أما الصغيرة تقى فتنام مع جدتها  . 
رنين هاتفها جعلها تتعجب وتلتقطه لتجده مديرها  ،  قطبت جبينها وعادت ترفع جسدها وتستند على الفراش مجيبة  : 
- مرحبًا سيد لو تشي   ،  هل هناك خطب ما  ؟ 
لا يعلم لمَ هاتفها الآن ولكنه وجد حجةً لذلك لذا تساءل  : 
- مرحبًا دينا  ،  كنت سأسألك عن خطاب الغد  ،  هل أنهيتيه  ؟ 
تعجبت ولكنها أجابته بعملية  : 
- نعم أنهيته  ،  لا تقلق  . 
- بالطبع لن أقلق ما دمتِ أنتِ الفاعلة  ،  أنا أثق بكِ  . 
تحاول استكشاف نواياه ولكنها أجابته بجدية  : 
- شكرًا لك  ،  عن إذنك سأنام الآن  . 
لم يجبها بل صمت لهنيهة يفكر هل يسأل سؤالًا يراوده أم لا لتتساءل بترقب  : 
- سيد لوتشي  ؟  هل أنت معي  ؟ 
أجابها  : 
- نعم معكِ  ،  حسنًا دينا الآن نامي وغدًا سنتحدث  . 
- هل هناك شيئًا تود قوله  ؟ 
تساءلت بما شعرت به ليزفر بقوة ويجيبها  : 
- دعينا نتحدث غدًا  ، هيا تصبحين على خير  . 
أسرع يغلق وتركها في تعجبها  ،  ليست غـ.ـبـ.ـية كي لا تلاحظ اهتمامه بها ولكنها تتساءل عن سبب هذا الاهتمام  . 
هما من عالمان مختلفان تمامًا ولا يمكن أن تقتنع بمَ يحاول عقلها طرحه عليها لذا فالسبب البديل الذي يحوم حول رأسها هو أنه يريد التسلية وحينها سيجد ردة فعلٍ صارمة ربما تسبب في تركها للعمل وهذا آخر ما تريده  . 
لا تسعى للتخلي عن أحلامها الكثيرة وطموحاتها التي ستنتشلها من الحياة عنوة مع أي فرصة  ،  ما رأته يحدث مع والدتها ثم شقيقتها لن يتكرر معها على الإطـ.ـلا.ق لذا فهي ستحاول التعامل بغباء والتغاضي عما تفكر به  . 
❈-❈-❈
صعدت غرفتها ودلفت تتنفس بعمق ثم نوت خلع المعطف العائد له لتجحظ حينما تذكرت أمره لذا أردفت معنفة نفسها وهي تخلعه عنها  : 
- يانهار أبيض عليكي يا ديما  ،  أعمل إيه دلوقتي  ؟  لسة هنزل  ؟  
زفرت بقوة ونظرت للمعطف في يدها وامتدت الأخرى تتحسسه  ،  رجولي ثقيل ودافئ وشامخ  . 
هذا ما استشعرته حينما لمسته لذا لم تمنع نفسها من أن تنحني وتشمه  ،  توغلت رائحته أنفها فأغمضت عينيها تستشعر كنه هذه الرائحة التي تشبه شخصيته  ،  مزيج من الهدوء والهيمنة التي جعلتها لا تريد أن تبتعد  . 
تحمحمت واعتدلت تنظر للأمام وتفكر فيه وفي نظرته وكلمـ.ـا.ته وهدوئه الذي أثار إعجابها  ،  فهل يوجد رجلٌ هادئ رزين عقلاني  ؟  حتى لو كان عقله يعمل في الاتجاه المعاكس  ؟ 
ولكنها ابتسمت وتباهت بنفسها حينما جابهته بنفس ثباته  ،  تباهت حينما لم تستفزها كلمـ.ـا.ته واستطاعت التغلب عليه بدفاعها عن بنات جنسها  . 
بنظرة تحمل من الثقة والثبات الكثير تحدث لسان حالها يردد مؤكدًا على عقلها 
( لن تنحني مجددًا يا ديما  ،  لن تقدمي أي تنازلات لأي شخص ) 
زفرت بقوة ثم اتجهت لتبدل ثيابها المبتلة ومن ثم ستحاول الوصول إليه لتعطيه معطفه  . 
❈-❈-❈
انشغالها مع رحمة وحملها جعلها لا إراديًا تقصر في حق زوجها ولكنه يتفهم  ،  ولم يقتصر هذا على زوجها فقط بل على صديقتها أيضًا التي سافرت دبي دون أن تودعها ولكنها رأت كلمتها عبر موقع التواصل وكم سعدت وافتخرت بها  . 
جلست على الفراش تعيد مشاهدة ديما وسماع كلمـ.ـا.تها وتنتظر زوجها إلى أن ينهي صلاته  . 
انتهى واتجه يجاورها ثم تساءل بعدما لمح المقطع  : 
- كلمتيها يا يسرا  ؟ 
هزت رأسها بلا  : 
- لاء يا دياب  ،  محرجة منها جدًا  ، أنا فعلًا مقصرة معاها  . 
لف يديه حولها يعانقها ويردف بتفهم وإرشاد  : 
- هقولك على حاجة  ،  إنتِ محملة نفسك مسؤولية رحمة لإن ملهاش حد وحتى لما قررنا نتعامل بحذر مانفعش خصوصًا إن حالتها محتاجة مساعدة وعناية  ،  فخلينا نعتبر إن وقوفك معاها عمل خير بس أخرنا معاها لحد ما تولد وتستعيد صحتها وبعد كدة يا يسرا ملناش دعوة بحياتها  ،  هي قررت تحتفظ بالطفل تمام هي حرة وأكيد عندها خطة  . 
زفر ولفها لتواجهه وبنظرة ثاقبة تابع محذرًا  : 
- أوعي يا يسرا تحاولي تعلقي نفسك بالطفل ده  ،  أخرنا معاها لبعد الولادة بأسبوع تكون استعادت صحتها وتشوف بقى هي ناوية على إيه  ،  وعلى فكرة أخوها كلمني وسأل عليها بس طلب مني ماعرفهاش  . 
تفاجأت تتساءل  : 
- بجد كلمك  ؟  امتى  ؟  وليه ماقولتليش  ؟ 
زفر واسترسل بترقب  : 
- اديني بقولك أهو  ، هو مش عايزها تعرف خالص إنه بيسأل عنها لكن ده مؤشر كويس إنه ممكن يتقبلها  . 
أومأت له بتفهم وأردفت وهي تتنعم بحـ.ـضـ.ـنه  : 
- أنا عارفة إن معاك حق في كلامك بس لما بقعد معاها بتصعب عليا  ،  أيوة تصرفاتها متهورة وتفكيرها غريب لإني حسيت إنها لسة بتحب الشخص اللي استغلها ده بعد كل اللي عمله  لكن بتأنب نفسها علطول  ،  تعرف لولا إنها بقالها شهور قدام عيني وتقريبًا بتشاركني تفاصيلها أنا كنت فكرت إنها لسة على تواصل معاه  ،  معقول ده سببه من البداية أهلها  ؟ 
شرد قليلًا يفكر ويتذكر كيف كان يعرف عن والدها الصرامة ولكن لم يسمع عنه أنه كان عنيفًا  ،  ربما والدتها هي من كانت تُعرف بقسوتها لذا زفر يهز كتفيه  : 
- احتمال يا يسرا  ،  اللي أعرفه إن والدها كان راجـ.ـل محترم جدًا ووالدتها كانت مديرة مدرسة ثانوية بس كانت شـ.ـديدة في تعاملها  ،  إنما حياتهم كانت إزاي مش عارف لإنهم بعدوا  . 
انسدل للأسفل وهي معه يعانقها ويغلق عينيه مسترسلًا بنبرة هامسة  : 
- سيبك بقى من رحمة وأهلها وخلينا ننام  .
ابتسمت بحب وتنفست ثم اقتربت تطبع قبلة حبٍ على شفتيه ليتوغل إليه عشقها لذا نطق محذرًا  :
- مش إحنا اتفقنا مافيش الكلام ده طول ما فيه أجازة  .
ضحكت بخفة وخجل حيث يقصد عادتها الشهرية وأجابته وهي تخفي وجهها في تجويف عنقه لتنام  :
- أسفة  . 
تنفس رائحتها وضمها أكثر ينام مطمئنًا ما دامت معه ونامت بسكينة ما دام يغمرها بعناقه  . 
❈-❈-❈
جلس في غرفته يقرأ قصتها وينتظر اتصالها  ،  يعلم أنها ستهاتفه لتعيد له  ...  معطفه  . 
ابتسم حينما وجدها تتحدث داخل قصتها عن نصيحته فكتبت : 
( حينما شعرت أنني على وشك الانفجار أخذت كوبا ورطمته في الأرض فتهشم وكانت هذه المرة الأولى التي أفعلها عن عمد ولكنها كانت نصيحة جيدة من كتاب قرأته حيث شعرت بعدها بأن جزءًا من طاقتي السلبية قد نفذ  ) 
أدرك أنها تشبهه  ،  هي أيضًا بحر لم يثُر بعد  ،  هي مثله تتظاهر بعكس ما في جوفها  ،  حقًا فاجأته  . 
مرت دقيقتان واستمع إلى رنين الهاتف الخاص بغرفته فابتسم ونهض يتجه نحوه بثبات ثم رفعه يجيب وعقله يستعد لسماع صوتها  : 
- ألو  ؟ 
أجابته بحرج غلف نبرتها  : 
- أستاذ ثائر أنا نسيت أرجعلك البالطو  ،  ممكن حضرتك تقولي رقم الأوضة بتاعتك علشان أجبهولك  ؟ 
أجابها بهدوء وغموض  : 
- مش مشكلة  ،  خليه معاكي علشان لو حبيتي تنزلي في المطر  . 
شعرت بالإحراج لذا تحمحمت تجيب بثقل  : 
- لا متشكرة جدًا أنا معايا البالطو بتاعي  ،  خلاص أنا هسيبهولك تحت في الاستعلامـ.ـا.ت  . 
- خلاص خليه معاكي وبكرة هاخده منك  ،  تصبحي على خير  . 
أغلق بعدها دون أن يسمع ردها فشعرت بالضيق ولكنها كظمته وجلست على فراشها تفكر قليلًا ثم قررت مهاتفة عائلتها  . 
❈-❈-❈
ها هو يستعد ليغادر المشفى ومعه أحد رجاله يساعده ويخبره بآخر التطورات وأهمها عدم استطاعة صديقه  مساعدة ابنته  . 
ابتسم بتشفي فإن وضع أحدهم في رأسه لن يتركه وهي خانته بل واستدرجته وأوهمته بالعشق  . 
لن ينسى نظرتها آنذاك حينما أطلقت عليه النار دون أن يرف لها جفن  . 
نهض بمساعدة رجله ثم تحدث بتأنٍ وهو يتحرك معه للخارج  : 
- ماذا عن ثائر ذو الفقار  ؟ 
- هو في الإمارات يحضر مؤتمرًا أدبيًا وسيعود خلال أيام  . 
تعجب توماس حيث أن ثائر لم يغادر البلاد منذ أن جاءها ولكنه أومأ يجيبه  : 
- حسنًا  ،  لنستعد للعمل  ،  لقد نمت طويلًا ومن المؤكد أنه كان يسرح ويمرح  . 
أومأ مساعده وهما يتجهان نحو المصعد ليتابع بنبرة ساخرة  : 
- أتعلم يا رجل  ،  انه نحس  ،  بمجرد موافقته على العمل معنا رقدت في المشفى لأشهر  ،  أتمنى ألا يحدث لي عاهة مستديمة حينما يبدأ في الجولات  . 
أومأ رجله مؤيدًا لكلمـ.ـا.ته واستقلا المصعد سويًا ليغادرا  . 
❈-❈-❈
في اليوم التالي ذهب كل منهما إلى المؤتمر ولكنها لم تلتقِ به بعد  ،  اصطحبتها ليان وتعجبت من حملها لمعطفه على يدها خاصةً وأنها بالفعل ترتدي معطفًا وحينما تساءلت أخبرتها ديما أنه عائدٌ لأحدهم وستقص لها أمره عند العودة  . 
اتجهت لتحضر الندوة وتستمع لكلمته حيث الجموع تتأهب لسماعه بعدما تم الإعلان عنها أمس ،  صعد المسرح وجلس أمام المقدم وعلى مرمى بصره يجلس الكثير من الشباب الذين ينبهرون به ويحبونه وآخرين لا تعجبهم كلمـ.ـا.ته وأتوا ليناقشوه ولكنه كان مختصرًا بشكلٍ مبالغ فيه . 
فقط بعض النصائح العامة بالقراءة  ،  لم يقل شيئًا مؤثرًا يترك به بصمة هنا كما كانت تعتقد ولكنه ختم حديثه عن كتبه يقدم نصيحة عامة حيث أنه التفت ينظر للجميع وأردف باللغة الفصحى : 
- الكاتب الحقيقي يصعب خداعه حيث أن عقله ومشاعره في انسجامٍ مستمر  ،  هناك كاتب تشعر أنك في خطر حينما تقرأ له  ،  وكاتب آخر تجد الأمان في كلمـ.ـا.ته لذا فكن على حذر حينما تختار كاتبك واعلم أن العقل البشري هو المحرك الأساسي للعالم فلا تغذيه إلا بما يصلحه  . 
فهمت نصيحته ولكنها لم تصفق له كالبقية  ،  فعلت مثلما فعل معها وجلست تحدق به وتعيد نصيحته على عقلها  ، بالفعل هو صادقٌ في أقواله وبالنسبة لها فهي وجدت الأمان بالفعل في كتبه   . 
أما هو فنهض يودع المقدم ويحيي معجبيه ونزل يغادر المكان محافظًا على هيبته يخطو بين الجميع شامخًا حتى مع عدم قوله لأقوالٍ تخلّد  . 
وللمرة الثانية تنسى إعطاءه المعطف وحينما تذكرته كان قد غادر سريعًا  . 
انتهت حفلة توقيعها واتجهت مع ليان التي اصطحبتها لتتناولا الغداء وتتجولان قليلًا  . 
أخبرتها ديما أثناء سيرهما عما حدث أمس حينما تساءلت عن هويته  ،  لتجيبها بإعجاب سكن ملامحها   : 
- أووو يعني بالطو ثائر ذو الفقار وياج  ؟  إنتِ ت عـ.ـر.فين فيه كام واحدة تتمنى اللي حصل وياج ؟  ثائر ذو الفقار برغم مقالاته المثيرة للجدل بس هو ذكي جدًا وغامض جدًا وقِدر يسوي لنفسه مكانة تتخطى الحب والكره  ،  يعني راح تلاقين اللي يكرهونه قليلين بالرغم من تصريحاته  ،  أنا قرأت له بحر ثائر  ،  كتاب حلو جدًا ومفيد  ،  بصراحة شخصيته تخليج تبغين تستكشفينها  . 
نعم هي تدرك ذلك جيدًا  ،  تعلم ذلك عنه وعاشت الحالة التي تتحدث عنها ليان لذا زفرت بقوة وأردفت بهدوء  : 
- أنا ماعنديش أي مشكلة معاه من جهة كتاباته بس عدم انتماؤه لبلده ده عندي اسمها خيانة  . 
- ما ادري يا ديما بس ممكن يكون انظلم فعلا  ،  ماحد يدري وش اللي صار وياه خلاه يوصل لين هني. 
صمتت تفكر ولم ترد  ،  نعم أخبرها أنه ظُلم  ،  ولكن كيف وهو ابن عائلة ذات ثقل كعائلته  ؟  أي ظلمٍ هذا الذي وقع عليه ليصبح هكذا  ؟  ولمَ يهاجم المرأة على وجه الخصوص  ؟ 
❈-❈-❈
كالعادة تجلس تتناول وجبة الغداء معه ولكنها شاردة على غير عادة أمام عينيه المتسائلة والتي أتبعها بسؤاله  : 
- مالك يا بسمة  ؟ 
لم تنتبه له لذا قطب جبينه وعاد يتساءل  : 
- بسمة  ؟  في إيه  ؟ 
انتبهت له لذا تحمحمت تنظف حلقها وتنفست بعمق لتردف موضحة  : 
- داغر أنا بفكر أرجع الشركة  ،  الأداء هناك مش مضبوط وموظفين كتير بيشتكولي وإنت عارف ان دي شركة بابا الله يرحمه وهو تعب جدًا فيها  ، وبالنسبة للمصنع أنا مطمنة عليه جدًا وإنت فيه  . 
شعر بوخزة هجمت على قلبه وتبدلت ملامحه ليسكنها الانزعاج مما تقوله  ،  ستبتعد  ؟ كيف سيحتمل هذا البعد  ؟ وكيف له أن يعترض ومن هو ليعترض لذا تنفس نفسًا حارًا حتى أنه شعر بقلبه يحترق وهو يدعي التبسم مجيبًا  : 
- تمام دي حاجة كويسة جدًا  . 
تذكر ماجد ليتخذه ذريعة لذا أسرع يتابع  : 
- بس ماجد ابن عمك هتعملي معاه إيه  ،  وإزاي هتتحملي تبقي إنتِ وهو في مكان واحد؟ 
تعلقت في عينيه وأردفت بأسف  : 
- ماجد مش هيكون معايا في الشركة يا داغر  ،  ماجد هيكون هنا وهو اللي هيتولى إدارة المصنع بدالي  . 
صدمة لونت وجهه بلون الخذلان  ،  ستضع ذلك المعتوه الحقير الذي يسعى ليصل لها عنوة فوق رأسه  ؟  هل جنت أم ماذا  ؟ 
وجدته صامتًا يطالعها بصدمة فحاولت توضيح الأمر له لذا نطقت بتروٍ  : 
- داغر إنت عارف إني بثق فيك جدًا  ،  إنت وصالح اللي هتكونوا المسؤولين الفعليين عن المصنع وهو شكلًا بس لكن مش هينفع أعترض وفي نفس الوقت مش قادرة أتخطى الأحداث اللي بتحصل في الشركة  ،  أرجوك حاول تفهمني  . 
تبرر له لأنه يستحق  ،  لأن بينهما صداقة ولكن من المؤكد ليس حبًا  ،  هو لا يحبها وهذه المشاعر نابعة منها وحدها  . 
هذا ما يفكر فيه  ،  تبرر له لأنها تعتبره صديقًا ولأنها تثق به ليس لأنها تحبه  ، من المستحيل أن تقع مثلها في حبه لذا نهض على الفور يرسم ابتسامة على ملامحه ويردف بنبرة رسمية  : 
- اعملي اللي شيفاه مناسب يا آنسة بسمة  ،  ومن ناحيتي مـ.ـا.تقلقيش الشغل هيفضل زي ما هو بالضبط واطمني المصنع مش هيتأثر بأي شكل  . 
تنفس بعمق ثم تابع بمغزى  : 
- إلا بقى لو أستاذ ماجد ليه هدف معين  . 
قالها وتحرك بعدها يغادر وتركها ترتد على المقعد تفكر فيما قاله وتبحث عن حلٍ يرضي جميع الأطراف بين عقلها وقلبها 
❈-❈-❈
جلس خلف مكتبه يتصفح هاتفه بعدما سمع أخبـ.ـارًا متداولة عن طليقته التي سافرت إلى الإمارات لتحضر ندوة أدبية  . 
الغيظ توغل إلى قلبه و شيئًا من التملك استحوذ عليه  ،  نجاح وشهرة وأراء جميعها تؤكد على نجاحها وبراعتها  . 
نظر حوله يتأكد من انشغال العمال والأهم أن زينة لن تزوره قط لذا بحث عن اللقاء الخاص بها عبر موضع الفيسبوك وجلس يشاهده  ،  يسمع حديثها ويرى ملامحها  . 
يعترف أنها جميلة ولكنها بدت مختلفة في عينيه وكأنها تتلون من جديد  ،  هل ياترى تحاول إصلاح ما أفسدته  ؟ ترى هل نـ.ـد.مت على تصرفاتها  ؟ 
كان منشغلًا بملامحها ورتابة هيأتها ليسافر عبر ذكرياتهما ويتذكر رائحتها وخجلها ورقتها وابتسامتها قبل أن تصدمه كلمـ.ـا.تها  . 
عادت ملامحه تتجهم حينما وجدها تتحدث عن المرأة التي قهرها الرجل  ،  من المؤكد لا تقصده لأنه لم يفعل  ،  ربما تقصد والدها  ؟! 
نعم من المؤكد تقصد والدها أو أنها مازالت تكابر  ،  شعر بالضيق فزفر وأغلق المقطع ثم حذف العنوان الذي بحث عنه من محرك البحث حتى لا تراه زينة التي تراقب كل صغيرة وكبيرة من أفعاله  . 
زفر وفرد ظهره على المقعد يفكر فيها وفي حياته وسبح يتخيل ماذا إن عادت له واعترفت بأخطائها  ؟  وهل ستسمح زينة بذلك  ؟ 
❈-❈-❈
مساءً 
عادت إلى الفندق ثم وقفت عند الاستعلامـ.ـا.ت وتساءلت بترقب  : 
- ثائر ذو الفقار في غرفة كام لو سمحت  ؟ 
أجابها الموظف برتابة  : 
- غرفة ٤١٥  . 
أومأت له واتجهت تصعد متعجبة  ،  أنه يقطن بجوارها  ؟! 
صعدت واتجهت تقف أمام غرفته ثم طرقت الباب بحذر واعتدلت تتمسك بمعطفه ليفتح بعد قليل ويطالعها بثبات  . 
يرتدي حلته ويترقب حديثها فقالت وهي تمد يدها له  : 
- اتفضل البالطو  ،  بردو مشيت من غير ما تاخده  . 
التقطه منها يومئ لها فابتسمت وتحركت لتغادر ولكنه أوقفها بحديثه  : 
- عندي ليكي عرض  . 
توقفت بالفعل ثم التفتت تطالعه والتساؤلات انهمرت على ملامحها ليتقدم منها خطوة ويسترسل بثباتٍ يخفي خبثه   : 
- عندي عرض صعب إن أي حد يرفضه بس مش هينفع أتكلم عنه هنا  ،  خلينا ننزل تحت في المطعم وأقولك اللي عندي  . 
لم ترتح لكلمـ.ـا.ته ولا نظراته لذا أجابته بنبرة جادة  : 
- شكرًا بس أنا مش محتاجة أي عروض  . 
أدرك أنها فهمته بشكلٍ خاطئ لذا استرسل بنبرة مبهمة يتلاعب بها على وترها الحساس  : 
- مش عايزة توصّلي رسالتك عن المرأة العربية للمجتمع الغربي  ؟  مش عايزة تثبتي إن وجهة نظري غلط  ؟  أنا شايف إنه تحدي ممتع جدًا  . 
أثار داخلها روح التحدي بالفعل لذا ولته انتباهها وتساءلت بتعجب  : 
- تحدي إيه  ؟  وليه أصلًا أثبت نفسي للمجتمع الغربي  ؟  
اقترب خطوة أخرى وأردف بابتسامة أدركت بها أنه استشف اهتمامها بالأمر  : 
- مش هتكلم في تفاصيل هنا  ،  بس أنا حابب اتحداكِ وبما إننا اتنين مصريين وكل واحد مننا ليه وجهة نظر مختلفة فخلينا نحط وجهاتنا على الترابيزة ونسيب المجتمع الغربي يحكم بينا  ،  واللي هيفوز فينا هيكون مكسب كبير ليه ولأفكاره وبالتالي لجمهوره . 
وجدها صامتة شاردة تفكر ليتحمحم ويرنو منها هامسًا  : 
- هستناكِ تحت نشرب قهوة مضبوطة ونتكلم  . 
تحرك يضع المعطف داخل غرفته وأغلقها وغادر يتحرك للأسفل وهو على يقين أنها ستتبعه  . 
❈-❈-❈
جلس يطعم والده من الطعام الذي جلبه معه أثناء عودته  ،  يفكر فيما قاله داغر له عن حال العمل  ،  يعلم أن داغر يحب بسمة بالرغم من أنه لم يفصح له عن ذلك ولكن هو خير من يدرك نظراته نحوها  . 
ليته يستطيع مساعدته بأي شكلٍ كان ولكن كيف السبيل لذلك  ؟ 
لمحه والده المريـ.ـض فتساءل بأنفاسٍ مهدرة  : 
- مالك يا صالح  ،  مالك يابا بإيش سرحان  ؟ 
ابتسم ابتسامة لم تصل لعينيه وأجابه موضحًا : 
- سلامتك يابا  ، بس بفكر بالشغل  ، صاحبة المصنع بدا تروح وراح ييجي ابن عما والزلمة هاض التعامل معاه مش مريح  ،  الله يستر  . 
يعلم أن ابنه عزيز النفس لن يسمح لمخلوقٍ أن يهينه أو يقلل من قيمته  ،  انقلب الحال وبعدما كان يدير مصنع عائلته أصبح هو العامل  ،  تنفس الرجل وأجابه بحزنٍ  : 
- أنا عارف إنك تعبت معاي وإن الشغل عند الناس صعب  ،  بس إحنا مرقنا بالأصعب  ،  شـ.ـدة وراح تزول يا صالح وربنا راح يزيح الغمة بإذن الله و ما بتعرف بكرة بنرجع بلدنا وترجّع مصنعنا زي ما كان يابا . 
يثق في قدرة الله ولكنه ينظر إلى الواقع لذا مسح على وجهه وزفر يجيبه  : 
- ادعي نرجع بلدنا يابا بس المصنع صعب يرجع  ،  اللي راح برجعش للأسف  . 
قالها وتشبحت ملامحه بالحزن على عائلته التي استشهدت ولكن والده كان يفكر في أمرٍ آخر لذا تساءل بترقب  : 
- يعني لو الغمة انزاحت راح ترجع يا صالح  ؟ 
ربما تعلقت روحه بصداقته مع داغر وتعلق عقله بالمكان هنا وتعلق قلبه بها ولكنه حتمًا سيعود إلى وطنه لذا أردف مؤكدًا  : 
- طبعًا يابا راح رجع  ،  لولا اللي صار معك ووضعك الصحي وحسيت إنك بدك بتضيع مني أنا ماكنتش طلعت من بلدي اصلًا و اخرتي ارجع   . 
اطمأن الرجل قليلًا  ،  لقد كان يخشى بقاء ابنه هنا خاصةً وأنه يعلم مدى تعلقه بداغر وبالعمل لذا عزم أن يخبره بسره  ؟  علّه يطمئن قليلًا ويرفع من على عاتقه ثقل الهموم  ؟ 
لاحظ صالح شرود والده لذا تساءل بشك  : 
-  بشو صافِن  يابا ؟  
تحمحم الرجل ومد يده يربت على كف صالح مطمئنا مردفًا  : 
- ابدا يابا  ، خليها على ربك . 
أومأ صالح ونهض يجمع الأغراض ويغسل يديه وجلس الرجل يفكر في شقيقه الذي يقطن في كاليفورنيا  ،  لقد حان وقت الاتصال به ليسترد أمانته  .
❈-❈-❈
جلس ينتظرها ولم يرغب في احتساء القهوة بدونها لذا أجل طلبه إلى أن تأتي  . 
مرت ربع ساعة ليجدها تدلف المطعم بثيابٍ أخرى  ،  مرتدية فستانًا أزرقًا هادئًا ومحتشمًا ،  لونه يشبه البحر الهادئ وفي فحواه ألف ثورة  ، تخطو نحوه كموجة تتقدم على رماله الجافة فتنعشها وعينيها كشمسٍ سطعت في الأفق فانعكست على الأمواج تضيئها وانعكست على عينيه فتلألأت  . 
وترتها نظراته لذا أخفضت بصرها لينتبه لنفسه فتحمحم وأردف حينما وقفت أمامه  : 
- اتفضلي  ،  مارضتش أطلب القهوة غير لما تيجي  . 
جلست تطالعه بهدوء وأردفت  : 
- خلينا نتكلم علطول مافيش داعي للقهوة  ،  وياريت تخليك واضح وتعرفني إنت عايز إيه بالضبط  ؟ 
مال جانب فمه بابتسامة ساخرة ونفذ لها طلبها يوضح بتباهٍ : 
- عندي ليكي فرصة عمل في فرنسا  ،  إنت عارفة إن فرنسا بلد ديمقراطي وبيتقبل جميع الأراء وهتقدري هناك تاخدي راحتك تمامًا في اللي بتكتبيه  . 
حدقت به بعدم استيعاب  ،  فرنسا  ؟  أيريدها أن تسافر إلى فرنسا  ؟  هل يظن الأمر بهذه السهولة  ؟  نعم فهو لا يعلم عنها شيء  . 
لاحظ صدمتها فابتسم وأشار للنادل يطلب فنجانين من القهوة المضبوطة ثم عاد إليها يتابع بهدوء : 
- بما إنك كتبتِ قصة بتعبر عن المرأة العربية فأنتِ تلقائيًا بقيتي مجبرة تثبتي كلامك وتأكدي صحته  ،  مجبرة توصلي صوتك ورسالتك وتقدمي حلول كمان  ،  مجبرة تتحديني لإني مش مقتنع إن قصتك دي واقعية أبدًا  . 
ابتسمت ساخرة حينما استفزتها كلمـ.ـا.ته وأردفت تؤكد  : 
- حضرتك مغرور  . 
- جدًا  . 
أجابها بتأكيد مماثل ليستطرد باستفزاز أعلى  : 
- أنا مغرور لإنك عارفة إني على حق  ،  إنت اللي محتاجة تبصي حواليكي كويس  ،  وبعدين أنا بقدملك فرصة مستحيل تلاقي زيها وهي إنك هتسافري وتشتغلي معايا في المجلة وتكتبي بحرية أكبر وتوصلي رسالتك للجهة التانية من العالم زي ما وصلتيها للشرق الأوسط  ،  ده غير إنك لو نجحتي هتهدمي أسس ثائر ذو الفقار الكاتب المغرور زي ما قولتي   ،  ومش هنتكلم في الجزء المادي اللي أكيد يستحق التفكير خصوصًا إنك لسة في أولى خطواتك  . 
جعلها تتصارع مع عقلها حيث أنه قدم لها جُل المغريات التي يمكن أن تؤثر عليها عدا الجزء المادي فهي ليست المرأة التي تنحني أمام المغريات المادية لذا فهي تعد أصعب أنواع النساء   ، المال بالنسبة لها وسيلة وليس غاية . 
زفرت بقوة دليل على صراعها لتجيبه بعد ثوانٍ وهي تهز رأسها  : 
- شكرًا إنك فكرت فيا برغم إن مبادئنا مختلفة بس للأسف العرض ده مستحيل ينفع معايا  ،  أنا أم لطفلين وعندي عيلتي اللي ماقدرش أبعد عنهم أبدًا وليا مسؤوليات أفضّل التزم بيها جوة بلدي وأهمهم ولادي  . 
- إنتِ جبانة  . 
كان هذا جوابه لتطالعه باستنكار تنتظر أن يبرره ولكنه تابع  : 
- جبانة لأنك خايفة تواجهي التحديات  ،  ممكن تقوليلي إيه المميز في إنك تكتبي وتربي طفلين وتعيشي مع أسرتك البسيطة جوة بلدك في الوقت اللي ممكن تكتبي وتربي طفلين لوحدك وتعيشي لوحدك وتوصلي رسالتك كامرأة عربية ويعرفك جمهور أكبر وممكن جدًا يقتنع بأفكارك  ،  ولا إنتِ خايفة تفشلي  ؟ 
زاد من حدة الصراع داخل عقلها لذا هزت رأسها  ،  لثوانٍ من الصمت الظاهري الذي قطعته بعد رؤيتها لنظراته المستفزة لذا أردفت وهي تستعد للنهوض  : 
- أسفة بردو ماقدرتش تقنعني  ،  أنا مبسوطة كدة وتقدر تقدم العرض ده لحد غيري  ،  عن إذنك   . 
نهضت تغادر نادمة على مجيئها وعلى مكوثها مع شخصٍ مستفز مثله  ، هل يسخر منها  ؟ أي سفرٍ وأي عملٍ وأي تحديات  ؟ هي فقط ديما الصابر  ، امرأة السلام  . 
انتهى الفصل 
ابتعدي.. اقتربي
 اذهبي... لا تذهبي
 ارحلي... لا ترحلي
 اقبلي... لا تقبلي
 أنظري لقلبي.. 
 لا تنظري فقط تجاهليني... 
 انسيني.. لا تفعلي 
 دوما أذكريني.... 
 دائما ماعرفت ما اريد
 لكن بحضورك صرت أجهل دروبي وأنسى حروفي
 وبغيابك أضعت كل عناويني، إلا عنوانك أنت
 لكن لا أعرف 
 إن كنت سآتي... أم أني لن آتي
( بقلم فيروزة  ) 
❈-❈-❈
بالنسبة له أضحت كل البلاد سواء مثلها كالبلد الذي يسكن فيها لا دفء فيها ولا احتواء. 
في اليوم الثالث استيقظ باكرًا وجمع أمتعته ينوي العودة إلى فرنسا  ،  كان يود رؤية شقيقه دون أي سعي منه  ، أرادها أن تأتي صدفة لا يعلم كيف ولكنه تمنى ولم يسعفه الحظ لذا ها هو يحمل حقيبته الممتلئة بالخيبات وسيعود إلى دياره البـ.ـاردة  .
كانت في غرفتها تقف تمشط خصلاتها وتتحدث مع ليان عبر الهاتف قائلة  :
- خلصت يا لينو أهو عشر دقائق وهنزلك  ، مش عارفة بس لزومه إيه المشوار ده كنت رجعت مصر النهاردة  ، الولاد وحشوني أوي  .
تحدثت ليان عبر الهاتف بنبرة معاتبة  :
-   شِذي راح تزعيلني منج  ، يعني ما تبغين تطلعين وياي ونلف الشارجة  ويا بعض؟  أنا كان وِدّي اخذج دبي عند برج خليفة والجميرا بس تتعوض المرة الياية إن شاء الله   . 
ضحكت ديما وأردفت وهي تضع الطوق المزخرف فوق رأسها وتتأمل ملامحها في المرآة  : 
- مرة جاية إيه  ؟  لاء المرة الجاية إنتِ اللي تيجي القاهرة وأنا اللي هفسحك  ،  يالا اقفلي وانا هنزلك أهو  . 
أغلقت معها واتجهت تحضر حقيبة يدها ولكنها استمعت إلى طرق على باب الغرفة فاتجهت لتفتح الباب فوجدته أمامها يطالعها بثقب فتقدمت تقف مقابلة له وتنتظر حديثه وبدى التعجب على ملامحها ليردف بنبرة مبطنة بالثقة  : 
- جيت أسلم عليكي قبل ما ارجع فرنسا  ، واقولك اني هستناكي هناك  . 
أدهشتها ثقته لذا ابتسمت تتكتف وتردف بنبرة لينة  : 
- شكرًا يا أستاذ ثائر وأنا بجد ممتنة لمقابلتنا هنا وكانت من دواعي سروري بس للأسف هتستنى كتير  ،  عرضك بالنسبالي مستحيل  . 
تأملها لثوانٍ ولم يحيد نظره عنها حتى بعدما لاحظت وتـ.ـو.ترت ليسلط نظره على خصلاتها الناعمة والقصيرة التي لم تتجاوز أكتافها  ،  انكبت عينيه على الطوق المزخرف الذي تقيد به تمرد خصلاتها لذا لا إراديًا منه امتدت يده بشكلٍ مفاجئ ينتشله من فوق رأسها فشهقت وابتعدت خطوة للخلف تطالعه باستنكار وتساءلت  : 
- إنت بتعمل إيه  ؟  
نظر لها وابتسم ثم نظر للطوق في يده ولوح به يردف بثبات  : 
- هخليه معايا وهرجعولك في فرنسا   ،  يالا سلام  . 
التفت يغادر تحت صدمتها من فعلته ليصل أمام المصعد وقبل أن يستقله التفت يطالعها ويستطرد بنبرة مبهمة تحمل حنينًا يخفيه وراء جدار جليده  : 
- سلميلي على مصر  . 
دلف بعدها المصعد واختفى من أمامها لتقف عاجزة عن فهم وإدراك شخصية هذا الرجل  ،  لم تقابل مثله من قبل وهذا يجعلها على حذرٍ دائم معه ، يكفيها من الخيبات ما يؤهلها لتحذر من البشر خاصةً هو بغموضه وعلامـ.ـا.ت الاستفهام المحيطة به من كل جهة . 
رفعت يدها تتحس خصلاتها وتتمتم بذهول وهي تتجه للداخل وتغلق الباب  : 
- مـ.ـجـ.ـنو.ن  . 
دلفت تتجه نحو المرآة وتنظر لنفسها مجددًا وتتساءل عن سبب تحديقه بها ولِم أخذ منها تذكارًا  ؟  لمَ أطال النظر لخصلاتها البنية فهي لا تمتاز بالسُمك والطول كما يحب الرجال  ؟ 
❈-❈-❈
العودة إلى الوطن هي الأصل  ،  هي الدفء  ،  هي السكينة  . 
عادت إلى مصر بعدما قضت ثلاثة أيام في دبي ستسجلهم في ذاكرتها بالأيام الخيالية على الإطـ.ـلا.ق  . 
ليس فقط لأنها حضرت مؤتمر الشارقة الأدبي ولكن لقاءها بثائر ذو الفقار فاق كل توقعاتها  ،  حديثها معه إلى الآن تظنه حلمًا تمنته  ،  محاورته رغبة تملكت منها ولم تتوقع قط أن تتحقق  ،  وأخيرًا عرضه لها وتوديعه المميز والذي لن ينقشع من ذاكرتها أبدًا  . 
يعرض عليها فرصة عملٍ في فرنسا  ؟  بأي ثقة أتى وألقى عرضه هكذا  ؟  ويخبرها أنها جبانة  ؟  أنها غير مميزة وأن ما تفعله يعد شيئًا نمطيًا  ؟ 
حسنًا ربما هو هكذا بالنسبة لشخصٍ مثله تمرد على المجتمع وانحرف عن مساره وأضحى كاتبًا مشهورًا نال إعجاب أعدائه قبل محبينه وهي أولهم ولا تنكر هذا قط  . 
ولكن بالنسبة لها هي حققت حلمًا كان ضـ.ـر.بًا من ضروب الخيال  ،  لقد كتبت قصتها بسلبياتها وإيجابياتها وانتشرت وعُرفت بامرأة السلام دون أن يصدق أحدًا أنها البطلة  . 
لقد لمست قلوب جميع النساء المقهورات في وطنها والعالم العربي دون أن تقع في بئر شفقتهن عليها  . 
لقد حققت معادلة صعبة في مسارها وتحررت من قيود شخصٍ نرجسي متسلط وقاسٍ واستطاعت الفرار من أسوار متاهته هي وصغارها وهذا بالنسبة لها إنجازًا عظيمًا وستسعى دومًا لتحقق المزيد من الإنجازات ولكن هنا بين عائلتها ومن يحبونها وليس في الغُربة  . 
هو مخطئ وبـ.ـارد  ،  بـ.ـاردًا للدرجة التي جعلته يصدق أن التميز هو الوحدة والغربة  ،  يريدها أن تترك وطنها ودفء أسرتها وترحل مع صغيريها لبلدٍ بـ.ـارد يفتقد الدفء وتواجه كل هذا الصقيع والتيار المعاكس فقط لتحصل على لقب تميز في عينيه  ؟ هه مغرور  . 
كانت تتصفح هاتفها وتقرأ الرسائل التي وصلتها ،  إحداهما تعبر لها عن امتنانها بأن القصة قد الهمتها حلًا سيجعلها سعيدة  ،  وأخرى تشتكي لها أنها عانت من ويلات زوج نرجسي  ،  وأخرى تعبر لها عن كونها شخصية مسالمة وضعت ضوابط وسطية سليمة لا تشجع على الطـ.ـلا.ق ولا تساعد على الاستعباد  . 
لتجد منشورًا منه قد ظهر لها كجميع منشوراته  ،  صورته يقف يدلك خصلات حصانٍ بني اللون يمتاز بالجمال وبراعة الخلق  . 
خصلاته ناعمة مسترسلة بشكلٍ رائع ليعلق ثائر أسفل منشوره بالفرنسية موضحًا  : 
(  ما يميز الفرس ( الحِجْر ) ويجذبك إليها أولًا هي خصلاتها  ،  جميلة ناعمة و  ..  بنية  ،  لو أننا أخفيناها لن ننبهر بها مجددًا  ) . 
قطبت جبينها تحاول فك شيفرة منشوره  ،  ماذا يقصد  ؟  من المؤكد لا يقصد الخيل حقًا فمن ذا الذي سيخفي خصلات الخيل  ؟ 
قطع حبل أفكارها دخول داغر عليها في غرفتها حيث تقدم منها وجلس أمامها يحدق بها ليستشف ما بها ولكنه عجز عن تحديده لذا تساءل  :
- مالك يا ديما  ؟ من وقت ما رجعتي وانتِ علطول كدة بتفكري  ، في حاجة حصلت  ؟
أمعنت النظر فيه جيدًا ثم نظرت نحو باب الغرفة حيث يلعب الصغيران في الخارج لتزفر بقوة وتردف موضحة حيث أرادت مشاركته ليؤكد لها أنها على صواب  :
- داغر أنا قلتلك قبل كدة إني بقرأ لكاتب كبير ومعروف اسمه ثائر ذو الفقار  ، هو مصري بس عايش في فرنسا من سنين ومعاه الجنسية الفرنسية  ، حواليه أسئلة كتير بس في المجمل هو محبوب من ناس كتير وأولهم العرب برغم إنه بينتقدهم وخصوصًا المرأة  ، لدرجة انهم دعوه على مؤتمر الشارقة وحضر فعلًا واتقابلت معاه  .
أولاها انتباهه وهو يستند بذراعه على فراشها وبدأ يركز معها جيدًا لتتابع بشرود حينما تذكرت حديثه  :
- ماقدرش أنكر إن كتبه هي اللي ساعدتني أتخطى حاجات كتير سيئة في حياتي  ، ألهمتني أفكار كتير  ، كلامه كان له تأثير إيجابي عليا  ، بس هيفضل لغز بالنسبالي   . 
- طيب انتِ مالك بيه يا ديما  ؟ واتقابلتِ معاه إزاي يعني  ؟ 
سألها داغر بقلق وهو يتمعن في ملامح شقيقته بدقة فحدقت به تسترسل بثقة وثبات بعدما فهمت إلام يرمي بسؤاله : 
- بعد ما قلت كلمتي عن المرأة تقريبًا كدة لفت انتباهه واشترى كتابي وقرأه ومش هتصدق قال لي إيه  . 
تجهمت ملامحه خيفةً وتساءل بأنفاس ثقيلة  : 
- قالك إيه يا ديما  ؟ 
زفرت بقوة وازدردت ريقها تستطرد  : 
- عايزني أسافر فرنسا أشتغل معاه في المجلة وأكتب براحتي هناك وأثبت وجهة نظري للمجتمع الغربي  ،  بمعنى أصح بيطلب مني اتحداه  ،  بيقدملي فيزا وشغل بمبلغ مجزي جدًا مش سهل يترفض وفي المقابل عايزني أسيب مصر وأهلي وأعيش هناك   . 
غمر الرعـ.ـب قلب داغر وأردفت برفضٍ تام تغلفه نبرته الساخرة   : 
- ده مـ.ـجـ.ـنو.ن ده  ،  فرنسا إيه اللي تسافريها وانتِ معاكِ عيلين  ؟  سيبك منه ده شكله مفكر إنك واحدة متحررة وكل حاجة عندها عادي  . 
هكذا أرادته أن يثبت لها صحة رفضها لذا تنهدت بعمق تومئ له مردفة  : 
- فعلا ممكن يكون أخد عني فكرة زي كدة  ،  أنا بس استغربت عرضه وبصراحة اتفاجئت بعرض زي ده  ،  أنا لسة في بداية الطريق وربنا مَن عليا وكرمني من وسع فمحتاجة أفهم الحكمة من حاجة زي دي وفي التوقيت ده  ؟ 
أردف يؤكد لها ما يحاول إثباته لنفسه  : 
- الحكمة إنك تتحديه طبعًا بس وانتِ هنا في مصر  ،  تحاولي توصلي صوتك وصوت أي ست مظلومة وحقوقها ضايعة  ،  تتكلمي عن اللي المفروض يكون عليه الوضع وزي ما كتابك اتشهر في الوطن العربي سهل يتشهر برا كمان وصوتك يوصل   . 
نهض يربت على كتفها ويتابع بمغزى وقلق يراوده خاصة حينما وجدها مازالت شاردة  : 
- روقي انتِ بس وقومي يالا اقعدي معانا برا ومـ.ـا.تفكريش كتير   ،  انسي اللي قاله يا ديما ده واحد مفكر كل حاجة سهلة  . 
أومأت له وتركته يغادر ثم زفرت ونهضت تتحرك نحو الخارج لترى صغيريها وتنتظر يسرا التي هاتفتها وأخبرتها أنها آتية لرؤيتها  . 
❈-❈-❈
عاد إلى فرنسا وإلى منزله وإلى وحدته وصقيع فؤاده  . 
جلس خلف مكتبه في دار النشر يتذكر تلك المصرية وفي يده قصتها يقرأها للمرة الثانية ويبحث داخلها عن شيئ معين  . 
عرضه عليها لم يأتِ من فراغ ويعلم أنها لن تقبل بسهولة ولكنه أرادها أن تتحداه  ،  سيفتح لها المجال لتثبت نفسها أمام المجتمع الأوربي وتريهم هل حقًا المرأة العربية هي الأقوى والأنجح والتي تنفرد بالتميز أم أنها كلمـ.ـا.تٍ كتبت على ورقٍ فقط  !. 
ابتسم حينما تذكر التذكار الذي انتشله منها قبل رحيله  ،  لم يُعرف بأفعالٍ متهورة قط ولكنه أراد أن يثبت لها أنها ستأتي  ،  عاجلًا أم آجلًا ستأتي  . 
زفر بقوة ووضع الكتاب جانبًا ثم التقط هاتفه يتفحصه وينظر نحو المنشور الذي نشره صباح اليوم  ،  ترى هل رأته وفهمت معناه  ؟ 
❈-❈-❈
نزل داغر إلى الورشة ليباشر عمله بعد عودته من المصنع الذي أصبح العمل به مملًا ولكنه يتحامل على نفسه . 
خاصةً وأن ذلك الماجد يتعمد دومًا إثارة غضبه ولأنه يوقن أن البقاء هنا له بات يتجاهله ويؤدي عمله فقط  . 
دلف فوجد صالح قد سبقه ويفحص إحدى السيارت فألقى السلام عليه واتجه يرتدي مريول العمل ثم ذهب نحو سيارة أخرى ليفحصها وتساءل  : 
- الحاج عامل إيه يا صالح  ؟ 
أجابه صالح وهو منشغلٌ فيما يفعله  : 
- حالته مش عاجبيتني يا داغر  ،  هو بيقول إنه منيح بس أنا عارف أبويا  ، دعواتك  . 
بدا الحزن على ملامحه وزفر يجيبه  : 
- ربنا يشفيه ويبـ.ـارك فيه  ،  إن شاء الله خير وشوف لو محتاج أي حاجة إحنا موجودين  . 
- تسلم  . 
انشغلا في عملهما والصبية حولهما لتقف بعد دقائق سيارة اشتاق لقائدتها  ،  لم يرها منذ عدة أيام لدرجة أنه قرر أن يتجاهلها فهي من اختارت أن تبتعد لذا فحينما هاتفته اليوم لم يجبها  . 
أتت وتوقفت أمامه تطالعه بنظرات ذات مغزى قبل أن تترجل  ،  لو أن للنظرات صوتًا لصرخت عيونهما معترفة بحب كلٍ منهما للآخر   . 
أطرق رأسه بتـ.ـو.تر وشعر بنبضاته تكاد تخترق قفصه لذا زفر بقوة واعتدل حينما ترجلت واتجهت ترحب بصالح الذي أومأ لها باحترام واستمر في عمله  . 
خطت حتى توقفت أمامه وسألته وفي عينيها لمعة احتياج  : 
- مش بترد عليا ليه يا داغر  ؟ 
هو أضعف من أن تواجهه إحداهن خاصةً إن كان ينبض القلب لها  ،  أضعف من تحمل هذا  ،  الآن يمكنه الاعتذار لها بدلًا عنها ولكنه تذكر تخليها وبُعدها عنه لذا أبعد عينيه يجيبها بجدية جديدة عليها  : 
- أبدًا يا آنسة بسمة انشغلت في المصنع شوية  ،  إنتِ عارفة إني لازم اهتم كويس وإلا ماجد بيه ممكن يضايق  . 
نطق الأخيرة بمغزى فزفرت بضيق وأشارت له نحو المقاعد تسأله  : 
- ممكن نقعد ونتكلم  ؟ 
مسح على وجهه فهو لم يكن يريد ذلك ولكنه أومأ وتحرك معها وجلسا فاسترسلت بعتابٍ مبهم  : 
- إنت عارف أنا روحت الشركة ليه  ؟  
استند برأسه على ذراعه يجيبها  : 
- الشركة شركتك والمصنع مصنعك وإنتِ براحتك تقرري عايزة تبقي فين  . 
تعلم أنه حزين لهذا أتت لتوضح له لأنه ذو أهمية كبيرة لديها ولا تعلم لأي مدى ستصل هذه الأهمية وتعلم أنها ستظل تتألم هكذا ولكن لا فرار من ذلك لذا أردفت موضحة  : 
- هما 3 شهور بس يا داغر وهرجع المصنع تاني  ،  هضبط الأوضاع في الشركة وأرجع تاني وماجد هيتنقل لإدارة فرع اسكندرية وأنا أقنعت أونكل بده  ،  خليك مكاني في المصنع المدة البسيطة دي  ،  أنا مستحيل أثق في ماجد بعد اللي شوفته في الشركة  ،  أنا ثقتي فيك إنت ومش عايزاك تزعل مني صدقني أنا بنفذ وصية بابا  . 
حن قلبه بمجرد أن أنهت كلمـ.ـا.تها لذا تـ.ـو.ترت نظرته من حولها فتابعت بعيون لامعة لمعانها تخفيه بصعوبة خاصةً وأن القلب هنا يؤدي دوره على أكمل وجه  : 
- ياريتني أقدر أبعد عن كل المحيط اللي أنا فيه ده  ،  ياريت ينفع أسيب كل حاجة وآجي أعيش وسطكوا هنا  ،  مع خالتو منال وديما ودينا  ،  صدقني ده اللي بتمناه بس صعب جدًا للأسف  ،  وصية بابا ماقدرش أفرط فيها  ،  تعبه طول سنين عمره ماقدرش أسيبهم يضيعوه باستهتارهم  . 
تبدل حزنه وغضبه وحل محلهما الدعم والاحتواء الذي أتت لتتنعم به فأجابها بثقة  : 
- اعملي الاتنين ومـ.ـا.تخليش في نفسك حاجة وأي حد هيتعرضلك يواجهني  ،  نفذي وصية والدك وتعالي اقعدي مع خالتك منال وديما ودينا زي مانتِ عايزة  ،  يحمدوا ربنا إن معاهم بنت بميت راجـ.ـل زيك محافظة على حالهم ومالهم  ،  هما عارفين كويس أنهم من غيرك ضايعين  . 
لمح فرحة دعمه وتشجيعه تتراقص في عينيها فزفر يؤنب نفسه على اتخاذ موقف منها لذا تابع يراوغ  : 
- وبعدين أنا مش زعلان منك يا بسمة أنا بس بتخـ.ـنـ.ـق من أسلوب اللي اسمه ماجد ده  ،  بيفضل يتشرط وعامل نفسه فهيم وهو بهيم  . 
ضحكت عاليًا ضحكة رنانة فانتعش على إثر ضحكتها وغمز لها بغيرة تلقائية يشير نحو صالح والمارة ويردف  : 
- بس خلاص مايصحش كدة  . 
تحمحمت تنهي ضحكتها وتابعت بسعادة بعدما حصلت على رضاه   : 
- سيب ماجد عليا أنا هكلمه  ،  وأنا أصلًا فهمته إني مدياك كل الصلاحيات بس هو رخم شوية  . 
نظر لها باستنكار معبرًا عن الكثير والكثير من ثقل الدم  فعادت تبتسم ليردف بغيرة تختفي بين طيات نبرة هادئة  : 
- مـ.ـا.تتكلميش معاه يا بسمة أنا هتجاهله علشان خاطرك  ،  بم إنه يعني هيسيب المصنع والقاهرة كلها  ،  الحمد لله كثيرًا  . 
عادت تضحك وعاد يغمز لها حيث أنها تمتاز بضحكة أنثوية عالية يسمعها من في الأرجاء وهو يغار ويتمنى ذات يوم ألا يسمعها سواه  . 
❈-❈-❈
غادرت يسرا بعد أن وضحت لها سبب انشغالها عنها وسردت لها موضوع رحمة كاملة وتقبلت ديما عذرها بكل حبٍ  . 
وها هي تجلس ليلًا مع والدتها على سريرها وأصابعها تتوغل داخل خصلات صغيرتها النائمة  ،  تحدثها والدتها عن مشاعرها وتشجعها وتخبرها كم هي فخورة بها  . 
أردفت منال بنبرة حنونة لتستشف هل تحمل ابنتها نفس مشاعرها  : 
- إنتِ أخدتي الخطوة الصح يا ديما  ،  كان لازم تعملي حاجة لنفسك  ،  طول عمرك بتفضلي الكل عليكي بس لاء يابنتي  ،  اللي بيظلم نفسه ظالم  ،  وكفاية اللي شوفتيه في حياتك  ، بلاش تبقي زيي  ،  كل مرة تلاقي فرصة صح استغليها  ،  أنا بنـ.ـد.م على فرص كتير أوي ضيعتها من عمري والنتيجة دلوقتي إني بقيت أكره الليل اللي بيحسسني بالوحدة  ،  اوعي تبقي زيي مهما حصل  . 
شعرت بما تحاول منال توضيحه خفيةً لذا أردفت بقناعة  : 
-  يا ماما الوحدة أفضل مليون مرة من وجود شخص مؤذي في حياتي  ،  أحط دناغي على المخدة وأنام لوحدي أحسن من إني أنام بقهر وحزن وكبت ممكن ماقومش بعده تاني  وأنا أكتر واحدة جربت الشعور ده كويس وعِشته ،  أنا هعيش لعيالي وبس ومش عايزة ولا هفكر أدخّل حد حياتي  . 
اختلج قلب منال بالغصات وهي ترى ابنتها تنجرف وعلى شفا السقوط في الحفرة التي سقطت فيها لذا أردفت بنبرة شبه متوسلة تحاول إقناعها بالمنطق ودفعها بعيدًا عن تلك الحفرة  : 
- اسمعي اما أقولك يا ديما  ،  في الأول إنتِ كنتِ شابة صغيرة بعدتي عن دراستك وعن الناس وانجبرتي على كمال من غير أي خبرة ليكي في الحياة وطلع إنسان قليل الأصل وماقدرش نعم ربنا عليه  ،  بس دلوقتي إنتِ كبيرة وعقلك كبير  ،  عندك ولادك هما أولوياتك وتجربتك السيئة دي هتعلمك تختاري صح  ،  عالم الكتابة والقراءة اللي دخلتيه ده هيعلمك تختاري صح  ،  سنك وسفرك واختلاطك بالناس هيعلموكي تختاري صح  ،  بلاش تحكمي على نفسك حكم صعب يابنتي هتنـ.ـد.مي عليه أول ما ولادك يكبروا ويبعدوا عن حـ.ـضـ.ـنك  ،  اسمعي مني وعيشي الحياة اللي قلبك يدلك عليها ومـ.ـا.تخافيش طول مانتِ مسلمة أمورك لربنا  ،   قربي منه أكتر وادعي وانتِ ساجدة إنك تقابلي شريك حياتك اللي يهون عليكي تعب الدنيا ويحتويكي مش يشمت الناس فيكِ  . 
أمعنت النظر في عيون والدتها التي تلأتلأت بالغيوم لتسرع في احتضانها  ،  منال تعاني كثيرًا وبرغم أنها تطيب خاطرها إلا أن لا أحد يشعر بها سوى الله  ،  منال تريد أن تمد أولادها بما لم تستطع تحقيقه آنذاك  ،  لا تقول ليت الشباب يعود يومًا ولكنها تقول لابنتها أن اليوم لن يعود أبدًا لذا لا تفوتكِ فرصة  . 
❈-❈-❈
تنام في كنفه بسعادة وراحة بعدما حلت مسألة ديما  ،  كانت تحمل على عاتقها حزنها منها  ،  تعلم أنها لن تجد صديقة مثلها لذا فكان عليها أن تراضيها  . 
يحتويها ويهمس في أذنها كم يحبها وكم يشعر بالامتنان لوجودها في حياته وكان على وشك النوم قبل أن يستمعا إلى رنين جرس الباب لتنتفض يسرا بفزع علىإأثره لذا ربت عليها يطمئنها وترجل يردف بنزق وهو شبه متأكدًا  : 
- دي أكيد رحمة  . 
ارتدى مئزره وخطى للخارج يفتح الباب ويطالعها ليجدها تطالعه بعيون جاحظة والألم يفتك بها قائلة بأنفاس متقطعة  : 
- الحقني يا دياب أنا بولد  . 
اتسعت مقلتيه ولم يعد يعرف ماذا يفعل فأسرع ينادي على يسرا بصياح فأتت مهرولة بعدما ارتدت مئزرها تطالع رحمة التي تقف بصعوبة تتلوى وعلى وشك السقوط فأسرعت تسندها وتسحبها للداخل لتريحها على الأريكة والأخرى تبكي وتستنجد بها قائلة  : 
- أنا بولد  ،  ألحقوني أبوس إيديكم مش قادرة  ،  حاسة إني بموت  . 
تشتتت يسرا كليًا ونظرت لدياب الذي يقف بحيرة لم يواجه هذا المشهد من قبل  ،  حاول لملمة حيرته واتجه إلى غرفته ليهاتف الطبيب ويسأله عما يفعلوا  . 
نظرت يسرا إليها لتجدها تئن بألمٍ حاد و تستجديها مسترسلة  : 
- فيه ميه نزلت كتير  ،  أنا خايفة أوي  . 
أسرعت تربت على كتفها وتطمئنها بخوفٍ أصابها لا تعلم مصدره  : 
- متخافيش  ،  أنا هغير هدومي واجيلك علطول  . 
أسرعت يسرا نحو غرفتها لتبدل ثيابها وترى ماذا هما فاعلان مع تلك الرحمة التي ألقت مسؤوليتها على عاتقهما  . 
لم يمر سوى ساعة حتى توقف دياب أمام المجمع الطبي كما أخبرهما الطبيب الذي سيلحقهما هناك   ،  دلفا يساعدانها وهى تئن وتصرخ من الألم الذي اشتد عليها وأسرعا بإدخالها لتأخذها الممرضة منهما وتساعدها بالدخول إلى غرفة العمليات كي تلد  . 
❈-❈-❈
بعد عدة أيام  .
وضعت رحمة صغيرها الذي أطلقت عليه اسم قصي  ،  ساعداها دياب ويسرا في كل شيء إلى أن استردت عافيتها ولكنها باتت أنانية في حبه خاصةً مع يسرا التي لاحظت ذلك  . 
لم تعد تريد مساعدتها  ،  لم تعد تحتاج لها بل قررت أن تهتم بالصغير بنفسها  ،  صبت عليه جُل اهتمامها للدرجة التي جعلتها تخشى عليه من قبلة حنونة من شفتي يسرا التي آلامتها هذه الأفعال كثيرًا لذا قررت ألا تذهب إليها بعد ذلك أبدًا وتطوي صفحتها وتعتبر ما فعلته معها طول فترة حملها هو معروفًا سيجازيها الله عنه وهذا كان حديث دياب لها  . 
ودعت زوجها الذي غادر للعمل صباحًا وجلست على الفراش تتصفح هاتفها لتحاول الالتهاء به بعدما عادت الوحدة تسكن قلبها بعد ذهابه وغيابه عدة ساعات عنها وهي تتنمى وترجو الله كل ثانية أن يرزقها طفلًا يكون هو كل أمنياتها في الحياة  . 
❈-❈-❈
استيقظت على رنين هاتفها فتقلبت في نومها واستلته من جوارها قبل أن يوقظ الصغار لتجيب بتحشرج  : 
- ألو  ؟ 
- ديما  ؟ لسة نايمة  ؟ 
تعجبت حينما سمعت صوت يسرا لتتساءل بعيون ناعسة  : 
- أيوة يا يسرا  ،  فيه إيه  ؟ 
زفرت يسرا ولا تعلم كيف تخبرها بما رأته عبر الانترنت ولكنها مضطرة للقول لذا أردفت  : 
- ديما فيه محامي منزل فيديو بيتكلم عنك وعن كتابك   . 
تبخر نعاسها في لمح البصر ونهضت بملامح مترقبة وتساءلت  :
-  ،  بيتكلم عني  !  بيقول إيه يا يسرا  ؟
لا تعلم كيف تخبرها بالأمر ولكنها استرسلت موضحة  : 
- بصي أنا كنت متابعة صفحة محامي مشهور وكنت قاعدة بتصفح على الموبايل واتفاجئت إنه بيتكلم عنك وعن كتابك وبيقول إنه هيرفع قضية لإنك بتهاجمي قانون الأحوال المدنية في الكتاب وأنه بيهدد استقرار المجتمع وبيعمل زعزعة في البيوت ممكن تزود نسب الطـ.ـلا.ق  . 
جحظت لا تستوعب كل ما قالته يسرا وهزت رأسها تردف باستنكار  : 
- أنا  ؟!   أنا عملت كل ده  ؟  كذب طبعًا   . 
أجابتها يسرا بثقة وتأكيد تردف  : 
- أكيد ماحصلش بس ده محامي كبير ومش سهل إزاي وصل لكتابك وليه قال كدة ؟  
نهضت على الفور تخطو للخارج والهاتف في يدها تنادي على شقيقها طالبةً نجدته حيث اتجهت لغرفته ومن صدمتها نسيت أن تغلق المكالمة لتبقى يسرا على الخط وتسمعها وهي تردف  : 
- داغر الحقني  ،  في حد بيهاجمني وعايز يبلغ عني وعن كتابي  . 
اضطرت يسرا لإغلاق الخط بدلًا عنها بعدما أصابها الحزن وقررت المجئ إليها بينما انتفض داغر من نومته يتساءل بصدمة  : 
- حد مين وليه  ؟ 
ارتدت على الأريكة بتشتت واستيقظت منال على صوتهما واتجهت تتساءل ووقفا حولها يسألانها وهي تتفحص الهاتف وتحاول الحصول على ذلك الفيديو مسترسلة  : 
- مش عارفة  ،  يسرا قالت كلام غريب أنا ماعملتوش  ، استنوا هشوف  . 
جلست تبحث تضغط على رابط الفيديو الذي أرسلته لها يسرا ليظهر أمامها محامي يجلس خلف مكتبه ويتحدث برسمية مطلقة وتوعد   :
-  السلام عليكم  ،  طبعًا بعد الشهرة الكبيرة في الوقت القليل اللي وصل ليها الكتاب ده كان لازم أجيبه وأعرف بيتكلم عن إيه بالضبط والحقيقة إني لقيت فيه أخطاء قانونية كتيرة جدًا  ،  الكتاب ده زي ما اتقال عنه إنه واو ومذهل وبيعبر عن وجع وقهر وظلم كل ست هو بردو بيهاجم قوانين في المجتمع وبيزعزع الأسرة  ،  الكاتبة هنا بتنتقد قانون الأحوال المدنية وإن إزاي الشخص النرجسي مالوش عقاب  ،  في نفس الوقت بتشجع على الخلع وهدم البيوت وده اللي أصلًا مش ناقصنا  ،  إحنا عندنا كمية خلع وطـ.ـلا.ق في أعلى مستوياتها ومش ناقصين  ،  ياريت قبل ما اضطر آخد إجراء قانوني تطلع الكاتبة المحترمة تشرح وجهة نظرها أو تعتذر عن اللي صدر منها وتعترف إنه مش مقصود وإلا أنا هطالب بوقف نشر الكتاب في مصر لإن قراءته خطأ كبير  . 
أغلقت الفيديو ورفعت نظرها تطالع شقيقها ووالدتها بصدمة ليردف داغر بنبرة غاضبة  : 
- ده محامي إيه ده  ؟  ده هو اللي شكله نرجسي  ،  زعزعة أسرة إيه المتـ.ـخـ.ـلف ده  ؟ 
ارتدت منال تجاور ابنتها وتردف بنحيب  : 
- استر يارب  ،  جيبها خير يارب ومـ.ـا.تشمتش حد فينا  ،  حسبي الله ونعم الوكيل  . 
اتجه داغر ينتشل هاتفه ليهاتف المحامي الخاص بهما وجلست ديما مشتتة لا تصدق انقلاب الأمور رأسًا على عقب  . 
❈-❈-❈
ليلا يجلس كمال على فراشه يتصفح هاتفه  ،  هبت على عقله نسمـ.ـا.ت ديما كالعادة ،  يتذكر أيامها معه  . 
يتابع سرًا نجاحها وما وصلت إليه بعد تحررها منه وهذا يغضبه ويأجج داخله نيران ذكوريته  ،  انجذاب الناس حولها يخـ.ـنـ.ـقه  ،  الكلمـ.ـا.ت الرائعة التي تتلقاها عن روايتها تعد جرعة مكثفة من سمومٍ يتجرعها فتنهل من معدته ونفسيته  . 
لا يتقبل فكرة نجاحها بعده  ،  لقد أراد أن تعاني وتشتاق له ولكن  ..... 
هو الذي يعاني خاصة مع زينة التي سيطرت تمامًا على حياته ومنزله ونقوده ولم يعد يستطيع أن يعترض أو أن يثور وإلا نال منها مالا يطيقه . 
سمع صوت الباب يغلق فعلم أنها صعدت من عند والدتها لذا أغلق دفتر تفكيره حتى لا تلاحظ ليجدها أمامه تدلف تتغنج في مشيتها حتى جلست جواره تردف بغيرة مسمومة جعلتها كالحرباء  : 
- شوفت اللي حصل مع الهانم  ؟ 
قطب جبينه وتساءل بترقب كأنه استشف مقصدها  : 
- هانم مين  ؟ 
لم تجبه ولكن عبثت بهاتفها وأعادت تشغيل الفيديو الخاص بالمحامي أمامه وقالت بانتشاء من مهاجمتها خاصةً بعدما عاشت الويلات من نجاحها وشهرتها   : 
- اسمع وشوف المحامي ده بيقول إيه عنها وعن كتابها  . 
التقط الهاتف منها وجلس يستمع بدقة لكلمـ.ـا.ت المحامي عن كتابها  ،  تزين محياه بابتسامة فهذا ما كان يفكر به ورفع نظره إلى زينة التي ابتسمت أيضًا تردف بتشفي  : 
- شوفت  ،  علشان تعرف إنها مكانتش تنفع تتجوز  ،  دي من اللي بيقولوا عليهم نسويات   ،  تروح بقى تعيش حياتها كدة من غير راجـ.ـل يشكمها  . 
برغم أن هناك صوتًا يستنكر ما قالته عنها إلا أن غروره النرجسي فرح بالحرب المقامة عليها والتي ستجعلها تعترف بأنها اخطأت لذا أومأ يردف بحماس : 
- أنا عايز أجيب الكتاب ده واقرؤه وأعرف هي كاتبة فيه إيه  ؟ 
لكمته في كتفه بعنف تستطرد بصياح  : 
- عنك إنت يا حنين ولا تجيبه ولا تقرؤه ولا ليك دعوة خالص  ،  أنا هجيبه واقراه وابقى اقولك على اللي الهانم كتباه  ، علشان لو المحامي ده محتاج شهود نبقى في الخدمة
أومأ وهو يدلك كتفه ثم تمعن فيها وأردف بنبرة مسايرة  : 
- صح كدة  ،  بس العيال  ؟ 
طالعته باستنكار ثم ضحكت ضحكة ساخرة وأردفت  : 
- عيال  ؟!  عيال مين يا حبيبي اللي مش طايقين يشوفوك وبيخافوا منك  ؟! ،  ابنك اللي في بطني يا كمال غير كدة دول عيالها وبس وساقيين من طباعها   .
أومأ يتذكر نظرات طفليه له وخوفهما منه الذي يثبت صحة كلام زينة وأنها من المؤكد زرعت العداء في قلبيهما من ناحيته ولهذا هو أيضًا سيخلع محبتهما من قلبه  إلا إذا  .... 
❈-❈-❈
في اليوم التالي وبعد نصيحة المحامي الخاص بها اتجهت مع داغر إلى مكتب المحامي المدعي لتتحدث معه في جلسة ودية وترى ماذا يريد منها  .
جلست أمامه ويقابلها داغر ثم تحمحمت وتساءلت بنبرة واضحة وثقة  : 
- ممكن حضرتك تفهمني إيه الجملة اللي ذكرتها تهدد زعزعة الأسرة زي ما قولت  ؟  ،  إيه القوانين اللي هاجمتها  ؟ 
جلس المحامي يطالعها بتمعن وتحدث بنبرة هادئة وهو يوزع نظره بينها وبين داغر الذي يباغته بمقلتين غاضبتين  :
- إنتِ ذكرتي إن جمعيات حقوق المرأة كلها بلا هدف وبلا قيمة وفي المقابل إنك اتمنيتي يبقى فيه قانون يعاقب الراجـ.ـل النرجسي وإن من آمن العقاب أساء الأدب وده معناه إن القانون المصري غير عادل  ،  ده غير أنك بتحرضي الستات على أزواجهم لمجرد شوية مشاكل بتحصل بينهم  ،  وكمان ذكرتي إن الشخص النرجسي انتشر جدًا ونصحتي بالابتعاد عنه ومـ.ـا.تطرقتيش تمامًا إن فيه شخصيات نسائية نرجسية ، كمان قضية الخلع اللي ذكرتي إنها الحل اللي ممكن الست تلجأ ليه لو مافيش حلول ولا هو علشان إنتِ خلعتي جوزك عايزة الكل يعمل زيك  ؟
تعمد استفزازها لتهز رأسها بدفاع  :
- لا طبعًا  ، حضرتك اللي قرأت بعين ناقد بتحاول تتصيدلي ثغرات بس مافيش أي حاجة من دي أنا كتبتها بالطريقة اللي بتتكلم بيها غير إن فعلًا الشخص النرجسي لازم يتعالج ويكون فيه قانون بيجبره على التأهيل النفسي ومن ضمن الحلول اتمنيت يبقى فيه قانون قبل الجواز يضمن إن الشاب والبنت يتعرضوا على أخصائي أسري علشان فيما بعد حياتهم تكون صح وماحدش فيهم يكره التاني  ،  وأيوة انتقدت جمعيات حقوق المرأة لإنها شايفة إن متطلبات الحياة فلوس وبس وبرغم كل اللي بتوفره للمرأة إلا إنها تجاهلت تمامًا تكوين الست وفطرتها اللي ربنا كونها بيها وهي إنها هتفضل طول عمرها محتاجة للأمان البعيد تمامًا عن المادة  ،  حضرتك واضح جدًا انك ماقرأتش كتابي صح  . 
ابتسم شاكر وأردف ببرود  : 
- لاء قرأته كويس جدًا وشايف بردو إنه خطر على المجتمع  . 
تعجبت من اتهامـ.ـا.ته التي لا تمت لها بصلة وأردفت مدافعة باستفاضة  : 
- يعني إيه خطر على المجتمع  ؟  وهو اللي بيقهر زوجته وتموت وتسيب أولادها مش خطر  ؟  اللي بيقـ.ـتـ.ـل زوجته لمجرد إنها رفعت عليه دعوة خلع مش خطر  ؟  اللي بيقـ.ـتـ.ـل أولاده علشان خاطر مراهنات قمار على النت مش خطر  ؟   ، طيب ليه حضرتك مارفعتش دعوة على الإعلاميات اللي بيطلعوا يشجعوا الراجـ.ـل إنه يستعبد الست  ؟  ولا اللي بيطلعوا يشجعوا الست إنها تتطلق عند أول مشكلة  ؟  ليه جاي تهاجمني أنا مع إن كل الحلول اللي قدمتها في كتابي كانت بعيدة عن تفكك الأسرة وإن ده حصل يبقى بعد محاولات كتير للصلح وفشلت  ،  ليه بتهاجم كتابي وساكت عن كتب كتير ضد المرأة  ؟ 
تنهد بعمق وصمت لهنيهة ينظر عليها ثم نظر لشقيقها الذي يمنع نفسه عنه بصعوبة بالغة ويترك لها المجال لتعبر  ،  أردف بنبرة هادئة تحمل في طياتها الكثير  : 
-  اللي عندي قلته ووضحته   ،  مدام ديما إنتِ مش مقدرة خطورة قلمك على المجتمع المصري اللي مش محتاج أصلًا تحريض  ،  والسبب الأول اللي خلاني اقرأ الكتاب إنه انتشر بشكل كبير جدًا في وقت قليل وأنا راجـ.ـل قانون ومن واجبي أتحرى عن أي حاجة ممكن تهدد استقرار الأسرة  ،  أنا بطالب إنك تطلعي تعتذري عنه وتوضحي إن فيه حاجات كتير كتبتيها بشكل مبالغ وإلا أنا آسف مضطر أرفع دعوة قضائية وأطالب بوقفه  .
نهض داغر يباغته بنظرة عدائية ويردف بغضب  : 
- ارفع زي مانت عايز وإحنا كمان هنثبت إن كل كلامك غلط واختي مش هتعتذر بالعكس أنا راجـ.ـل أهو وبقولك كل كلمة قالتها في كتابها صح مليون في المية واللي مضايقاه أوي روايتها يبقى هو لا مؤاخذة اللي راجـ.ـل عنده عُقد  . 
نهضت ديما تحاول تهدئة شقيقها قبل أن يسوء الأمر بينهما ليتجاوز المحامي كلمـ.ـا.ت داغر وينظر نحوها وهي تردف قبل أن تغادر  : 
- خلاص يا أستاذ شاكر يبقى اللي بينا القانون  ،  أنا مش هعتذر عن حاجة مقتنعة بيها جدًا  ،  عن إذنك  . 
❈-❈-❈
في الشركة الصينية  . 
ارتفع رنين هاتف مكتب دينا لتنتشله وتجيب بعملية وعينيها منكبة على الحاسوب  : 
- اتفضل يا فنـ.ـد.م  . 
أجابها لوتشي بلغة فصحى  : 
- هل يمكن أن تأتي  دينا  ؟ 
زفرت ببعض الضيق وأجابته بجدية مطلقة بعدما بات يناديها كثيرًا دونًا عن غيرها  : 
- تمام يا فنـ.ـد.م  . 
أغلقت وادعت أنها تستل بعض الأوراق ثم تحركت خارج المكتب تتجه إليه وسط نظرات فرح التي تلاحظ كل شيء كما يلاحظ شريف لذا ما إن غادرت حتى بدأت تغتابها وتوجه حديثها إلى شريف الذي تسلطت عينيه على أثر دينا  : 
- صدقتني بقى يا شريف  ،  قلتلك فيه بينهم حاجة  ،  أومال يعني اشمعنى هي اللي كل شوية بينادي عليها بسبب وبدون سبب  . 
تعمدت قول هذا لأنها وقعت في حب شريف الواقع في حب دينا  ،  لتباغتها مايسة بضيق لأنها لا تحب النم أو الغيبة ولكنها فضلت الصمت فأجابها شريف بضيق وغيرة تجليا في نبرته وعلى ملامحه  : 
- المفروض هي توقفه عند حده  ،  يعني إيه كل ساعة يطلبها  !  أنا هبلغ المدير العام  . 
حذرته تمنعه بتوجس  : 
- لا طبعًا تبلغ إيه  !  دول يرفدونا عادي جدًا ويعينوا بدالنا عشرة  ،  سيبك منها خالص أنا بس حبيت أأكدلك اللي بيحصل خلف الأبواب المغلقة  . 
قالتها بابتسامة خبيثة وهي تعاود العمل لتزفر مايسة وتستغفر ولكنها أيضًا صامتة فالجدال مع فرح لن يثمر ولن يفلح بل أنخا ستعرض نفسها للانتقادات. 
❈-❈-❈
دلفت دينا مكتب لو تشي بعدما طرقت الباب ووقفت باحترام في منتصف الغرفة تطالعه وتنتظر حديثه الذي باتت تعلمه وعلى ملامحها يتجسد الانزعاج لذا ابتسم حين رأى انزعاجها الذي جعلها ساحرة أكثر فنهض يخطو أمام مكتبه وتوقف قبالتها يتساءل بنبرته  : 
- ما سبب هذا الانزعاج  ؟ هل  أزعجتكِ  ؟ 
تريد أن تكون عملية ورسمية في التعامل معه خاصة وأن نواياه غير معلومة ولكنها أيضًا لا يمكنها غض الطرف عن أفعاله لذا نطقت بوضوح  : 
- يا فنـ.ـد.م حضرتك عارف إني زميلة لتلت موظفين غيري بس إنت ولا مرة كلمت حد منهم يجيلك  ،  دايمًا أنا  ،  ممكن أعرف السبب  ؟ 
- وهل هذا يزعجكِ  ؟ 
تساءل  وهو يتكتف ويطالعها عن كثب فأجابته بصدق  : 
-  أيوة  ،  بيزعجني وبيزعجهم  ،  أنا بصراحة مش شايفة سبب للتمييز ده  . 
هز رأسه يجيبها بثبات  : 
- بلا  ،  هناك سبب  . 
قطبت جبينها وتساءلت بعينيها ليتابع بتنهيدة قوية  : 
- دينا أنا قررت أخذ خطوة جادة في علاقتنا  ،  أي أنني أريد أن أطلب يديكِ من عائلتكِ  . 
فرغ فاهها وتوسعت حدقتيها لا تصدق ما سمعته ليبتسم ويتحرك عائدًا إلى مكتبه ثم جلس وتنفس بعمق بعدما قرر مصارحتها لذا تابع  : 
- أعلم أنني في الآونة الأخيرة بت أتصرف بطريقة غير مناسبة معكِ  ،  خاصة وسط زملاءكِ لذا قررت أن آخذ خطوة جادة وأتحدث معكِ أولًا ثم مع عائلتكِ  ،  ما رأيكِ دينا  ؟ 
توغلها التـ.ـو.تر من كل حدبٍ وصوب وانتشر لون الخجل على ملامحها لتتحمحم وتجيبه بنبرة مهتزة  : 
- حضرتك فاجئتني  . 
- لا داعي لحضرتك  . 
قالها بلطفٍ فتـ.ـو.ترت أكثر وتنفست بعمق كي تسيطر على الحالة التي أصابتها لذا أردفت  : 
- بصراحة مش عارفة أقولك إيه  ؟ 
فاجأها بالفعل وسقطت كلامـ.ـا.ته على عقلها فشتته ووقع في الحيرة ليجيبها بثبات  : 
- هل يمكنكِ أخذ موعد لي مع عائلتكِ  ؟ 
وقفت تحدق به بتعجب  ،  إنه جاد جدًا  ،  يريد أن يرتبط بها  ؟  لقد اتخذ الطرق المستقيمة نحوها لذا نطقت بخجلٍ مختلطٍ بجدية  : 
- أديني فرصة أفكر  ،  بعد إذنك  . 
غادرت بعدها مكتبه تطلق العنان لأنفاسها فلم تصدق ما حدث  ،  اتجهت عائدة إلى مكتبها وقد قررت تجاهل نظرات فرح وشريف لها بل أنها ادعت الانشغال بالعمل عبر الحاسوب وعقلها يجول بلا هوادة في متاهة كلمـ.ـا.ته وطلبه  .
❈-❈-❈
اثناء طريق عودتها مع شقيقها 
جلست في السيارة لا تصدق الذي يحدث معها  ،  لا تصدق تلك التهم الموجهة إليها من قِبل ذلك المحامي الذي لم تعلم من أين ظهر   . 
برغم حزنها الجلي إلا أنها تريد أن تضحك ساخرة مما تواجهه  ، يتهمونها بأنها تهدد استقرار الأسرة  ؟ 
لقد سعت لتشيد جدرانًا مشروخة من كل جهة ولكنها حاولت  ،  حاولت أن تصبر على أذاه  ،  تتخطى قسوته  ،  تغض الطرف عن مشاعرها نحوه  ،  حتى خيانته كانت ستغض الطرف عنها لأجل استقرار صغيريها على أقل تقدير استقرارًا ماديًا ولكنه لم يساعدها في ذلك قط  ،  جُل مساعداته كانت في هدم الجدار  . 
يقود داغر بعقلٍ شارد  ،  لا يصدق ما يحدث مع شقيقته التي ابتسم لها الحظ فجأة وانقلبت الموازين فجأة رأسًا على عقب  . 
رنين هاتفها أخرجها من أفكارها لذا التقطته تحدق به لتجده رقمًا دوليًا لم تميزه بسبب تشتت عقلها وظنت أن ليان تهاتفها لتطمئن عليها لذا تنفست بعمق وأجابت بنبرة حزينة على وشك البكاء  : 
- أيوا يا ليان  ؟ 
- أنا ثائر ذو الفقار  . 
جحظت حينما استمعت إليه  ،  نبرته وصوته و  ...  اسمه  . 
أصابها الذهول لثوانٍ ونظرت إلى شقيقها المنشغل في أفكاره لتعاود التحدث مردفة بنبرة متعجبة  : 
- إنت جبت رقمي منين  ؟ 
صمت لبرهة ثم تحدث بنبرة مقنعة  : 
- بما إني كاتب مصري فتواصلت مع دار النشر اللي بتتعاملي معاها وطلبت منهم رقمك  ،  الموضوع مش صعب  . 
تباطأت أنفاسها وهي تتساءل عن سبب اتصاله داخلها قبل أن تسأله بنبرة خافتة  : 
- نعم  ؟  سمعاك  . 
كان قد انتبه داغر لها يوليها وجهه حينما تساءلت عن كيفية حصول المتصل على رقمها ولكنه عاد يقود بصمت وترقب  . 
زفر ثائر وأردف بنبرة هادئة  : 
- أنا اللي عايز أسمع رأيك  ،  سيبتك تفكري في موضوع الشغل معايا هنا  ،  ها فكرتي  ؟ 
لم تجبه بل عجزت عن الرد تقطب جبينها متعجبة منه ومن اتصاله ومما يحدث معها برمته وحينما طال صمتها استطرد بنبرة غامضة  : 
- صدقيني يا ديما دي فرصة مش هتتعوض  ،  معقول مش حابة تكوني صاحبة رسالة وتطلقي العنان لقلمك يعبر عنك وعن أفكارك  ؟   يالا خدي القرار مافيش وقت وإلا العرض هيروح لكاتبة تانية غيرك  . 
نظرت لشقيقها الذي طالعها يسألها بعينيه فهزت رأسها بحيرة لم تواجهها من قبل ثم تنهدت وأردفت بنبرة تائهة في بحرٍ ملغم بالعواصف  : 
- الموضوع مش سهل  . 
أجابها بثبات ظاهري يبرع في رسمه سواءً كان في نبرته أو ملامحه  : 
- بالعكس الموضوع ماشي بكل سهولة معاكِ  ،  علشان كدة لازم تفكري كويس وتاخدي قرار  . 
نظرت لشقيقها ثم للأمام وكل ما يحدث معها جعلها تردف بعد ثوانٍ  : 
- سيبني أفكر  .
انتهى الفصل
يعجبه عنادي

ويعجبه اكثر..

أن يكسر عنادي...

يعجبه أن يكون شَعري مكبلا

ويعجبه أكثر..

أن يحرر خصلاتي

يعجبه أن أكون لا متوقعة

ويعجبه أكثر..

أن يكون الوحيد من يتوقعني...

يعجبه ان يتحداني...

ويعجبه أكثر...

أن أخسر كلما تحداني....

( بقلم فيروزة  )

❈-❈-❈

مر أسبوع وهي تفكر

تفكر في كل شيء والأهم صغيريها  .

عرضه أصبح على طاولة تفاوض عقلها خاصةً بعد القضية التي رفعها المحامي عليها والتي تم تحديد الجلسة الأولى لها بعد أسبوعٍ من الآن  .

يحاولون تكميم فمها ومنع صوتها من الانطـ.ـلا.ق ؟  لماذا  ؟  هذه أول مظلمة تتعرض لها في بلدها التي تعشق ترابها  .

يتهمونها بما ليس فيها وما لم تسعَ له على الإطـ.ـلا.ق  ،  لقد ساءت الأمور كثيرًا بالقدر الذي جعلها لم تعد تحتمل  .

ولكنها صامدة بل أنها اتخذت قرارًا لا تعلم وقعه على مستقبلها وهو ألا تتخلى عن قلمها قط  ،  لن تتوقف عن الكتابة مهما حدث  ،  لن تكتم صوت مشاعرها مهما كانت النتائج لذا كان عرض ثائر رهن تفكيرها  .

بالرغم من رفض داغر 
بالرغم من قلق منال
بالرغم من تأقلم حياة صغيريها
وبالرغم من خوفها من التجربة إلا أنها تراها الآن بوضوح فرصة لن تعوض  ،  حرية فكرية وربما هذه الميزة التي تعترف بها في الدول الأوربية  .

جلست تتحدث مع ليان عبر مكالمة صوتية تخبرها بالأمر والأخرى تشجعها على القبول والحماس في نبرتها وصل ذروته حيث قالت  :

- لازم توافقين ديما  ،  حقيقي هذا عرض ما ينرفض،  أنا فاهمة خوفج وخصوصًا على العيال بس إنتِ قوية و قدها ،  إهي مغامرة بس تستحق انج تجربين عشانها .

ازدردت ريقها وأردفت موضحة تسرد مخاوفها :

- المشكلة إني خايفة  ،  حياتي هناك هتبقى عاملة ازاي وهعرف اشتغل ازاي واولادي  ؟  هعيش لوحدي إزاي  ؟  حاجات كتير أوي يا ليان شغلاني  .

تنهدت ليان بعمق ثم شردت لثوانٍ وعادت تستطرد  :

- زين ليش مـ.ـا.تسافرين بروحج الأول يا ديما !  تشوفين الوضع شلون و تظبطين أمورج وبعدين ترجعين تاخدين العيال  .

باستنكار تام وقلبٍ منفطر أردفت  :

- لا طبعًا  ،  أسيب ولادي ازاي مستحيل  .

تعلم ليان مدى صعوبة الأمر لذا زفرت وعادت تسترسل بترقب  :

- زين إنتِ عندج رقم ثائر ذو الفقار  ؟  ليش ما تكلمينه وتسألينه عن كل شي قالقج  ؟ أنا من رأيي إن هذي فرصة لا تعوض ولازم توافقين و تتركين عيالج  اهني  مع عيلتج لين ما تظبطين أمورج  ،  لفترة بسيطة يا ديما لين تشوفين الدنيا ايش صاير فيها  .

هي ليست كليان  ،  نعم تحبها وتقربت منها كثيرًا ولكنها لا تشبهها في تبسيط الأمور  ،  لا تتخيل أبداً الابتعاد عن صغيريها  ،  لقد قضت الأيام القليلة في الشارقة بدونهما في اشتياق وقلقٍ نهش سعادتها بالنجاح فكيف تتركهما وتسافر للجهة الأخرى من العالم  ؟

تنهدت بعمق واسترسلت  :

- صعب  ،  صعب جدًا عليا أعمل كدة  ، أصلا داغر رافض تمامًا وماما قلقانة جدًا  ،  أنا هكلمه وأبلغه إنه يشوف حد غيري  ،  مش هقدر للاسف  .

- غلطانة جدًا يا ديما  ،  فكري زين واستخيري ربنا  .

تستخير ربها  ؟  تستخير ربها  ؟ كيف لم تفكر في الأمر  ؟ 

ترددت تلك الجملة على عقلها لتجد أنها الحل لذا أومأت تردف بشرود  :

- تمام  ،  هصلي استخارة فعلًا .

أغلقت معها ونظرت في ساعتها لتجدها الواحدة ظهرًا ،  نهضت تتجه إلى الخارج لترى والدتها تجلس مع مالك ورؤية تذاكر لهما دروسهما  .

جلست أمامهم تتطلع نحوهم وهما شبه منتبهان مع شرح منال وبين فنية والأخرى يعانقها مالك وتقبلها رؤية  ،  يبدو أن وحدة منال تتلاشى بهما  .

ابتسمت ديما وتنهدت براحة ثم تساءلت وهي تستند على ذراعها  :

- بتذاكروا إيه  ؟

التفت الصغيران لها ثم ركضت رؤية تحمل دفترها وتعرضه عليها قائلة بحماس  :

- بصي يا ماما أنا بعلف أقول سورة الملك  ،  تيتة علمتني أقولها  .

انفرجت ملامح ديما وفتحت ذراعيها لصغيرتها تعانقها وتردف بسعادة  :

- برافو يا رؤية برافو  ،  تيتة منال مافيش زيها  .

نظرت منال نحو مالك الذي يريد التملص وبنبرة صارمة قالت  :

- مش هتقوم غير لما تسمع يا مالك  ،  يالا ابدأ بسم الله  .

عبس الصغير ولكنه أردف باحترام   :

- حاضر  ،  بسم الله الرحمن الرحيم  .

بدأ يُسمّع ما حفظه وديما تستمع له وتطالعهما بعيون ثاقبة وعقلها سافر إلى رحلةٍ لا تعلم هل تسلكها أم لا ؟

❈-❈-❈

في استراحة الغداء هاتفت بسمة داغر كي يتقابلا ويتناولا غدائهما ورحب كثيرًا بالأمر حيث أنه يريد رؤيتها   .

جلست معه في مطعمٍ قريب من المصنع وقد سرد لها العرض الذي قُدم لشقيقته والذي يرفضه رفضًا قاطعًا ولكنه يلاحظ شرود شقيقته ويدرك أنها تفكر فيه خاصةً بعد قضيتها لذا قرر استشارة بسمة علها نصحته كيف يقنع شقيقته ولكنها خالفت ظنه حيث عارضته تردف بنبرة عملية  :

- أولًا مش من حقك ترفض  ،  مش يمكن هي موافقة وبسبب رفضك ده خايفة  ؟  وبعدين دي فعلًا فرصة حلوة جدًا  ،  هنا للأسف محدش هيقَدر قلم ديما ورسالتها وهيعتبروها بتهاجم المجتمع زي ما شوفت  ،  إنما الوضع برا غير  ،  خلينا واقعيين يا داغر  ،  هسألك سؤال إنت واثق في أختك ولا لاء  .

بملامح متحفزة أجابها بثقة تامة  :

- واثق فيها طبعًا  ،  بس خايف عليها  .

حاولت شرح الأمر له بروية لذا استرسلت  :

- يا داغر هي مش رايحة تعيش في غابة  ،  وبعدين إنت سكت وصبرت على حياتها مع كمال اللي شافت منه كتير وكانت ساكنة قصاد عينك  ،  اتعرضت لضغط نفسي اتسبب إنها كانت على وشك تتجلط وكان بينك وبينها شارعين  ،  مش يمكن ربنا حب يبعتلها فرصة زي دي  ، مش يمكن تقدر تقنع شباب كتير هناك برسالتها  ؟ 

زفرت بقوة وتابعت حينما لاحظت صمته واستماعه  :

- أنا لما قرأت كتاب ديما اتأكدت إن عندها رسالة عن دينها ووطنها وعن المرأة العربية  ،  سيبها تاخد من الحياة تجارب وانت كل اللي عليك تدعمها وتشجعها ، ديما ماشاء الله عليها زكية ومن الناس اللي صوتها مسموع وأفكارها عبـ.ـارة عن راحة نفسية للي قدامها  ، خليها تجرب على الأقل فترة صغيرة نجحت يبقى خير جدًا ولو ماقدرتش ترجع علطول  .

هز رأسه رفضًا يردف بقلق ينهش فؤاده عليها برغم أنه يفكر في كلمـ.ـا.تها  :

- لاء يا بسمة صعب  ،  تروح تعيش هناك إزاي لواحدها هي وعيلين صغيرين  ؟

- طيب خلي الولاد معاكم  !  خلوها تسافر تجرب الأول وتشوف الوضع هناك هيبقى عامل إزاي  ؟

تعمق في عينيها لثوانٍ كأنه مشتت وحينما رفض عقله الاقتناع أردف برفضٍ  :

-  لاء الموضوع ده مش نافع بأي شكل  ،  رسالتها توصلها وهي جنبنا هنا ومع ولادها والقضية هتكسبها إن شاء الله وهتكمل  ،  إنما سفر والكلام ده لاء  .

صمتت تحت إصراره تميل برأسها ليومئ يحاول أن يؤكد لنفسه صحة حديثه ولكنه شرد يفكر في الأمر .

أنهيا طعامهما بعد دقائق ونهض كلٍ منهما يتجه إلى عمله وهو ينوي مهاتفة ثائر ذو الفقار ورفض عرضه  ،  ربما سيتدخل في شؤون شقيقته البالغة والتي تكبره سنًا ولكن هذا نابعًا من خوفه عليها لذا التقط هاتفه وضغط على رقم ديما بعدما غادرت بسمة فأجابت تردف بترقب  :

- أيوا يا داغر  ؟

أجابها وهو في طريقه إلى المصنع   :

- ديما ابعتي لي رقم ثائر ذو الفقار على الواتساب  .

تساءلت بتوجس  :

- ليه يا داغر  ؟

- ابعتي بس يا ديما مـ.ـا.تقلقيش  ،  هتكلم معاه  .

لا يعلم أيسايرها بهذا الحديث أم يخدعها أم حقًا سيتحدث معه عن الأمر ولكنه لن يجلس هكذا مكتوف اليدين  ، يجب إنهاء هذا الأمر واتخاذ قرار فيه  .

أغلق معها ودلف المصنع يخطو بين العمال وقد استمع إلى رسالتها حيث أرسلت له الرقم بكل ثقة وهي تعلم أنه لن يخذلها .

❈-❈-❈

عائدٌ من عمله وقد صف سيارته أسفل المبنى الذي يقطن به وترجل ينوي الدخول ولكنه توقف حينما استمع إلى نداء اسمه لذا التفت نحو الصوت ليجد رحمة تجلس في الحديقة المتصلة بالمبنى وتحمل بين يديها صغيرها فزفر بضيق حيث وجدها تلوح له مبتسمة فتعجب ولكنه لم يعتد تجاهل نداء أحد لذا تحرك نحوها حتى وقف أمامها يضع كفيه في جيبيه ويتساءل بجدية  :

- خير  ؟

نبرته أحبطت ابتسامتها لتزفر وتحزن ملامحها وتتساءل  :

- هو إنتوا زعلانين مني في حاجة  ؟  يسرا بعدت عني خالص وإنت بتكلمني بأسلوب قاسي أوي  ،  أنا عارفة إن انتوا اللي وقفتوا جنبي وساعدتوني ومـ.ـا.تخليتوش عني أبدًا بس ليه أول ما ولدت بعدتوا  ؟

أحاد بصره عنها يستغفر سرًا حيث أنه لا يفضل الحديث هذا ولا يحبه فتابعت بنبرة حزينة وهي تنهض وتشير له بالصغير  :

- طيب على الأقل علشان خاطر قصي  ،  مش عايز تشوفه  ؟

التفت ينظر له بنظرة حنونة برغم انزعاجه من أفعالها وتمالك نفسه من أخذه منها ليردف موضحًا بجدية  :

- ده ابنك إنتِ  ،  هشوفه ليه  ؟  وعامةً ربنا يبـ.ـاركلك فيه  ،  بس زي ما بعدتيه عن يسرا ياريت تتعاملي معايا بنفس المبدأ   .

استنكرت ما يقوله لذا استطردت باندفاع :

- لا أبدًا أنا مابعدتوش عن يسرا خالص  ،  أنا بس علشان عارفة أد إيه هي متعلقة بالأطفال ونفسها فيهم قلت بلاش أضايقها و ـــــــــ  .

رفع كفه يوقفها عن تكملة ما تبصقه من كلمـ.ـا.ت وتجلت الصرامة على ملامحه وهو يوضح بنبرة حادة  :

- استني بس مـ.ـا.تعكيش في الكلام  ،  أنا ويسرا زي بعض بالضبط  ،  اللي يزعلها يزعلني واللي يفرحها يفرحني وموضوع الأطفال ده ماحدش ليه الحق يتكلم فيه معانا نهائي  ،  ممنوع منعًا باتًا تحكي في السيرة دي  ،  إنتِ واحدة كان عندها مشكلة ولجأتِ لينا وإحنا اتنين عندنا ضمير قدمنا مساعدة ومش منتظرين أي مقابل  ،  ده ابنك وحقك تخافي عليه من أي حد  ،  علشان كدة الأفضل من هنا ورايح تعطيه اهتمامك كله وتبعدي عننا  ،  عن اذنك  .

تحرك بعدها ينزع نفسه من أمامها ويتجه نحو مدخل البناية ليتركها تقف تطالعه بملامح حزينة على وشك البكاء وقد بدأت تشعر أنها منبوذة  ،  كلمـ.ـا.ته قاسية لم تكن تتوقعها منه خاصةً وأن يسرا أخبرتها كم هو مراعٍ وحنون  .

بكى الصغير بين يديها فاحتضنته بقوة تهدهده وقد قررت أن تتمشى في الأرجاء وتفكر في حلٍ يمكنها به نفض هذا الغبـ.ـار من على عينيه تجاهها  .

أما هو فقد صعد شقته حيث فتحت له يسرا تستقبله بحبٍ كبير  ،  عانقته ترحب به كعادتها ولكنها لاحظت تجهم ملامحه لذا ما إن دلف وجلس يستريح حتى اتجهت تجلس أمامه وتتساءل بقلقٍ  :

- مالك يا دياب حصل حاجة  ؟

زفر بقوة ونظر لها نظرة عميقة يفكر هل يخبرها أم لا  ،  إن أخبرها ستحزن خاصةً وأنه يدرك جيدًا حساسية الأمر بالنسبة لها لذا زفر بقوة ومد ذراعه يسحبها إليها ويعانقها بحنانٍ لتبادله بحب ولكن القلق نهش جدران قلبها لينتزعه بقبلة على رأسها أتبعها بجملة طيبة جابرة للقلب  :

- مهما كنت زعلان حـ.ـضـ.ـنك قادر يمحي أي زعل جوايا  ،  ربنا يخليكي ليا  ،  إنتِ كل حاجة في حياتي يا يسرا  ،  بنتي واختي وصاحبتي وامي ومراتي    ،  إنتِ قيمتك عندي غالية أوي  .
3

تعلقت في عناقه بقوة وشعرت أنها على وشك البكاء من فرط فرحتها واحتواءه لذا أردفت بنبرة مماثلة تفشى الحب في ثناياها  :

- ما إنت كمان أهلي وعزوتي وناسي كلهم  ،  أنا بحبك جدًا بطريقة أنانية أوي بس مش زعلانة لإنك تستاهل حبي ده  ،  تستاهل كل حاجة وأي حاجة أعملها علشانك  .

بكت سعادة واخترق سعادتها شيئًا من الحزن خاصةً وهي تتذكر خوف تلك الرحمة منها على ابنها فتابعت بنبرة مختنقة  :

- علشان كدة نفسي ربنا يرزقنا بطفل علشانك إنت مش علشاني  ، نفسي  ــ

- هشششششش  .

قطع حديثها يبعدها عنه ويمسك بكتفيها محدقًا بها بقوة يوضح مسترسلًا  :

- بقولك إنتِ بنتي  ،  مش عايز بقى الكلام يحود ويروح في حتة تانية  ،  أنا راجع تعبان وعايزك تحتويني بحـ.ـضـ.ـن وأكلة دافية  ،  ها طابخة إيه  ؟

تساءل ونهض يتحرك نحو المطبخ ونهضت تتبعه وتبتسم براحة وتجفف دمـ.ـو.عها مجيبة بترقب :

- طاجن ورق عنب بالكوارع  .

- أيوا بقى هو ده المطلوب للأداء المرغوب .

نطقها بعبثية وهو يقبض على كفه بحماس فضحكت عاليًا واتجهت تجاوره يحضران الطعام سويًا  .


❈-❈-❈

تركها أسبوعًا تفكر ولم تعطهِ ردًا  ،  لم يعد يرسل لها مرارًا كالسابق حين شعر برفضها  ،  هل تخاف من تجربة الارتباط به  ؟  من المؤكد الأمر ليس سهلًا خاصة وأن عالماهما مختلفان  ،  هو من بلدٍ آسيوي بعيدة وهي من هنا  .

طباعه وعاداته وأسلوب حياته لا يشبهها ولكنه لديه استعدادًا للتأقلم خاصةً وأن عمله هنا ولفترة طويلة  ،  لمَ لا يرتبطان لفترة ويجرب كلٍ منهما الآخر  ،  هو يؤمن بأن الحب يصنع المعجزات خاصة وأن ديانة واحدة تجمعهما .

أما هي تجلس في مكتبها تؤدي عملها بشرود  ،  لم تنسَ عرضه أو تهمله  ،  تفكر به طوال الأسبوع من اتجاهات عدة أهمها ردة فعل عائلتها  ،  من المؤكد أن الأمر سيلقى رفضًا خاصةً من داغر ولكنها بدأت ترى إيجابيات الموضوع  .

شاب غني من عالمٍ آخر بعقلٍ آخر وفكرٍ متطور وناضج وهذا واضحًا كالشمس من خلال عمله  ،  من المؤكد لا يشبه والدها على الإطـ.ـلا.ق  ،  وكذلك لا يشبه كمال  ،  ولكنه أيضًا لا يشبه داغر  .

ومن يشبه داغر  ؟  هكذا فكرت وابتسمت على أثر مرور شقيقها على عقلها  ،  شقيقها المميز الحنون الذي يغمرها بالدفء والذي تمنت لو حظيت بزوجٍ يكون مثله  .

أما لو تشو فهو بـ.ـارد بعض الشيء ،  المشاعر لدى الآسيويين متجمدة قليلًا  ،  فهل هي أولوياتها  ؟ 

الحياة تتطلب منها أوليات أخرى كالمال مثلًا  ،  كالتوافق الفكري أو العقلية العملية وهي تشبهه في هذه النقطة  ،  كلاهما يحب العمل كثيرًا لذا ربما هذا تحديدًا ما سيجعلها تقبل عرضه ولكن لتترك أمر عائلتها على عاتقه أولًا ثم ستساعده في إقناعهم  .

زفرت بقوة وقد قررت أخذ قرار ولكن لن تخبره به اليوم ولا الغد  ،  ستنتظر إلى أن ترى ماذا ستفعل ديما في مسألتها حتى تهدأ الأمور قليلًا  .

كل هذه الأفكار تتصارع داخل عقلها أمام عيون فرح وشريف اللذان ينظران لها تارةً ولبعضهما تارةً أخرى  .

❈-❈-❈

بعد ساعة

تحرك داغر خارج نطاق المصنع ليتسنى له الحديث مع ثائر  .

وقف في مكانٍ هادئ وقام بالاتصال به وانتظر إجابته  .

على الطرف الآخر رن هاتف ثائر فالتطقته وعلم أنه رقم مصري لذا أجاب بترقب ولهجة مصرية :

- ألو  ؟!

أجابه داغر  :

- أيوة  ،  معاك داغر الصابر  ،  أخو ديما الصابر  .

زفر ثائر وأدرك ماذا يريد ليرحب به بهدوء قائلًا  :

- أهلًا وسهلًا  ،  اتفضل سامعك  .

تشتت عقل داغر بين رفضٍ وقبول وخوفٍ من الرفض وخوفٍ من القبول لذا أردف بحيرة ملحوظة  :

- أنا كنت بكلمك علشان أبلغك برفض عرضك لأختي بس دلوقتي عايز أعرف منك ليه ديما  ؟ اشمعنى هي اللي تقدملها عرض زي ده  ؟ 

أجابه ثائر بتركيز تام  :

- يفترض إنك تكون عارف إن أختك أول مرة تنشر عمل ورقي ليها وبرغم كدة قدرت تعمل اللي كُتاب كتير بيحاولوا يعملوه في سنين  ،  أختك قدرت تخاطب شريحة كبيرة جدًا من الناس جوة مصر وبرا كمان وعرفت تعمل ده بقلمها  ،  ده معناه إنها مميزة وتستحق فرصة مميزة  .

صمت داغر يعترف بصحة كلمـ.ـا.ته ليسترسل ثائر موضحًا  :

- ديما دلوقتي من الناس اللي شايلة أمانة ولازم توصلها ودي مهمتها  ،  هي بتدافع عن حاجة مؤمنة بيها وانت لازم تساعدها تعمل ده بدون ضغوطات أو خوف أو تقييد  ،  ولو حدسي سليم فأنا أظن إنك بتدعمها في قرارات كتير  ،  ليه خايف من قرار زي ده  ؟

تنهد داغر بعمق وأردف موضحًا ما يعتليه  :

- طبيعي أخاف عليها  ،  دول مش مجرد يوم أو يومين ده سفر وشغل وغربة وحياة تانية بعيدة عننا  ،  وديما أم ومسؤولة عن طفلين صغيرين  ،  الموضوع صعب جدًا ومقلق جدًا  ، أنا أصغر من ديما أيوة بس هي مسؤولة مني وحمايتها هي وولادها عهد عليا  ، أنا مش عايز غير إنها تكون بخير وبس ومسألة السفر لدولة أوروبية زي فرنسا مسألة صعبة جدًا  .

أيده ثائر بتفهم مردفًا  :

-  طبعًا صعبة  ،  محتاجة تفكير ومغامرة ومثابرة وللأسف أنا ماعنديش كلام ضامن أقولهولك لإنك مـ.ـا.تعرفنيش ومش صح تثق في كلامي لكن لازم تثق في قدرات أختك كويس وتشجعها على الفرص اللي زي دي لإن بعدها ديما هتثبت للعالم كله إنها اختارت الفرصة الصح  .

تعجب داغر من ثقته في ديما  ،  من إيمانه بموهبتها  ،  من رغبته في شهرتها وإظهارها للعالم لذا قابل كلمـ.ـا.ته بصمتٍ دام لثوان ثم أردف بتـ.ـو.تر  :

- مش عارف أقولك إيه  ؟

- مـ.ـا.تقولش حاجة  ،  فكر كويس وقرارك عرفه لديما وسيبها تختار بنفسها  ومـ.ـا.تقلقش عندي هنا في المجلة بنات من مصر ومن بلاد عربية   ،  والسكن المجلة هتوفرهولها وهيكون في منطقة أمان تمامًا ،  يمكن دي حاجة تطمنك  .

- تمام  .

قالها داغر بعد ثوانٍ وأغلق معه وتحرك عائدًا للمصنع بعقلٍ حائر لا يعلم ماذا يقرر ولكن ربما كلمـ.ـا.ت ثائر تحمل على متنها الاقتناع .

❈-❈-❈

ابتاعت كتابها وقرأت بدايته  .

قرأته ولم يتوغلها حقدٌ كهذا من قبل وتساءلت بعقلٍ كاد أن يصاب بالجنون  .

كيف لتلك الديما التي كانت زوجة كمال لسنوات أن تكتب هذا الكتاب  ؟ من المؤكد هناك خللًا ما وهناك أيادٍ خفية ساعدتها  ، هي لن تستطيع كتابة مثل هذا الكتاب بمفردها قط  ، الأمر يفوق مستوى ذكاءها  .

ولكنها لن تعترف بذلك أبدًا بل ستقتص منه ما يشوه صورتها في عين زوجها خاصةً وأنها باتت تشعر به يعيش على أطلالها  .

لم تصبر إلى أن يعود بل ارتدت عباءتها السمراء التي أخفت ملامح حملها واتجهت لتراه في محل عمله  .

لم يكن ينتظر مجيئها لذا كان يتصفح صفحة ديما بأريحية وهو منفردًا على مقعده لينتفض فجأة ويسقط الهاتف من يده حينما اخترق صوتها أذنه وهي متجهة نحوه تتساءل بصياح  :

- بتعمل إيه يا كمال  ؟

طالعها بصدمة ونهرها سرًا ثم أردف يتساءل بتذمر  :

- هكون بعمل إيه  ؟  إنتِ إيه اللي جابك  ؟

لوحت بالكتاب أمام عينيه تسترسل بنبرة عالية وهي ترتد على المقعد وقد حمد ربه أنها لم تلاحظ تصفحه لصفحة ديما  :

- الهانم اللي كنت متجوزها مخلية صورتك زي الزفت  ،  مخرجة أسرار بيتها وكاتبة عنك فضايح  .

نظر حوله ليجد أن العمال قد اعتادوا على أفعالهما الهوجاء لذا لم يعقبوا على الأمر فعاد يحدق بها وتساءل بملامح متجهمة حانقة حيث تأهب  :

- قايلة إيه عني بنت محسن الصابر الحـ.ـر.امي  ؟

لوحت بيدها تجيبه بطريقة نمطية  :

- يااااختي على اللي قيلاه  ،  قايلة فيك وفيك وفيك  ،  دي مطلعاك مريـ.ـض نفسي وقال إيه ياخويا نرجسي  .

أشار نحوه وبتعالى ونرجسية مفرطة قال مستنكرًا  :

- أنا نرجسي  ؟ كمال الوراق بعد كل اللي عمله يطلع في الآخر نرجسي  ؟!

وهنا تذكر ما كان يشتريه لها ولطفليها من هدايا ثمينة وشعر أنه يُظلم لذا هز رأسه بأسف ولعن عقله الذي كان يتابع أخبـ.ـارها منذ قليل والذي أوهمه أنها ربما حنت له  ،  ولكن خطر على عقله سؤالًا وأراد أن يصدقه لذا تساءل  :

- طب واش عرفك يا زينة إن الكلام ده عني  ؟  مش يمكن على أبوها  ؟ 

لعنت غباءه أو غروره المفرط الذي غلف عقله عن تصديق الحقيقة فأجابته بنزق  :

- وهي أمها كانت خلعت أبوها بردو  ؟ 

هز رأسه مرارًا ثم سلط أنظاره للبعيد واسترسل بتوعد  :

- حلو أوي  ،  سبيها بقى وأنا هعرفها مين هو كمال الوراق  ،  وبإذن الله ربنا يجيب حقي وكتابها يتوقف  ،  وتبقى توريني شطارتها بنت محسن النصاب .

هذا ما جاءت لتسمعه لذا استراحت على مقعدها تتحسس معدتها وتنظر حولها بتفحص ثم عادت تتساءل بتلاعب  :

- يعني هتعمل إيه يا كمولتي  ؟

أجابها بغمزة وهو يشبك كفيه ويستند عليها بذقنه  :

- هتشوفي  ،  بس يالا قومي روحي علشان مـ.ـا.تتعبيش وهقولك بليل هعمل إيه وابقي جهزيلنا ليلة حلوة  .

نهضت تزفر بقوة ثم تغنجت في وقفتها تجيبه بمغزى لتصل لغايتها  :

- عنيا يا نن عنيا  ،  قال نرجسي قال  ،  فشرت بنت محسن الشحات  .

تحركت تغادر والانتصار يعم ملامحها وتركته ينفش كتفيه بتباهٍ حقنته به ليرى نفسه لا مثيل له ولكنه تذكر هاتفه لذا انحنى يلتقطه أرضًا فظهرت صورة ديما أمامه لذا ضغط يحذفها ويحذف قائمة بحثه ويردد من بين أسنانه  :

- بقى أنا نرجسي  ؟ دا لو لفيتي الدنيا كلها مش هتلاقي زيي  .

❈-❈-❈

بعد أسبوع  .

جلس يتحدث مع والدته من مكتبه في المجلة  .

يراها أمامه وتراه لتتساءل والاشتياق ينهمر من عينيها :

- شغلك عامل إيه يا ثائر  ؟

أجابها بثقل وهو يدخن سيجارته  :

- الأمور كلها تمام  .

- طب ومارتينا  ؟  مافيش جديد في قضيتها  ؟

تساءلت  بترقب وقلق حيث أنه حذرها من الحديث في هذا الأمر لذا حدق بها بنظرة معاتبة ولم يتفوه لتوضح مقصدها  :

- يا حبيبي أنا بقول يمكن التاني ده بيتبلى عليها علشان ضـ.ـر.بته  ،  صدقني أنا بحاول أقنع نفسي بكدة مش علشانها بس علشان خاطر معاذ  ،  وبعدين مش مستوعبة إزاي تعمل حاجة زي دي وهي هتتجنن عليك وعايزة ترجعلك بأي طريقة  ،  الموضوع في إن أكيد  .

لم يرد أن يتحدثا عن هذه المرأة لذا أردف يغير دفة الحديث متجاهلًا كلام والدته تجاهلًا ظاهريًا  :

- عندي ليكي مفاجأة هتعجبك جدًا  .

تناست أمر مارتينا التي لا تحبها أساسًا واهتمت بما سيخبرها به لذا تساءلت بلهفة كأنها تنتظر مجيئه  :

- إيه هي يا ثائر  ؟

علم أنها ظنت عودته لذا زفر وقرر إخبـ.ـارها بأمرٍ يريح فؤادها فقال  :

- احتمال كبير أبعتلك معاذ يقضي معاكي الأجازة دي  .

برغم إحباط فرحتها باحتمالية عودته إلا أن هناك فرحة جديدة توغلت إليها وهي رؤية حفيدها لذا انفرجت ملامحها وبكت تجيبه بسعادة تراقصت في عينيها  :

- بجد يا ثائر  ؟  صحيح ولا بتضحك عليا  ؟

زفر بقوة فهو ليس الشخص المندفع في أقواله ولكنه قالها لهدفٍ لذا استرسل يوضح وهو يفرد ظهره على مقعده  :

- أكيد مش بضحك عليكي يا أمي بس الكلام ده بعد امتحاناته  ،  يعني لسة شوية بس أنا قلتلك علشان نقفل تمامًا موضوع مارتينا ده  ،  لو سمحتِ مـ.ـا.تفتحيهوش معايا تاني ومعاذ كويس ولما ينزل مصر هيبقى أفضل  ،  فهماني يا أمي  ؟

تفهمه وتدرك أنه لا يريدها أن تذكرها مجددًا لا أمامه ولا أمام ابنه الغالي لذا أومأت بتفهم ثم زفرت بقوة يلمح في عينيها أسئلة أخرى لذا أردف يشير بيده في حركة متتالية  :

- قولي يا علياء هانم سامعك  .

ابتسمت عليه لذا زفرت براحة وتساءلت  :

- بمَ إن موضوع مارتينا اتقفل مش ناوي تفرح قلبي بيك بقى  ؟  هتفضل كدة من غير جواز  ؟

رفع حاجبيه كأنه اندهش برغم علمه المسبق بحديثها ليطرق بسبابته مكتبه مسترسلًا  :

- تاني  ؟  جواز تاني  ؟  مش إنتِ نصحتيني أبعد عن الفرنسيات بعد عمايل مارتينا  !

أومأت تجيبه بتأكيد يتوغله المرح  :

- أيوا نصحتك تبعد عن الفرنسيات مش الستات  ،  الدنيا برد مش عايز تدفى  ؟  هتفضل كدة سايب قلبك في مهب الريح  ؟

التوى ثغره بابتسامة خافتة وهبت نسمـ.ـا.ت ديمية دافئة على قلبٍ اخترقه الصقيع لذا أجابها بغموض بالفرنسية  :

- الفصول تتغير يا أمي  ،  دومًا بعد الشتاء يأتي الربيع  .

❈-❈-❈

اتجهت مع المحامي وشقيقها إلى المحكمة لحضور الجلسة الأولى  .

كانت مجهدة بالنسبة لها  ،  مخيفة  .

حيث أن المحامي المدعي استطاع إقناع القاضي بثغرات لم تتخيل أن تقع فيها  ،  كلمـ.ـا.ت ترجمتها بمشاعرها وترجمها هو بخبثه وتلاعبه لينجح في إدانتها حتى لو أمام الناس وكما يُقال العيار الذي لم يصِب يدوش  .

باتت مقيدة عن حرية التعبير عن رأيها ومعاناتها وكسروا قلمها وهي مازالت في سطرها الأول  .

حتى أن محاميها لم يفلح في تبرأتها مما قيل عنها في قاعة المحكمة حيث أن الآخر عُرف بدهائه وتلاعبه بنصوص القوانين ليثبت حجته   .

قدم أدلة عجزت أمامه عن استيعاب فهمها برغم من بحثها خلف صحة كل معلومة ذكرتها في كتابها  .

أولم يرى ذلك المحامي كتبًا عديدة لا تُقرأ ولا تُفهم  ؟ ولكن ربما الضجة التي أحدثتها روايتها هي السبب في ذلك  ، وليكن هذا هو الوجه الآخر للشهرة  .

خرجت من المحكمة بملامح حزينة بعدما تم تحديد الجلسة الثانية  ،  خرجت منكسرة تتذكر خروجها من ذلك المنزل الكريه آنذاك  .

يتعمدون كسرها دومًا هؤلاء الذكور  ،  يقصدونها هي ونجاحها وسعادتها  .

استقلت سيارة شقيقها الذي قاد بضيق وأراد أن يخفف من وطأة الضغط عليها لذا قال  :

- مـ.ـا.تقلقيش يا ديما إن شاءلله أستاذ وليد طمني والحكم في صالحنا  ،  سيبك من الكلام الهايف اللي المحامي ده قاله جوة  .

مسحت على وجهها تستغفر ثم ابتلعت لعابها وأردفت متجاهلة المناقشة في هذا الأمر حيث تعلم أن كلمـ.ـا.ته للتخفيف فقط  :

- داغر وقفني جنب محل  ****  ،  عايزة اشتري منه حاجة  .

أومأ لها واستطرد وهو ينعطف وقد احترم رغبتها في عدم الحديث  :

- تمام  ،  بس مـ.ـا.تتأخريش علشان أنا اتأخرت على المصنع  .

- لا روح إنت أنا هتمشى شوية بعدها    .

التفت يحدق بها فوجدها تنظر للأمام بقناعٍ من الصمتٍ والهدوء يرى ما خلفه بوضوح لذا زفر وقرر ألا يعترض وقاد إلى أن أوقفها أمام المحل المنشود وودعها وغادر إلى عمله بينما هي توجهت نحو المحل تبتاع لصغيريها ملابس جديدة  .

دلفت تلقي السلام واتجهت إلى القسم المخصص لملابس الأطفال تنتقي بعض المعاطف لهما وخطت بين الأرفف والمعلقات لتجد على مرمى بصرها حاملًا معدنيًا مرصوصًا عليه عددًا هائلًا من الأحجبة الموضوعة بشكلٍ أنيق  .

اتجهت نحوه ووقفت أمامه تتأملهم وتملس عليهم وتوغلها الحنين للتجربة وشردت تفكر  .

منذ أن صلت الاستخارة آنذاك وجُل ما يمر على عقلها عرضه ومنشوراته عن المرأة العربية المحجبة  ،  أخبرها أنه يريدها أن تبثت له أنه مخطئ  ،  تتحداه  ؟ 

لم تنسَ نظراته حول خصلاتها حينما كان يودعها  ،  ولم تنسَ التذكار الذي انتشله من فوق رأسها  ،  ولم تنسَ منشوره الغامض عن خصلات الخيل الذي فهمته وحلت شفرته  .

هل يرسل الله لها إشارات لتتحجب  ؟  هل هذه الخطوة الأولى قبل أن تسافر  ؟  هل هي رسالة حقًا  ؟  أم أنها  ....  رسالة  ؟

لا يمكن أن يكون كل ما طرأ على عقلها منذ أن استخارت ربها هو شيئًا عابرًا  ،  الراحة التي تشعر بها والحنين لارتداء الحجاب يجبرانها على اتخاذ القرار وإن كانت ستسافر حقًا فيجب أن تسافر محجبة وتتحداه محجبة وتثبت رسالتها بالأدلة وأهم وأول دليل هو حجابها  .

لم تتردد بعدها في انتشال حجابين بلونين مختلفين ثم اتجهت نحو المرآة ورفعت إحداهما تضعه حول وجهها وتنظر لنفسها بعمق  ،  تتأمل ملامحها به وهيأتها فيه  .

ترى نفسها وهي تصلي ولكن الوضع هنا مختلف  ،  الملامح مختلفة ، العقل تآلف مع قلبها واتحدا يقنعانها بـ.ـارتدائه .

انتفضت حينما جاءت البائعة من خلفها تردف مادحة  :

- حلو أوي أوي اللون ده عليكِ  .

التفتت تبتسم لها وأجابتها بهدوء  :

- شكرًا  .

ابتعدت تلتقط المعطفين مع الحجابين واسترسلت تطالعها  :

- تمام هاخد دول  .

أومأت لها البائعة بابتسامة ودودة واتجهت معها لتدفع حسابهم وتغادر  .

وليتها لم تخرج من المحل حيث وجدت أمامها آخر شخصان تود رؤيتهما  ،  كمال وزينة التي أجبرته على الذهاب لشراء ملابس لطفلهما الذي لم يأتِ بعد  .

وقف متجمدًا يحدق بها كما فعلت زوجته  ،  نظراته كانت محملة بحزمة مشاعر مختلطة بين الإعجاب والضيق والذكريات  .

ليعي على زوجته التي نزعت نفسها من يده حينما لمحتها تغادر بعدما حاولت تجاهلهما ولكنها أوقفتها تردف بضيق وغيرة حاقدة  :

- عملتي كتاب ونجحتي على حساب سمعة جوزي بس ربنا بالمرصاد وهيجيبله حقه منك  ، وبكرة تشوفي إن شاء الله كتابك ده هيتمنع نشره وهتتحاسبي  .

وقف عاجزًا عن إسكاتها بل أنها أثارت غيظه وتذكر أمر الرواية التي عبرت فيها عنه لذا أردف وهو يسحب زينة إليه  :

- خلاص يا زينة سيبك منها  .

وقفت تطالعهما باشمئزاز وكره لتردف الأخرى بغيظٍ وقهر من قوة ديما التي تراها في عينيها ووقفتها وتجاهلها لهما :

- سيبني بس يا كمال علشان أعرفها إن العيب مش منك  ، وإنك راجـ.ـل زي الفل واهو زي مانتِ شايفة جايين نشتري هدوم ابننا اللي جاي في السكة  ،  علشان ت عـ.ـر.في إن انتِ اللي ماكنتيش نافعة تبقي زوجة صح لراجـ.ـل زيه  .

قالتها وهي تتحسس بيدها جنينها وباليد الأخرى تتحسس ظهر كمال الذي نفش ريشه متباهيًا وعقب وهو يسحبها نحو المحل خاصةً وأن ديما وقفت على قارعة الطريق تشير إلى سيارة أجرة كأنها لا تسمعهما  :

- خلاص بقى يا زينة هتتعبي ، ادخلي يالا  .

- ماشي يا حبيبي يالا الحمد لله إن ربنا نجدك منها  .

قالتها وتحركت معه داخل المحل لتتنفس ديما بقوة بعدما غادرا كأنهما قيدا الهواء عنها   .

حينما اقتربت منها سيارة أجرة أسرعت تستقلها وتتنفس مجددًا وهي تخبر السائق عن وجهتها  .

لم تؤثر بها كلمـ.ـا.تهما ولو بمقدار ذرة ولكنها لم تكن تريد أن تراهما أمامهما  ،  لم تكن بحاجة للتذكر كل ما مرت به  ،  لم تكن تتمنى رؤية التشفي في عينيهما مما يحدث معها الآن لذا  ...

دست يدها تستل هاتفها من حقيبتها وطلبت رقمه  ،  هاتفته لتخبره بموافقتها ليس قرارًا متهورًا منها ولكنها اتخذت لقائهما حافزًا لتقرر  ،  هذه هي الرسالة التي أرادها الله أن تفهمها  ،  هذا هو القرار الذي سيغير حياتها ويبدلها 180 درجة  .

❈-❈-❈

مهما كانت درجة انشغاله مرتفعة إلا أن هذا الاتصال انتظره منذ أن عاد إلى فرنسا لذا فإنه انسحب من بين الحضور حيث كان يقف بينهم يخبرهم بتقارير المجلة الأسبوعية واتجه نحو مكتبه يغلق الباب ويغلق مكالمتها ويعاود الاتصال بها هو لتفتح الخط فيجيب بحماس يخفيه بنبرة جدية  :

- بيتهيألي ده اتصال الموافقة  ،  مش كدة  ؟

تنهيدة قوية مرت على صدرها فحملت معها الهموم التي تجلت في نبرتها وهي تخبره بتصميم  :

- أيوة  ،  أنا موافقة   .

نبرتها لمست شيئًا داخله  ،  كأنها نزحت من أسفل الأنقاض لتوها لذا لم يمنع نفسه من سؤالها  :

- إنتِ كويسة  ؟

هزت رأسها بلا والتمعت مقلتيها بدمـ.ـو.عٍ حارقة جعلاها تعتصر شفتيها بقوة وتردف بنبرة جاهدت لتبدو شامخة  :

- كويسة جدًا  ،  اديني بس وقت اظبط أموري وربنا يسهل  .

لم يقتنع بأنها في حالة جيدة جدًا كما قالت  ،  بل أنه يجزم أنها تبكي ولكنه أردف بنبرة رصينة  :

- من جهة تكاليف السفر والأوراق مـ.ـا.تقلقيش كل ده المجلة هتتكفل بيه  ،  مستنيكي يا ديما  .

انتهى الفصل
أنت أنثى دافئة جدا، ناعمة جدا، عنيدة مكابرة ولطيفة جدا،

كلما كنت بالقرب منك منك أشعر بالدفئ

لذا أنا دوما حريص على البقاء قربك

أشاكسك حينا فتغضبين

تهاجمك حينا أمواجي فتغرقين

تلفحك نسمـ.ـا.ت البرد بقلبي فترتعشين..

لأهديك معطفي علّكِ من عطري تسكَرين

حريص بكل الأشكال على البقاء قربك

وأنت لا تفهمين..

منذ جئت وأنا بالفعل لم أعد أشعر أني وحيد غريب

وكأن منزلي الدافئ أخيرا قد عاد إلي..

ياامرأة السلام... يا سلامي

( بقلم فيروزة)

❈-❈-❈

لم يرحموها  ،  أتت الأخبـ.ـار عبر الإعلام المصري لتكمل عليها  ،  جعلوها مادة دسمة يستخدمونها في القيل والقال وتصدرت البحث دون أن يتأكدوا من اتهامها أو تبرئتها مما نُسب إليها  ، خاصة بعض القنوات التي أيدت رأي المحامي ووصفوها بأنها تسعى لإفساد العلاقات الزوجية .

ظنت أنها بعيدة عن المؤامرات  ،  لقد ظنت أنها مجرد كاتبة ستعبّر بقلمها عما تشعر ولم تكن تتخيل أن يصل بها الأمر إلى هنا  ،  خاصةً في بلدها التي تحبها كما يحب الجنين أمه  .

ولكن على ما يبدو أنها كانت ذات عقلٍ صغيرٍ ،  الآن فهمت السلبيات التي تحيط ببلدها كمرضٍ جلدي شوه مظهرها الرائع بعد عينٍ أصابتها بالحسد من شـ.ـدة حُسنها  .

متى تتعافين يا بلادي  ؟  متى تعودين جميلة كما كنتِ  ؟  متى يرحل عنكِ كل خبيث  ؟

عجلت من قرار سفرها  ،  لم تعد تطيق المكوث هنا بين هؤلاء البشر الذين نزعوا من قلوبهم الخير  .

ولكن تبقى المعضلة في صغيريها  ،  تعقيد الأمور القانونية لسفرهما معها خاصة وأنها لن تقبل بأخذ الإذن من ذلك الكمال جعلها تفكر في العرض المطروح من قِبل الجميع وهو تركهما هنا مع عائلتها ريثما ترتب أمورها   .

عائلتها التي كانت ومازالت هي القارب الذي واجهت به كل الأعاصير وبالأخص شقيقها  .

❈-❈-❈

خرجت من شقتها تغلق الباب خلفها وتحركت نحو المصعد تنوي زيارة ديما لتجد رحمة تغادر شقتها أيضًا وتحمل الصغير في حاملته  .

ما إن رأتها حتى ابتسمت وتحدثت بهدوء وهي تتجه نحوها  :

- أزيك يا يسرا  ،  عاملة ايه  ؟

أومأت يسرا تجيبها بهدوء ملغم بالمشاعر التي نثرتها حول الصغير  :

- كويسة الحمدلله  .

استقلتا المصعد سويًا ونزلتا بصمتٍ قطعته رحمة أمام مدخل العمارة تتساءل  :

- إنتِ رايحة منين يا يسرا  ؟  أصل النهاردة معاد تطعيم قصي فلو ينفع توصليني  ؟

التفتت يسرا تحدجها بنظرات متفحصة وكادت أن ترفض خاصةً بعدما تأكدت من شخصيتها المستغلة ولكن تململ الصغير داخل بيته وبكائه جعلاها ترضخ زافرة بقوة ثم تحركت نحو سيارتها تجيبها  :

- تمام اركبي  .

أطاعتها رحمة واتجهت تستقل الجهة المقابلة هي وصغيرها الذي هدأ من هدهدتها له وبدأت يسرا تشغل المحرك لتقود بصمتٍ وجدية  .

بعد دقائق قليلة قطعت رحمة الصمت وهي تتساءل بنوعٍ من المكر  :

- يسرا أنا مش عايزاكِ تكوني زعلانة مني  ،  أنا عارفة إنك عملتي معايا اللي مافيش حد عمله ووقفتي جنبي طول فترة حملي وأنا هفضل مديونة ليكي ولدياب بده  ،  بس أنا ساعات بخاف  ،  حاولي تفهميني لو سمحتي  .

انزعجت من نطقها لاسم زوجها هكذا ولكنها لم تظهر ذلك بل تساءلت بشكٍ وعينيها على الطريق  :

- بتخافي من إيه  ؟  ممكن توضحي  ؟

تنفست رحمة بعمق وتابعت بترقب وعينيها على ملامح يسرا المتحفزة  :

- إنتِ عارفة إن مابقاش ليا حد وحتى أهلي رافضين يسامحوني واتخلوا عني  ،  مافيش في حياتي غير قصي اللي اتعلقت بيه جدًا  ،  غصب عني بحس إني أنانية في حبه ومش عايزة حد يشاركني فيه  ،  فهماني  .

آلمها قلبها لذا اعتصرت عينيها لتتخطى عثرات هذا الشعور ولكنه ملأ دروبها لذا أجابتها بنبرة حزينة مغلفة بالصقيع دون النظر نحوها  :

- لا مافيش داعي لخوفك أصلًا يا رحمة  ،  أنا ساعدتك لإني مش من النوع اللي بشوف حد في وضعك واتجاهله  ،  وعلى فكرة دياب قال لي بلاش  .

التفتت تباغتها بنظرة ذات مغزى توضح لها أنها باتت تفهم نواياها لذا استطردت  :

- يعني حذرني لإنه بيخاف على مشاعري جدًا في الأمر ده بس أنا أكدت له إن مافيش أي حاجة هتأثر على مشاعري بالعكس  ،  أنا إنسانة سوية الحمد لله بتمنى الخير لغيري  ،  وهو عارف كدة ودي أكتر صفة بتعجبه فيا  ، وطبعًا حقك تكوني أنانية في حب ابنك  ، كلنا أنانيين مع اللي بنحبهم ومستحيل هنسمح بحد تاني يشاركنا فيهم  .

تـ.ـو.ترت نظرات رحمة لذا التفتت مسرعة تنظر أمامها وتهدهد الصغير الذي بكى مجددًا بينما أكملت يسرا سيرها وهي تفكر في تلك القاطنة جوارها  ،  ترى بماذا تفكر  ؟
 

❈-❈-❈

كان يباشر عمله بتركيز قبل أن يدلف عليه عامل يصيح باحترام  :

- باشمهندش داغر ماجد بيه عايزك في المكتب  .

التفت يطالعه وعبس وجهه حينما سمع اسم ماجد ليستغفر الله ويزفر ثم أردف بثقل  :

- ماشي يا نادر روح إنت كمل شغلك .

غادر العامل ووقف داغر يفكر  ،  لقد طفح الكيل منه ومن أفعاله  ،  يوميًا يتسكع ويتكاسل في إدارته للمصنع ولولا صرامة داغر وصالح لكان تم إغلاق هذا المصنع من اليوم الثاني لإدارته  .

إنه مستهتر لا يفلح في شيء سوى الأمر والنهي في قرارات خاطئة لذا لن يصمت بعد الآن  .

تحرك نحو مكتبه وقد رآه صالح وتمنى ألا يحدث ما لا يحمد عقباه  ،  وصل داغر إلى المكتب وطرق الباب قبل أن يفتحه ويدلف ليباغته الآخر بعنجهية ويبصق كلمـ.ـا.ته المهينة بانزعاج كاذب وهو يعتدل في جلسته  :

- مـ.ـا.تدخلش غير لما اسمحلك  ،  هي مش وكالة من غير بواب  .

استنكر داغر ما يقوله وصاح يجيبه  :

- هو مش إنت اللي بعت لي أجيلك ولا أنا بيتهيألي  ؟

- وده يديك الحق إنك الباب تفتح وتدخل  ؟

أجابه بتوبيخ متعمد إهانته أمام نفسه ولكن شخصية داغر تأبى هذا الأمر برمته لذا اقترب منه يردف بتأهب أخافه  :

- بقولك إيه يا أستاذ ماجد  ،  مـ.ـا.تخليك دوغري معايا  ،  عندك حاجة تقولها ولا ارجع أشوف شغلي وتشوف شغلك إنت كمان  !

بالرغم من تـ.ـو.تره من صلابة داغر إلا أنه نهض يطرق بكفيه على المكتب ويصيح بعلو  :

- إيه الطريقة الهمجية بتاعتك دي  ؟  إنت فاكر نفسك بتتكلم مع واحد صاحبك  ؟  أنا هنا مدير ومالك المصنع يعني تقف وتتكلم عدل  .

زفر داغر بقوة ومسح على وجهه مستغفرًا لتمر على عقله بسمة وثقتها به لذا قرر أن يغادر من أمامه وفعل حينما التفت ينزع نفسه ويخرج من المكتب تحت أنظار ماجد المتعجبة من جرأته  .

اندفع داغر عائدًا إلى عمله ولكن ماجد قد قرر اتخاذ الخطوة التي اتفق عليها هو ووالده  ،  لقد اتفقا على أن يخرجاه من المصنع بأي ثمن  ،  يوقعاه في بسمة ليضمنا عدم عودته مجددًا لذا  ....

تحرك ماجد خارج مكتبه يتجه نحو العمال حتى توقف أمام داغر وأردف بتوبيخ وصياح  :

- هو انت إزاي تتعامل معايا كدة  ؟  لتكون ورثت في المصنع وأنا ماعرفش  ؟  أنا لما أكلمك يبقى تقف قدامي باحترام  ،  إنتوا هنا شغالين عندي  ،  فاهم  !

التفت داغر ينظر لوجوه العمال التي التفتت له لذا عاد يباغته بغضب يحاول تقييده ويردف  :

- أنا فعلًا جيت ووقفت قدامك باحترام بس إنت عايز تعمل مشكلة  ،  عديها يا أستاذ ماجد علشان ملوش لازمة وخلي كل واحد يشوف شغله  .

تعمق فيه لثوانٍ قبل أن يبتسم مستهينًا بسخرية واضعًا كفيه في جيبيه بتعالٍ مسترسلًا بتقليل  :

- لا دانت شكلك واخد ضمان فعلًا  ،  ليكون حد وعدك كدة ولا كدة ومصدق نفسك  ؟

ربما يتعمد استفزازه أو تحديه ونجح في ذلك حيث أنه أشعل مواقد تحفزه لذا أردف داغر بشموخٍ ترعرع فيه  :

-  واضح كدة إنك مش فاهم يعني إيه حد عنده ضمير في شغله وبيراعي ربنا فيه ودي مشكلتك للأسف   .

انحنى قليلًا يميل عليه ويهس من بين أسنانه بغلٍ مقيد  :

- أنا واحد كرامتي فوق أي اعتبـ.ـار ومش أنا اللي افرض نفسي على حد ولا اخد ضمان على حاجة مش بتاعتي  ،  خليك في حالك بعيد عني  .

ابتعد عنه ينظر لملامحه التي تجهمت من مغزى كلامه وأدرك أن بسمة تخبره بكل شيء عنه لذا اشتعل غيظًا وظل متجمدًا يصوب عينيه نحوه وهو يفحص إحدى الماكينات  .

لقد أصبح خطرًا عليه هو  ،  لقد مسه هو  ،  ليس خطرًا على العمل فهو يعمل بجدٍ وليس خطرًا على بسمة فهو نوعها المفضل ولكنه إن تركه الآن سيفرض سيطرته أكثر وأكثر  ،  سيظن أنه انتصر  ،  سينجح في الحصول على ما يريده لذا استيقظت وحوشه الكاسرة وبتهورٍ تمناه اندفع نحوه يرطمه في الماكينة بقوة وبشكلٍ مفاجئ تألم على أثره داغر ولكنه أسرع يعتدل ويقبض على تلابيبه يصيح بجهور  :

- إنت جيت للشخص الغلط  ،  خدلك ساتر بعيد عنـــــــــــــــي  .

رفع ماجد كفيه ليهاجمه فأسرع صالح يخلصهما مع بعض العمال وعمت الفوضى في المكان وتأهبا ينظران لبعضهما بكرهٍ واضح بعدما نجح العمال في فصلهما لذا نطق ماجد بغل صريح ومسبة  :

- مـ.ـا.تحلمش توصل للي إنت عايزه  ،  أنا فاهم أشكالك كويس وعارف إنك حاطط عينك على بسمة  ،  فوق يالا دانت بإشارة مني أدمرلك مستقبلك كله  .

حينما ذكر اسمها أمامه تهيأت شياطينه تلزمه بضـ.ـر.به لذا نفض نفسه من أيدي صالح وهجم عليه على حين غره يسدد له لكمة قوية التوت أنفه على أثرها قبل أن يعاود العمال فصله عنه  .

كاد أن يهجم عليه مجددًا ولكن وقف صالح  أمامه ينطق بقوة محذرًا  :

- بيكفي ياخو ، هيك عم تجيب الحق عليك .

لجمه صالح لينزع نفسه ويقرر أن يغادر المصنع  ،  لقد احتمل فوق طاقته وليس هو الذي تُهدر كرامته حتى لو كان على حساب وصية بسمة  .

زفر صالح بقوة واندرجت ملامحه تحت بند الحزن وقرر أن يتبعه وليكن لكل حادثٍ حديث  .

❈-❈-❈

تجلس ديما في منزل عائلتها بين والدتها وشقيقتها والصغار وبسمة ويسرا ،  جميعهن تتحدثن وتحاولن إقناعها  .

تجلس معهن مشتتة وعينيها لا تفارق صغيريها اللذان يلعبان بينهن  .

نظرت إلى يسرا التي تؤكد لها بحنين  :

- ديما إنتِ عارفة شغل دياب وعارفة إنه طول الوقت برا البيت صدقيني هكون معاهم هنا يوميًا بس يارب طنط منال مـ.ـا.تزهقش مني  .

قالتها ونظرت إلى منال بابتسامة متنكرة لتطالعها الأخرى باندهاش وتردف بنبرة معاتبة  :

- اخص عليكِ يا يسرا ده كلام  ؟  بالعكس بقى انتِ هتنسيني غياب ديما شوية  ،  وبعدين مانتِ كمان عارفة إن معظم الوقت قاعدة مع الولاد لوحدي ودينا وداغر في شغلهم  .

استرسلت وهي تنظر لابنتها  :

- وانتِ يا ديما خلاص يابنتي بقى كفاية قلق وخوف  ،  معقول خايفة عليهم معايا  ؟  دول حتة من قلبي وانتِ عارفة كدة  ،  وبعدين مش هما بنفسهم قالولك موافقين  ؟

تنهيدة قوية معبأة بالحنين وهي تنظر لهما ثم زفرت وأردفت توزع نظراتها بينهن  :

- مش خوف يا جماعة  ،  أنا مطمنة عليهم معاكوا طبعًا  ،  انتوا بتحبوهم وبتراعوهم زيي وأكتر بس قلبي مش قادر  ،  خايفة أوي آخد خطوة زي دي وأكون أم اتخلت عن ولادها علشان خاطر نفسها  .

تحدثت بسمة بنبرة عقلانية مبطنة بالتوبيخ  :

- طيب وإنتِ اتحملتي تمن سنين في ضغط وحزن وقهر علشان مين يا ديما  ؟  كنتِ كل مرة تسامحي في حقك علشان مين  ؟  خلقتي مليون فرصة تكملي بيها  ،  لو سمحتي بلاش مرة تانية تقولي إنك أم اتخلت عن أولادها  ،  كل ما في الأمر إنك رايحة مكان جديد وغريب ومش هت عـ.ـر.في تتحركي بيهم بسهولة هناك ولا توصلي رسالتك بشكل صح غير لما تستقري  ،  ولما تستقري تقدري ترجعي وتاخديهم أو العكس ممكن مـ.ـا.ترتاحيش هناك وترجعي وتبقى مجرد تجربة وعدت  ،  وعلى فكرة أصلًا فكرة إنهم يكونوا معاكي دي مش صح بالنسبالهم خالص  ،  هنا فيه استقرار ليهم أكتر ، ومـ.ـا.تنسيش كمان إن باباهم هيحطلك العقدة في المنشار ومش هيقبل بسفرهم وإنتِ في الوقت ده مش حمل جدال معاه  .

نظرت دينا إلى بسمة وأردفت بإعجاب وهي ترقص حاجبيها وتقوم بدور داغر الغائب  :

- عليا النعمة عاقل وعسل وكلامك عسل  .

ابتسمت بسمة وتذكرت داغر وحركاته لتتحمحم بحرج كأنهن اكتشفن أمرها بينما شردت ديما لثوانٍ ثم أومأت تردف بنبرة تائهة  :

- مش قادرة غير إني أوافق  ،  أنا فعلًا محتاجة أعرف وافهم الوضع هناك هيبقى عامل إزاي الأول   .

زفروا بـ.ـارتياح فأخيرًا وافقت حتى لو لم تقتنع بشكلٍ كامل ولكن ستتأكد أن هذا هو القرار السليم في الوقت الراهن .

نظرت لصغيريها ونادتهما تفتح ذراعيها لهما قائلة بقلبٍ منفطر  :

- مالك  ،  رؤية  ،  تعالوا  .

أسرع الصغيران يلبيان طلبها فعانقتهما بقوة تقبلهما قبلًا متتالية عميقة كأنها ستسافر الآن  .

نزلت دمـ.ـو.عها تزامنًا مع دمـ.ـو.ع يسرا ومنال ثم ابتعدت قليلًا تنظر في وجهيهما وتردف بنبرة منفطرة  :

- هسافر ومش هتأخر عليكوا  ،  هرجع تاني بسرعة وهكلمكوا كل يوم فيديو كول وأنا هناك  ،  ودايما هنكون على تواصل   ،  تمام ولا زعلانين مني  ؟

عاد مالك يعانقها ويردف بنبرة حنونة تشبه نبرة خاله   :

- مـ.ـا.تزعليش يا ماما  ،  مش إنتِ سافرتي قبل كدة وجيتي وإحنا كنا مبسوطين  ،  أنا نفسي أسافر معاكي أوي بس هستني هنا لما تيجي تاخديني  ، روحي إنتِ الأول وكلمينا كل يوم ولما تشتري بيت كبير تعالي خدينا أنا ورؤية وتيتة وخالو داغر  .

- أخص عليك وأنا يا مالك  ؟

نطقتها دينا باستنكار وصدمة ليلتفت لها مسترسلًا بمرح طفولي  :

- انتِ بتنامي كتير يا خالتو  ، مش بتحسي لما نيجي نصحيكي  ، هنسافر إحنا ولما تصحي ابقي تعالي  .

ضحكن على الصغير وضحكت ديما من بين دمـ.ـو.عها وعانقته هو وشقيقته التي أردفت مثله  :

- مـ.ـا.تزعليس يا ماما  .

أصدرت تنهيدة معبأة بالحيرة والحنين والخوف واستمرت في عناقهما تفكر مجددًا وتتساءل هل ستحتمل الحياة هناك بدونهما  ؟ 

❈-❈-❈

جلس في مكتبه يشاهد الإعلامي المشهور وهو يهاجم كتابها  ،  يصيح ويلوح بيده مدعيًا أنها من المؤكد ستكون مطلقة ولا يمكن لشخصٍ تحمل امرأة مثلها  .

النرجسية العظمي التي يمتلكها جعلته يفرد ظهره على المقعد بانتشاء وتباهٍ  ولسان حاله يردد
( لقد جعلت سيرتي علكة في أفواه الجميع من خلال كتابها وها هو عقاب الله أوقعها في نفس الحفرة التي حفرتها لي  )

شامتٌ بشـ.ـدة ومع ذلك لا تسافر من ذاكرته قط  ،  يتذكر ملامحها  ،  عينيها  ،  هدوءها  ،  كل إنشٍ بها  ،  وخجلها الذي يفتقده الآن  ،  شتان بينها وبين زينة ويحمد الله أن الأفكار تختبئ خلف قناعٍ صُنع من ملامح كارهة وحاقدة وإلا فُضح أمره على يد زينة التي لا تهاب الفضائح .

دلفت المحل تتجه نحوه وقد ظهر حملها في هذه العباءة  ، جلست في مقعدها تلتقط أنفاسها وتتساءل بشكٍ بعدما أغلق الهاتف ودسه في جيبه حينما رآها  :

- كنت بتتفرج على إيه  ؟ 

تمعن فيها ثم ابتسم وأردف بنبرة ماكرة وملامح متلونة  :

- رونالدو وهو بيلعب  ،  إنتِ نزلتِ ليه وانتِ تعبانة  ؟

نظرت حولها تركز مع العمال الذي يباشرون عملهم ويلمعون الواجهة والبضائع ثم عادت إليه تردف  :

- زهقت وامي مش مبطلة رغي فوق نفوخي ،  قولت آجي أشوفك بتعمل إيه وأشوف الشغل ماشي إزاي  .

أومأ لها فاسترسلت وهي تحدق في المقعد الخاص به  :

- قوم اقعد مكاني وسيبني أنا على الكرسي ده مريح أكتر  .

نهضت تتحرك نحوه لينهض بطاعة فجلست مكانه تستريح واتجه هو يتأفأف بضيق ويجلس مكانها فها هي ستبدأ نوبات سيطرتها عليه وعلى العمال وما عليه سوى القبول .

❈-❈-❈

في مكتبه جلس يسرد إلى والده ما حدث عبر الهاتف والآخر يقابل الكلمـ.ـا.ت بابتسامة خبيثة ليجيبه  :

- عارف لو اللي في دماغي حصل يبقى إنت حليتها يا ماجد  ،  مش هي موصياه على المصنع وهو سابه ومشي  ،  يا سلام بقى لو كرامته نقحت عليه وساب الشغل خالص  ،  ساعتها هي اللي هتبعد عنه  ، إنت عارف إن بسمة في موضوع الشغل مابتهزرش  .

نفش نفسه على المقعد حينما أعجب والده بفعلته ليردف بتباهٍ  :

- هيحصل يا بابا  ،  مش هيرجع بعد ما اتعلم عليه قدام العمال  .

ضحكة ساخرة مرت على ملامح نبيل الذي يعلم أن ابنه هو من تلقى الضـ.ـر.بات ولكنه أيضًا يعلم أن داغر لن يقبل الفتنة التي ألقاها ابنه والتي ستتسبب في أقوال متداولة عنه وعن بسمة لذا سيقرر الابتعاد  .

زفر واسترسل  :

- خد بالك إنت بس من المصنع وأوعى الشغل يتأثر  ،  رجع المهندس بتاعنا وحط عينك عليه كويس  ،  عايزينها تعرف إن غيابه مش فارق  .

أردف الآخر بطاعة وعلى محياه ابتسامة شامتة  :

- ماشي  ،  سلام  .

❈-❈-❈

نزلت بسمة بعد زيارتها لمنزل منال وكادت أن تستقل سيارتها لتغادر ولكنها تفاجأت حينما رأت داغر يأتي من بعيد بملامح متجهمة  .

وقفت أمام سيارتها تنتظره حتى وصل إليها وقد رآها فزفر بضيق وابتلع لعابه لتتساءل بقلقٍ وتـ.ـو.تر  :

- مالك يا داغر  ؟  حصل حاجة  ؟

لا يعلم كيف يخبرها ولكنه تحدث يوضح دون مراوغة  :

- أنا مش هشتغل في المصنع تاني يا بسمة  .

اتسع بؤبؤيها وتساءلت بصدمة  :

-  ليه  ؟  احكيلي  ؟

نظر حوله فوجد الأعين عليهما لذا نطق بضيق  :

- تعالي اطلعي فوق ونتكلم  .

هزت رأسها رفضًا وتحدثت وهي تفتح باب سيارتها  :

- لا اركب وهنروح مكان نتكلم فيه  .

أطاعها واتجه يستقل السيارة وبدأت تقود خارج المنطقة متجهة إلى مكانٍ هادئ ولكنه ما إن تخطى حدود الحارة حتى أردف  :

- اقفي هنا  .

توقفت على قارعة الطريق والتفتت تطالعه فزفر واستطرد بنبرة جادة  :

- إنتِ يمكن تشوفي إني اصغر منك بس أنا مش شايف كدة  ،  أنا اللي كان مقعدني في المصنع مسؤوليتي ناحيتك  ،  لكن لو المسؤولية دي هتتفهم غلط والناس هتشوفني إني واحد استغلالي زي ما ابن عمك قال يبقى لازم أبعد  ،  كله إلا كرامتي يا آنسة بسمة  .

قطبت جبينها متسائلة  :

- ماجد اللي قال الكلام ده  ؟

أومأ يسترسل  :

- أيوا قال  ،  وغيره هيقول ولو مـ.ـا.تقالتش في وشي هتتقال من ورا ضهري  ،  وأنا مش بتاع الكلام ده  ،  أنا واحد دوغري وكنت بشتغل في المصنع بما يرضي الله وسواء ده مصنعك أو مصنع أي حد هشتغل كدة بالضبط  ،  بس يمكن أنا اللي نسيت نفسي شوية معاكي ودي غلطة مني  ،  بس ملحوقة معلش  .

تساءلت مستفهمة وقد وخزها قلبها خاصةً وهي تراه يعتذر عن مشاعر لم يعترف بها من الأساس  :

- يعني إيه يا داغر  ؟  هتبعد  ؟  هتتخلى عني بعد كل اللي حكيتهولك عنهم  ؟  ما أنا عرفتك تصرفات ماجد ناحيتي  ،  وقلتلك إنه هيحاول يستفزك وإنت قلت أسيب الموضوع عليك  ،  هتتخلى عني إنت كمان  ؟

آلمه قلبه للدرجة التي لم يصل لها من قبل  ،  استوحش داخله شعورًا سيئًا وشعر أنه تحت ضغط بين مشاعره وكرامته التي أهدرها ماجد منذ قليل لذا أردف دون النظر لعينيها  :

- يا بسمة أنا في الأول والآخر واحد غريب ووجودي في المصنع أو عدمه مش هيفرق كتير خصوصًا إن العمال الجداد بيشتغلوا أحسن مني وعندهم ضمير وبيحبوكي  ،  بلاها مني وخليني في ورشتي زي مانا  ،  وبعدين أنا تحت أمرك في أي حاجة تعوزيها في أي وقت إنما مصنع تاني بعد اللي حصل النهاردة ده لاء  .

سلطت أنظارها عليه لثوانٍ وبرغم صراع الأفكار التي تعاني منها داخل حلبة عقلها إلا أنها أومأت تدعي التفهم قائلة بنبرة تخفي بين طيات ثباتها الكثير من الاحتياج  :

- تمام يا داغر زي مـ.ـا.تحب  .

أومأ وأسرع يفتح باب السيارة ويترجل ثم أغلقه وارتكز على نافذتها بساعديه يطالعها مردفًا  :

- خدي بالك من نفسك  .

تحرك بعدها يعود لمنزله بضيقٍ يستحوذ عليه  ،  قراره لم يأتِ من أحداث اليوم فقط بل منذ أن أمسك ماجد الإدارة وبدأ يتعمد استفزازه  ،  لقد تحمل وصبر وانتظر ابتعاده عن المصنع فقط لأجلها لكن ضاق به الحال واليوم قُضي الأمر  .

أما هي فرفعت يدها تنزع دمعة فرت من عينيها واستلت هاتفها تتحدث إلى ماجد الذي أجابها بترقب فقالت  :

- إنت فين  ؟

أجابها وهو يغادر المصنع متعمدًا  :

- أنا برا  ،  ومش عايز اتكلم دلوقتي  ،  كفاية أوي اللي حصلي بسبب المهندس اللي إنتِ عينتيه وخلتيه يتعامل معايا كإني بشتغل عنده  ،  سبيني لما اهدا يا بسمة ونبقى نتكلم  .

أغلق قبل أن تجيبه وقد قرر أن يستعمل معها أسلوبًا جديدًا تعلمه من داغر على مدار أسابيع من مراقبته له  .

❈-❈-❈

بعد أيام وبعد الجلسة الثانية التي لم تخرج منها جيدة خاصةً حينما قدم المدققين والنقاد أدلة تدين كتابها  ،  كيف وجدوا كل هذه الثغرات  ؟  لدرجة أنها باتت تصدقهم وتكذب نفسها  ،  لم تخطئ في حق أحد  ،  هي آخر النساء التي يمكنها اتهام قوانين بلادها وما حدث معها ظلمًا واضحًا خاصةً أن القاضي حكم بإيقاف نشر كتابها حقًا لحين صدور الحكم في قضيتها بعد أسبوع  .

نصحها المحامي أن تسافر قبل ذلك وأنه سيتابع بنفسه وإن كان الحكم لصالحها سيرفع قضايا تعويض على كل من اتهمها وذمها  .

جلست ليلًا تفرز المشتريات التي ابتاعتها مع يسرا من أجل السفر  ،  ملابس وأغراض شخصية وغيرها  .

المال الذي عاد عليها من كتابها أنفقته في مصاريف هذه الرحلة وتدعو أن تكون رحلة مثمرة بالخير وألا تنـ.ـد.م عليها  .

الآن بدأت تفكر في العائد المادي الذي ستجنيه من هناك مقابل العمل  ، ستسعى لتضمن حياة صغيريها من صحة وتعليم ونشأة كريمة  ، ستحاول تلبية احتياجاتهما بالقدر المستطاع دون الاعتماد على أحدٍ  .

جلست تجهز حقيبتها ليرن هاتفها معلنًا عن اتصال من ثائر ذو الفقار  ، تعجبت من مكالمته لها في هذا الوقت ولكنها زفرت وقررت أن تجيب عله شيئًا هامًا  .

أجابت تردف بنبرة رسمية  :

- سلام عليكم   ، خير يا أستاذ ثائر  ؟

لا يعلم لما هاتفها ولكنه يعلم ما تمر به لذا أراد أن يتحدث إليها فقال  :

- وصلتي لفين  ؟ السفر قرب خالص  .

ارتدت على طرف الفراش ووضعت قطعة الملابس من يدها تتنفس بعمق وتجيبه  :

- أيوا  ، أنا دلوقتي بجهز الشنطة  .

تنهد واستطرد بنبرة جادة  :

- تمام  ، عندك حساب بنكي  ؟ فيه مبلغ مقدم من المجلة ليكي علشان ترتيبات السفر  .   .

تحمحمت تجيبه بهدوء  :

- ممكن تخليه معاك لما أوصل  ،  أنا خلاص تقريبًا مش ناقصني حاجة  .

يعيد نبرتها على عقله ليستكشف ما بها ولكنها كانت ثابتة وجادة وصامتة تنتظر حديثه فتساءل بترقب  :

- مسألة اللغة  ،  حلتيها  ؟

أردفت توضح بتروٍ  :

- زي ما قولت لحضرتك قبل كدة أنا بتكلم فرنسي كويس والفترة اللي فاتت كنت بدرب على كدة  ،  يعني اطمن من ناحية الموضوع ده مش هتعبك  .

عن أي المتاعب تتحدثين أيتها الديما  ؟  أفْشلتِ أولى خططي في إعطائكِ دروسًا خاصة.. بالفرنسية   .

لاحظت صمته واستشفت أنه يفكر في أمرٍ لم تدركه نواياها لذا قالت  :

- طيب تصبح على خير  .

- وانتِ من أهل الخير يا ديما  .

هكذا كانت إجابته وتعمد نطق اسمها وتعمد الضغط على نبرته قبل أن يغلق وتغلق هي منشغلة بأفكارها البعيدة تمامًا عن أفكاره  .

دلف عليها شقيقها بعدما سمعها تتحدث مع أحدهم لذا تساءل بترقب  :

- بتتكلمي مع مين دلوقتي  ؟

التفتت تبتسم له وأجابته بصدق  :

- ده أستاذ ثائر  ،  بيقول إن فيه مبلغ من المجلة ليا بس بلغته إني خلصت كل حاجة  .

أومأ بتفهم مبطن بالإحباط وجلس على طرف الفراش ينظر للحقيبة ليستطرد بحزنٍ يكتم صوته بابتسامة ونبرة مرحة  :

- أيوا بقى ديما الصابر هتبقى اد الدنيا ومحدش هيعرف يكلمها  ،  عقبالنا يارب  .

قالها وهو يرفع كفيه للأعلى لتجاوره تُمعن النظر في مقلتيه حيث لمحت ما يخفيه لذا نطقت  :

- مش ناوي ترجع المصنع تاني يا داغر  ؟  علشان خاطر بسمة  ،  هي كلمتني وقالت ان ابن عمها هيستلم فرع شركة اسكندرية بعد اسبوع  ،  هي عايزاك ترجع بس مش هتقولها  .

لف وجهه عنها فلم يكن يريد أن يفتح هذا الصندوق معها فاسترسلت بليونة  :

- داغر أنا فهماك كويس  ،  وعارفة إنك مش هتتحمل حد يفكر إنك بتستغلها  ،  بس يكفي إنها واثقة في ده  ،  هي عارفة كويس إنك لا يمكن تستغلها  ،  بالعكس إنت كنت بتحافظ عليها وعلى مصنعها علشان كدة وصتك إنت عليه وعندها ثقة فيك  ،  كان قرار غلط منك إنك تبعد  .

التفت يقابلها بتعجب واستنكار وقد استطاعت جذبه  لحديثها لذا قال  :

- لا يا ديما مش تصرف غلط  ، أنا قلتلك هو قال إيه وعمل إيه قدام العمال وإنتِ عارفة أخوكي كويس  .

أومأت مرارًا تجيبه بمغزى  :

- أيوة عارفاه كويس وعلطول كدة أعصابه فايرة  ،  مهو مش كل الأمور اللي تتحل بالخناق يا داغر فيه حاجات عايزة السياسة خصوصًا لو اللي قدامك ده قاصد يستفزك  .

لوح بيده يجيبها وينهي النقاش  :

- أهو اللي حصل بقى يا ديما وقفلي ع السيرة دي علشان خاطري  ،  البني آدم ده أنا اصلًا جايب أخرى منه  .

زفر بقوة يسترسل بنبرة أقل حدة  :

- المهم إنتِ عرفتي هتروحي على فين  ؟  فيه عنوان معاكي ولا لسة مـ.ـا.ت عـ.ـر.فيش  ؟

هزت كتفيها تجيبه بشرود  :

- لاء مش عارفة بس أستاذ ثائر هيبعتلي حد في المطار أكيد  ،  اللي أعرفه إن المكان اللي هسكن فيه قريب من المجلة والمنطقة فيها عرب كتير  .

أومأ بتفهم يجيبها  :

- أيوة هو قالي كدة  ،  ربنا يوفقك وتكون سفرية خير عليكي وتحققي كل اللي نفسك فيه  .

اتجهت بجذعها نحوه تعانقه فاحتواها يربت على ظهرها بحنانٍ وتنفس بعمق يفكر في سفرها وبسمة  .

❈-❈-❈

كانت تبكي في غرفتها  ،  لا تعلم لمَ باتت دمـ.ـو.عها مؤخرًا تزورها باستمرار فهي ليست بالباكية سريعًا ولكن يبدو أن الأمر حينما يتعلق بالقلب يختلف  .

لا تلومه على قراره ولكنها ظنت أنه سيتجاوز الكثير لأجلها والآن ترى الأمور بوضوح وتتساءل عن سبب هذا الظن  ؟

هو مجرد صديق وحتى لو كان أكثر من ذلك فليس مضطرًا لتحمل مشاكلها وعنجهية ماجد  .

هي تبحث عن شخصٍ بصفات لم تعد منتشرة في الواقع  ،  زفرت بقوة وقررت أن تغادر غرفتها التي باتت تخـ.ـنـ.ـقها  .

استلت كتاب ديما عله يذكرها به وترجلت تنزل إلى الحديقة لتشتم الهواء قليلًا علها ترتاح من صخب الأفكار التي تمارس ساديتها على عقلها  .

اتجهت تجلس بالقرب من المسبح وفتحت الكتاب لتقرأه للمرة الثانية وخاصةً الجزء الذي ذكرته ديما فيه  ،  تقرأ كم هو أخٌ داعم وحنون  .

غصة سكنت حلقها وهي تتذكره لتعاود عينيها تمتلئ بمخزون الدمـ.ـو.ع اشتياقًا له وتساءلت هل تفعلها وتهاتفه  ؟  هل هي قادرة على فعلها  ؟

دست يدها في جيب مئزرها السميك تستل هاتفها وتنظر في الوقت لتدرك أنه لم ينم بعد لذا ستحاول التحدث معه خاصة وأن الكتاب أعاد لها لهفة حديثه  .

ولكن قبل أن تفعل ظهر ماجد من خلفها يضع على كتفيها شالًا واتجه يجلس قبالتها ويردف بخبث  :

- بتعملي إيه يا بسمة في الجو ده  ؟

زفرت بضيق وهي تتمسك بطرفي الشال ثم أغلقت الهاتف تعيده لمئزرها ةأجابته بهدوء  :

- أبدًا  ،  اتخـ.ـنـ.ـقت فوق شوية قلت أنزل اقعد هنا  .

أومأ يدعي التفهم ثم أردف بمكرٍ ودهاء  :

- أنا شوفتك من فوق وقلت أجي اتكلم معاكي في موضوع مهم  .

تساءلت بشكٍ وانعدام ثقة يقفز من عينيها  :

- خير يا ماجد  .

زفر بقوة وتابع يحيد بنظره عنها حتى لا تفضحه نظراته  :

- يعني بما إني همسك فرع اسكندرية وأسيب المصنع قلت أقولك تكلمي المهندس داغر يرجع شغله  ،  أنا كنت مخـ.ـنـ.ـوق منه شوية لإنه عصبي وقل أدبه عليا قدام العمال بس كلمة حق هو شايف شغله كويس أوي والعمال بيحبوه  ،  المهندس اللي بابا جايبه ده مش أمين وأنا خايف أسيب المصنع تحت إيده  .

كادت ألا تصدق أذنيها مما تسمعه لذا اعتدلت تتكتف وتتساءل بانتباه  :

-  معقول يا ماجد  ؟  إنت خايف على المصنع  ؟  وكمان عايزني أرجع داغر  ؟  أنا مش مصدقة  .

ابتسم بثبات يجيبها بتمهل وثقل مصطنعان :

- أنا نفسي مش مصدق اللي بقوله  ،  بس إنتِ كان معاكي حق  ،  كل مرة كنت ببوظ حاجة بتصلحيها ورايا  ،  الشركة واللي حصل فيها بسببي ولولا تدخلك  ،  أنا يمكن بعاند مع بابا في الشغل شوية لإني مش بحب الأوامر والتحفظ على رأيي  ،  بس بعد ما فكرت لقيت إن من مصلحتنا كلنا إننا نتفق  ،  وجه الوقت اللي اعترف فيه إن إدارتك للشركة والمصنع أحسن مني ومن بابا كمان  ،  علشان كدة بما إني ماشي خلال أسبوع اتكلمي معاه يرجع ده لو إنتِ حابة يعني .

كلمـ.ـا.ته أقنعتها قليلًا أو ربما وجهه الجديد لائم قناعاتها لذا أومأت بتفهم فنهض بعدها يبتسم ويردف  :

- تصبحي على خير  ،  ويالا اطلعي الدنيا برد عليكي  .

تحرك يغادر وتركها حائرة في تغيير دفة اتجاهاته  ،  هل ينوي أمرًا أم أنه بالفعل بدأ يسلك المسار الصحيح  .

❈-❈-❈

استيقظت صباحًا وودعت والدتها وشقيقتها  ،  تعمدت أن تغادر باكرًا وصغارها نيام  ،  لقد عانقتهما طوال ليلة حزينة باكية  ،  منذ أن غفيا وهي تودعهما ولم تذق طعم النوم وقررت أن تغادر قبل أن يستيقظا  .

ارتدت حجابها وغادرت مع شقيقها متجهة إلى المطار  .

داغر الذي اقتنع بعدما رأى القبول في عينيها  ،  بعدما رأى ما تعرضت له من مظالم وضغوطات  ،  داغر الذي قرر أن يضع صخرًا على قلبه ويتركها تسافر بلدًا  أوربيًا وتواجه الحياة هناك بمفردها أو بجيش من الكتب والأفكار وسلاحًا واحدًا تمتلكه  ..  وهو القلم  .

وصلا إلى المطار وصف سيارته وترجل متعمدًا ألا ينظر في وجهها البتة  ،  ملامحه متجهمة حزينة ولكنه يؤدي دوره على أكمل وجه  .

اتجه يلتفت ويفتح  صندوق السيارة ويستل حقيبتيها ويمسك بهما ثم قال وهو يسحبهما بعدما أغلق سيارته  :

- يالا يا ديما علشان مـ.ـا.تتأخريش  .

تحرك وتبعته تدرك أنه يتعمد عدم النظر لها حتى وصلت إلى بوابة المطار فناولها الحقائب لتعبر وقال بنبرة عجلة  :

- يالا ادخلي إنتِ  ،  خدي بالك من نفسك  ،  وأول ما تنزلي كلمينا  .

حديثه كان يوجهه لها وعينيه كانت تنظر لكل شيءٍ عداها هي بينما عينيها لا تنظر لسواه  .

ازدرد ريقه وتنهد بعمق ثم أردف بجبين مقتطب:

- يالا يا بنتي ادخلي بقى  .

أومأت وأمسكت بحقيبتيها تسحبهما خلفها ودلفت تاركة خلفها أخًا سقطت دمـ.ـو.عه ما إن عبرت  ،  أخًا نادرًا وتعلم أنه نادر وتعلم أنها أكثر النساء حظًا وفضلًا لامتلاكها داغر الصابر  .

اتجهت تتمم الإجراءات وجلست تنتظر موعد طائرتها بعقلٍ يدور في فلكٍ ملغم بالأفكار  .

بينما هو استقل سيارته يغادر متجهًا إلى وجهة غير معلومة ولكنه حزين  .

❈-❈-❈

استيقظ ثائر يستعد لاستقبالها وما إن علم بصعودها على متن الطائرة القادمة إلى بـ.ـاريس حتى اتجه يستل هاتفه ويطلب رقم المحامي شاكر وهو يحمل فنجان قهوته في يده  .

وقف في شرفة منزله يتطلع للأمام منتظرًا إجابته حتى سمعه يقول  :

- أهلًا بثائر ذو الفقار  ،  إيه الأخبـ.ـار طمني  .

تحدث بنبرة هادئة تحمل بين طياتها الكثير من أمواج بحره  :

- ركبت الطيارة  .

أومأ المحامي وتساءل  :

- طيب تحب أعمل إيه بعد كدة  ؟

زفر بقوة وارتشف من فنجانه رشفة ثم أجابه بعيون ثاقبة :

- كمل طبعًا  ،  الكتاب لازم يتوقف نشره في مصر  ،  بس أنا عايزك في حاجة تانية  .

لم يعد يفهم عليه ولكنه انتظر وتساءل  :

- خير  ؟

صمت لهنيهة ثم بهيمنة قال

- زي ما فيه إعلاميين اتكلموا عنها وهاجموها عايزك توظف ناس تدافع عنها  ،  عايز اسم ديما الصابر يتردد دايمًا  ،  بما إن الإعلام المصري حب يطلعها ترند يبقى لازم تاخد حقها  .

زفر شاكر يفكر ثم أردف  :

- فهمتك ومن الناحية دي مـ.ـا.تقلقش  ،  أعرف ناس هتخدمنا كويس في الحتة دي  ،  بس على فكرة ممكن يحاولوا يتواصلوا مع طليقها ويطلع يتكلم  ،  علشان تبقى عارف  .

ابتسم بجانب فمه يردف بغموض  :

-  سيبه يطلع يتكلم  ،  وقتها هو بنفسه هيقدم لها دفاع من نوع خاص وهيغلط  ، واللي يغلط لازم يتحاسب  ، ولا إيه يا متر  ؟ 

تعجب المحامي وتساءل بحيرة  :

- نفسي أفهم بتعمل معاها كدة ليه  ؟

ارتشف من فنجان قهوته مجددًا وأردف بنبرة تحمل الكثير  :

- عندها حاجة أنا عايزها  .

أغلق معه بعدها وتحرك يضع فنجانه على الطاولة ثم استل معطفه وتحرك نحو الأسفل متجهًا لاستقبالها  .

❈-❈-❈

بعد ساعات  .

هبطت طائرتها في بـ.ـاريس  .

توجهت مع المسافرين إلى المطار واتجهت تتمم إجراءات الوصول التي دامت حوالي ساعة  .

كان ينتظرها في ساحة الاستقبال  ،  يجلس يدخن لفافة تبغه ويفكر بها  ،  سيراها الآن وسيرى هل فهمت رسالته وعملت بها أم أنها مازالت بحاجة لبعض التدريبات ؟ 

انتهت من الإجراءات والتفتت تبحث بعينيها عنه بتـ.ـو.تر وقلبٍ منقبض  ،  تشعر أنها على وشك البكاء  .

الزحام من حولها ولكن الوحدة هجمت على قلبها للتو  ،  دارت عينيها في المكان تتمنى رؤية أحدٍ تلجأ إليه فرأته يجلس بعيدًا في ركنٍ منفرد  ،  ما إن لمحته حتى تحركت نحوه تسحب حقيبتيها وتسرع للوصول إليه ربما هدأ شعور الوحدة والخوف هذا  .

لمحها تأتي بخطواتٍ متمهلة وتبتسم له فتحدث عقله بما عجز لسانه عن قوله 

نعم انظري لي وحدي  .. اغمريني بدفء عينيكِ 
لنمحي الحزن من روايتنا ونسرد عشقًا يغزو الآفاقِ
يا وطنًا بلا شعبٍ جئتِ إلى مغتربٍ بلا مأوى
يا سكنًا موصودًا وفي القلب مفتاحه يأوى
يا نسمـ.ـا.ت هلت ووطأت سهلًا
يا ديما رطبت الفؤاد بهطولها أهلًا  .

نهض يلقي سيجارته في المكان المخصص ثم تقدم خطوتين وتقابلا  ،  وقف يتأملها وتحرك لسانه طواعية يردف  :

- حمدالله على السلامة   .

ابتسمت تتنفس بعمق علها تهدأ وأجابته بتريث ينافي صخب نبضاتها  :

- الله يسلمك  .

تأملها في الحجاب وابتسم ابتسامة جانبية ثابتة لا تعبر عما بداخله ليستطرد بنظرة رسم فيها التحدي  :

-  اتحجبتي  ! 

بشموخٍ رفعت رأسها وأجابته  :

-  أيوا   .

نظراته جعلتها تصدّر له الجدية وتحركت نحو باب الخروج تسحب حقائبها وتسبقه خطوة ليردف بالفرنسية التي يتقن الخبث بها :

- ولكنه أخفى جزءًا من جمالك  .

توقفت عن السير والتفتت برأسها تطالعه بتعجب  ،  هل يتغزل بها  ؟  

أردفت بثقة ولغة مماثلة وتحدٍ التمع في مقلتيها  :

- وهذا هو المطلوب  .

عادت تنظر أمامها وتكمل سيرها ووقف يحدق بها لثانية لا يخفي اندهاشه بها وعلى محياه ابتسامة خبيثة ثم قرر اللحاق بها وسحب الحقائب بدلًا عنها  .

خرجا من المطار واتجه إلى سيارته يفتح صندوقها ويضع به الحقائب ثم فتح لها الباب وأردف  :

- اتفضلي  .

تـ.ـو.ترت قليلًا ولكنها استقلت مكانها واتجه للجهة الأخرى يستقلها ويقود  .

تساءل وهو ينظر أمامه  :

- الرحلة كانت كويسة  ؟

لم تكن كذلك  ،  كانت رحلة مجهدة فكريًا  ،  كانت بـ.ـاردة ولكنها رحلة كرحلاتها التي واجهتها في الحياة لذا زفرت وأجابته بإيماءة بسيطة  :

- الحمد لله تمام  .

صمتت ثم تساءلت بحرج  :

- أنا محتاجة اكلم أهلي  ،  ممكن موبايلك  ؟

دس يده يخرج هاتفه ويناولها إياه قائلًا بترحاب  :

- أكيد اتفضلي  .

تناولته وطلبت رقم شقيقها الذي أجاب على الفور يردف بلهفة حينما وجده رقم ثائر  :

- وصلت  ؟

أجابته بحنين  :

- أيوة يا داغر أنا ديما  ، مـ.ـا.تقلقش يا حبيبي أنا وصلت ودلوقتي مع أستاذ ثائر رايحة على السكن  ،  أنا هشتري خط جديد وهكلمكوا فيديو كول أول ما أوصل  .

أجابها بنبرة هادئة بعض الشيء خاصة حينما اطمئن لوصولها  :

- تمام يا حبيبتي ارتاحي ونامي شوية ولما تصحي نتكلم  .

هزت رأسها تردف بتأكيد وحنين جعل نبرتها متحشرجة :

- لاء هكلمكوا  ،  الولاد وحشوني جدًا  .

- تمام  ،  خدي بالك من نفسك يا ديما  .

أومأت وأغلقت معه ثم ناولت الهاتف إلى ثائر الذي التقطه منها وهو يقود لتشكره وتردف بترقب  :

- شكرًا  ،  بس هو ممكن تقف نشتري خط اتصالات ؟

دس يده في جيبه يخرج ظرفًا ورقيًا ويناولها إياه قائلًا بثبات  :

- اتفضلي  .

التقطته منه متعجبة ورفعت نظرها تطالعه وتساءلت  :

- ده من ضمن الشغل بردو ولا إيه  ؟

أومأ يجيبها بثقل  :

- بالضبط  ،  ورقمك معايا  .

اندهشت من سرعة بديهته ولكنها أومأت وأكملا طريقهما بصمتٍ اخترقته بعض الأسئلة السطحية  .

وصل أمام بناية في شارع جانبي يؤدي إلى الشارع الرئيسي المؤدي إلى برج إيفل  ،  حتى أنها رأته وانبهرت به من قريب ولكن ما أثار انزعاجها هو القمامة المنتشرة في بعض الشوارع التي من المفترض أن تكون شوارع بـ.ـاريس الحالمة  .

لحسن الحظ أن الشارع الذي ستقطن به نظيف ومشجر  .

ترجل يتجه ليأخذ حقيبتيها وتحرك نحو البيت وناولها المفتاح مردفًا  :

- اتفضلي  ،  ده البيت اللي هتقعدي فيه والمجلة قريبة جدًا من هنا  .

نظر حوله يشير لها على البيوت المجاوره ويتابع  :

- البيوت اللي حواليكي دي فيها عرب ومصريين  ،  الشارع هنا يعتبر كله عرب  .

تنهيدة مريحة مرت على رئتيها لذا ابتسمت وأومأت فتابع يستطرد  :

- في الشارع اللي بعد ده موجود بيتي  ،  بالضبط في ظهر بيتك بس الواجهة على الشارع التاني  .

نظرت له بتمعن  ،  إذا مكانه في ظهرها مباشرةً  ؟  من المؤكد أنها مجرد صدفة ولكنها شعرت بالراحة الآن  .

وجود مصريين وعربًا حولها جعلاها تطمئن ووجوده في ظهرها  ... عفوًا وجود منزله في ظهر منزلها جعل قلبها يهدأ رويدًا رويدًا  .

انتهى الفصل
مغترب... 
وقلبي مضطرب.. 
لعينيك منجذب
مزاجي منقلب
لابتسامة منك.. 
أو لعقدة حاجبين... 
أتسائل... 
عن شفتيك
ألها طعم مختلف... 
أتسائل... 
إن أمسكت يدك 
هل هي مثل يدي سترتجف.. 
أعترف ان لك على قلبي 
سطوة خفية
فهل تعترفين؟؟!!!!
( بقلم فيروزة  ) 
❈-❈-❈
جلس يستمع إليها بعدما طلبت رؤيته  ،  يواري اشتياقه لها خلف نظرات متسائلة عن سبب اللقاء  . 
كلاهما يلتزمان الصمت المعبأ بالمخاوف وكلٍ منهما يمتلك حقًا في روايته وذنبًا لمشاعره  . 
زفرت بقوة تسبل أهدابها ثم عادت تحدق به قائلة بترقب  : 
- ماجد هيمشي كمان كام يوم من المصنع  ،  عندك استعداد ترجع  ؟ 
يلين قلبه حينما تحدثه بهذه النبرة وتطالعه بهذه العيون ولكن تأبى كرامته التهاون خاصةً وأن الآخر ألقى في عقول العمال فكرة خبيثة وهي استغلاله لمنصبها لذا فاحتمالية حبه لها مشكوكٌ في أمره وهو ليس بالرجل الذي يسمح بالخوض في سيرته أو سيرتها لذا فالابتعاد أسلم قرار قبل أن يغرقا سويًا  ،  الفروقات بينهما غير متكافئة على الإطـ.ـلا.ق وهذا ما بدأ يدركه حينما قررت إدارة الشركة  ،  هي سيدة أعمال تقع على عاتقها مسؤوليات كثيرة وهو رجل بسيط كل أحلامه عودته إلى بيته لينعم بدفء زوجته الناعمة ويحمل عنها التزامـ.ـا.ت كثيرة  . 
الحب وحده لا يكفي  ،  يجب أن يكون التفاهم هو الكفة الراجحة في ميزان العلاقات لذا نطق بنبرة لينة يجاهد ألا يـ.ـؤ.لمها  : 
- المصنع أموره تمام يا بسمة  ،  العمال بيشتغلوا بضمير وإنتِ هترجعي تدريه كويس فملوش لزوم وجودي  ،  وبعدين الفترة دي مش لازم ابعد عن المنطقة علشان سفر ديما والاولاد  ،  اعفيني أنا من المسؤولية دي  . 
لم تشفع أسبابه في محو حزنها وخذلانها  ، لم تكن تتوقع أن يرفض  ، لقد كان يساندها دومًا فماذا حدث  ؟ لم ترتح لهذا الشعور لذا تساءلت  : 
- بس ده ماكنش رأيك يا داغر  ،  إنت قولتلي إنك مش هتتخلى عني بعد ما حكيتلك عنهم  ،  سفر ديما حجة علشان تبعد بس ليه  ؟ 
أدرك أنه لا يجوز أن يستهان بذكائها لذا تنفس بعمق وحاول أن يكون واضحًا فصارحها بعيون متفحصة  :
- بصي يا بسمة أنا عند وعدي ومش هتخلى عنك طبعًا بس أنا مهما طلعت أو نزلت واحد غريب عنك وفي نفس الوقت بشتغل عندك  ،  ابن عمك خبيث ورمى طعم وهو عارف إنه هيدوش واتعمد يقول كدة قدام العمال علشان عارف كويس إن دي حاجة مش هتقبلها  ،  أنا مش هقبل يتقال عني إني بستغلك أو بستغل مشاعرك علشان مصلحتي  ،  أو يتقال أني طمعان في ثروتك  ،  كل ده هيتقال وبيتقال من ورا ضهري علشان كدة أنا يومها قطعت عرق وسيحت دمه وبعدت  ،  وإنتِ لازم تفهميني في الحتة دي  . 
إذا هو يكن لها المشاعر  ،  نعم هذا ما ينبع من بين كلمـ.ـا.ته وإلا فلمَ الخوف والابتعاد  ؟  لا إراديًا انبلجت ابتسامة خفيفة على محياها جعلته يتعجب حين ظن أنها ستقابله بالعبوس لذا تنفس بعمقٍ واسترسل متسائلًا  : 
- ساكتة ليه  ؟ 
هزت كتفيها تجيبه بهدوء يحمل بعض الخبث  : 
- أبدًا  ،  كلامك اقنعني  . 
قطب جبينه بتعجب فتابعت تشرح مبتسمة  : 
- خلاص يا داغر مش هضغط عليك  ،  بس على الأقل خلي صالح يرجع لإن هو كمان مش بييجي وزعلان على زعلك  ،  صالح مهندس ممتاز هو كمان وشغله كويس جدًا  ،  بلاش انتوا الاتنين تسيبوا المصنع  . 
أومأ يجيبها ببعض الضيق  : 
- تمام يا بسمة هكلمه مع إنه قالي الموضوع منتهي بالنسباله لو أنا مرجعتش  ،  بس تمام هكلمه  . 
أومأت ثم مالت ترتشف من كوب العصير الخاص بها والتفتت تنظر إلى نهر النيل بشرود وعقلها يسير مع المراكب الشراعية وتفكر هل حقًا يكن لها المشاعر كما تتوقع أم أن عقلها يترجم هذا لقلبها  ؟ 
❈-❈-❈
جئتك بقلبٍ محمل بالآهات يواري سوءته عن كل البشر 
وجئتني بعقلٍ ملغم بالصراعات وفي ظاهره الجليد منتشر
القلم بيدنا ما هو إلا قنبلةً موقوتةً نخط به حربًا لا تؤلم إلا الخائن 
لذا فـ لن يفهم كلانا سوانا
رحل ودلفت تنظر حولها للمكان المرتب بشكلٍ جعلها توقن أنه جهز كل شيء  . 
نظيف وأنيق لا ينقصه شيء  ،  بهو ومطبخ مفتوح وغرفة معيشة و  ..  رفعت أنظارها للأعلى نحو الدرج ثم ابتلعت لعابها  . 
انتابها الخوف من وجود طابق آخر للمنزل  ،  لمَ كل هذا وهي بمفردها  ! 
حاولت أن تلتقط أنفاسها واتجهت تسحب حقيبتها ثم تحركت نحو غرفة مغلقة وفتحتها بتـ.ـو.تر لتجدها غرفة نومٍ صغيرة بها حمام ملحق يبدو أنها إضافية لذا ستتخذها لنفسها  ،  لن تصعد للطابق العلوي هذا فهي ليست بحاجته  . 
دلفت ونظرت حولها بحيرة ثم اتجهت نحو الفراش وجلست عليه تتنفس بعمق وتفكر  ،  هل ستمر أيامها هنا في هذا المنزل هكذا بمفردها  ؟  دون طفليها  ؟  دون عائلتها  ؟  وحيدة  ؟ 
اشتاقت لهما من الآن  ،  اشتاقت كثيرًا لذا أسرعت تخرج هاتفها من حقيبة يدها لتحاول تركيب الشريحة الأخرى فيه كي تتحدث إليهما  . 
❈-❈-❈
على الجهة المقابلة  . 
دلف منزله يشعر بانتصار يغزو وحدته  ،  للمرة الأولى لا يدرك ماهية بعض المشاعر التي تراوده الآن والتي على رأسهم التملك والسيطرة ،  اتجه يجلس على الأريكة ويفكر بها  . 
باتت قريبة منه جدًا ومع ذلك أمامه طريقًا طويلًا كي يصل إليها  ، ابتسامة زينت محياه حينما تذكر حجابها ونظراتها  ،  لقد أتت إليه متسلحة بالتحدي  ،  ممتلئة بمنسوبٍ معتدل من الشغف الذي سيساعدها على شق مجريات آمنة له  . 
زفر بقوة وانتشل هاتفه الذي يعلن عن اتصالٍ من والدته فنهض يجيبها بنبرة لم يتحدث بها منذ أمد قائلًا  : 
- أزيك يا علياء هانم  ؟ 
لم تغب عنها نبرته المنفرجة لذا انتعشت تجيبه بترقب  : 
- ثائر حبيبي  ؟  ياقلبي إنت صوتك مبسوط  ، فرحني وقولي إنك جاي مع معاذ  ! 
تحمحم ونهض يخطو نحو الأعلى وهو يردف بنبرة معاتبة  : 
- إزاي بس يا أمي  ؟ مش عارف ليه دايمًا تعذبيني وتعذبي نفسك  . 
وصل إلى غرفته واتجه يقف أمام نافذته حينما سألته تتجاوز حنينها : 
- طيب احكيلي مالك  ،  قولي حاجة تفرحني أنا كمان  . 
زفر بقوة يجيبها وعينيه تسلطت إلى البعيد  : 
- تمام خليني أقولك إن ظهر في حياتي حد جديد جاي يتحداني  ،  وإنتِ عارفة إني بحب التحديات جدًا  ،  علشان كدة هتلاقيني متحمس شوية  . 
قطبت جبينها وتساءلت بشكٍ  : 
- حد مين ده  ؟  تاني يا ثائر  ؟  مش ناوي تبعد عن المشاكل أبدًا  . 
صمت لهنيهة ثم تابع بغموض  : 
- مـ.ـا.تقلقيش يا علياء هانم  ، يمكن دي أكتر حاجة كنت مستنيها  . 
هكذا أجابها قبل أن يهتز هاتفه اهتزازًا يعلمه لذا استطرد  : 
- أمي هقفل دلوقتي ونتكلم بعدين   . 
أغلق معها وعبث بهاتفه ليتضح له أنها الآن تتصل بعائلتها  ،  التفت يجلس على طرف الفراش وظل يفكر هل يستمع إلى مكالمتها أم لا ؟ 
❈-❈-❈
فتحت دينا المكالمة لتظهر صورتها أمامهم  ،  على الفور بكت ديما ما إن رأت صغيريها اللذان أسرعا يصـ.ـر.خان باسمها فتحدثت إليهما بدمـ.ـو.عٍ واشتياق حقيقي  : 
- وحشتوني جدًا  . 
تحدث مالك  معاتبًا بما لم تستطع تحمله  : 
- مشيتي ليه يا ماما واحنا نايمين  ؟ مش كنتِ استنيتي لما صحينا وسلمنا عليكي  ؟ 
تحدثت بحنين وهي تتمعن في ملامحهما  : 
- معلش يا حبيبي الطيارة كانت هتفوتني  ،  وبعدين أنا حـ.ـضـ.ـنتك جـ.ـا.مد إنت ورؤية وانتوا نايمين  ،  وكمان انتوا هتبقوا معايا علطول  ،  هكلمكوا كل شوية كإني معاكم  ،  تمام يا قلبي  ! 
سألته فأومأ مالك وتحدثت رؤية بترقب وهي تنظر حول والدتها  : 
- ماما ده بيتك  ؟ 
ابتسمت لها ديما والتفتت تنظر حولها وتعرض المكان عليها قائلة بحبٍ بالغ  : 
- أيوة يا قلب ماما  ،  إيه رأيك  ؟ 
أجابتها دينا بدلًا عنها حيث كانت تشاهد معهما  : 
- حلو أوي يا ديما  ، سيبك من ولادك واحكيلي بقى عملتي إيه أول ما وصلتي وشوفتي إيفل ولا لسة  ؟ 
ابتسمت ديما وأردفت بنبرة تحمل الخبث  : 
- لاء ماشفتوش  ،  أنا سكنت جنبه  . 
صاحت دينا بصوتٍ عالي فنهرتها منال التي تجلس تنتظر محادثة ابنتها وانتزعت منها الهاتف تردف موبخة  : 
- قومي من هنا يا عيّلة  ،  لو داغر جه وسمعك وانتِ بتصرخي كدة هتشوفي هيعمل فيكي إيه  . 
ضحكت دينا والتصقت في والدتها التي نظرت إلى ملامح ابنتها باشتياق واسترسلت بحنين وهي تتمسك بالهاتف   : 
- عاملة إيه يا ديما  ؟  مبسوطة يا قلبي؟ 
ابتسمت لها تطمئنها وكادت أن تجيبها لولا إجابة دينا المندفعة  : 
- بتقولك سكنت جنب برج إيفل هو فيه انبساط أكتر من كدة  ؟  
بنظرات حادة نهرت منال ابنتها فابتعدت عنها ضاحكة لتعاود منال النظر في الهاتف حيث ديما التي أجابتها بتروٍ  : 
- مـ.ـا.تقلقيش يا ماما أنا كويسة جدًا  ، الأستاذ ثائر جابني هنا وقال إن الشارع ده كله عرب وكلهم ناس كويسة ومن أول بكرة إن شاء الله هبدأ الشغل في المجلة وأشوف المطلوب مني إيه  ؟ 
تنهدت منال ثم أردفت بنصحٍ  : 
- خدي بالك من نفسك يا بنتي  ،  وزي ما قولتلك خلى قربك من ربنا هو سلاحك واقرئي كويس يا ديما علشان ت عـ.ـر.في تواجهيهم بالحجج الصح يابنتي  ،  ربنا ينور بصيرتك ويشرح لك صدرك وييسر لك أمرك ويحل العقدة من لسانك اللهم آمين  . 
عادت عينيها تلتمع مع دعاء والدتها لها وأجابتها  : 
- مـ.ـا.تقلقيش يا ماما  ،  ده اللي ناوية اعمله  ،  وهكمل تعليمي كمان بس لما أظبط أوضاعي هنا الأول  ،  خدي بالك من مالك ورؤية يا ماما وأنا هكلمكم علطول  ،  هو داغر لسة ماجاش  ؟ 
أومأت منال تجيبها  : 
- أيوة زمانه على وصول  ،  هخليه يكلمك أول ما يوصل  . 
أومأت تردف بقلق راودها للتو  : 
- تمام  ،  وابقي فكريه يتابع مع أستاذ وليد  ،  المفروض إن الحكم بكرة  . 
- إن شاء الله خير يا حبيبتي وكتابك مش هيتوقف وهتشوفي  . 
قالتها منال لتردف ديما بهدوء قبل أن تغلق   : 
- إن شاء الله يا ماما  . 
أغلقت معها واستنشقت نفسًا قويًا ثم استلت مذكرة وقلمًا من حقيبتها ودونت قائمة بما ستفعله يوميًا وعلى رأسها دونت  : 
١- الصلاة 
٢- هكلم ولادي كل ساعة 
٣- هجمع معلومـ.ـا.ت واقرأ كتب 
٤- هركز في هدفي بس 
٥- هجهز ردود للأسئلة اللي ممكن تتوجهلي من ثائر أو غيره  . 
نزعت الورقة من مذكرتها ونهضت تخطو نحو الأمام لتثبت الورقة فوق المكتب المقابل لسريرها كي تكون أمام عينيها دومًا  . 
زفرت بقوة واتجهت لتفتح حقيبتها وتخرج ملابسها لتغتسل وتبدل ثيابها وتحاول النوم قليلًا  . 
❈-❈-❈
جلس خلف مكتبه كالعادة يأمر وينهي بتعالي أولئك العمال الذي لم يعدوا يهابونه ولكنهم يظهرون الطاعة لأجل لقمة العيش  . 
زفر بضيق وضجر ليرن هاتفه معربًا عن اتصال من رقمٍ غير مسجل فأجاب بترقب  : 
- ألو  ؟ 
أردفت الأخرى  : 
- مساء الخير  ، أستاذ كمال الوراق معايا  ؟
- أيوة مين  ؟
نطقت بحذر  :
- معاك أستاذة نهلة حمدان من قناة ****  ،  كنا حابين نسألك لو حابب تطلع معانا بخصوص موضوع أستاذة ديما الصابر  ؟ 
نفش نفسه وتملكت منه نرجسيته ليتساءل  : 
- خير يعني اتكلم في إيه  ؟ 
تحمحمت المراسلة وأردفت موضحة  : 
- يعني هنسألك شوية أسئلة عنها بما إن حضرتك كنت طليقها وأكيد عارف عنها كتير خصوصًا بعد إثارة الجدل اللي كتابها عملها وهي كمان  . 
فكر قليلًا ثم أراد أن يظهر ما لم يملكه من رصانة وتعقل فقال  : 
- مايصحش يا أستاذة نهلة دي مهما كانت أم ولادي ومش هطلع أتكلم عنها وأعيب في حقها مهما كان  ،  عيب يا أستاذة إنتِ بتكلمي راجـ.ـل فاهم وواعي  ،  وبعدين إنتِ جبتي رقمي منين  ؟ 
نطق سؤاله تزامنًا مع دخول زينة المحل فرآها لذا انكمشت ملامحه بضيق فلم يكن يريد أن تسمعه ولكنها سمعت ورأت فاقتربت تجلس أمامه وتساءلت بعلو غير عابئة بأي شيء  : 
- بتكلم مين يا كمال  . 
حدجها بنظرة حادة فحدجته بمثلها ليهمس لها وهو يبعد الهاتف قليلًا عن أذنه  : 
- اصبري بس هقولك  . 
- افتح المكبر  . 
ازدرد ريقه بضيق وفتح المكبر يضع الهاتف على الطاولة وينطق بحذر وتـ.ـو.تر لوجود زينة  : 
- زي ما قولتلك يا أستاذة مش أنا الراجـ.ـل اللي أطلع اتكلم عن واحدة كانت في يوم مراتي  . 
وجدها تطالعه بعيون جاحظة كأن هناك كارثة طبيعة تحدث فأشار لها بعلامة الصبر واستمعا إلى كلمـ.ـا.ت المراسلة وهي تقول بخبث  : 
- بس يا أستاذ كمال ممكن الكلام اللي حضرتك تقوله يكون في صالحها أصلًا إنت ليه فرضت سوء النية  ،  وبعدين فيه مبلغ هتاخده عن اللقاء ده  . 
تحدثت زينة بدلًا عنه تردف بطريقتها  : 
- بصي يا أستاذة هو كمال جوزي طيب ومش عايز يغلط أو يطلع يقول عن اللي حصل منها علشان خاطر عياله بس لو إنتوا هتقدروا مافيش مشكلة  ،  وأهو زي ما قولتي يمكن كلامه يكون في صالحها  ،  بس  عـ.ـر.فينا اللقاء امتى وفين واحنا هنجيلك  . 
انفرجت نبرة المراسلة وتعاملت على أساس كلمـ.ـا.ت زينة تجيبها  : 
- تمام يا مدام من ناحية التقدير مـ.ـا.تقلقيش بس المهم إن كلامه يكون فيه أحداث مهمة وحصري لينا إحنا بس  ،  لو كدة يبقى اتفقنا ومعادنا هيكون يوم الخميس الجاي في مقر القناة في ****  . 
لم تُخِفها نظرته ولو بمقدار ذرة بل واصلت حديثها بابتسامة منتصرة  : 
- تمام يا أستاذة  ،  هنكون عندك يوم الخميس إن شاء الله  . 
أغلقت معها وطالعته بتحدٍ تتساءل بهدوء يسبق العاصفة : 
- إيه يا كمولتي معقول  ؟  مش عايز تطلع تتكلم عن سي الأستاذة ديما  ؟ مش عايز تجيب سيرة الهانم وتغلط فيها  ؟ هو إنت ناسي يا كمولتي إنك فضحتها قدام الحارة كلها ولا إيه  ؟ هيفرق في إيه بقى الحارة من القناة  ؟ 
لم تتغير نظرته لها برغم أنه واجهته بمساوئه بل قال بنبرة غاضبة حديثة العهد  :
- إنتِ إزاي تخلي شكلي كدة قدام الست  ؟ إزاي تقلي مني بالطريقة دي  ؟ 
هدأت عاصفتها حينما لمحت في عينيه غضبًا يلوح في الأفق ونهضت تتجه نحوه ثم وقفت خلفه وشمرت عن ساعديها وبدأت تدلك كتفيه ومالت تهمس بهدوء مصاحب مع لمساتها  :
- أنا عملت كدة علشانك  ، مش هي ظلماك في روايتها وقايلة عنك كلام كتير كله كذب  ، ده الوقت اللي لازم تطلع تاخد فيه حقك واهي جت من عند ربنا  ، هتطلع تحكي اللي حصل وبعدين لو ع العيال كان من باب أولى هي اللي فكرت فيهم قبل ما تكتب روايتها دي اللي بإذن الله هتقف  ، ربك يمهل ولا يهمل أبدًا  .
اخترقت كلمـ.ـا.تها المسمومة عقله وارتكزت فيه بل أنها أقامت داخله قاعدة قوية من الإقناع ليهز رأسه وينقضي غضبه اللحظي ويجيبها بتحمحم مستجيبًا لأفعالها  : 
- يعني تفتكري مايتقلش عني إني ماصدقت وطلعت اصطاد في الميه العكرة  ؟!  أنا مش عايز حد يجيب سيرتي بكلمة يا زينة زي ما حصل في الحارة لما وقعت  . 
مالت على كتفه أكثر تبصق سمها في أذنه  : 
- محدش هيقول كدة أبدًا لإن هي وكتابها أصلًا عاملة بلبلة والناس عايزة تفهم حقيقتها  ،  ومحدش هيقول الحقيقة زيك  ،  بالعكس ده الناس كلها هتقول الله يكون في عونك عاللي اتحملته منها  . 
أقنعته للحد الذي جعله يشرد وينسج حلمًا يتمناه حيث الجميع يفخمونه ويضخمونه ويسترد هيمنته التي ضاعت بعد خلعه  .  
❈-❈-❈
في اليوم التالي صباحًا 
استيقظت باكرًا بحماس واتجهت لتؤدي روتينها كما قررت  ،  بعد نصف ساعة ارتدت ملابس عملية محتشمة ولفت حجابها بطريقة منمقة ولكنها وقفت تبتلع لعابها وتفكر في كيفية الوصول إلى مقر المجلة  . 
هل تهاتفه  ؟  هي لا تعرف أحدًا سواه هنا  ؟ 
اتجهت تستل هاتفها وتنظر في الوقت الذي قارب على الثامنة لذا قررت مهاتفته  . 
أجابها حينما أوشك الاتصال على الانتهاء يردف بنبرة متحشرجة من أثر النوم  : 
- أظن ده نشاط أول يوم  . 
تحمحمت بحرج وأجابته  : 
- أسفة على الازعاج بس قلت أكيد المجلة بتفتح بدري وأنا للأسف ماعرفش العنوان بالتفصيل  ،  ممكن تساعدني بس أوصل إزاي وأنا هعرف  . 
أصدر ضحكة سريعة خافتة كدليل سخرية فتجهمت بغيظ ولكنها كظمته حينما قال  : 
- لو كنتي هت عـ.ـر.في توصلي ماكنتيش كلمتيني دلوقتي  ،  على العموم أنا قدامي ساعة وهروح وده علشانك  ،  أنا في العادة مش بروح غير على الساعة 11  بعد روتين رياضي . 
التقطت نفسًا قويًا كي تهدأ ثم أردفت بنبرة جعلتها ثابتة ولكنها مبطنة بالتحدي  : 
- لا لو سمحت مـ.ـا.تحاولش تغير نظامك بأي شكل  ،  أنا مش عايزة أحصل على أي تميز بالعكس أنا جاية هنا لهدف معين وهو إني أثبت إن أفكارك عني كلها غلط  . 
- عنك  ؟ 
تساءل بها بتعجب أو بمغزى يقصده لتجيبه بتأكيد  : 
- المرأة العربية  . 
ابتسم وأجاب بثقل  : 
- تمام يا ديما  ،  وانا موافق ومش هتحصلي على أي تميز  ،  علشان كدة حاولي توصلي لمقر المجلة بنفسك  ،  عنوانه  ******  . 
برغم الضيق والتـ.ـو.تر اللذان انتاباها إلا أنها سجلت العنوان وأغلقت معه متوعدة له ألا تطلب مساعدته قط لذا قررت الخروج والسؤال بنفسها عن العنوان  . 
فتحت الباب الموصود بدقة وهذا لم يغب عن عقلها حيث أنه جهز لها نظام قفل الكتروني لا يفتح سوى بشفرة سرية  . 
خرجت تنظر للجهتين والتـ.ـو.تر حليفها ولكنها ستفعلها  ، لقد سلكت هذا الطريق ولن تعود خطوة إلى الوراء  ،  نزلت الدرجات القليلة وعادت تلتفت بحثًا عن سيارة أجرة أو حافلة نقل تقلها ولكن عليها سؤال أحدهم  ! 
نظرت للمنزل المجاور لها وللآخر المقابل نظرت بحيرة  بينهما  ، من تسأل يا ترى  ؟ 
لم تهتدِ وخشت إزعاج أحدٍ لذا زفرت بقوة تدعو ربها  ليظهر من المنزل المجاور شابًا في منتصف الثلاثينات ينوي الخروج من منزله  . 
سلطت أنظارها عليه ولا تعلم كيف تبدأ وهل هو عربي كما أخبرها أم فرنسي ولكن ملامحه تؤكد لها أنه عربي  وقبل أن تتفوه بحرف وجدته يقف قبالتها ثم أشار عليها وتساءل بترقب  : 
- مدام ديما الصابر  ؟ 
تجلت الدهشة على معالمها تساءلت  : 
- إنت تعرفني  ؟ 
ابتسم لها وأجابها بنبرة ودودة  : 
- أيوا استاذ ثائر بلغنا امبـ.ـارح إنك جاية النهاردة وهتبدئي شغل معانا في المجلة  ،  أنا نسيم سلطان  ،  مصري ومقيم هنا من خمس سنين  . 
عرفها عن نفسه فابتسمت تومئ قائلة بنبرة منشرحة قليلًا من رؤيتها لشخصٍ مصري  : 
- أهلًا بيك  ،  طيب إنت رايح المجلة دلوقتي  ؟ 
أومأ لها يشير نحو سيارته وأردف  : 
- أيوا تحبي أوصلك  ؟ 
نظرت للسيارة وتـ.ـو.ترت ثم أجابته بثبات  : 
- لاء شكرًا بس لو ممكن تساعدني وتعرفني آخد أي مواصلة لهناك  ؟ 
أدرك تحفظها لذا أجابها بودٍ  : 
- بصي أنا أصلًا مش بروح بالعربية المكان مش بعيد  ،  خلينا نتمشى شوية وأهو ت عـ.ـر.في الطريق  . 
هكذا أفضل لذا أومأت له تبتسم بهدوء وتحركت معه  نحو مقر المجلة القريب  . 
❈-❈-❈
وقفت على باب شقتها تودعه بحبٍ وتخبره بترقب  : 
- حبيبي أنا هخلص اللي ورايا واروح لخالتو منال وهقضي اليوم مع الأولاد وهرجع قبل ما ترجع  . 
أومأ لها وأجابها بنبرته اللينة  : 
- تمام يا حبيبتي  ،  ويمكن أخلص وآجي أخدك نرجع سوا  . 
انفرجت ملامحها بسعادة وتساءلت   : 
- بجد  ؟  طيب بلاش آخد العربية وأروح في أوبر  ؟ 
أومأ والتفت ينظر حوله ثم عاد يطالعها وانحنى يطبع قبلة على وجنتها بحبٍ ثم ابتعد يسترسل  : 
- تمام  ،  خليكي معاهم وأنا هرجع أخدك ونروح نتعشى برا  ،  يالا سلام  . 
ابتسمت بسعادة تودعه فاتجه يستقل المصعد تحت أنظارها وغادر فتنهدت حبه بـ.ـارتياح ودلفت شقتها تغلق الباب مقررة إنهاء عملها  . 
في الشقة المقابلة كانت رحمة تقف خلف الباب تراقبهما من العين السحرية وداخلها حالةً من المشاعر السلبية التي جعلتها على وشك البكاء  . 
ابتعدت عن الباب وأسرعت نحو النافذة  تنظر منها على دياب وهو يستقل سيارته ويغادر  ،  ابتلعت لعابها وزمت شفتيها بحزنٍ ثم اتجهت تجلس على الأريكة وتقضم أظافرها وتهز ساقيها  ،  لمَ لم تحظَ بحبٍ كهذا  ؟  لقد تخلت عن عائلتها وضحت بكل شيء لأجله وخدعها  ،  أوهمها بحبٍ لا مثيل له وأخذها في رحلةٍ عبر الأحلام ثم تركها داخل كابوس ورحل عنها والآن تبحث عن حبٍ بديل يغمر حياتها المملة  . 
التفتت على مرمى بصرها لتجد صغيرها ينام في مهده لذا فكرت  ،  تمتلك صغيرًا وهو لا يمتلك لمَ لا يتقرب منها لأجله  ؟  لا تريد سوى أن يشعرها أحدهم بالاهتمام كما تشعر يسرا التي لا تمتلك شيئًا مميزًا عنها  .  
❈-❈-❈
وصلت إلى مقر المجلة تخطو مع نسيم بين الوجوه التي التفتت إليها  ،  نال منها التـ.ـو.تر من نظراتهم ولكنها تجاهد لتبدو ثابتة خاصة وهي تراهم في حالة تعجب فهي المحجبة الوحيدة هنا  . 
أخذها إلى غرفة جانبية وفتحها فرأت مكتبًا يرتكز في المنتصف ونظرت إلى نسيم الذي أردف موضحًا  : 
- ده مكتبك اللي الأستاذ ثائر جهزهولك  ،  اتفضلي.. 
أومأت له مبتسمة ونظرت حولها قبل أن تدلف  ،  ممر طويل يحتوي على عدة مكاتب جمع عددًا لا بأس به من الموظفين والموظفات  ،  لمَ هي لها مكتبًا خاصًا بها وحدها  ؟  لمَ هي المميزة هنا  ؟  حتى أنها لا تمتلك شهادة جماعية تؤهلها لهذا التميز  ؟ ولمَ هذا التعجب البادي على وجوههم  ؟  
الشك عاد يهاجمها وجعل قلبها يتهاوى ولم تستطع أن تفرح ولكنها أومأت تردف بملامح هادئة تخفي بها تـ.ـو.ترها : 
- متشكرة جدًا يا أستاذ نسيم  . 
- العفو  . 
نطقها وتحرك يغادر فدلفت مكتبها واتجهت تجلس على المقعد وتفكر  ،  هل ستجلس هنا تكتب فقط  ؟   هل هذا كل ما ستفعله  ؟ من المؤكد هناك حلقة مفقودة يجب عليها أن تجدها لذا ستنتظر مجيئه لتسأله ولكنها لن تجلس مكتوفة الأيدي  . 
نظرت للحاسوب المرتكز أمامها وفتحته تتفصحه لتجد عليه برامج كثيرة معظمها لا تدركها لذا تنهدت بعمق وضغطت على المذكرة الالكترونية وبدأت تكتب مقالًا عن هويتها العربية وتعرف عن نفسها متبعة الأسس التي تعلمتها لكتابة مقال  . 
❈-❈-❈
صدر الحكم بوقف الكتاب وخرج داغر من قاعة المحكمة بملامح حزينة يجاوره المحامي يشعر بالحرج حيث أنه لم يستطع الوقوف أمام جبروت شاكر نصر الدين   . 
تنفس بقوة ثم ودع داغر ورحل ليتجه الآخر لسيارته يستقلها ولم يقُد بل جلس يفكر  ،  كيف سيخبر شقيقته بالأمر  ؟  وكيف ستستقبل هذا الخبر  ؟ 
لم ينسَ أنها منذ أشهر فقدت النطق وكادت أن تصاب بجلطة لذا مسح على وجهه يستغفر ويدعو ربه  : 
- حلها من عندك يارب  ،  جيب لها حقها يا كريم  . 
زفرة قوية معبأة بالحزن صدرت منه وقرر التحرك بعد ذلك عائدًا إلى عمله  .  
❈-❈-❈
في تمام الحادية عشر دلف ثائر يلقي السلام على الجميع ويخطو بثباتٍ نحو مكتبه  ،  كانت منشغلة في الكتابة التي انغمست فيها ولم تلْحظ مجيئه  . 
كتبت أكثر مما ينبغي أن تكتبه في يومها الأول  ،  دونت كل ما تعلمته وقرأته و حفظته عن ظهر قلب  ،  قصصًا وحكايات روتها النساء العربيات عن كفاحهن وحياتهن  ،  قصصًا واقعية استخدمتها كدليل لها  ،  دراسات علمية استعانت بها لتؤكد صدق كلامها  . 
دونت كل هذا الكم من المعلومـ.ـا.ت لذا زفرت بقوة وابتعدت تفرد ظهرها وتتنفس بعمق لتستريح راضيةً عما دونته بالعربية وترجمته إلى الفرنسية من خلال استعانتها ببرنامج خاص لهذا الأمر حيث أنها لم تتقن بعض الكلمـ.ـا.ت جيدًا  . 
نظرت في ساعتها لتجدها الحادية عشر والنصف فتعجبت من مرور الوقت الذي لم تشعر به وتساءلت ترى هل أتى  ؟ 
نهضت تخطو نحو النافذة الزجاجية المطلة على المكاتب وتنظر منها لتستكشف الخارج ولكنها لم تستدل على شيء يثبت مجيئه  ،  اتجهت للنافذة الأخرى التي تطل على الشارع الرئيسي ووقفت متكتفة تتطلع على المكان بشرود  . 
في الأسفل حيث السيارات والمارة والحركة المرورية المنتظمة  ،  المناظر من حولها جديدة وغريبة لا تنتمي لها  ،  الأجواء بـ.ـاردة والوحدة هي المتصدرة على عرش المشاعر  . 
انتفضت حينما رن هاتف مكتبها والتفتت تطالعه ثم اتجهت تلتقطه وتضعه على أذنيها بترقب فاستمعت إلى نبرته وهو يردف بنبرة مهيبة : 
- منتظرك في مكتبي  . 
أغلق فتعجبت ووقفت تلتقط أنفاسها ثم قررت الخروج والبحث عن مكتبه فلديها أسئلة عديدة لتسألها له  . 
خطت للخارج تلتفت باحثة عن مكتبه حيث انحنت على إحدى الموظفات وسألتها بالفرنسية  : 
- عفوًا  ،  أين مكتب السيد ثائر  ؟ 
رفعت الفتاة أنظارها تطالعها باستعلاء ثم أشارت لها عليه فانزعجت ديما من نظراتها ولكنها تجاهلتها وتحركت نحو المكتب المشار إليه حتى وصلت أمام الباب وطرقته فسمح لها فدلفت  . 
مكتبه يعبر عن شخصيته القيادية والغامضة  ،  مكتب مهيب جدرانه ملونة بالأبيض وأثاثه ذا لون بني غامق  . 
وجدته يجلس يشبك يديه ويطالعها فتحمحمت ووقفت تردف بعدما دلفت وأغلقت الباب  : 
- عندي أسئلة كتير عايزة أسألها  . 
أشار لها أن تجلس ففعلت فأردف وعينيه مسلطةً عليها  : 
- اسألي  . 
تنهيدة معبأة بالتـ.ـو.تر خرجت منها لتتساءل بِمَ يجول في عقلها  : 
- ليه أنا ليا مكتب لوحدي  ؟  وإيه المطلوب مني أعمله بالضبط  ؟  وإزاي ههاجم أفكارك وأنا شغالة معاك في مجلتك  ؟  وأكيد من الأوراق اللي بعتهالك عرفت إني ماكملتش تعليمي يبقى إزاي وليه تعمل كل ده معايا  ؟ 
ابتسامة جانبية سريعة صدرت منه ثم أردف بثباتٍ عالٍ  : 
- كل ده ليه عندي إجابة واحدة بس وهي إنك قبلتي تتحديني  ،  ماينفعش تكوني وسط الناس اللي برا دول لأن كلهم بيأيدوا أرائي  ،  إنتِ الوحيدة اللي جاية تثبتي إن رأيي في المرأة العربية وخصوصًا المحجبة كله غلط  ،  وعلشان كدة كان لازم يكون ليكي مكتب خاص بيكي علشان تاخدي راحتك  ،  قلتلك إننا هنا في بلد ديمقراطي جدًا  ،  وبالنسبة للمطلوب منك تعمليه هو بالضبط اللي كنتِ بتعمليه قبل ما أبعتلك  ،  تكتبي كل اللي عندك  ،  تاخدي راحتك على الآخر وتعبري زي ما تحبي علشان وقت ما نعلن عن الندوة الثقافية تكوني جاهزة تجاوبي على أسئلتي ليكي   ،  أنا مش هقبل أبدًا المنافس اللي هيتحداني يكون متردد أو مش واثق في نفسه  . 
نظرت له بحيرة عالية من أمره  ؟  هل يشجعها على تحديه أم يستفزها أم أنه يؤهلها للفوز  عليه أم أنه يقلل من قدراتها  ؟ 
حقًا غريب أمره ولم تدرك مغزاه بعد لذا ظلت تحدق به بشرود فرفع كفه يلوحه أمام عينيها فأسبلت بتـ.ـو.تر وتحمحمت تسأله بتشتت من أمرها  : 
- بردو مش فاهمة إنت بتعمل كل ده ليه  ؟  ياترى دي ثقة مبالغ فيها في نفسك ولا ليك هدف تاني  ؟ 
زفر يبعد مقلتيه عنها ثم أجابها وهو يتلاعب بقلمه  : 
-  أي حد لازم يدافع عن الحاجة اللي بيحبها ومؤمن بيها وده اللي بعمله بس كنت قربت أفقد الشغف بسبب إن الأغلبية بيوافقوني الرأي  ،  يعني تقدري تقولي إنك رجعتيلي الشغف لحاجة بحبها في المقابل أنا قدمتلك فرصة زي دي  . 
حاولت أن تستوعب كلمـ.ـا.ته لينتشلها بحديثه وسؤاله الغامض : 
- وبعدين بتسألي كإني مثلًا أجبرتك على السفر مع إنك وافقتي بإرادتك بعد ما كنتِ رافضة تمامًا  ،  ممكن أفهم السبب  ؟ 
أمعنت النظر به ولم ترد الإفصاح له عما حدث معها في مصر من ظلمٍ لذا نهضت ترفع رأسها وتجيبه بثبات زائف  : 
- استغليت الفرصة  ،  فكرت كويس ولقيت فعلًا إن تحديك فرصة مـ.ـا.تتعوضش  ،  خصوصًا إني على حق  . 
حدجته بنظرة قوة ثم تحركت تغادر تاركة خلفها وجهًا يتزين بابتسامة خبيثة  . 
❈-❈-❈
في سجن فرنسي شهير  . 
جلست مارتينا على طاولة أمام والدها الذي أتى ليراها  ،  ملامحها خير دليلٍ عن غلٍ سافر لا حدود له وتجلى في نبرتها هي تحدثه  : 
- كيف لم تجد مخرجًا لي إلى الآن  ؟  هل ستتركني أتعفن هنا  ؟  هل هذه نفوذك يا سيد إلتوا  ؟ 
نطق ببرود ظاهري  : 
- كان عليكِ أن تفكري في هذا قبل فعل ما فعلتيه  ،  توماس لم يقبل أن يتنازل عن دعوته بأي شكلٍ  ،  أنا مازلت أحاول معه  . 
ضـ.ـر.بت الطاولة بكفيها بغضبٍ واستطردت  : 
- لا تحاول أبي  ،  لا تحاول بل أخرجني من هنا في أسرع وقت  . 
حدجها بنظرة محذرة يردف  : 
- اهدئي  . 
تعالت وتيرة أنفاسها ثم اعتدلت في جلستها وغمرها هدوءًا ظاهريًا تجيبه  : 
- حسنًا سأهدأ  ،  أخبرني كيف حال ثائر  ؟  
قلب عينيه بتهكم ثم أجابها بغموض  : 
- إنه يمارس عمله ويهتم بابنه  ، هذا كل ما يفعله   . 
أومأت مرارًا ثم اتسعت حدقتيها تسترسل  : 
- حسنًا لا تأتي إلى هنا مجددًا إلا حينما تأخذني  ،  هل فهمت  ؟ 
أومأ ونهض بعدها يتجه نحو الباب ويغادر ليرى ماذا سيفعل وكيف سيخرجها  ،  نفوذه كان قويًا بصداقته مع توماس ولكن الآن كلما حاول فعل شيء وجد الآخر يسبقه بخطوة لذا فعليه أن يعبث معه قليلًا وليرى ما لديه من أسرار  . 
❈-❈-❈
عادت إلى منزلها في الساعة الثالثة ودلفت تتجه نحو الحمام لتغسل يديها ثم ذهبت إلى المطبخ حيث تتضور جوعًا لذا حضرت لها شطيرة سريعة وتناولتها وهي تتجه نحو الأريكة لتجلس وتهاتف عائلتها  . 
بعد دقيقة فتحت منال تطالعها وظهر الصغيران يلعبان حولها فحدثتها ولم يمر عدة ثوانٍ حتى قُطع الاتصال  ،  حاولت مرة تلو الأخرى ولكن الاتصال بدى معطلًا لذا زفرت وتركت هاتفها جانبًا وعادت تشرد فيما حدث هذا الصباح وفي حديث ثائر وهو يخبرها أن تستعد للإجابة عن أسئلته لذا نهضت تخطو نحو غرفتها واتجهت للركن الذي وضعت فوقه كتبها واستلت كتابًا عن حقوق المرأة في الإسلام  . 
أخذته واتجهت نحو المطبخ مجددًا كي تحضر قهوتها لتعود وتقرأه وتركز جيدًا في معلومـ.ـا.ته  . 
❈-❈-❈
جلست دينا في غرفتها حيث الصغيران في الخارج مع والدتها لذا نوت فعل ما فكرت فيه لأيام وهو الاتصال  بلوتشو وإخبـ.ـاره بقرارها عبر الهاتف لذا عبثت بهاتفها وطلبت رقمه بتـ.ـو.تر فأجابها بنبرة حماسية كأنه استشف ما ستخبره به حيث أنها لم تعتد الاتصال به  : 
- مرحبًا دينا كيف حالك  . 
تنفست بعمق تجيبه بنبرة هادئة  : 
- الحمد لله بخير  . 
حثها على التحدث  : 
- تفضلي أنا معكِ  . 
شعرت بالخجل ولكنها عزمت أمرها لذا قالت  : 
- كنت هبلغك قراري بخصوص طلبك  . 
تنبهت حواسه بسعادة لذا أجابها بترقب  : 
- أسمعك  . 
أجابته بحرج  : 
- أنا موافقة  ،  ماعنديش أي مانع في الارتباط بيك  ،  بس أنا مش هعرف اتكلم مع أهلي  . 
سعادة جعلته يقفز في مكانه ثم تحمحم يواري حرجه ويجيبها بحماسٍ مفرط : 
- حسنًا لا بأس  ،  أتركي الأمر لي  ،  ولكن أعطيني رقم شقيقكِ وأنا سأتحدث معه.. 
أومأت تتنفس بـ.ـارتياح كأنه رآها وأردفت  : 
- تمام  ،  هبعتهولك على الواتساب  ،  كلمه الصبح وهو برا البيت أفضل  . 
ابتسم يجيبها بنبرة تحمل الحب والاحترام  : 
- لا تقلقي سأحل الأمر معه وسأقنعه  ،  أراكِ غدًا دينا  . 
أردفت بترقب وخجل  : 
- هو ينفع آخد أجازة بكرة  ؟  معلش لو سمحت  . 
بالطبع لن يعترض ولكنه نطق بمرح  : 
- أوه  ،  استغلال من البداية  . 
شعرت بالحرج لذا أسرعت توضح  : 
- لاء خالص مش استغلال  ،  خلاص هاجي  . 
ضحك بخفة يجيبها  : 
- اهدئي دينا أنا فقط أمزح معكِ  ،  لا بأس يمكنكِ أخذ أجازة وقتما تشائين  . 
تنفست بعمق فاسترسل  : 
- هيا إلى اللقاء  . 
- مع السلامة
❈-❈-❈
ليلًا أغلقت الكتاب وتمطأت بإرهاق وهي تتثاءب ، نظرت في ساعتها لتجدها الثامنة مساءً لذا عادت تستل هاتفها وتحاول الوصول إلى عائلتها مجددًا وحينما لم يفلح الأمر قررت الاتصال على شقيقها مكالمة صوتية  . 
بصوتٍ حزين أجابها وهو لم يكن يريد ذلك ولكن عليها أن تعلم لذا أردف  : 
- أيوة يا ديما  ،  عاملة إيه يا حبيبتي  ؟ 
من نبرته أدركت وحسمت الأمر وتهاوى قلبها وهي تجيبه  : 
- كويسة يا داغر الحمد لله  ،  الكتاب اتوقف  ؟ 
صمت لهنيهة ثم نطق بحزن  : 
- أيوا يا ديما للأسف  ،  أنا مش عارف أكلمك إزاي من الصبح  ،  قدر الله وماشاء فعل مش عايزك تزعلي واعتبري إن سفرك جه في الوقت المناسب ، وبردو هنرفع نقد ع الحكم . 
يسعى ليهون عليها ولكنها حزينة  ،  قصتها التي تمنت بها كل الخير لغيرها تم إيقاف نشرها بشكلٍ قانوني ولحقت بها اتهامـ.ـا.ت لم تفعلها قط  . 
شعور الظلم سيء وموحش كوحشٍ كاسر يلتهم روحها بين أنيابه لذا أردفت بنبرة متحشرجة تحاول بها طمأنته بيقين  : 
- خير الحمد لله يا داغر  ، اللي ربنا كاتبه هشوفه  ،  الحمد لله  . 
أجابها بيقين مماثل  : 
- أكيد خير ياحبيبتي  ،  مـ.ـا.تزعليش نفسك  .
نبرته تحمل عناقًا ود لو كان باستطاعته فعله  ، يريد احتواءها الآن فهو أفضل من يعلم ما تشعر به لذا تنهدت بعمق وابتسمت تجيبه بمرحٍ زائف  :
- لا مش زعلانة  ، أختك دلوقتي بقت بتشتغل في مجلة فرنسية مشهورة وهكتب كتب تانية كتيـــر وهوصّل وجهة نظري صح  ، مـ.ـا.تقلقش أنا مش هقع يا داغر  .
ابتسم يؤكد لها ويدعمها  :
- هي دي ديما الصابر اللي مافيش حاجة تكسرها  . 
سقطت عبرة من عينيها التقطتها بكفها ثم استطردت قبل أن يلاحظ نبرتها  : 
- يالا يا حبيبي أنا هقفل دلوقتي ولما تروح كلمني فيديو كول لإن الشبكة من الصبح مش بتجمع  . 
- أيوا فيه تصليحات في النت عندنا  ،  هوصل البيت وأكلمك  . 
أغلقت معه وتنفست بقوة ولكنها شعرت بالضيق  ،  كاذبة إن قالت أنها لم تحزن  ،  قصة حياتها وسنواتها التي دونتها بكامل مشاعرها وإحساسها انتهت وليست أي نهاية بل نهاية ملطخة بسمعة كاذبة لا تمت لها بصلة  . 
عادت عبراتها تسقط وشعرت أن الجدران تقترب منها وتطبق على أنفاسها لذا نهضت تخطو نحو غرفتها ترتدي معطفها وحجابها وقررت الخروج بمفردها قليلًا  . 
خرجت واتجهت تسير نحو الشارع الرئيسي المؤدي لموقع البرج المشهور إيفل  . 
تسير وعقلها مزدحم بالأفكار التي تتصارع فيه بلا هوادة  ،  تخشى أن يحاربوها هنا بشكلٍ أقوى وأشرس مما حدث معها في بلدها  ،  تخشى أن تقع في حفرة وعرة بعدما نهضت من أسفل حطام تجربتها السيئة  . 
لمحت البرج من بعيد فاتجهت نحو الحديقة القريبة منه والهادئة قليلًا عن محيطه الصاخب  . 
جلست على مقعدٍ أسفل شجرة في ركنٍ هادئ بإضاءة هادئة تنظر لإيفل الشامخ وتبحث عن هدى  ،  تناجي ربها ألا يشمّت فيها ظالم ولا يعين عليها باطل وأن ينصرها في الحق  . 
رفعت كفها تجفف دمـ.ـو.عها التي انهمرت لا إراديًا منها لتجد أحدهم يأتي ويجلس مجاورًا لها ويمد يده بمحرمة ورقية وعينيه تنظر للأمام متسائلًا بثبات  : 
- إيه اللي حصل  ؟ 
تفاجأت بوجوده وتوقفت الدمـ.ـو.ع في مقلتيها فالتفت ينظر لها وشرد لثوانٍ في دفء عينيها اللامعة ثم عاد ينظر أمامه متنفسًا باستفاضة يسترسل  : 
-  تقدري تحكي ومـ.ـا.تخافيش مش هستغل ده في التحدي اللي بينا  . 
ليس عليها أن تثق في كلمـ.ـا.ته ولكنها فعلت لذا أردفت دون مقدمـ.ـا.ت  : 
- قصتي  ،  قصدي القصة اللي كتبتها واللي بسببها أنا هنا دلوقتي  ،  اتحكم بوقفها  . 
ظل كما هو لم يبدِ أي ردة فعل ثم تساءل بعد ثوانٍ  : 
- ليه  ؟  إيه اللي حصل  ؟ 
التقطت منه المحرمة وجففت دمـ.ـو.عها ثم عادت تنظر مثله واستطردت توضح بصدق  : 
- فيه محامي رفع عليا دعوة إني بهاجم القوانين وبزعزع استقرار الأسرة  ،  ثغرات اكتشفوها في كتابي اللي من حسن حظي وسوء حظي في نفس الوقت أنه اتشهر جدًا بطريقة ادهشتني  ،  كان لازم وقتها أعرف إن فيه وجه آخر للشهرة ماحسبتش حسابه  . 
أومأ يردف بنبرة مبطنة بالمعاني  : 
- اتظلمتي يعني  ، معلش بكرة تتعودي وت عـ.ـر.في إن ده العادي في مصر  . 
التفتت تطالعه بتعجب ثم استطردت متسائلة  : 
- قصدك إيه  ؟ 
التفت يواجهها بنظراته ويردف موضحًا  : 
- قصدي إن اللي حصلك زي اللي حصل معايا قبل كدة  ،  إحنا الاتنين زي بعض  ، اتظلمنا في بلدنا واعتقد إنها تجربة قادرة تغير وجهات نظرنا للأمور  . 
قطبت جبينها باندهاش ثم هزت رأسها وأردفت مدافعة بثقة  : 
- لا أنا أسفة بس أنا مش شبهك ولا هكون شبهك مهما يحصل  ،  أنا عمري مهما اتعرضت لظلم ما هشوه صورة بلدي  ،  عمري ما هاجي عليها واظلمها  ، لو فيها ظلم أو فساد مسير ييجي جيل سليم وواعي يستأصله وترجع عفية تاني  ،  أيوة كان نفسي الحكم يكون في صفي وكان نفسي كتابي مايتوفقش بس هتفضل مصر بالنسبالي هي الأم اللي ممكن تزعق شوية لكن لو حد حاول بس يزعلني أو يئذيني هلاقيها في ضهري وحـ.ـضـ.ـنها مفتوح لي دايمًا  ،  أنا وانت مختلفين يا أستاذ ثائر  ،  أنا واحدة اديت فرص لناس مـ.ـا.تستاهلش  ،  هاجي على بلدي ومن أول واقعة هظلمها وأعيب عليها  ؟  ده كدة يبقى العيب فيا أنا  . 
صمت يتأملها لبرهة ولم ينطق بحرف بل نهض يزفر بقوة ثم أردف بنبرة لم ولن تفهمها  : 
- ابعتيلي وورد قصتك  . 
قطبت جبينها وتساءلت بشكٍ  : 
- ليه  ؟ 
وضع كفيه في جيبي معطفه واسترسل  : 
-  هنشرها تاني  ، بس راجعيها لو فيها تعديلات حابة تضفيها أو تحذفيها تمام وبعدها هيتم نشرها بالفرنسية ومترجمة وهتتوزع بشكل أكبر طبعًا  ، مهم جدًا بالنسبالي إن الناس تتعرف على الكاتبة اللي هتواجهني  .
تركها في ذهولها وتحرك يغادر عائدًا إلى منزله ويعلم أنها ستتبعه وبالفعل نهضت تتحرك خلفه وتتبعه بعقلٍ مندهش مما يحدث   .
نكتم الحب

فتفضحنا الغيرة

صدقا.. أنا لا أغار..
لكن....
لا تبتسمي لغيري

لا تناقشي غيري

لا تتحدي غيري....

فصدقا أنا أحترق...

ولا أعلم لم؟؟؟

يا امرأة تبعثرين شعوري دوما..

وأنت حتى لا تعلمين...

( بقلم فيروزة  )

❈-❈-❈

تحرك يغادر وهي تتبعه حتى عبرا الطريق فنادته قبل أن يخطو نحو شارعه فتوقف ينتظرها حتى وقفت أمامه تطالعه بتعجب وتساءلت :

- يعني إيه هتعيد نشر كتابي ؟ أنا مش قادرة أفهمك ، كتابي اللي بيتكلم عن الحاجات اللي إنت بتهاجمها هتعيد نشره باسم الدار اللي إنت مديرها اللي كل فيها نفس تفكيرك ؟ إنت ليه مش واضح معايا ؟ ليه غامض ؟

أمعن النظر فيها جيدًا ثم أجابها بهدوء :

- مين قال إني غامض ؟ كل ما في الأمر إني مش بثق في حد بسهولة وده اللي المفروض إنتِ كمان تعمليه ، وبالنسبة لكتابك فهو مش أول كتاب ننشره وتكون أفكاره ضدنا ، إنتِ بس اللي لسة مش متابعة إصدارات الدار عندنا وزي ما قلتلك قبل كدة هنا بلد ديمقراطي وفي كل مكان هتلاقي الرأي والرأي الآخر ، علشان كدة هسيبك تعبري عن رأيك بكل أريحية والحكم للقارئ ، ولا إنتِ مترددة ؟ لو حاسة إنك مش قد المناظرة  عـ.ـر.فيني وأنا هلغي كل ده !

خبيث وخبثه هذا صفة مميزة فيه حيث استطاع ضخها بالحماس لتندفع بتريث وتجيبه بثقة وثبات أراد رؤيتهما :

- ماختارتش أصعب قرار في حياتي وبعدت عن ولادي وبلدي وأهلي وجيت بلد غريبة أعيش فيها لوحدي علشان في الأخر تقول إني مترددة ، بالعكس أنا متحمسة جدًا للمناظرة ومستنياها بفارغ الصبر .

لم يبدِ إعجابه بل رفع حاجبيه يرسم التحدي ويجيبها قبل أن يخطو :

- كويس ، ذاكري بقى كويس علشان أنا مـ.ـا.تعودتش أخسر بأي شكل .

التفت يغادر وتركها تقف تطالعه وهو يخطو بثقة وثبات وشموخ ، أصابتها الحيرة في أمره وأفعاله معها ولكنها ستطيعه في شيء واحد فقط وهو المذاكرة ، يجب عليها أن تستعد جيدًا لهذه المناظرة فهو لن يتهاون معها قط .

تحركت تعود إلى المنزل وقد قررت أن تهاتف عائلتها وتريحهم ، من المؤكد أنهم حزينون بعد حكم وقف كتابها لذا ستنتشل حزنهم بمرحها وتخبرهم أنها أتت للتو من جوار برج إيفل ، لن تواجه الحياة بعبوس بعد الآن .
❈-❈-❈

يتمدد على فراشه وتجاوره زينة تغط في نومٍ عميق  .

منذ أن وصله خبر من أحد جيرانه أنها سافرت إلى فرنسا وهو يتقلب على صفيحٍ ساخن  ،  متى وكيف حدث ذلك في طي الكتمان  ؟  وكيف استطاعت ترك صغيريها  ؟  أهذا هو حبها الكبير لهما  ؟  أهذه هي أمومتها تجاههما  ؟  وتقول عنه أنه أبٌ غير صالحٍ  ؟  فماذا عنها الآن  ؟

والأهم من هذا كله ماذا ستفعل في فرنسا  ؟  ومن هذا الكاتب الذي أرسل لها تأشيرة للسفر والعمل هناك  ؟  وما هذه الفرصة الذهبية التي حصلت عليها  ؟

نعم ربما هي تتحلى بامتياز وربما اسمها وصل للعلا في وقتٍ قياسي ولكن لم يكن يتوقع أبدًا أن تسافر بلدًا أوربيًا وتحظى بكل تلك المميزات .

التفت للجهة الأخرى يوالي زينة ظهره كأنه سينكشف أمر أفكاره وعادت الغيرة تنهشه وهو يتخيل ماذا إن وقع أحدهم في حبها  ؟  ماذا إن تزوجت  ؟

تعالت وتيرة أنفاسه عند هذه النقطة  ،  لا يتخيلها مع آخر أبدًا حتى لو كان هو الآن يتمدد بجوار زوجته التي تزوجها عليها  ،  لا يتقبل أن يكون بعده رجلًا يعاملها بالطريقة التي لا تعامله بها زينة  ،  نعم فقد بدأ يدرك أنها محظوظة تحصل على أكثر مما تريد بالرغم من اسمها المتادول بين الناس بالخير أو عكسه  .

بدأ يحن للحياة معها  ،  بدأ يحن للسلام الذي ينبعث من ابتسامتها  ،  لو أنها فقط كانت تعطيه حقوقه  ؟ هذا الأمر فقط هو ما كان ينقصها  ، لو أنها امتلكته لما حدث كل هذا  .

ولكن ماذا إن حصل عليها رجلًا غيره  ؟ وهل هي تملكه من الأساس  ؟

شعر بالأدخنة تتصاعد من صدره خاصةً وقد قامت تفاصيلها بالهجوم عليه ، هيأتها تقف أمام مرآة الزينة بملابسها التي ابتاعها لها  ،  رائحتها المنعشة التي كان يختارها لها بمزاج   .

لو لم يكن كمال الوراق لكان رفع أصابعه وقضمها نـ.ـد.مًا ولكنه عوضًا عن ذلك يحترق ويفسر احتراقه هذا إخلاصًا لها  .

عاد يفكر في اللقاء التليفزيوني  ، عليه أن يتصرف بذكاء  ، عليه أن يحاول استقطابها مرةً أخرى فمن المؤكد إن سمعته يتحدث عنها بشكلٍ جيد ستحن لذكرياته فهو في نهاية الأمر والد طفليها ورأت منه أشياء كثيرة تفتقدها الآن ، نعم هذا ما سيفعله ولن يسمح لأحدهم باستقطابها وإلا حينها سيضحّى عليه وعلى أعدائه  .

❈-❈-❈

في الصباح  .

وقف داغر في ورشته يحاول إقناع صالح بالعودة إلى المصنع حيث يرفض الآخر بشكلٍ قاطع لذا قال بتريث  :

- يابني ارجع إنت ومالكش دعوة بيا  ،  إنت محتاج المرتب بتاعهم علشان مصاريف علاج أبوك وإيجار البيت  ،  الورشة هنا مش هتكفيك اسمع الكلام  .

تحدث صالح باعتراض وهو يباشر عمله في السيارة التي تستقر أمامهما بغطاءٍ مفتوح كأنها تشاركهما الحديث  :

- ياخو مش راجع من غيرك  ،  أنا كنت هناك عشانك يا بنكون سوا يا بلاها  .

تنهيدة محبة صدرت من جوف داغر الذي رن هاتفه فالتقطه ينظر للرقم الغير مسجل لذا أصابه التعجب وأجاب بترقب  :

- سلام عليكم  ؟

أجابه لوتشو بتـ.ـو.تر بلغته الفصحى  :

- وعليكم السلام  ،  كيف حالك سيد داغر  ؟

أبعد داغر الهاتف عن أذنه يطالعه باستنكار جعله يظن أن المحدث هو صوتٌ الكتروني من خدمة العملاء لذا فتح المكبر وتساءل وهو يمسك بالهاتف بينه وبين صالح  :

- إنت مين  ؟

تحدث لوتشو بحرج مما يحدث معه   :

- أنا ادعى لوتشو نيهاو  ،  مدير القسم الذي تعمل به شقيقتك الآنسة دينا في الشركة الصينية  .

أسرع داغر يغلق مكبر الصوت حينما أدرك أن الأمر يتعلق بشقيقته وابتعد قليلًا بحرجٍ من صالح الذي تعجب وترقب حديث داغر الذي قال  :

- اه معلش لا مؤاخذة  ،  اتفضل سامعك  .

حاول لوتشو سحب تـ.ـو.تره وأردف بنبرة رصينة  :

- هل يمكننا أن نلتقي  ؟  أريد أن أتحدث معك في أمر يخص الآنسة دينا  .

من رابع المستحيلات بالنسبة له أن يتحدث مع لوتشو هذا عن أمر ارتباط ولكن نهش الفضول قلبه وشعر بالتـ.ـو.تر خاصة إن تعلق الأمر بعائلته لذا لم يحتمل الصبر وأجابه  :

- تمام  ،  قولي أجيلك فين وأنا اقابلك حالًا  .

انفرجت أسارير لوتشو وأردف وهو ينهض باندهاش من سرعة تلبية داغر لطلبه  :

- حسنًا دعنا نلتقي في مطعم  ***  ،  هل هو مناسب لك  ؟

أومأ داغر وتحدث وهو يتحرك نحو سيارته  :

- تمام عارفه  ،  خلاص مسافة الطريق وهكون عندك  .

أغلق معه والتفت ينظر نحو صالح ويردف بنبرة ممازحة وهو يستقل السيارة  :

- هروح أشوف موضوع التعبير ده عايز إيه يا صالح وارجعلك بسرعة  .

أومأ صالح مبتسمًا ولكنه لم يسترح للأمر على عكس داغر فهو يشعر بشيءٍ يتمنى لو لم يكن حقيقيًا  .

❈-❈-❈

غادر منزله ونزل قاصدًا سيارته ليتجه إلى العمل ولكنه استمع إلى صوت بكاء صغير يأتي من الجوار لذا انفطر قلبه والتفت ينظر على اليمين ليتفاجأ برحمة تقف وتحاول هدهدة طفلها الباكي لذا زفر بقوة وقرر تجاهلها ولكنها لمحته فلوحت بيدها تناديه بعلو  :

- دياب  .

استغفر ربه وشعر بالضيق ولكنه كالعادة لا يمكنه تجاهلها  ،  يفترض ألا تناديه وأن تتجاهله هي خاصةً بعد توبيخه لها آخر مرة ولكنها لم تفعل لذا زفر بقوة وأومأ كتحية وهو يشير بيده وكاد أن يستقل سيارته ولكنها تحركت نحوه ما إن أشار لها والصغير يبكي فزفر بقوة ووقف حتى وصلت أمامه تهز طفلها وتردف بملامح منزعجة  :

- أنا أسفة جدًا بس أنا ماعرفش أي حد غيرك هنا  ،  ممكن توصلني لأقرب دكتور  ؟   قصي بيعـ.ـيط من بليل ومش عارفة ماله  .

قالتها وهي تنظر لطفلها الذي نظر له دياب أيضًا وبملامح حنونة خصصها للصغير أردف على مضض  :

- تمام اركبي  .

أسرعت تستقل السيارة جواره وركب يستمع إلى الصغير الباكي بطريقة مؤثرة لذا أردف بعاطفة غريزية وهو يمد يده لها  :

- هاتيه طيب  !

انفرجت أساريرها وأسرعت تناوله إياه فالتقطه يهدهده بهمهمة ويحاول إسكاته تحت أنظار رحمة التي تمنت أن يتحقق حلمها ولكن صغيرها لم يهدأ لذا انحنى دياب يطبع قبلة سريعة على وجنته وعاد يناولها إياه قائلًا بحزن لأجل بكائه  :

- خلاص خليه معاكي  ، لازم دكتور يشوفه فعلًا  .

تحرك بعدها يقود إلى وجهته وفى طريقه تحدث مع الطبيب النسائي يسأله عن طبيب أطفال مختص ، بينما جلست هي تهدهد الصغير هامسة له بأغنية هادئة وبرغم بكائه إلا أنها سعيدة بقربها من دياب  .

❈-❈-❈

جلس داغر أمام لوتشو ينتظر حديثه ويطالعه بتعجب  .

شاب وسيم ورتيب يبدو عليه الثراء والذكاء  ،  ملامحه آسيوية بحتة وهذا جعله يحدق أكثر ليشعر الآخر بتـ.ـو.ترٍ كلي ولكنه عزم أمره حيث وجب عليه أن يتحدث لذا قال  :

- سيد داغر أنا أريد أن أخبرك عن شيء أخبرته إلى الآنسة دينا ولكنها أعطتني رقمك وطلبت مني أن أتحدث معك بنفسي  .

بدأ الشك يراود داغر لذا تساءل بملامح متحفزة  :

- اتفضل سامعك  !

ازدرد لوتشو لعابه وتنفس بعمق يفكر قليلًا وحينما هبت نسمـ.ـا.ت دينا ونعومتها على عقله تحدث بجدية  :

- أنا أحب الآنسة دينا وأريد الارتباط بها بشكلٍ رسمي  .

صمتٌ كلي اجتاح داغر وجعله يطالعه ببلاهة كأنه نطق طلبه بالصينية وليس بالعربية ليتحمحم لوتشو بحرجٍ ويتابع  :

-  أعلم أن الأمر يبدو معقدًا قليلًا ولكن دعني أخبرك أولًا أنني مسلم  ،  وأني حقًا أحببتها  ،  هي لطيفة وخلوقة وجادة وأنا لا أبحث عن صفات أكثر من هذه في شريكة حياتي  ، وأيضًا أنا أسعى للاستقرار هنا  و  ...   ربما هذه أمور تريحك قليلًا  .

صمت حينما وجد داغر على حالته وربما تبدلت ملامحه للانزعاج لذا شعر لوتشو بالحزن ليتحمحم داغر ولا يعلم ماذا عليه أن يقول ولكن بالطبع طلبه سيقابل بالرفض لذا تنفس بقوة كي يجيبه وقال  :

- هو يعني إنت ليك كل الاحترام طبعًا بس الموضوع جه فجأة  ،  يعني بصراحة ماكنتش متوقع  .

أومأ لوتشو يبدي تفهمه ويجيبه بنبرة لينة برغم حزنه  :

- نعم أعلم أنك تفاجأت بالأمر ولكن معك كل الوقت لتفكر  .

ابتسم داغر بتكلف وأومأ يجيبه  :

- بإذن الله  ،  خليني أفكر واتكلم مع دينا وهكلمك تاني  .

أومأ له بابتسامة برغم أنه يشعر أن داغر سيرفضه خاصة حينما نهض يردف  :

- فرصة سعيدة يا أستاذ لوتشو  ،  عن إذنك  .

التفت يغادر من حيث أتى وجلس لوتشو يشعر بالحزن ثم أسرع يتذكر ما تعلمه من خبرة في سنوات عمله لذا أخذ نفسًا طويلًا ليهدأ وقال في نفسه  :

- اهدأ لوتشو إن لم يقبل اليوم سيقبل غدًا وأنت ستحاول  ،  لن تتخلى عنها أبدًا  .

❈-❈-❈

في سيارة يسرا

جلست منال تجاورها والصغيران في الخلف حيث قررت الأولى أن تصطحبهما اليوم في نزهة ترفيهية وقررت منال أن تذهب معهما  .

تحدثت يسرا بسعادة بالغة وترقب  :

- ها يا ولاد تحبوا نروح فين الأول  ؟

أردف مالك بحماس وهو يصفق  :

- نروح الملاهي أو حديقة الحـ.ـيو.ان  .

قاطعته الصغيرة تعترض قائلة بعبوس  :

- لا يا خالتو يُسلا خلينا نلوح الأول عند المول زي ما كنا بنلوح مع ماما  .

تحدثت منال بحبٍ وهي تلتفت تنظر لهما  :

- اتفقوا على مكان واحد علشان خاطر مش نتعب خالتو يُسلا  ،  يوه قصدي يسرا الله يسامحك يا رؤية لساني اتعوج  .

ضحكوا ثلاثتهم عليها وخاصةً الصغيرة التي تعالت ضحكاتها بسعادة فانتعش قلب يسرا وأردفت  :

- خلاص يا خالتو منال اللي هما عايزينه  ،  نروح المول الأول نفطر وبعدين نروح الملاهي  ،  وعلى فكرة يا مالك فيه ملاهي في المول بردو  .

اعترض مالك يجيبها باحترام  :

- عارف يا خالتو بس دي بتاعة أطفال صغيرين  ،  أنا كبرت عليها  .

ابتسمت له بحب وأومأت وقادت إلى حيث المجمع التجاري  .

❈-❈-❈

توقف دياب أمام عيادة طبيب الأطفال وترجلا سويًا يتجهان نحو الداخل  .

تشعر بنشوى من وجود دياب معها خاصةً وهي تراه يتولى عنها دفع رسوم الكشف وإملاء اسم الصغير  .

جلسا سويًا في الاستراحة ينتظران دور الصغير الذي يتلوى بين يديها فاستمرت تهدهده وعينيها مسلطة على دياب الذي قرر تجاهلها  ،  ليطمئن فقط على هذا الرضيع ثم سيغادر  .

وجدته يلتقط هاتفه ويتحدث مع يسرا يخبرها بما حدث ثم أغلق فشعرت بضيق يقتحم نشوتها لذا تحمحمت وقالت  :

- مكانش ليه لزوم تدفع الكشف يا دياب  .

نظر للصغير ثم لها وأجابها بثقل  :

- مش هنتكلم في حاجة زي دي دلوقتي  ،  المهم نطمن على الولد  .

أومأت بتفهم والتزمت الصمت حينما صدّر لها الجدية ليدخلا بعد دقائق إلى الطبيب الذي رحب بهما واستفهم حالة الصغير فبدأ بفحصه ليتبين له أنه يعاني من التهابات كثيفة بين فخديه تؤرقه وتجعله يبكي لذا نظر إلى رحمة بتعجب وأردف  :

- طفل زي ده إزاي تسبيه كدة  ؟  الالتهابات دي أكيد ماظهرتش فجأة  .

تحدثت مدافعة ببرود  :

- أيوا هي ظهرت من أسبوع واشتريت كذا نوع كريم على أساس تخف بس لقيتها بتزيد لكن مـ.ـا.توقعتش أنه بيعـ.ـيط من كدة  .

أتى الجواب من دياب الذي لم يحتمل برودها واستهتارها ليردف  :

- مهو ده السبب  ،  يعني إيه تدهني كذا نوع كريم لطفل زي ده ؟ 

هو محق وهذا ما دار في عقل الطبيب لذا قال بنزق  :

- طيب ولما حضرتك فاهم ده ماعرفتش المدام ليه  ؟

التفت دياب يستنكر ظنه ويجيبه  :

- لا يا دكتور مدام رحمة جارتي مش أكتر  .

أومأ الطبيب بتفهم ووضع من عبوة كريم ملطف على ساقي الصغير ثم اتجه نحو مكتبه وتبعه دياب ووقفت رحمة تهنـ.ـد.م ملابس الصغير الذي بدأ يهدأ بفعل الملطف ثم اتجهت تجلس مقابل دياب وتستمع إلى نصائح الطبيب أو لا تستمع  ،  عينيها على الطبيب وعقلها يفكر في دياب  ،  إنه أب رائع بلا طفل  ،  وابنها طفلٌ رائع بلا أب ، معادلة تستحق المغامرة  .

❈-❈-❈

في فرنسا

جلست ديما في مكتبها تشعر بالملل بعض الشيء خاصةً وهي وحدها هنا ولم تتآلف مع من في الخارج  .

لقد انتهت للتو من مقال دامت كتابته لأكثر من ساعتين لذا فردت ظهرها الذي آلمها ونظرت حولها تتنفس بعمق لتنهض بعد دقيقة تنوي الذهاب إلى الحمام  .

اتجهت تفتح باب مكتبها وتحركت بين الجميع الذين يباغتونها بنظرات ثاقبة متفحصة ومترقبة  ،  بعضهم معجب كالرجال وبعضهم بسعر بالنفور كالنساء  .

تجاهلتهم ودلفت الحمام لتقف أمام مرآة الحوض ثم فتحت الصنبور تلتقط حفنة من المياه وانحنت تغمر بها وجهها لتزيل أثار التعب والإرهاق ثم اعتدلت تنظر لملامحها المشرقة ومدت يدها تنتزع محرمتين من الجوار وتجفف وجهها لتقف أمام نفسها تفكر  ،  لمَ عليها أن تكون بين وسطٍ يفترض أن تشعر بالرهبة بينهم ولكن هذا لا يحدث معها  ،  بل أنها تشعر بالتميز  ،  تشعر بحدودٍ وضعها أحدهم لا يمكن لهؤلاء تسلقها وإلا سيتلقون عقابًا لاذعًا   .

شعور الراحة الذي يتوغلها لا تستطيع تفسير كنهه ولكنه بالفعل يسكنها  .

زفرت بقوة وعدلت حجابها تبتسم لنفسها ابتسامة محفزة  ، هي قوية بكل ما مرت به حتى هذه اللحظة  ، هى متميزة ومحظوظة ويجب أن تفكر دومًا على هذا الأساس  .

تحركت نحو الخارج لتعود ولكن في طريقها أوقفها نسيم يشير لها ويبتسم فتوقفت تطالعه متسائلة فأشار لها أن تتقدم ففعلت بحرج لتجده ينهض من مكتبه ويقف قبالتها متسائلًا بترقب وعينيه تفحصها  :

- في حاجة مضيقاكي ولا إيه  ؟  شكلك زهقانة  ،  تحبي نطلع نتمشى شوية  ؟

تعجبت من وده الزائد معها ولكنها لم تعتد العبوس لذا ابتسمت بلطفٍ تجيبه  :

-  شكرًا يا أستاذ نسيم على ذوقك بس حقيقي أنا ورايا شغل  .

انزعجت ملامحه يردف بابتسامة واستنكار  :

- أستاذ نسيم إيه بس  ؟  احنا هنا مصريين زي بعض قوليلي يا نسيم عادي  .

التفتت تنظر للجميع ثم عادت تطالعه وتساءلت بتعجب متجاهله ودهُ  :

- هو مافيش هنا عرب غيرنا  ؟  يعني أنا عرفت إن معانا عرب كتير بس مش شايفة ده هنا  ؟

أومأ يجيبها بالقليل من التعجب والكثير من التوضيح   :

- بصي هو ده المقر الأساسي والمجلة ليها فروع كتير وكل فرع فيه شخص مسؤول عنه أستاذ ثائر هو اللي عينه ووزع الجنسيات العربية على الفروع التانية وكان صعب إن جنسية عربية تشتغل في الفرع هنا مع أستاذ ثائر بنفسه علشان كدة زي مانتِ شايفة كل اللي هنا فرنسيين لكن قبل ما تيجي بأسبوع لقيت أستاذ ثائر نقلني هنا ولحد دلوقتي ماعرفش ليه بس أكيد دي حاجة تفرح  .

- بس شكلك هترجع الفرع اللي كنت فيه تاني  .

قالها ثائر الذي ظهر فجأة يقبض على كتف نسيم ويضغط بصلابة فتحمحم نسيم يطالعه بحرج وانتفضت ديما على أثر نبرته التي فاجأتها وطمأنتها في آنٍ لتطالعه حيث الهيبة تنبعث من حوله بل أنها انتشرت في المكان في حضوره لذا تنفست بعمق بينما أردف نسيم يوضح  :

- ليه بس يا أستاذ ثائر أنا كنت بجاوب على سؤال ديما  .

باغته بنظرة حادة وملامح جليدية ونطق محذرًا  :

- أستاذة ديما  .

ثم التفت لها وأكمل بنفس ملامحه مع اختلاف نظرة عينيه التي تبددت حدتهما  :

- ياريت نخلي الأسئلة بعد الشغل  ،  ده غير إن نسيم ماعندوش الإجابة اللي إنتِ مستنياها  .

أومأت بتفهم وتفاجأت بأنها لم تستطع التنفس لتوقن أنّ ظهوره حابسٌ للأنفاس لذا قالت مسرعة  :

- تمام عن اذنكوا  .

تحركت بعدها نحو مكتبها ودلفت تطلق العنان لأنفاسها ووقفت تستند على ظهر الباب وتفكر في أمر هذا الرجل لذا نفضت رأسها سريعًا وتحركت نحو مكتبها لتحاول إشغال وقتها في أي شيء   .

❈-❈-❈

دلف منزله ينادي بحدة خاصة وأنه يعلم أن الصغيران ليسا هنا   :

- ديــــــــــنا  ؟  إنتِ فين  ؟

كانت تلتزم غرفتها وتفكر بعبوس خاصةً وأن لوتشو أخبرها للتو بما قاله داغر  ،  ها هو التسلط الذي خافت منه لذا انتفضت حينما ناداها وترجلت تتجه إليه وما إن فتحت باب الغرفة حتى وجدته أمامها يطالعها بعمق ويستطرد بغضب  :

- فهميني بقى كدة اللي حصل إيه  ؟  وإزاي مديرك الصيني ييجي يطلب إيدك مني  ؟

تكتفت ووقفت بثبات تجيبه بهدوء رسمي  :

- مش هو ده الصح يا داغر  ؟  إنه يدخل البيت من بابه ويطلب إيدي منك  ؟  زعلان ليه بقى  ؟

لمح القبول في عينيها وسمعه في نبرتها لذا تهاوى قلبه لأجلها وتحدث بهدوء يخفي ضيقه وخوفه  :

- عادي جدًا  ،  ما كمال دخل البيت من بابه وطلب أختي من أبوها  ،  هو كل اللي يدخل البيت من بابه يبقى راجـ.ـل  ؟

تـ.ـو.ترت نظرتها وتحمحمت ثم التقطت نفسًا قويًا تجيبه  :

- بص يا داغر أستاذ لوتشو إنسان كويس ومحترم وعمره ما اتعامل معايا بشكل سيء ولا أنا أصلًا هسمح له بس هو طلب إيدي على سنة الله ورسوله فيها إيه يعني  ؟

نطقتها بجدية جعلته يتعجب ويستنكر نسيانها لهويته وعالمه المختلف لذا نطق باندفاع  :

- هو إيه اللي فيها إيه  ؟  إنتِ اتجننتي  ؟  سيبك من إن اسمه لوتشو  ،  هتتجوزي صيني  ؟  صيني يا دينا  ؟

برغم غضبه إلا أنها كادت أن تبتسم لتتمالك نفسها وتسأله مستفسرة  :

- وإيه يعني صيني يا داغر إحنا في 2025 دلوقتي مافيش الكلام ده  .

حدجها بنظرة غاضبة لا يصدق ما تقوله لذا دار حول نفسه يمسح على وجهه ويستغفر مرددًا  :

- استغفر الله العظيم وأتوب ةاليه  ،  يا مثبت العقل والدين يارب  .

عاد يطالعها ويردف مستنكرًا  :

- يابت دول بياكلوا الصراصير وإنتِ ساعة ما بتشوفيها بلاقيكي ناطة على كتفي  ،  هتتجوزيه إزاي ده  ؟

تخيلت هيأتها حينما تلمح تلك الحشرة وتخيلت هيأة لوتشو وهو يلوكه بين أسنانه لذا ارتعشت وانكمشت ملامحها باشمئزاز وهزت رأسها تنطق باستنكار  :

- لاء  ، أكيد لاء مش بياكلهم  ،  مستحيل  .

تعلق بحجته واقترب منها يؤكد  :

- لا بياكلهم طبعًا مش صيني  ؟  وبعدين ياريتها تيجي على أد الصراصير بس، ده كمان بيعملوا الضفادع شوربة  ،  ولا الخفافيش اللي أكلوها من هنا وبخوا ع العالم كورونا من هنا  ،  إنتِ يابنتي غاوية غُلب ؟

شردت قليلًا تفكر في كلمـ.ـا.ته  ،  بالفعل عليها أن تتحدث معه عن طباعه وطريقة حياته  ،  من المؤكد لا يأكل هذه الحشرات ولكن  ...

لاحظ شرودها فزفر بقوة يسترسل بنبرة هادئة   :

- يا دينا أنا مافيش في حياتي كلها أغلى منكوا  ،  ديما شافت كتير وكنت عاجز إني أخلصها من إيد اللي اسمه كمال ده لحد ما ربنا كرمها  ،  إنما إنتِ لاء  ،  مش هسمح إن حد ياخدك مني ويتعبك في حياتك أو يزعلك  ،  إنتِ بنتي مش أختي ولو إنتِ مش عارفة قيمة نفسك فأنا عارفها كويس  ،  اقفلي ع الموضوع ده بقى  .

التفت ينوي التوجه إلى الأريكة وبالفعل جلس فاتجهت تجلس أمامه وتسترسل مستفيضة  :

- ماينفعش أقفل الموضوع ده يا داغر  ،  دي حياتي ولازم يكون ليا رأي فيها  ،  أنا مقدرة خوفك عليا جدًا بس أنا مش شبه ديما ولا شبه ماما  ،  أنا عارفة كويس هتعامل مع شريك حياتي إزاي  ،  وبعدين أنا ولوتشو دماغنا عملية والشغل هو كل أولوياتنا  ،  وبالنسبة لطباعه وحياته أكيد هتكلم معاه فيها ومـ.ـا.تقلقش هنكون متوافقين لإنه مسلم زيي  ،  ده غير إنه هيستقر هنا  ،  أنا شايفة إن مافيش أي سبب يخليك ترفض  .

رفع سبابته يجيبها بنفاذ صبر  :

- كل اللي قولتيه ده يخليني أرفض  ،  إنتِ فعلًا مش زي ماما ولا زي ديما  ،  إنتِ بتغرقي في شبر ميه ولا علشان اتعينتي في شركة صينية وبقى ليكي كاريرك مفكرة إنك ناصحة ؟ ،  وبعدين يعني إيه كل أولوياتكوا الشغل إنتوا مكن ولا بشر  ؟  اعقلي الكلام كويس  .

زفرت بضيق ثم جابهته تستطرد  :

-  لا طبعًا مش بغرق في شبر ميه وبعرف أتصرف كويس  ،  إنت بس اللي شايفني لسة صغيرة ومسؤولة منك بس أنا كبرت يا داغر  ،  وزي ماقلتلك أنا هتكلم معاه وهنلاقي حل وسط  ،  لو سمحت خليك إيجابي وحاول تتقبله علشان ماما هي كمان تتقبله  .

نظر لها والتمع الحزن في عينيه لذا زفر ونطق بترقب  :

- بس إنتِ مش هتتكلمي معاه يا دينا  ،  ومن النهاردة مافيش شغل عنده تاني   .

اتسعت حدقتاها وفرغ فاهها لا تصدق أنه يمنعها من عملها لذا هزت رأسها ونهضت تجيبه بنبرة ثابتة  :

- مش هيحصل يا داغر  ،  وإزاي أصلًا تقول كدة  ؟  إزاي تاخد قرار عني  ؟  أنا مستحيل هسيب شغلي  .

أمعن النظر فيها وازدرد ريقه  ،  ربما تسرع حقًا بعدم ذهابها للعمل ولكنه يخشى عليها لذا نطق يتساءل بترقب وحزن  :

- هتكسري كلامي يعني  ؟

وضحت ما لديها مردفة  :

- مش تكسير كلام بس إنت محتاج تفهم إن من حقي آخد قرارات حياتي بنفسي  ،  أنا مابقتش صغيرة يا داغر  .

نهض يقف قبالتها ويواجهها بنظراته لبرهة من الزمن ثم أومأ يردف بهدوء حزين  :

- تمام يا دينا  ،  اعملي اللي يريحك  .

تحرك يغادر المنزل بضيق ووقفت تتلوى بين أنياب الذنب  ،  تدرك جيدًا أن جُل ما يفعله نابعًا من خوفه عليها ولكن خوفه غير مبرر  ،  لوتشو إنسان جيد فلمَ يخاف  ،  لن تتألم طالما هي تفكر بعقلٍ عملي  .

❈-❈-❈

في المجمع التجاري

جلست يسرا تقابلها منال في المقهى المقابل للملاهي تنظران إلى الصغيران اللذان انـ.ـد.مجا في الألعاب  .

التفتت منال تقابل يسرا بابتسامة لطيفة وتقول  :

- ت عـ.ـر.في لولا مكالمة ديما لينا أنا ماكنتش طلعت  ،  هي يا حبيبتي هونت علينا بدل ما احنا اللي نهون عليها  ،  بس لعله خير  .

أومأت يسرا مؤيدة تجيبها  :

- أكيد خير يا خالتو منال  ،  ديما دلوقتي محررة وكاتبة في مجلة فرنسية كبيرة وصدقيني الفرص اللي هتقابلها هتكون عوض عن اللي حصل معاها هنا  .

أومأت مؤيدة ثم عادت تنظر للصغيرين لتجد رجلًا يظهر أمامها ويتحدث فجأة  :

- أزيك يا منال  .

التفتت تطالعه لتجده طليقها الذي لم ترهُ منذ زمن لتجمدها صدمة رؤيته لثوانٍ ثم أجابته على مضض وهي تحيد بنظراتها :

- الحمد لله  .

زفر ونظر للصغيرين يشير عليهما متسائلًا بابتسامة ممتعضة   :

- دول ولاد ديما صح  !   ينفع كدة تسافر وتسيبهم  ؟  وأعرف من الناس الغريبة ولا كإن ليها أب  ؟

انزعجت من حديثه ونهضت تواجهه قائلة باستنكار  :

- أب إيه  ؟  دانت مش عارف شكل عيالها يا محسن  ،  خليك في ولادك اللي معاك ومـ.ـا.تشغلش بالك بينا خالص زي مـ.ـا.تعودت  .

نظر إلى يسرا وسألها يشير نحو منال ويدعي المسكنة  :

- يرضيكي اللي بتقوله ده  ؟

باغتته يسرا بنظرة غاضبة شملته بها لذا تحمحم وعاد ينظر إلى منال نظرات متفحصة ثم استرسل بنبرة خبيثة  :

- ماهما ولادك اللي بيصدوني كل ما أحاول أقرب يا منال وانتِ مش بتحنني قلبهم عليا  .

حينما شعرت أن جزءًا ملعونًا منها سيتأثر بنظراته ونبرته التفتت تنظر لحفيديها وتصيح بغضب  :

- يالا يا مالك هات أختك وتعالى  .

انتشلت حقيبتها وأشارت إلى يسرا بأن يغادروا وبالفعل تركته يقف يطالع أثرها وهي تسحب الصغيران مع يسرا وتغادر المكان بأكمله ليزفر بضيق حيث أنها لم تعد تتأثر بوجوده وهذا لم يرُق له  ،  إنها تتعافى من حبه الملعون  .

❈-❈-❈

بعد عدة أيام

قضتها ديما بين المنزل والمكتب والحديقة التي اتخذتها وسيلة ترفيه وجلسة قراءة لها .

قرأت الكثير وجمعت الكثير من البراهين التي ستستعملها في مناظرتها أمامه .

استشفت القليل عن شخصيته ، يحب الانضباط في العمل والمواعيد ، لا يعرف للمرح سبيلًا ، دائم العبوس كأنه يخفي ماضٍ حزينًا مثلًا !

ضحكت عاليًا على نفسها فهي تخفي ماضٍ حزينًا ولكنها ليست عابسة بل على العكس الابتسامة لا تفارق محيّاها حتى أنها باتت توزعها عمن هم يؤيدونه في أفكاره فباتوا يتقبلونها نوعًا ما بعدما كانت تشعر بينهم بالغربة .

جلست خلف مكتبها تعدّل أواخر قصتها كي تسلمها له حتى يتم نشرها ومن ثم تبدأ المناظرات بينهما .

انتهت وأرسلتها عبر بريده ثم زفرت بقوة وفردت ظهرها على المقعد تتلوى بملامح منكمشة حيث تصلب ظهرها وآلمها مجددًا .

نهضت تخطو نحو النافذة المطلة على المكتب الخارجي وتلاحظ حركة المحررين من حولها لتجد صبيًا يدلف المكتب مرحبًا بالجميع فيبدو أنه يعرفهم حيث أنهم يبادلونه بحبور .

قطبت جبينها حينما وجدته يتجه نحو مكتب ثائر لتردد على لسانها بخفوت :

- ابنه ؟

هو لم يظهر ابنه على المواقع قط ولكنها تعلم أن لديه طفل من طليقته لذا أدركت أنه بالفعل ابنه ليسحبها رنين هاتفها من تتبعه لذا عادت لمكتبها تستل هاتفها قبل أن تبتسم وتفتح الخط مجيبة على صديقتها ليان  :

- لينو  ،  حشـ.ـتـ.ـيني و  يا بنت  .

أجابتها ليان بحبور  :

- وانا ولهت عليج وايد  .

ابتسمت ديما وجلست على مقعدها لتسألها ليان بترقب  :

- ارمسي يالا عن هالريال الغامض  ،  رفيجاتي كلهم يقولون يا بختج يا ديما  .

تعجبت ديما من حوارها ونطقت باستنكار  :

- يا سلام  ؟  مش للدرجادي يعني  ،  هو الغموض أصلًا صفة مش حلوة  ،  مافيش أحسن من الإنسان الواضح  .

أومأت ليان تؤيدها الرأي وتجيبها  :

- هيه صح  ، لكن بالرغم من شِذي خاقين عليه  .

أتبعت جملتها بضحكة عالية جعلت ديما تهز رأسها بقلة حيلة وتشاركها الضحك ثم بدأت تتحدث معها عن عملها قليلًا والأخرى تحاول معرفة أي شيءٍ عن ثائر تخبره لصديقاتها الأخريات  .

❈-❈-❈

وصل منذ ساعة إلى مقر القناة هو وزينة التي ألزمته باصطحابها  .

جلس معهما المعد يوضح لهما كيف سيجري اللقاء الذي سيبدأ بعد قليل  .

تركهما بمفردهما فلكزته في ذراعه تردف بتحذير  :

- كمال ركز كويس في اللي هتقوله  ،  أديك شوفت الهانم طلعولها في كتابها بلاوي إزاي  ،  أوعى تقول حاجة كدة ولا كدة  .

أومأ يؤيد حديثها ولكنه يجهز كلمـ.ـا.تٍ لن تروق لها  ،  من المؤكد سيحدث عاصفة لا يعلم هل سيخرج منها سليمًا أو لا ولكنه ينظر لهدفٍ أبعد الآن لذا لا تهمه العواقب  .

ناداهما المعد فتحركا سويًا نحو الاستوديو وجلسا على أريكة ينتظران وصول المذيعة التي أتت بعد قليل ترحب بهما وجلست أمامهما بانتشاء حيث ستحصل على حلقة فريدة من نوعها، وها هو يبدأ البث  .

ألقت مقدمتها ورحبت بهما وعرفتهما للمشاهدين ثم نظرت إلى كمال وسألته بمهنية  :

- أستاذ كمال أكيد إنت ليك رأي في كل اللي بيحصل حاليًا على السوشيال ميديا خصوصًا إنك طليق الأستاذة ديما الصابر  ،  ممكن تشرحلنا أكتر عن حياتك معاها كان شكلها إيه؟ وتوضح للناس أكتر عن شخصيتها  ؟

شبك كفيه ونفش كتفيه ينظر إلى الكاميرا بعمق ويردف  :

-  هو أنا بصراحة لحد دلوقتي مش عارف الشوشرة اللي حصلت معاها دي كلها ليه  ؟  وبعدين دي مهما كان أم أولادي وجمعنا مع بعض أكتر من تمن سنين  ،  شوفت منها خير أو شر ده مايهمش حد  ،  هي ست محترمة وليها مني كل التقدير وبعدين يكفي إنها شالت أمي في تعبها  .

اشتعلت نيران سعرة في قلب زينة وباغتته بنظرة مصدومة وانزعجت المذيعة منه حيث أنها لم تكن تريد سماع هذا بل تمنت لو تثير الجدل بهذا اللقاء لذا نطقت بغيظ مكبوت  :

- طب لما هي كويسة كدة وزي ما بتقول شالت والدتك ليه اتطلقتوا  ؟  أو بمعنى أصح ليه خلعتك  ؟

نطقت زينة باندفاع وغضب تقطر من نبرتها بعدما صدمها دفاعه عنها  :

- لإنه اتجوزني يا أستاذة  ، أصلها ماكنتش بتديه حقوقه   ،  مـ.ـا.تتكلم يا كمال  ؟!

التفت يطالعها بنظرات حادة ويردف بهيمنة ظاهرية  :

- اسكتي يا زينة  .

التفت نحو المذيعة يسترسل بذكاء  :

- يا هانم لو جايبيني هنا وعايزيني أغلط في أم أولادي مش هيحصل  ،  أنا واحد بتقي الله وكان بينا أيام حلوة لازم اقدرها  ، وبالنسبة للخلع هي عملت كدة لإني كنت رافض أطلقها بعد ما اتجوزت وأظن ده حقي  ، غير كدة ماعنديش كلام أقوله  .

تجهمت ملامح المذيعة والتفتت نحو زينة ربما هي التي ستعطيها ما تريد لذا نطقت  :

- طيب حضراتكوا وافقتوا على اللقاء ليه  ؟ مش إنتِ بلغتيني إنك عندك كلام كتير تقوليه  ؟

التفتت زينة تنظر إلى كمال الذي يحذرها بعينيه ألا تخطىء  ، لقد كانت تحذره قبل أن يدلفا والآن تبدلت الأدوار ولكنها تشعر بالنيران تلتهمها مما قاله عن تلك الديما  ، خاصةً لو أنها سمعت كلامه عنها لذا عادت تلتفت وتقابل المذيعة قائلة بغضبٍ مكبوت وتوعد سافر  :

- ماعنديش كلام بعد كلام جوزي يا أستاذة  .

ابتسم بتباهٍ واستراح في جلسته أكثر لتضطر المذيعة للخروج إلى فاصل كي تنهي اللقاء معهما وتحاول إصلاح الأمر وربما هذا اللقاء لم يكن مثمرًا كما ظنت ولكنه سيحدث ضجة بكل تأكيد  .

❈-❈-❈

لم تلاحظ الرسالة التي أرسلها لها يطلب حضورها إلا بعدما أغلقت مع صديقتها لذا تـ.ـو.ترت حيث أنه طلبها منذ عشر دقائق ولم تنتبه .

خطت تغادر مكتبها واتجهت إلى مكتبه ثم طرقت الباب ولفت المقبض لتدلف وما إن خطت قدميها في الداخل حتى وجدتهما يقفان في مواجهة بعضهما تدور بينهما جولة ملاكمة عفوية .

لاحظها ثائر ولكنه استمر في تدريب ابنه الذي يتوغله الحماس لذلك وقفت تتكتف وتشاهدهما بتركيز وإعجاب وشردت في طفليها اللذان حرما من حنان الأب وحمايته لذا التمعت عينيها فورًا وتنفست بعمق ليطرأ على عقلها داغر الذي كان ومازال نعم الخال لهما بل أنه حل محل الأب لذا لا يحق لها أن تحزن .

ابتسمت تزامنًا مع لمعة عينيها فباتت رائعة وحينما لكم معاذ والده لكمة في معدته رفعت كفيها تصفق له وتشجعه فالتفت الصغير يطالعها بتعجب فنطقت بالفرنسية تبتسم له :

- Bravo

التفت معاذ يطالعها بجبين مقطب فبادله والده بلكمة مفاجأة يردف :

- ركز على هدفك وإلا خسرت .

ابتسم صغيره وأومأ فابتعد ثائر يعود لمكتبه ويطالعها متسائلًا بلغته الأم تحت أنظار ابنه المندهشة :

- بعتلك من عشر دقايق ، اتأخرتي ليه ؟

تتبعت الصغير بعينيها ثم أجابته بهدوء :

- أسفة كان معايا مكالمة وماشفتش الرسالة ، ده ابنك ؟

تساءلت بابتسامة أرسلتها لمعاذ الذي وقف يطالعها بتعجب حيث أنها تتحدث مثل أبيه لذا أشار نحوها بيده ونطق بتعثر لفظي وهو ينظر لوالده باندهاش :

- مصرية ؟

اومأ له ثائر بابتسامة هادئة وأجاب ديما التي هزت رأسها للصغير :

- أيوة معاذ ابني .

ثم نظر إلى معاذ وتحدث بالفرنسية الأسهل إليه :

- هذه أستاذة ديما يا معاذ ، تعمل معنا منذ فترة قصيرة وهي من مصر ، هيا رحب بها .

اتجه الصغير يبادلها السلام بترحاب فرحبت به بحبور وعاطفة جعلتها تعانقه لا إراديًا تحت نظرات ثائر واندهاش الصغير المتسمر الذي ابتعد يطالعها بعمق ثم ابتسم والتفت لوالده يتساءل بترقب :

- دعنا نأخذها معنا في جولة ملاكمة يا أبي  ! إنها لطيفة .

ابتسمت ديما تجيبه بالفرنسية وتنحني بنبل :

- شكرًا لك معاذ ، أنت أيضًا لطيف ووسيم جدًا .

- يشبه والده .

نطقها ثائر بجدية محاطة بالخبث وهو يتلاعب بقلمه المرتكز على المكتب وأبعد عينيه عنها حينما اعتدلت تطالعه باستكشاف حيث أنها ترى جزءًا جديدًا منه لذا تنفست بعمق وتساءلت :

- حضرتك كنت عايزني في إيه ؟

عبث بحاسوبه واتجه معاذ يجلس أمامه ، يتفحص شيئًا ما وهي تقف تطالعه بدقة وتنتظر حديثه لذا نطق بعدما سلط مقلتيه في حدقتيها :

- إيه رأيك لو نغير اسم القصة ؟

قطبت جبينها تتساءل وتجيب بقناعة :

- ليه ؟ بالعكس أنا حابة الاسم جدًا .

أجابها بثبات ونبرة رصينة ذات مغزى :

- لنسميه امرأة السلام .

تعجبت تجيبه وهي تفرك كفيها تـ.ـو.ترًا من نظراته التي تجردها :

- بس ده لقبي  ؟

- ودي قصتك ومن وجهة نظري إن الاسم لازم يكون قوي وفيه تحدي زي القصة .

أجابها بمغزى جعلها تتحرر من نظراته وتنظر إلى معاذ الذي انشغل بهاتفه لذا تنفست بعمق ثم عادت إليه تردف ببعض الضيق من تسلطه :

- أنا مش حابة أغير اسمها وشيفاه مناسب جدًا ، لو حضرتك مش حابب الاسم يبقى بلاش ننشر القصة أصلًا ، ممكن ارجع مكتبي !

حصل على ما يريده وهو إصرارها على ما تريده لذا أومأ لها دون حديث فعادت تنظر إلى معاذ وتحدثه بالفرنسية :

- أراك قريبًا معاذ .

لوحت له بيدها وفعل مثلها يبتسم لها وهي تغادر المكتب تحت أنظاره  .

❈-❈-❈

ليلاً جلست على أريكتها تتحدث مع والدتها مكالمة مرئية والأخرى تخبرها عن أحداث اليوم  .

ابتسمت ديما وتساءلت بحنين ولهفة  :

- والولاد اتعشوا قبل ما يناموا يا ماما  ؟  أصلهم ناموا بدري النهاردة  .

أردفت منال مطمئنة  :

- الولاد زي الفل مـ.ـا.تشليش همهم  ،  هما ناموا بدري علشان مش ناموا بعد الغدا  .

أومأت بتفهم وتساءلت بترقب  :

- ودينا فين يا ماما  ؟

انزعجت ملامح منال تشير برأسها نحو غرفة ابنتها قائلة  :

- جوة في أوضتها  .

- لسة مش بتتكلموا  ؟

أومأت منال وأردفت بحزن  :

- ومش هكلمها علشان تزعل أخوها وتكسر خاطره لأنه خايف عليها وعلى مصلحتها  ،  ولما جيت أكلمها طلعت فيا  ،  عمرين على عمرك يا ديما  .

تنفست بعمق وحاولت تهدأتها من ناحية شقيقتها توضح  :

- يا ماما يا حبيبتي دينا عايزة تفاهم  ،  هي لسة مش مدركة الأمور صح  ،  داغر بردو بيدي ردود أفعال متسرعة وإحنا عارفين إنها بتحب نكبرها وناخد برأيها  ،  ومسألة شغلها بعيدة عن موضوع الارتباط ده مكانش لازم يمنعها عنه .

تنهدت منال بعمق تفكر بتروٍ في كلمـ.ـا.ت ابنتها المنطقية لذا استطردت  :

- أخوكِ بيتصرف بدافع خوفه عليكوا وهي لازم تعرف ده  ،  واحد صيني إيه يا ديما اللي تتجوزه  ؟  دا لا نعرف له أهل ولا أطباع يا بنتي  ،  ييجي ياخد بنتنا كدة ع الجاهز وعايزنا نرحب  ؟

لا تعلم بماذا تجيب والدتها حيث أنها تراها محقة في كثير من الأمور لذا قررت منال تغيير دفة الحديث وليتها لم تفعل حيث نطقت بعفوية  :

- شوفتي اللقاء اللي عمله كمال مع قناة  ***  ؟!

تبدلت ملامح ديما من السكون إلى الضيق وشعرت باختناق يقبض على صدرها لذا أردفت بخفوت  :

- لا يا ماما ماشوفتش ومش هشوفو  .

أدركت منال زلة لسانها لذا أسرعت تطيب خاطرها قائلة   :

- حقك عليا يا حبيبتي  ،  مكانش لازم أقول بس يمكن لإني استغربت إن يطلع منه الكلام ده  ،  على العموم سيبك من كل ده وقوليلي عاملة إيه في شغلك  ؟

حاولت بلع سيرته أو طردها لذا تنفست بعمق ثم أجابتها  :

- الحمد لله يا ماما أموري كلها تمام  ،  يالا أنا هقفل دلوقتي علشان هنام والصبح هكلمكوا  .

أغلقت مع والدتها سريعًا ومسحت على وجهها تستغفر  ،  سيرته تدب الخوف داخلها  ،  الخوف من العودة إلى مدينة ذكريات مشؤومة لا تنتمي إليها  .

حتى التفكير في الماضي يخيفها لذا زفرت بقوة ثم قررت أن تنهض وتتوضأ وتصلي حتى تطمئن  .

❈-❈-❈

على الجهة المقابلة تنفس بـ.ـارتياح وخطا يحمل هاتفه وتسطح على فراشه ليشاهد اللقاء التلفزيوني للمدعو كمال  .

تنبهت حواسه حينما بدأ كمال يتحدث ، بدأت عينيه وأذنيه يعملون بتركيز تام تحت سطوة عقله الواعي.

لقد فاجأه بذكائه حيث أنه توقع أن يخطئ ولكن يبدو أنه يبحث عن هدفٍ آخر ولأن الرجال يفهمون بعضهم استشف مكره بسهولة  .

إنه يريد استقطابها مجددًا ،  نـ.ـد.م ولم يعترف بنـ.ـد.مه بل يتظاهر بالرجولة التي لا تشبهه لا من قريب ولا من بعيد  .

كلمـ.ـا.ته كانت كقنبلة موقوتة في قلب ثائر  ،  يفكر بها  ،  يتذكرها  ،  تلك الحرباء التي تجاوره لم تكفه لينساها  .

يدرك مميزاتها ويعلم أنها مختلفة ولكنه لا يريد لآخر إدراكها خاصة ذلك الحقير كما نعته داخله  ،  اتقدت مقلتيه بنظرة حينما قال كمال ( كان بينا أيام حلوة  )  ولولا أنه تبعده عنه مسافة لا يمكنه تجاوزها الآن لكان عاقبه عقابًا محببًا إليه حيث أنه لن يفلح كزوجٍ بعده .

هذا النذل يريد أن يلفت أنظارها مجددًا بعد كل ما فعله بها  ؟  يحن لها ولذكرياتها  ؟

انتشله اتصال المحامي من توعده ووعيده لذا زفر بقوة وفتح يجيبه بنبرة بـ.ـاردة تنافي ثورته الداخلية   :

- كويس إنك اتصلت  .

ابتسم المحامي لعلمه به وأردف  :

- بس للأسف ماعنديش أخبـ.ـار حلوة  .

أومأ يجيبه بثقل  :

- عارف  ،  ماعرفتش تمسك عليه غلطة ، بس ده مؤقتًا، خلي عينك عليه ده المهم لإنه كدة كدة هيغلط  .

أغلق الخط وألقى الهاتف جواره ثم تنفس بعمق يشبك كفيه خلف رأسه ويفكر ويبتسم بخبث  ،  إن لم يفلح المحامي في عقابه الليلة ستفلح تلك الحرباء التي كانت تشتعل بغيظٍ واضحٍ أمام عينيه  ،  يبدو أن كمال ليلته ستكون الأسوء على الإطـ.ـلا.ق  .
طيف من الحب يداعب مخيلتي
وأنا معك... 
شيئ من الحياة يسري داخلي 
إذا لي تبسمتِ
وإذا اسمي ناديت.. 
وإذا  لي تحديتِ
وانا معكِ... 
كل جراحي تطفو على سطح وجهي
لا لتؤلمني أكثر... 
لكن لتنـ.ـد.مل بحبك... 
وتذيب صقيع المشاعر بداخلي وأكثر
بقلم ( فيروزة) 
❈-❈-❈
منذ أن غادرا سويًا وهي تلتزم الصمت المريب الذي جعله يتركها تعود للمنزل وحدها ومكث في محل عمله إلى الآن . 
اقترب منتصف الليل وهو يفكر كيف يتجنب طوفانها ليجد أن أفضل الحلول هو مكوثه هنا حتى تنام أو تهدأ كي يقنعها بشيء هو غير مقتنع به . 
يأبى الاعتراف بأنه يخشاها ، يقنع نفسه بأن طاعته لها ما هي إلا احتواء لغضبها العاصف خاصةً وأنها تشبع رغباته جيدًا . 
تحرك مضطرًا إلى منزله بعدما غادر العمال ولم يبقَ سواه ، وصل إلى المنزل وكاد أن يدلف من بوابته ولكنه تفاجأ بصوتها يصدح من شرفة شقتها وهي تردف موبخة : 
- استنى عندك إنت داخل فين ؟ 
توقف يرفع رأسه عاليًا يطالعها ليجدها تلقي حقيبة ملابسه من الأعلى والتي ارتطمت أرضًا فانكسرت لتتناثر منها القطع لذا تملكه الغضب وهو يرى ملابسه في الشارع وقد تجمع القليل من الناس من حوله ليروا ما يحدث معه لذا رفع رأسه مجددًا وتحدث بغضب : 
- إنتِ اتجننتي يا زينة ؟ بتعملي إيه ؟ 
قالها وهو يشير على الملابس لتستطرد بنظرات حادة وصوت عالٍ  : 
- احمد ربنا إني بعمل كدة بس، وخد هدومك وروح نام في المحل علشان تفتكر أيام ماكنت بتنام هناك قفاك يأمر عيش وانت مع الحلوة اللي شوفت منها أيام حلوة  ، يا كمولتها  . 
باغتها بنظرة متوعدة ثم نظر حوله إلى جيرانه ولم يجد سواهم ليصدّر لهم غضبه لذا نطق ملوحًا بيده  : 
- بتبص على إيه منك ليه يالا كل واحد على بيته  . 
نفض الجيران أيديهم ووجوههم منه وتحركوا يغادرون وهم يناجون نفوسهم بأن ما يحدث هذا ما هو إلا استرداد حقوق ديما التي سلبها من قبل . 
رفع رأسه مجددًا ليجدها تصفع النافذة وتتركه يتحسر على أيامٍ كان يعيش فيها ملكًا  . 
انحنى يلتقط ملابسه ثم نهض يحملها وتحرك عائدًا إلى محل عمله وهو يفكر كيف يجعلها تنـ.ـد.م وتأتي لتراضيه  ،  كيف سينام الليلة مُعاقبًا  ،  وكيف وصل به الحال إلى هنا  . 
لقد كان يمتلك زوجة هادئة لا يتذكر يومًا أنها رفعت صوتها أمامه أو أهانته أو قللت من شأنه  ،  نعم كانت مُقصرة معه ولكنه أخطأ في وزن أموره  ، لقد باع تقصيرها في إشباعه بوابلٍ من الفضائح التي يخشى أن تقلل من مكانته ذات يوم  . 
لقد وزن الأمور بمكيالٍ غير عادل والآن هو وحده من يعاني فإحدى كفتيه تتنعم في فرنسا والأخرى تتنعم في شقته ولم يستطع إلا أن يقبل  . 
❈-❈-❈
في الصباح 
وقف داغر مع صالح في ورشة عملهما  ،  يعملان بجدٍ وكفاءة عالية  ،  صوت القرآن الكريم يصدح من الورشة فيبعث في نفوسهما ونفوس المارة الطمأنينة  . 
توقفت سيارة أمام ورشته وترجل منها رجلًا يرتدي بدلة سوداء بملامح متجهمة تجهمًا يلازمها ،  التفت الرجل ينظر إلى داغر الذي رفع رأسه يحدق به وقد عرفه جيدًا  ،  هذا هو نبيل الراوي عم بسمة  . 
تنفس داغر بعمق وهو يرى الآخر يقترب منه حتى توقف أمامه يردف من أسفل نظراته التي لم تُخفِ الكره في عينيه : 
- أزيك يا باشمهندس  ،  قلت أجيلك بنفسي يمكن أقنعك  . 
عمت التساؤلات فوق ملامح داغر لذا نطق وهو يرفع رأسه ويتكتف  : 
- هتقنعني بإيه يا أستاذ نبيل  ؟
نظر نبيل نحو صالح الذي لم يعطِه أي اهتمام برغم أنه يوليهما السمع حيث يستعد ليواجهه إذا تعرض لداغر بكلمـ.ـا.ت مؤذية  . 
ليعود إلى داغر ويردف  : 
- ممكن نقعد ونتكلم  ! 
نطقها من طرف لسانه فهو يتمنى لو استطاع حل الأمر بشكلٍ آخر ولكنه لن يخسر ابنة أخيه ولن يخسر أمام هذا الفقير لذا تمهل وتصرف بدهاء وأتى  . 
أشار له داغر نحو المقعد داخل الورشة واتجها يجلسان وتأهبت حواس الأول لينزع الثاني نظارته ويحدق فيه بنظرات ثاقبة قائلًا  : 
- أنا عايزك ترجع المصنع  ،  خلينا نتكلم بصراحة  ،  أنا واحد مسؤول عن منظومة كبيرة زي منظومة الراوي  ،  تحت إيدي ناس كتير وهما كمان تحت إيدهم ناس أكثر ولازم أشوف المصلحة العامة فين  ،  وانت شغلك في المصنع مشهود له بالكفاءة العالية  ،  علشان كدة قلت أجيلك بنفسي واقنعك ترجع  . 
تعجب داغر ولم يقتنع بحديثه لذا تساءل بشكٍ مبطن بالسخرية  : 
- يعني حضرتك جاي تكلمني بنفسك وسايب المنظومة الكبيرة علشان تقنعني أرجع المصنع  ؟  معقول ده يا أستاذ نبيل  ؟ 
ابتسم نبيل ابتسامة خافتة ثم أومأ يجيبه  : 
- بالضبط  ،  وياريت تقبل علشان أقولك على النص التاني من الحوار  . 
- اللي هو إيه  ؟ 
فطنة داغر جعلته يدرك أن وراء كلمـ.ـا.ته هذه كلمـ.ـا.ت أخرى أشـ.ـد خبثًا لذا تأهب يستعد لسماعها فمال نبيل عليه يهس بنظرات مظلمة  : 
- هترجع المصنع تشوف شغلك وبس  ،  مالكش دعوة ببسمة  ،  حاول تتجنبها تمامًا لإن مش نافع بأي شكل  ،  صدقني لو ينفع هفرح بس مش نافع  ،  بص إنت فين وهي فين  ،  الحب ده كلام عيال طايشة مابتفكرش إنما إنتوا واعيين كويس للفروق اللي بينكوا علشان كدة محدش منكم هيصارح التاني بس أنا فاهم  . 
تهاوى قلب داغر داخل جسدٍ متصلبٍ وملامح متجمدة بمقلتين قاتمين واتقدت داخله رغبة في لكمه ولكنه تمالك ليسترسل نبيل بذات النبرة الخافتة  : 
- أنا مش بقلل منك  ،  أنا بحطك قدام مراية الحقيقة  ،  أنا عارف إنك مش طماع وجدع وشهم ووقفت مع بسمة كتير بس فكر كدة لو حبكم ده اتعرف نظرة الناس عليك هتكون شكلها إيه  ،  هتتحمل يتقال عنك جوز الهانم  ؟  هتتحمل يشفوك دايمًا أقل منها  ؟  طيب هتتحمل إنها في يوم من الأيام وبدون قصد ممكن تقولك كلمة كدة ولا كدة  ؟  مهو ده الواقع يا داغر وانا بفكرك باللي نسيته  ، أنا يهمني مصلحة بنت أخويا علشان كدة لازم احطك قدام الواقع  . 
طعن قلبه بسكينٍ صدِئ لذا انتقم سريعًا لكرامته حيث أردف بشموخٍ استعصى على حالته  : 
- معلش لحظة علشان انت فاهم غلط  ، هو مين قالك أصلًا إني بحب بسمة  ؟  بسمة صديقة مش أكتر وأنا بتصرف معاها بأخوة  ،  كلامك ده كله مالوش أي لازمة  . 
نجح نبيل في رسم خطته وجني حصادها  ،  ها هو داغر ينتقم لكرامته مثلما توقع ولن يقترب مجددًا من بسمة لذا نهض يردف  : 
- ممكن فعلًا أكون فسرت عدم رجوعك المصنع إنه بسبب كدة  ، بس بما إنك بتعتبر بسمة صديقة يبقى ارجع وواصل شغلك  ،  هستنى أشوفك قريب هناك  ، واطمن بسمة في الأول والآخر بنت أخويا وماحدش هيخاف عليها أكتر مني   . 
غادر بعدها وترك خلفه بركانًا ثائرًا على وشك الاندلاع ليتحرك صالح نحوه ويردف معاتبًا  : 
- إنت ليش حكيتله اللي جاي يسمعه  ؟  معقولة يا داغر ما لاحظتش خباثته  ؟ 
بجسدٍ مشتعلٍ أجابه  : 
- يسمع بقى ولا مايسمعش هي دي الحقيقة يا صالح  ،  نقطع عرق ونسيح دمه علشان نخلص  ،  الموضوع ده مستحيل يحصل وسيبك بقى من الزفت القلب  ،  ملعون أبوه  . 
اندفع بعدها يغادر الورشة  ،  يغادر الشارع  ،  يغادر المنطقة بأكملها  ،  جُل ما يريده الآن هو إطفاء نيرانه المشتعلة داخل صدره  . 
قلبه يؤنبه على بسمة التي سيتركها في طريقٍ وعر وكرامته تأبى العودة وعقله يقنعه بكلمـ.ـا.ت نبيل المسمومة  ،  إنها في نهاية المطاف ابنة أخيه  . 
❈-❈-❈
جلست دينا في كافتيريا الشركة يقابلها لوتشو الذي أراد أن يتحدث معها  ،  لم تعد تبالي بنظرات زملائها فهم في كل الأحوال يغتابونها لذا نادته لتتحدث معه أثناء استراحة الغداء  . 
جلس ينتظر حديثها فتحمحمت وبدأت تلقي أسئلتها  : 
- أنا حابة أتعرف عليك أكتر  ، أعرف طباعك  ،  عاداتك  ،  عيلتك  . 
انفرجت أساريره فما سؤالها إلا شبه تأكيد له على أنها تتقبله لذا ابتسم وتحدث بنبرته  : 
- بالطبع يجب أن أخبركِ عني الكثير  ، مثلًا عائلتي التي تعيش في بكين  ،  لدي أمًا رائعة ووالدي وشقيقاي هم من يديرون الشركة الأُم هناك  ،  لدي شقيقة متزوجة من سيو المدير التنفيذي للشركة هنا كما تعلمين  . 
أومأت فهي تعلم أن مدير الشركة هو زوج شقيقته لذا تنفس بعمق يتابع  : 
- أنا لستُ حاد الطباع  ،  حتى أن عائلتي أحيانًا تنزعج من طريقتي ولكنني أحب أن أكون لينًا في تعاملي  ،  والدتي صارمة قليلًا وهي أيضًا تدير الشركة الأم مع والدي ولكنها تحبني كثيرًا لذا تتقبل اختياراتي  ،  وأما عاداتي فاسألي وأنا أجيبكِ  . 
انتابها القلق من والدته قليلًا ولكنها أقنعت نفسها بأنها بعيدةً عنها  ،  وحتى إن كانت صارمة في عملها فهذا أمرٌ جيدٌ لذا تساءلت  : 
- هو إنت فعلًا هتستقر هنا  ؟  وهل عيلتك هتوافق على ارتباطك بيا  ؟ 
شبك كفيه وأجابها بصدق  : 
- انظري أنا تحدثت مع زوج شقيقتي وهو رحب باختياري وبالنسبة لوالدي أعلم أنه سيرحب أيضًا  ،  تبقى المُعضلة في والدتي فهي سترغب في رؤيتكِ أولًا والتعرف عليكِ قبل موافقتها  . 
ضيقت عينيها متعجبة فهل سيكون نصيبها مع حماة متسلطة حتى لو صينية؟  
زفرت بقوة ثم أومأت وتساءلت بتـ.ـو.ترٍ وحرجٍ حيث أن ملامحها انكمشت باشمئزاز حينما نطقت  : 
- طيب هو انتوا من الجزء اللي بياكل حشرات معينة زي ما هو متعارف عليه في العادات الصينية ؟  
ترقبت إجابته لتجده يبتسم بل يضحك ويجيب بمزاح  : 
- أتقصدين الجراد  ؟  أم الصرصور  ؟  
أخفت وجهها بكفيها حينما شعرت بالغثيان فتحمحم معتذرًا واستطرد سريعًا  : 
- حسنًا اهدئي أنا لا أتناول تلك الأشياء  ،  أنا أتناول الأطعمة المتعارف عليها لا تقلقي  ،  ولكن والدتي تتناولها  . 
هل عليه أن يكون صريحًا إلى هذا الحد بشأن والدته التي وضعتها في القائمة السوداء من الآن  ،  الآن فهمت لما هي متسلطة فمن ذا الذي يتناول وجبة عبـ.ـارة عن حشرات ولا يصاب بالتسلط والتقشف  . 
حاولت التقاط نفسًا قويًا ثم طالعته بتمعن وأردفت بهدوء  : 
- طيب خلينا نبعد عن السيرة دي ونتكلم عنك أكتر  . 
أومأ وبدأ يسرد عليها مقتطفات عنه وعن طباعه وتصرفاته وهي تستمع له بتركيز  . 
❈-❈-❈
ظهرًا في فرنسا
انتهت من عملها وكتابة المقالات ولم تعد تعلم ماذا عليها أن تفعل  ،  رفعت يدها تنظر في ساعتها لتجدها مازالت الثانية  . 
مازال هناك ساعتان على العودة للمنزل وقد بدأت تشعر بالضجر خاصةً وأنها داخل المكتب وحدها  . 
نهضت من مقعدها تتجه نحو النافذة الداخلية وتنظر منها عمن في الخارج  ،  الجميع يعمل ومنشغلون في حواسبهم  ،  إنهم يمتازون بالنشاط  ، وكذلك يتسامرون مع بعضهم البعض . 
تنهيدة حارة خرجت من جوفها لذا قررت أن تتجه إليه وتطلب منه أن تغادر وتستغل الوقت المتبقي في التنزه في شوارع بـ.ـاريس  . 
اتجهت تستل حقيبتها ومعطفها وتحركت تفتح الباب وتتجه نحو مكتبه  ،  في قرارة نفسها هناك شعور لا تعلم مهيته ولكنه يشبه صوتًا داخليًا يناديها ويطلب منها رؤيته  ،  باتت تحب وجوده  ،  تحب النظر إلى وجهه البـ.ـارد  ،  تحب نظرة عينيه الثاقبة التي يحدق بها نحو الجميع  ،  ولكن لا تسألها عن السبب فهي لا تعلمه  . 
طرقت باب مكتبه تحت أنظار الموظفات الفرنسيات ليسمح لها بالدخول لذا تنفست بقوة ولفت المقبض تفتح الباب ودلفت ولم تنظر له مباشرةً وكأنها ستصاب بصاعقةٍ مثلًا لذا ازدردت ريقها ورفعت مقلتيها تطالعه بهدوء فوجدت عينيه منكبة عليها فأسرعت تنظر في ساعتها وتردف بنبرة جاهدت لتبدو طبيعية  : 
- أستاذ ثائر ياريت تسمحلي أطلع دلوقتي  ،  أنا خلصت شغلي  . 
- وراكي حاجة مهمة  ؟ 
سألها بنبرة بـ.ـاردة يسكنها دفئٌ خاصٌ بها لتهز رأسها وتوضح  : 
- لاء بس هتمشى شوية  ،  من وقت ما جيت وأنا نفسي اتمشى في شوارع بـ.ـاريس  . 
نهض يلتقط أغراضه وتحدث بالفرنسية بنبرة خبيثة مستفزة وهو يرتدي معطفه  : 
- تلك المدينة الأوربية التي لا تفضلينها  ،  أحيانًا أحب تناقضكِ  . 
شعرت بالغيظ ولكنها ابتسمت وأجابته بشموخٍ ورأسٍ مرفوع  : 
- اتعلمته منك  . 
وقف أمامها وحدق فيها يردف بشبح ابتسامة لم تلاحظه  : 
- جيد  ، يبدو أن هناك أمل لتتراجعي عن أفكاركِ  . 
لم تخفِ ابتسامتها بل أنها لا إراديًا ضحكت فانهارت جبال جليده وعم الدفء قلبه وهي تنطق بثقة  : 
- أمل امرأة عربية أصيلة  . 
عبرت من أمامه تنوي المغادرة ولكنها لاحظت حركته فالتفتت تتساءل بجبين مقتطب  : 
- هو حضرتك رايح فين  ؟ 
تحدث بثقل ظاهري وهو يدس كفيه في جيبي معطفه ويحدق بها بخبث : 
- هعرفك على شوارع بـ.ـاريس  ،  الموضوع مش سهل حتى لو بتتكلمي فرنسي كويس  ،  وبلاش تعترضي علشان أنا فعلًا كنت همشي  . 
زفرت بهدوء ظاهري لتُسّكت ضجيج عقلها واضطرت للتحرك معه بخجلٍ  ،  هل تتصرف بشكلٍ صحيح  ؟  بالطبع لا ولكنها إن رفضت ستبدو في موقفٍ ضعيفٍ لا تفضله لذا صمتت  . 
❈-❈-❈
عاد إلى منزله ودلف يتجه للأريكة ويرتد عليها لتسرع رؤية الصغيرة لاحتضانه وتهلل قائلة  : 
- داغل جه داغل جه   . 
عانقها وربت على خصلاتها بملامح متجهمة ينبعث الحزن منها  ،  الحزن الذي لاحظه مالك الذي يقف قبالته فأسرع إلى جدته التي تقف في المطبخ فناداها يهمس  : 
- تيتا تعالي شوفي خالو داغر  ،  شكله زعلان أوي  . 
تعجبت منال وتركت ما في يدها وتحركت نحو الخارج تنظر في وجه ابنها لتجده يطرق رأسه ويجلس يفكر لذا اتجهت تجلس جواره وتساءلت بقلقٍ وهي تلفه لها  : 
- مالك يا داغر  ؟  حصل حاجة يا حبيبي  ؟ 
التفت يحدق بها لهنيهة ثم أردف بابتسامة لم تصل لعينيه  ،  ابتسامة أجبر نفسه على صنعها ونطق ما قرره منذ قليل   : 
- سايبة ابنك كدة لحد دلوقتي من غير جواز  ؟  اصحابي عمالين يكلموني ويعزموني على أفراحهم وأنا شكلي هموت من غير ما افرح  . 
- بعد الشر عنك ربنا يجعل يومي قبل يومك ويطول في عمرك  . 
اندفعت في قولها تنهره ليربت على ظهرها يقول بتريث  : 
- بعد الشر عنك يا ست الكل  ،  ربنا يبـ.ـاركلنا في عمرك  ،  بس بجد يا ماما شوفيلي كدة بنت حلال تكون طيبة وبطة كدة ملفوفة علشان خاطر ابنك يتلم بقى  . 
قالها بمزاح يخفي وراء ستار حزنٍ بالغٍ لمحته في عينيه فتساءلت بقلبٍ منفطر  : 
-  فجأة كدة  ؟  وبسمة  ؟ 
التفت التفاتة مبالغ بها ونطق بحدة  : 
- بسمة إيه يا حاجة منال  ؟  أنا مالي ومال بنت الأكابر دي بس  ؟  هي صديقة لكن أنا عايز ارتبط بواحدة من توبي  ،  نفهم بعض وارجعلها آخر النهار ألاقيها مستنياني  ،  مش عارف إيه اللي طِلع في دماغك ناحية بسمة بس أنا تفكيري مختلف  . 
لم تصدق كلمـ.ـا.ته وهذا ما قرأه في عينيها لذا نهض يخفي ما ينهش في صدره ويتابع  : 
- زي ما قولتلك يا أمي دوريلي على بنت من منطقتنا كدة تكون إنسانة محترمة وكويسة  ،  آن الآوان بقى تزغرطي لابنك بدل ما انتِ عمالة تزغرطي للجيران كلها وسيباني  . 
نطقها وتحرك بعدها نحو الحمام وجلست تطالع أثره بتعجب وحيرة  ،  هل حقًا ما يقوله أم أن هناك أمرٌ قد حدث  ؟ 
❈-❈-❈
في شوارع بـ.ـاريس 
وداخل سيارته السوداء الفارهة والتي تشبه شخصيته كثيرًا  ، مهيبة وغامضة . 
تجلس ديما تتطلع من النافذة وتشعر بالتـ.ـو.تر والتقيد  ،  هي لا تفضل ركوب سيارة أثناء نزهتها بل تفضل التجول بنفسها سيرًا على قدميها لذا التفتت له وابتسمت تردف بترقب  : 
- كفاية كدة يا أستاذ ثائر  ،  وقفني على جنب لو سمحت  . 
- لاء  . 
أجابها بثباتٍ استفزازي وهو يقود في طريقه لتكظم غيظها وتتساءل بهدوء  : 
- يعني إيه لاء  ؟ 
تنفس يجيبها بغرور دون النظر نحوها  : 
- عايزة تنزلي ليه  ؟  لو ت عـ.ـر.في عدد البنات اللي نفسهم يكونوا مكانك مش هتفكري تنزلي  . 
تنفست تُهدئ من ثورتها فهي لا تحب الغرور لذا أردفت  : 
- بالضبط يبقى نزلني على جنب وركب أي واحدة من اللي نفسهم يركبوا جنبك  . 
أومأ وتوقف بسيارته يمينًا لتظنه اقتنع لذا حاولت فتح الباب ولكنه أوصده يلتفت لها فتعجبت وحدقت به تردف بضيق  : 
- ممكن تفتح الباب  . 
أسند ذراعه على طارة القيادة وطالعها ثم تحدث باستفاضة  : 
- بصي برغم إن فرنسا بلد حريات بس ده ماينمنعش إن فيها نسبة تطرف من ناحية حاجات معينة  ،  زي حجابك مثلًا وطريقة لبسك  ،  وعلشان مـ.ـا.تواجهيش مضايقات في شوارع إنتِ أصلًا مـ.ـا.ت عـ.ـر.فيهاش خليني أعرفك على الشوارع اللي ممكن تتمشي فيها والشوارع اللي يفضل تبعدي عنها  ،  وعلى فكرة التطرف ده الدولة بتسعى إنها تقضي عليه . 
قالها يبرر حينما لمح ابتسامة جمّلت ثغرها ولكنها لم تستطع منع نفسها من قول  : 
- مافيش داعي تبرر  ،  أنا فهمتك جدًا  ،  بس بردو هنزل ومـ.ـا.تقلقش أنا مذاكرة كويس وعارفة كل اللي قولته ده  ،  وكمان عارفة الشوارع الكويسة اللي همشي فيها ،  ممكن أنزل بقى  ؟ 
لم يجد مبررًا للرفض لذا هز كتفيه باستسلام وفتح القفل ففتحت الباب وترجلت تلوح له بتحدٍ وتتحرك على الرصيف لتعبر الطريق ملتفتة يمينًا ويسارًا بينما هو انشغل بالتطلع عليها قبل أن يقرر صف سيارته وتتبعها   ، ستتعبه في التعامل معها ولكن العجيب في الأمر أنه يعشق هذا النوع من التعب  ، ترى كيف ستمر الأيام معها  ؟ ومتى ستحين اللحظة المناسبة  ؟
لقد وضع خططته وهو الآن يسير عليها ولكنها أحيانًا تغير مساره ليجد أنه هو من يتبعها وليس العكس كما ظن  . 
❈-❈-❈
بعد مرور شهر
تم نشر كتابها وحقق مبيعات عالية حيث تم الدعاية له على أنه الكتاب المعاكس لأراء ثائر ذو الفقار وعلى أساسه ستتم المناظرة بين الكاتبين . 
استلمت أول راتب لها والذي تم تحويله لحسابها البنكي وقامت سريعًا بتحويل الجزء الأكبر منه لعائلتها وطفليها . 
لا تصدق أن هذا الوقت مر على تواجدها هنا ، تفتقد طفليها بطريقة تجعلها تبكي دومًا برغم أنها تحدثهما باستمرار ولكن لا مر أشـ.ـد مرارة من الغربة والبعد عن العائلة . 
ربما الشيء الذي يهون عليها علقم الأيام هنا هو عملها الذي باتت تحبه كثيرًا ، أحبت كتابة المقالات عن قوة المرأة المسلمة ، مقالات هادئة نوعًا ما لا تثير الجدل مثل مقالاته . 
الآن تجمع الأبحاث وتستعين بكتب عامة كي تبدأ في كتابها الثاني والذي سيتضمن حضارة بلدها والهوية المصرية التي تفتخر بها . 
إن كان هو يعبر عن حبه وعشقه لفرنسا حسنًا ، وإن كان يتقبل الرأي الآخر فحسنًا ، وإن كان قرر أن يأتي بها لتتحداه فحسنًا ، لذا ستكتب وهو لن يعترض . 
طوال شهر حاوت اكتشاف أي شيء عن شخصيته ولكنها لم تنجح ، غموضه يزداد حوله ، هادئ وقليل الكلام ولا يتحدث عبثًا ، كل كلمة تصدر من بين شفتيه لها معنى ومغزى ومبطنة بهدف معين لذا فإنها تمرر كلمـ.ـا.ته على جهاز فحص عقلها قبل أن تتلقاها أذنها . 
ويبقى السؤال الفضولي يلازمها وليته يثق بها ويجيبها ، ما السبب الذي جعله يبتعد عن مصر كل هذه السنوات بل ويمنع من دخولها ، وهل يكره بلده ؟ أم يعتب عليها ؟  . 
لقد رأت رصانته وحكمته وذكاءه في تصرفاته حتى لو كان ضدها فما هي أسبابه  ؟ 
تنهدت ووضعت يدها في خصرها تميل وتئن من تقلصات ظهرها ، يبدو أن الجلوس على المقعد لوقتٍ طويل له ضريبة ، كانت تعاني من ألام الظهر في السابق ولكن هذا كان نادرًا أما الآن فبات الألم يزورها كل يومين على الأقل وهي لا تفضل المسكنات لذا تحاول استعمال كريمًا موضعيًا ولكن لم تفلح أن تصل للمنطقة المقصودة لذا .. 
زفرت واتجهت تتمدد على الأريكة في الصالة الخاصة بها . 
شردت مجددًا في موعد اليوم حيث ستقام المناظرة بينهما ، ربما للتـ.ـو.تر نسبة كبيرة في ألم ظهرها وتقلصات معدتها ، ليس خوفًا من مواجهته ولكن ترقبًا لثقته الكبيرة وغموضه . 
مدت يدها تلتقط هاتفها وتفتحه لتظهر صورة طفليها لذا ابتسمت وقربته تقبلهما ثم عبثت به تعيد تشغيل المقاطع التي جمعتها عن حقوق المرأة في فرنسا كأنها تراجع قبل ليلة امتحان . 
كانت تتابع بتركيز قبل أن يعلن هاتفها عن اتصال منه ، قطبت جبينها فهو نادرًا ما يهاتفها لذا أجابت بترقب : 
- السلام عليكم ! 
أجابها بنبرة رسمية : 
- وعليكم السلام ، جاهزة  ؟ هعدي عليكِ قبل المعاد نروح سوا . 
تنهدت بعمق وعقلها يصور لها الحدث ، جميع الحضور يؤيدونه في رأيه وهي بينهم بمفردها مثلها كمثل السفينة التي أبحرت في رحلة عبر محيطٍ عاصف بالأمواج . 
أجابته بهدوء يخفي تـ.ـو.ترها  : 
- تمام  . 
لم يخفَ عنه تـ.ـو.ترها لذا أردف مشاكسًا بالفرنسية تحت غطاءٍ من الجمود  : 
- سيكون من الأفضل لكِ أن تذهبي معي  . 
ابتسمت ساخرة تجيبه : 
- قمة الديمقراطية والتواضع سيد ثائر ذو الفقار . 
لوى فمه بابتسامة تقسم أنها لمحتها وقال قبل أن يغلق : 
- سنرى يا امرأة السلام . 
أغلق وزفرت على جملته ، هل يسخر منها ؟ سترى أيها الغامض من هي امرأة السلام إذًا . 
❈-❈-❈
حياتهما روتينية كثيرًا  ،  ليس هناك شيئًا جديدًا يضاف عليها لذا زفر بعدما انتهى من طعامه وطالعها بحبٍ يتساءل  : 
- إيه رأيك يا يسرا لو نسافر كام يوم لأي مكان  ،  عايز أفصل شوية من الشغل  ،  عايز أكون معاكي في مكان جديد نغير جو سوا  . 
بادلته النظرات والحماس ولكنها تذكرت طفلا صديقتها  ،  كيف ستبتعد عنهما لأيام  ؟  لقد تعلقت بهما أكثر من السابق ولم يمر يومًا منذ أن سافرت ديما إلا وهي معهما لذا نطقت بتردد  : 
- هي فكرة ممتازة جدًا بس  ...  
مال برأسه يستفهم فتابعت باستعطاف  : 
- إنت عارف إن مالك ورؤية اتعودوا إني أروحلهم كل يوم  ،  هينفع أسافر واسيبهم  ؟ 
لم يعجبه ردها ولكنه تفهم قلقها لذا زفر وأومأ يوضح  : 
- أيوة يا يسرا عادي  ،  روحي النهاردة شوفيهم و عـ.ـر.فيهم اننا هنسافر كام يوم أنا وانتِ  ،  الموضوع بسيط ومامتهم نفسها مسافرة  . 
شردت قليلًا وانفطر قلبها عليهما لذا أومأت بهدوء برره بأنه عدم اقتناع لذا استرسل  : 
- يسرا هترجعي لنفس الموال تاني  ؟  هتعلقي نفسك بحاجة مش ليكي تاني  ؟ 
رفعت نظرها له ثم مرت غيمة على عينيها جعلته يدرك أنها تتألم لا إراديًا وتخشى أن تبوح بما يعتري داخلها لذا زفر يستغفر وسعى يبحث عن السلام لينطق بعدها بنبرة لينة  : 
- يا حبيبة قلبي بتعملي في نفسك ليه كدة  ،  ليه مُصرة إنك تعذبي نفسك بحاجة ربنا عز وجل بيختبرنا فيها بالصبر والرضا  . 
أسرعت ترفع كفها وتلتقط دمعتها قبل أن تسقط منها وأردفت بنبرة متحشرجة  : 
- أنا راضية جدًا يا دياب ومؤمنة بقضاء الله بس إحساسي ده غصب عني  ،  مهو أنا لو مـ.ـا.تعلقتش بمالك ورؤية وقت غيابك بحس إني هتجنن  ،  عايزة أشغل عقلي طول الوقت مع حد  ،  أنا عارفة إنك لو ينفع مش هتسبني أبدًا بس دي طبيعة الحياة  ،  ده شغلك ولازم هتبعد لكن صدقني الوقت اللي بتبعد عني فيه بحس بوحدة رهيبة بتاكل من عقلي وتفكيري  . 
كعادته دومًا رجلًا متفهمًا يبحث عن حلٍ يجبر به خاطرها لذا نهض يتجه نحوها ويمسك برسغها ويتحرك معها نحو الأريكة ليجلسان عليها براحة فاحتضن كفيها بين راحتيه واستطرد وعينيه تسافر عبر ملامحها  : 
- طيب خلينا نسافر كام يوم زي ما قلتلك وهنكون مع بعض طول الوقت  ،  ولما نرجع أوعدك أني بنفسي هدورلك على شغل مناسب  ،  إيه رأيك  ؟ 
شردت في ملامحه  ،  سيبحث لها عن عملٍ  ؟  لقد كان يرفض هذا المبدأ من باب غيرته عليها والآن سيحاول كي يريحها لذا ابتسمت له وبمقلتين يفيض منهما الحب ونبرة متأثرة بما يفعله هذا الرجل قالت  : 
- أحيانًا بحس إن إنت كتير عليا  ،  معقول أنا استاهل الحب ده كله  ؟ 
أسرع يدخلها بين ضلوعه ليثبت لها أنها لا تستحق سوى الحب لذا بادلته العناق فبات يملس على ظهرها باحتواء ويردف  : 
- أنا اللي ربنا بيحبني إن معايا أجمل ست في الدنيا  ،  مـ.ـا.تقوليش كدة تاني  . 
أومأت وهي داخله ولم ترد أن تبتعد حتى أنها قبضت على قميصه ترفض ابتعاده ليفصل بينهما رنين هاتفه لذا زفر بضيق واضطر أن يبتعد ويلتقطه ليجد أن المتصل هو شقيق رحمة لذا بدى الانزعاج على وجهه وأردف  :
- ده أخو رحمة  ، جارة الهنا  .
نطقها ساخرًا فابتسمت وقالت تشجعه  :
- رد شوفه عايز إيه  ؟ 
أومأ وفتح الخط  يجيبه بترقب  : 
- أيوا سلام عليكم  ؟ 
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته  ،  أزيك يا أستاذ دياب عامل إيه  ؟ 
- بخير الحمد لله  ،  اتفضل سامعك  ؟ 
أردف الآخر بترقب  : 
- طيب أنا حولت مبلغ على حسابك اللي أخدته قبل كدة  ،  ياريت لو سمحت تسحبه وتوصله لرحمة لإني مش حابب اتواصل معاها بنفسي  ،  يعني زي مانت فاهم  . 
تنهيدة قوية تدل على ضيقه صدرت منه لتومئ له زوجته كدعمٍ لذا نطق  : 
- تمام ماشي  ،  بس ياريت بعد كدة تبلغني قبل ما تحول  . 
شعر الآخر بانزعاجه لذا أردف معتذرًا  : 
- معلش اعذرني يا أستاذ دياب وأنا آسف بس صعب أني اتواصل معاها وفي نفس الوقت مش هكون مرتاح إلا لو بعتلها مبلغ هي وابنها  . 
- تمام  . 
هكذا أجابه دياب مختصرًا قبل أن يغلق ويزفر بضيق فهو قد تجنبها منذ آخر حدثٍ بينهما وخاصةً بعدما لاحظ محاولاتها في التودد إليه لذا نطقت يسرا تخفف من وطأة ضيقه  : 
- عادي يا دياب ماضايقش نفسك  ، اسحب المبلغ وانا هوصلهولها وانتهى الموضوع  .
أومأ لها بتنهيدة ثم نهض فنهضت تقابله فانحنى يقبل ثغرها قبلة خاطفة ويردف بحب  :
- تمام خليني أخلص شغلي واشوف هعمل إيه  .
أومأت تربت على صدره وودعته حتى باب المنزل فغادر وأغلقت الباب واتجهت تلملم الأغراض وتستعد لتذهب الى منزل منال  . 
وكعادتها جارتها تقف في شرفة منزلها تتطلع على دياب وهو يغادر إلى عمله ومازالت الفكرة قائمة في عقلها  . 
❈-❈-❈
الساعة السادسة وخمسون دقيقة 
بلباسٍ محتشم وحجابٍ هنـ.ـد.م بعناية ليخفي خصلاتها بشكلٍ تام وملامح تخلت عن مستحضرات التجميل سوى من كحل عربي ومرطب شفاه ، بهوية عربية وشموخ امرأة خرجت من منزلها لتجده ينتظرها أمام سيارته  .
لمحة سريعة منه عليها ربما لم تستمر لثانيتين ولكنهما كانتا كفيلتان ليتمعن هيأتها الفاتنة وكالعادة نجح في التخفي خلف قناع الجمود وهو يردف ويشير لها نحو الباب الذي فتحهُ بنبلٍ  : 
- اتفضلي  . 
بتـ.ـو.ترٍ ملحوظ حاولت أن تبتسم وهي تومئ وتحركت تستقل سيارته ليلتفت مستقلًا جهته وبدأ في القيادة  . 
لم يكن مقر الندوة بعيدًا لذا فطريقهما لم يطُل حيث توقف أمام المكان وأردف وهو يفحصه بعينيه  : 
- وصلنا  . 
ترجلا سويًا وانتظرها ثائر حتى لفت إليه فتحرك وهي تتبعه ليبتسم له الحارس ولكنه باغت ديما بنظرات عدوانية لا تعلم سببها لذا باغتته بنظرة تحدي ودلفت تخطو جواره لتتفاجأ بحشـ.ـدٍ كبير في صالة واسعة وأصوات التقاط الصور والفلاشات الخاصة بالكاميرات توثق صورتها وهي تجاور ثائر . 
هجم عليها جيش من التـ.ـو.تر وشحبت ملامحها فانحنى قليلًا نحوها يدرك جيدًا ما أصابها خاصةً وقد لاحظ تـ.ـو.ترها من قبل في مؤتمر الشارقة لذا نطق بهمس تنبعث منه القوة : 
- افردي ظهرك وارفعي راسك وابتسمي ، إنتِ هنا علشان تثبتي هويتك . 
التفتت تطالعه بشيءٍ من الاندهاش والحيرة ، هل يشجعها أم يعينها على تحديه ؟ هل يدعمها أم يوضح لها أنه يدرك تـ.ـو.ترها ؟ 
لمحته يرفع حاجبيه ويومئ لها لذا ابتسمت . 
ابتسمت وفعلت مثلمها أوصاها ، فردت ظهرها ورفعت رأسها وسطعت ابتسامتها وهي تخطو بينهم حتى وصلت إلى المقعد الذي يقابل مقعده وجلسا سويًا بين الحضور . 
بدأ يتحدث بأريحية وثبات ، بثقة اعتاد عليها يشرح ويتحدث عن كتبه بسلاسة وتركها تتأمله وتتأمل طريقة شرحه وتستشف منه كيفية التعامل في مثل هذه الحالات .
ولكنه فاجأها بنظرته نحوها وسؤاله :
- ولكن السيدة ديما لها رأيٌ آخر ، هي ترى أن المرأة العربية أكثر قوة مما هو ظاهر ، عقلها ملغم بالأفكار السلمية والتي تحقق المعادلة الصعبة بل أنها تستتر خلف أمور دينية تهاجم بها كل من يعترض أفعالها ، هل يمكنكِ أن تشرحي لنا ذلك ؟ 
ابتسمت وانتشلت الثبات من داخلها بصعوبة لتجيبه بنبرة هادئة وعالية في آنٍ واحد : 
- دعني أولًا أشكرك سيد ثائر ذو الفقار لأنك كنت سببًا قويًا في ارتدائي للحجاب ، فأنا أم لطفلين وابنة عائلة جميلة لم تجبرني يومًا على ارتدائه بالرغم من فرضيته في ديني ، قضيت اثنا وثلاثين عامًا من عمري أتمنى لو أنني استطيع اتخاذ قرار ارتداءه ، لم أمتلك القوة الكافية لفعلها وربما هذا التأرجح نابعٌ من قلة خبرة كافية بأسباب ارتدائه الفعلية ولكن أتى منشورك ليؤكد لي أن شرعيته تكمن في شيء واحد وهو الحفاظ على هويتي الأنثوية كما ميزني الله عز وجل .
نظرت في مقلتيه وتابعت بنظرة تحدي وابتسامة ثقة :
- حينما أرفقت صورة حصان وكنت تدلك خصلاته ودونت أسفلها ( ما يميز الفرس المؤنثة ( الحجر ) ويجذبك لها أولًا هي خصلاتها ، جميلة ناعمة و .. بنية ، لو أننا أخفيناها لن ننبهر بها مجددًا ) ، كنت محقًا جدًا آنذاك بالفعل أنا لست سلعة لينبهر بي أحد ، من يريد أن ينبهر بي فلينبهر بعقلي ، بأفكاري ، بأخلاقي وهذا يكفي للعالم الخارجي .
أجابها ثائر بابتسامة ساخرة :
- أنا لا أرى هذا على الإطـ.ـلا.ق ، فسري لي كيف يتم الزواج في وطنك ؟ أليس بعرض العروس كسلعة ؟ ثم بيعيها لزوجٍ يفعل بها ما يريد ؟ 
وخزة آلمتها وتذكرت نفسها وكيف باعها والدها لذلك الزوج الذي فعل بها ما يريد ، هو محق في ذلك ولكنها ليست قاعدة ، تجلى الألم في عينيها لذا أسبلت جفنيها لتخفيه بابتسامة وملامح هادئة تواري بها آلامها التي كشفت عن نفسها له ليسمعها تجيبه : 
- إذًا أنت تتعمد أن ترى الأمثلة السيئة فقط وتعمم أفكارك على أساسها وهذا خطأ كبير سيد ثائر ، التعميم لغة الجهلاء وأنت سيد الحكماء . 
قالتها بتحدٍ جعل حزنها يتبخر لذا مال فمه بابتسامة لم تصل لعينيه وأردف بنبرة في ظاهرها تتراقص الاتهامـ.ـا.ت القاسية وفي باطنها مواجهة الذات : 
- إذًا لماذا كتبتِ عن قهر المرأة وكيف انتشر كتابك في فترة قصيرة وهذا دليل على أنه لامس الكثيرات من نساء العرب اللاتي تعانين من المشكلة ذاتها ومنهن من تخشى الإفصاح نظرًا للعنف الذي سيقع عليها ، وكيف تم قمعه ومنعه من النشر في وطنك ؟ وهل هناك رابط بين القصة المذكورة وانفصالك ؟
لم تكن تتوقع أنه سيوقفها أمام المرآة الآن ، مناظرة هذه أم مواجهة لذاتها ، يمكنها أن تمتنع عن الإجابة ولكن هذا سيكشف عن نقطة ضعفها لذا التقطت نفسًا لم تهتز له كتفيها وأجابته بثقل وبترتيب على مجمل أسئلته :
- كتبت عن قهر المرأة لأنني أسعى لإصلاح هذا الأمر ولينشأ على يد المرأة التي عانت من تجربتها جيلًا سليمًا فكريًا ، أقوى سلاح توجهه نحو قوى الفساد هو جيلًا يفكر ، جيلًا ينشأ على المعرفة وأهمها معرفته بأمور دينه فبالنسبة لي أنا ديني وضع لي الخريطة التي لن تضلني طوال حياتي ولكن هناك حالات كثيرة للأسف الشـ.ـديد ضلت المسار نتيجة ابتعادهم عن الأسس الدينية الصحيحة .
زفرت تعتدل في جلستها وتتايع بتريث :
- دعني لا أتحدث بطريقة دينية حتى لا يقال عني متشـ.ـددة وأنا لست كذلك على الإطـ.ـلا.ق لذا لنأخذ مثال بفرنسا المتقدمة والمثقفة أليس كذلك ؟ هنا تقـ.ـتـ.ـل امرأة كل ثلاثة أيام على يد شريك حياتها ، رقم مرعـ.ـب بالطبع ليجعل فرنسا تتصدر قائمة الدول الأوربية في حالات عنف المرأة ، هنا تظهر المرأة في أبهى صورة لها على أغلفة المجلات وإعلانات الطرق لكن خلف هذه الصورة النمطية يستتر واقع مرعـ.ـب يختبء بين زوايا المدن الراقية ، بالطبع هنا قانون يحمي المرأة ولكن ماذا إن كان من يطبقه هو نفسه من يعنفها ويستغل نفوذه في ذلك ؟ 
تنفست بعمق تسترسل : 
- هنا صحفية تدعى صوفي بوتبول ألفت كتابًا بعنوان silence, on cognf من المؤكد تعلمونها جيدًا لذا لن أتحدث عنها وسأدع ذلك لكم ولكن ما أود توضيحه هو أن العنف يوجد في كل مكان ومن المؤكد أسبابه كثيرة ولن نستطيع السيطرة عليه سوى بالوعي والتربية السليمة والأسس التي يجب زرعها في الأطفال ، وللعلم ستون بالمئة من نساء فرنسا تخفن أيضًا من الإبلاغ عن شريكها نسبةً لبطشه ، اربعون بالمئة فقط تمتلكن الجسارة لأخذ حقوقهن ونصفهن يتنازلن بعد التهديد ، ولهذا بالنسبة لي لا أبالغ حينما أقول أنني وجدت في ديني كل السبل التي توصلني للسلام وأهمهم السلام النفسي وهكذا أعلم صغاري ، وأنت سيد ثائر أتساءل كيف لا تدرك بعد قوة المرأة العربية ووالدتك العربية هي من ساهمت بشكلٍ كبير في بناء شخصيتك المؤثرة ؟ 
كان يستند على كفيه يطالعها بثقب ليجيبها بهدوء شـ.ـديد : 
- والدتي من أصول فرنسية . 
لم تكن تعلم لذا اندهشت لتتساءل : 
- حسنًا ، ولكنها تزوجت برجلٍ عربي مسلم ، هل قمعها ؟ هل عنفها ؟ أخبرني شيئًا تعلمته منه من فضلك . 
أجابها بمغزى : 
- المحن لم تخلق عبثًا بل خلقت لتصنع العظماء . 
أومأت تؤيده بشـ.ـدة وتسترسل : 
- بالظبط ، والدك محق جدًا ، اعلم أن المرأة العربية ليست مهدرة الحقوق ولا هي مثبطة الأفكار ولكنها فقط تحتاج إلى المزيد من الوعي وإلى شريك حياة يدرس خريطة دينه جيدًا ويقدر قيمة الأنثى في حياته وهذا ما أسعى لتحقيقه أنا والكثيرات مثلي في بلادنا العربية . 
نظرت للحضور وتابعت بابتسامة : 
- دعوني افتخر بتاريخ بلدي وأخبركم عن بعض الشخصيات النسائية المؤثرة لدينا من بداية الملكة كيلوباترا إلى الدكتورة هالة سمير مرورًا بالعالمة المصرية سميرة موسى والدكتورة لطيفة النادي والدكتورة فدوى الجندي وغيرهن الكثيرات من النماذج المشرفة والتي تجاهلها السيد ثائر ذو الفقار بشكلٍ تام كما تجاهل ذكر الوجه الآخر لفرنسا والذي ذكرته منذ قليل ، هل هذا التجاهل متعمد أم هو قلة معرفة ؟ 
تساءلت وهي تطالعه بتحدي لتجد في عينيه نظرة لم تفهم ماهيتها هل هي تحدي أم إعجاب أم كلاهما ، تحولت نظرته للبرود ونطق بنبرة ساخرة : 
- لنقل أنني أيضًا أمتلك قائمة من أسماء سيدات عربية أثرن سلبًا على بلادهن ، ويبقى السؤال هنا ، هل هذا يمنع انتقادي للأخطاء ؟ هل هذا ينفي أو يكذب كلامي ؟ 
أجابته بجدية : 
- بالطبع لا ، بإمكانك النقد كما تريد ولكن لتكن منصفًا قليلًا ولا تعمم كما قلت ، لا تتحدث عن أي شيء بشكلٍ مطلق ، أترك مساحة لتكن محايدًا ولتنصف الجزء الإيجابي في بلدك ليراها العالم بمنظور مختلف . 
تعمق فيها قليلًا وأعاد سؤالًا لم تجب عنه : 
- حسنًا سألتكِ هل هناك رابط بين القصة المذكورة وانفصالك ؟
باغتته بضيق ، حاولت تجاهل هذا السؤال ولكنه يريد إجابتها أمام الجميع لذا أجابته بالتواء لا يشببها :
- نفس الشيء لديك ، إن كانت أفكارك عن المرأة العربية تترابط مع حياتك فلماذا انفصلت عن زوجتك الفرنسية ؟ 
هكذا داهمته بسؤالها المفاجئ الذي جعله يبتسم ولم يستطع إخفاء أسنانه من الظهور ليجيبها بثبات أخفى به أمره : 
- هذا شيءٌ خاص جدًا . 
- وهو كذلك بالنسبة لي أيضًا . 
❈-❈-❈
جلست دينا في غرفتها تفكر بتـ.ـو.تر  ،  لقد أخبرها لوتشو أنه سيتحدث مع شقيقها مجددًا ولكنها متـ.ـو.ترة  ،  يجب أن تتحدث معه أولًا وتخبره بأنها تقبل به وبأنه مناسب لها  . 
سمعت صوته يأتي من الخارج فتنفست بعمق وحاولت أن تتحلى بالثبات كي تتحدث معه  ،  إنه منذ شهرٍ يتعامل معها بنوعٍ من الفتور  ،  تعلم أنها أحزنته ولكنه أيضًا يعلم طباعها لذا ستحاول الاعتذار منه وتتحدث معه أيضًا  . 
خرجت من غرفتها لتجد مالك يجلس على طاولة الطعام يذاكر دروسه وتجاوره رؤية ترسم وتلون لذا وقفت على بابها تنظر لشقيقها الذي يتحدث مع منال بخفوت والأخرى تحضر الطعام  . 
اقتربت لتسمعه يردف  : 
- إنتِ عمالة تتهربي وأنا بقالي شهر قايلك دوري على واحدة بنت حلال مافيش فايدة  ،  فكرك يعني إني مش هعرف أدور بنفسي  ؟ 
زفرت منال بانزعاج وتحدثت تحاول إقناعه خاصةً بعد حديثها مع ابنتها ديما التي أكدت لها حبه لبسمة  : 
- يا حبيبي لو على بنات الحلال موجودين كتير  ،  بس هتخطب إزاي واحدة مش بتحبها  ؟ 
انزعج من كلمـ.ـا.ت والدته لذا أجابها بملامح متجهمة  : 
- تمام يا ماما خليكي إنتِ بقى بعيدة عن الموضوع ده وأنا هدور بنفسي  . 
سمعته دينا فلم تتقبل كلمـ.ـا.ته بل اندفعت تجابهه  : 
- تدور إيه  ؟  إنت طالب أكلة معينة  ؟  ده جواز يا داغر أزاي يعني  ؟  وبعدين إنت بتحب بسمة وكلنا عارفين كدة  . 
لم يكن ينقصه حديثها لذا التفت يشير لها نحو غرفتها ويردف موبخًا  : 
- أدخلي على أوضتك وملكيش دعوة إنتِ يا عاقلة  . 
أثار حنقها لذا وقفت أمامه تردف بغيظ  : 
- لاء طبعًا ليا دعوة ولا هو إنت تدخل في حياتي ومش عايز حد يدخل في قراراتك اللي كلها غلط  . 
احتدت ملامحه وشعر بأنه محاصر بين والدته وشقيقته التي يعتبرها ابنته لذا زفر بقوة يحيد ناظريه عنهما فتابعت دينا بنفس نبرتها  : 
- أيوا مش لاقي كلام علشان اللي بقوله صح يا داغر  ،  إنت بتحب بسمة  . 
لفظ مافي جبعته فلم يعد يحتمل احتراقه أكثر  : 
- كنت بحبها  ،  ارتحتوا كدة  ؟  إنتِ وامك واختك حتى الواد اللي هناك ده كلكم واخدين بالكوا إني حبيتها وماخدتوش بالكوا إن حكايتنا مـ.ـا.تنفعش بأي شكل  ،  دي واحدة مش من توبنا  ،  تصاحبكوا اه  ،  تحب تيجي تقعد معاكوا ماشي  ،  انما تبقى مراتي وتعيش وسطينا هنا مش هينفع بأي شكل من الأشكال  ،  علشان كدة ياريت بقى نقفل على الموضوع ده مليون باب ومحدش يفتحه قدامي تاني نهائي  . 
لاحظتا احتراقه الذي ينبعث من نبرته  ،  لاحظتا حزنه ولمعان مقلتيه لذا قررت دينا الصمت  ،  في هذه النقطة هي تؤيده خاصة وأنه صاحب القوامة في هذه العلاقة لذا تألمت تومئ له لتردف منال بقلبٍ منفطر ليس بيده حيلة  : 
- خلاص يا حبيبي اللي تشوفه يا داغر  ،  اخطب يابني لعل وعسى ربنا يحببك في اللي إنت هتخطبها  ،  اخطب بس لو ليا غلاوة في قلبك اوعى تتجوز وانت مش مرتاح  . 
تعمق في مقلتي والدته قبل أن يزفر بقوة ويندفع مغادرًا تاركًا كل شيء خلفه  ،  يتألم  ،  حتى وهي تخبره أنها ستنفذ طلبه يتألم  ،  حتى وهو يسعى ليسترد كرامته يتألم  ،  حتى وهي تحاول الوصول له ويختبئ منها يتألم  . 
❈-❈-❈
انتهت المناظرة الأولى لهما والتي دامت لمدة ساعة وقد قرر أن تجمعهما عدة مناظرات أخرى حيث أحب الحضور الانسجام الملحوظ في تناقضهما كما أنها غيرت نظرة البعض منهم عن المرأة المحجبة وخاصةً العربية بعدما وجدوا أنّ عندها قدرًا قيمًا من المعرفة بالرغم من دراستها المتوسطة وهذا ما أثار دهشتهم حينما أخبرتهم بذلك متعمدة . 
عاد كلٍ منهما إلى منزله شاردًا في أفكاره ولكن الجزء الأكبر من الشرود كان من نصيب ثائر والسؤال يتكرر في عقله ، ماذا بعد ؟ 
قطع حبل أفكاره اتصالًا من أحدهم فأجاب متعجبًا ليأتيه صوته قائلًا : 
- مارتينا ستخرج غدا من السجن ، لقد تنازل توماس عن الدعوة . 
تجهمت ملامحه وسكنها الغضب وتساءل : 
- كيف تنازل ؟ 
- أنت ستعرف .
بوصلة حياتي... 
أضاعت طريقها..... 
فقدت الاتجاهات.... 
وجهتها الوحيدة 
أصبحت أنت..  عينيك.. ثم أنت... 
مشكلتي... أتعلمين مشكلتي؟؟؟ 
أني أنوي أن أشن حربا عليك.. 
فأنظر إلى عينيك.. 
فيهزمني السلام فيهما... 
أنوي أن أخطفك من نفسك... 
وفجأة يحدث.... 
أني  لا أجد نفسي معي... 
أتراها معك؟؟؟ 
أنوي أن أجعلك خلف خطاي تسيرين.... 
فأراها خطواتي أنا تتبعك أينما تذهبين..
( بقلم فيروزة) 
❈-❈-❈
هبطت طائرتهما منذ قليل في الأراضي السعودية 
تحديدًا في مكة المكرمة حيث سيؤديان مناسك العمرة ومن ثم سيذهبان إلى ماليزيا لقضاء رحلة سياحية ممتعة  . 
لا تصدق يسرا أنها الآن في الحرم  ، سيمكثان في الفندق القريب منه  ،  هنا ستدعو ربها بكل ما تريده  ،  هنا ستخبره بكل ما يعتلي داخلها وهو أعلم  ،  هنا عند بيته الحـ.ـر.ام ستبكي لأنها كانت تشتاق لزيارته ونالتها  ، ستبكي لأنها تشتاق لطفلٍ صالح وليتها تناله  . 
تنهدت بحرارة لاحظها دياب ليردف وهو يجاورها ويتجهان نحو الفندق  : 
- مبسوطة يا يسرا  ! 
يعلم أنها في قمة سعادتها  ،  لقد فاجأها بهذه العمرة وكانت مفاجأة لا مثيل لها لذا التفتت تطالعه بمقلتين تحملان امتنان العالم كله وأجابته بحبٍ  : 
- قليلة أوي الكلمة دي يا دياب  ،  قليلة على إحساسي دلوقتي  ،  ربنا يبـ.ـاركلي فيك  . 
ابتسم يشاركها سعادتها وأردف وهو يشير لها نحو الأعلى : 
- طب يالا نطلع علشان نستريح واوريكي الحرم من فوق  . 
تحمست لرؤيته ولكنها نطقت برجاء  : 
- لا لو سمحت يا دياب أنا مش تعبانة  ،  خلينا نطلع نحط حاجتنا وننزل علطول ندخل الحرم  . 
أومأ لها طواعيةً وبالفعل دلفا الفندق مع الشخص المسؤول عن رحلتهما والذي كان يسبقهما بخطوتين  . 
❈-❈-❈
دلفت منزلها واتجهت تستريح وتتنفس بعمق  ،  تجاوزت أولى المناظرات وقامت بأداءٍ أسعدها . 
تحركت نحو غرفتها تنزع ثيابها ثم اتجهت نحو الحمام لتغتسل بمياه دافئة ربما يهدأ ألم ظهرها الذي ينبض بطريقة أزعجتها واضطرت لتظهر عكسه   . 
خرجت بعد قليل واتجهت تؤدي فرضها ثم تحركت تتمدد على الفراش واستلت هاتفها لتتحدث مع داغر قبل أن تنام  . 
❈-❈-❈
كان قد عاد إلى منزله بعدما هدأ  . 
دلف غرفته بعدما اغتسل وتوضأ حتى لا يلتقي مع أمه أو دينا  ،  لقد حذره صالح من أن يرتبط بهذه الطريقة وإلا سينـ.ـد.م  ،  أخبره أن يتمهل قليلًا  ،  ألا يظلم نفسه ويظلم فتاة لا ذنب لها  ،  فهو أفضل من يعلم كيف يكون حب الرجال  ،  لا يموت حتى ولو مـ.ـا.ت الرجل نفسه  . 
وقف في ركنٍ ما ينوي الصلاة  ،  سيستخير ربه فيما هو مقبلٌ عليه  ،  لقد تعب وتألم من قرارات واتهامـ.ـا.ت ومشاعر تنخر صدره لذا فإنه سيتخذ هذا السبيل  . 
بدأ صلاته لتسقط همومه واحدة تلو الأخرى في كل حركةٍ يؤديها حتى سجد وبات يدعو الله بما فيه الخير له وأن يريح قلبه فردد هامسًا  : 
-  اللَّهمَّ إني أرْجو رَحمَتَكَ، فلا تَكِلْني إلى نَفْسي طَرْفةَ عَيْنٍ، أصْلِحْ لي شَأْني كُلَّهُ، لا إلهَ إلَّا أنتَ. - ربّي إنيّ أسألك أن تريحَ قلبي وفكري وأن تصرف عني شتات العقل والتفكير، ربّي إنّ في قلبي أمورًا لا يعرفها سواك فحققها لي يا رحيم، ربّي كن معي في أصعب الظروف وأرني عجائب قدرتك في أصعب الأيام  ، اللهم أسألك أن تطمئن قلبي وتيسر لي أمري، فأنت ربي لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. اللهم إني أسألك باسمك الأعظم أن تزيل من قلبي كل خوف وقلق يسكنني، وأنزل على قلبي السكينة والهدوء برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم امنن علي براحة النفس وتيسير أموري كلها فأنت الميسر وأنت على كل شيء قدير  ، اللهم آمين يارب العالمين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل محمد  . 
نهض بعدها ليبدأ في ركعته الثانية ومن ثم يردد دعاء الاستخارة ويختم صلاته  . 
رن هاتفه بعد أن سلّم وانتهى من صلاته فنهض يتجه نحوه ويلتقطه ليرى اسم ديما لذا تنهد بعمق وجلس على طرف الفراش يفتح المكالمة ويجيبها  . 
ما إن رأته حتى ابتسمت فوجد نفسه يبادلها بمحبةٍ وقال  : 
- عاملة إيه يا ديما  . 
أجابته تعبر عن مشاعرها  : 
- مبسوطة أوي يا داغر  ،  النهاردة كانت أول مناظرة بيني وبين ثائر ذو الفقار  ،  كنت بتمنى تكون جنبي وتشوفني وأنا بتناقش معاه وبرد على كل أسئلته  . 
يثق بها ويعلم أنها ستتولى هي قمرة القيادة  ،  يعلم أنها ستؤثر ولن تتأثر بما يحدث حولها لذا أومأ بفخرٍ وقال  : 
- أنا عارف إنك قدها طبعًا  ،  دا إنتِ ديما الصابر  ، ده كفاية اسمك  . 
ضحكت بسعادة واسترسلت  : 
- انفخ فيا كمان يا داغر أكتر ما أنا منفوخة  . 
هز رأسه معترضًا يجيبها  : 
- لاء طبعًا ده حقك وأقل كمان  ،  إنتِ يابنتي مش عارفة قيمة نفسك ولا إيه  ؟! 
تنفست بعمقٍ وسعادة ليعلن هاتف داغر عن وجود مكالمة أخرى فأغلقها وأكمل مع شقيقته لتسأله بترقب  : 
- مين بيرن عليك  . 
لم يكن يريد أن يتحدث عن هذا الأمر خاصةً وأنه يعلم رأيها منذ أن علمت بقرار خطبته لذا تجهمت ملامحه وعم الهدوء تقاسيمه لتتساءل بترقب  : 
- بسمة  ؟ 
أومأ لها مطلقًا تنهيدة قوية من صدره فأومأت بتفهم ونطقت  : 
- طيب اقفل معايا ورد عليها يا داغر  . 
هز رأسه بنفي : 
- مش هرد يا ديما  ،  أنا أصلًا عايز أنام  . 
- لو ليا خاطر عندك رد عليها  ،  بسمة امبـ.ـارح كانت بتكلمني وهي تعبانة جدًا وحالتها النفسية مش أحسن حاجة  ، بسمة بتحبك ولو انت مش شايف ده ومش حاسس به تبقى بجد مش بتحبها  . 
زفر بقوة يمسح على وجهه أمامها فحاولت أن تتروى معه لأنها تدرك حجم صراعه الداخلي لذا استطردت بهدوء  : 
- اقفل معايا يا داغر وكلمها وشوف كانت عايزاك في إيه  . 
أومأ بصمت فأغلقت وتركته يتمدد على فراشه ويفكر هل يهاتفها بعد كل هذا الغياب  ؟  
❈-❈-❈
كانت تبكي في غرفتها  ،  لم تكن تصدق أن غيابه وهروبه منها سيضعفانها هكذا  ،  عُرفت دومًا بالشامخة القوية  ،  حتى بعد وفاة والديها تظاهرت بالقوة والشموخ وأكملت مسيرتهما كي لا يستغل ضعفها أحد  . 
ولكنها أحبته  ،  أحبت سماعه لها  ،  حمايته التي كانت تستشعرها دومًا  ،  سؤاله عنها  ،  اهتمامه بها  . 
كانت تغلق محبتها بقشرة تدعى الصداقة ولكنه لم يكن يومًا صديقًا  ،  منذ أن رأته ورأت الجزء الأفضل في شخصيته وهي تتخذه عوضًا عن اليتم والفقد والوحدة  ،  تستشعر الأمان من نظراته لها  ،  تستكين من نبرة صوته لذا فإن ابتعاده عنها هكذا فجأة وهروبه المتعمد منها أضعفها  ،  جعلها تتخبط حتى في العمل  . 
ويبقى السؤال الذي يتردد صداه في عقلها ويجعلها تتأرجح بين أمرين أيسرهما مر  . 
هل تضحي به مقابل وصية والدها في الحفاظ على ممتلكاتها  ،  أم تضحي بممتلكاتها وتهدم وصية والدها مقابل الحصول عليه  ؟ 
مجرد تفكيرها في هاذين الاختيارين يعكس مدى حبها له لذا فهي تتألم وفقدت شهيتها كثيرًا وباتت الآن في أبهى صور التعب  . 
انتشلها رنين هاتفها من حزنها لتلتقطه بلهفة حينما أخبرها قلبها أنه هو وحينما تأكدت انفرجت أساريرها واعتدلت لتجيبه بهدوء ينافي صخب نبضاتها وطرقات جانبي عقلها  : 
- أزيك يا داغر  . 
أغمض عينيه اشتياقًا لصوتها  ،  أغمض ليستمتع به قبل أن يجيبها بهدوء مفتعل  : 
- الله يسلمك  ،  عاملة إيه  ؟ 
شخصيتها تأبى الإفصاح عما بها برغم أنها ودت لو بإمكانها إخبـ.ـاره لذا نطقت بجدية زائفة تزامنت مع تسلسل خيطٍ من الدمـ.ـو.ع  : 
- كويسة الحمد لله  ،  بحاول أتواصل معاك من زمان مش بترد عليا وجيتلك الورشة قالولي إنك في مشوار  ،  هو فيه حاجة حصلت  ؟ 
نطقتها بحشرجة ونشيج صدر منها لا إراديًا فوصل إليه ليدرك أنها تبكي لذا وخزه قلبه واستنشق بصعوبة وشعر بالتـ.ـو.تر حتى في جلسته لذا أردف بجدية مفعمة بالحنان  : 
- إنتِ عارفة إن معظم شغلي برة الورشة يا بسمة  ،  الزباين بيتصلوا عليا وبروحلهم بنفسي وصالح بيسد مكاني  ،  صوتك ماله  ؟  حد مزعلك  ؟ 
يفترض أن يقسو ليبتعد ولكنه وجد نفسه يستفسر عما بها  ،  الزمته مسؤوليته تجاهها بذلك وهذا ما كانت تفتقده حيث تحشرجت وأجابته تبتلع غصتها  : 
- لا كله تمام  ،  أنا بس اخدة دور برد وخطرت على بالي دلوقتي قلت أحاول أكلمك يمكن ترد عليا  ،  وكويس إني اطمنت عليك  . 
أيخبرها بما ينوي فعله  ؟  هل يلقي بعود الثقاب المشتعل ويرى ردة فعلها  ؟  أم يلتزم الصمت  ؟  يخشى أن يـ.ـؤ.لمها أكثر ولكنه يريد أن يصل لقرارٍ نهائي لذا ازدرد ريقه وأردف بصعوبة  : 
- معلش لو ماكنتش برد بس فعلًا كنت مشغول  ،  والفترة الجاية داخل على مشروع خطوبة فلو ماردتش مـ.ـا.تبقيش تزعلي  . 
أي زعل  ؟  هو يتحدث عن الزعل الطبيعي  ؟  هي الآن تواجه آلامًا لا حصر لها  ،  أحدهم يعتصر قلبها فينزف وهي ملجمة عن فعل شيء لذا تساءلت باستنكار ولم تعد تستطع إخفاء ألمها من شـ.ـدته  : 
- مشروع خطوبة ؟  كويس جدًا إنك عرفتني  ،  لإني كنت قربت أصدق إنك مختلف  . 
لم تنتظر رده أو فهمه لكلمـ.ـا.تها بل أغلقت وارتمت على الفراش تجهش في بكاءٍ مرير تتعهد أن تصبح من بعده أقوى وأقوى وأقوى حتى تنكسر  . 
❈-❈-❈
صباحًا 
تستقل مارتينا سيارة والدها الذي يعود بها إلى المنزل  ،  تجلس تشاهد اللقاء الصحفي الذي جمع بين ثائر و ديما  . 
تركيزها منصب على تلك العربية وملامحها ونظرات ثائر نحوها  ،  هادئة تمامًا كمياه محيط أعماقه مرعـ.ـبة  . 
نظرة خاطفة من والدها الذي قال بنزق  : 
- كفي عن مشاهدة أي شيء يتعلق به  ،  يكفي ما حدث معكِ بسببه  . 
لم تُعِر والدها أي اهتمام بل استمرت في المشاهدة والتمعن لتتساءل بعدما انتهى اللقاء  : 
- متى أخبرك بشأن معاذ  ؟ 
زفر والدها يجيبها باعتراض  : 
- منذ أسبوع  ،  وبالطبع لم أقبل   . 
التفتت تطالعه بعدما دست الهاتف في جيبها وبعيون ماكرة نطقت  : 
- أترك الأمر لي  ،  لا تتدخل في ذلك   . 
انتابه الغضب ليستطرد موبخًا  : 
-  سأتدخل مارتينا كما تدخلت وأخرجتك الآن بعدما كان توماس ينوي إبقاءك في السجن للأبد  ،  أنتِ إلى الآن لا تدركين حجم ما فعلتِ ومع من تلاعبتِ ،  أنتِ لا تعلمين ما المقابل الذي قدمته كي أجعله يتنازل  . 
عادت تنظر إليه وتساءلت بترقب وهي تتكتف  : 
- ما المقابل أبي  ،  أخبرني كيف جعلته يسحب دعوته  ؟ كنت أعلم أنك ستجد حلًا ولكن آخر ما كنت أتوقعه أن يتنازل توماس . 
أومأ يجيبها بغموض وشرود  : 
- توماس لديه الكثير من الأسرار التي اكتشفت إحداها بصعوبة  ،  هو لا يحبذ ظهورها وبسببكِ أنتِ لا يمكنني فضحه  . 
انتابها الفضول لمعرفة هذا السر لذا أردفت بنبرة مترجية مبطنة بالخبث  : 
- هيا أبي أخبرني ما هو هذا السر  ؟ 
التفت لها يطالعها بتعمن ويدرك إنه إن أخبرها فمن المؤكد ستخبر ثائر به أو ستساومه لذا عاد يتطلع على الطريق واستطرد  : 
- لن أخبركِ مارتينا  ،  لا تحاولي  . 
ابتسمت بتخابث ورفعت حاجبيها تجيبه بمغزى يفهمه  : 
- كما تريد  . 
❈-❈-❈
ما إن دلفت الشركة ورآها حتى أسرع إليها يناديها  : 
- دينا  . 
التفتت تقابله بتعجب ثم نظرت حولها بحرج من نظرات الموظفين ولكنها تجاوزتهم سريعًا واتجهت تقف قبالته وتساءلت بخفوت  : 
- فيه إيه يا لوتشو  ؟ 
تحمحم يشير لها أن تتبعه ففعلت حتى خرجا من الشركة ووقفا بالقرب من ملحق السيارات فسألته بعينيها فأردف بتـ.ـو.تر  : 
- أمي ستأتي الأسبوع المقبل ،  لقد أخبرها والدي عن أمرنا وقررت أن تأتي وتراكي بنفسها  . 
قطبت جبينها وتساءلت  : 
- طيب وفيها إيه  ؟  ومالك متـ.ـو.تر ليه كدة  ؟ 
زفر بقوة وحاول أن يشرح لها بشكلٍ سريع فقال  : 
- انظري دينا  ،  أمي لها طريقة خاصة بها  ،  دعيني أخبركِ عن كيفية التعامل معها  ،  ساعديني كي يمر الأمر بسلام  . 
شعرت بالضيق بعدما نقل لها تـ.ـو.تره وتساءلت بتوجس  : 
- هو إنت خايف  ؟  مش المفروض إنك زي ما فهمتني ليك رأي مستقل  ؟ 
أومأ يؤكد بجدية  : 
- نعم بالطبع أنا كذلك  ،  ولكنني لا أريد أن أختلف معها  ،  أنا أريدها أن تتقبلك وتبـ.ـارك زواجنا لذا أرجوكي ساعديني  ،  الأمر بسيط فقط دعيني أخبركِ عن كيفية التصرف معها ولكن لننتظر بعد العمل  ،  ما رأيكِ  ؟ 
تنفست بعمقٍ وتكتفت تنظر حولها  ،  لقد اختارته ليهون عليها صعاب الحياة وتبتعد عن الأخطاء التي وقعت فيها والدتها وديما ولكن يبدو أنها ستواجه حماة متسلطة ستلقنها درسًا جديدًا في الحياة  . 
أومأت بعد تفكير دام لثوانٍ تجيبه  : 
- تمام  ،  خلينا دلوقتي نخلص شغلنا ونتكلم  ،  ومـ.ـا.تنساش إنك لازم تتكلم مع داغر تاني زي ما قولت  . 
انفرجت أساريره وأومأ مرارًا يردف بحماس وسعادة  : 
- حسنًا حسنًا لا تقلقي  ،  هيا لندخل  . 
❈-❈-❈
في العاشرة تململت في نومها حينما رن هاتفها لذا التقطته تنظر لشاشته بنصف عين لتجده اتصالًا من شقيقها فأجابت بنعاس  : 
- صباح الخير يا حبيبي  . 
تعجب من صوتها وتساءل  : 
- ديما إنتِ لسة نايمة  ؟  ماروحتيش الشغل النهاردة ولا إيه  ؟ 
انقشع نعاسها ونهضت تسأله وهي تنظر لساعتها  : 
- هي الساعة كام ؟  يا نهار أبيض دي عشرة  ،  أنا راحت عليا نومة  . 
قام بتهدئتها بنبرته الحنونة يسترسل  : 
- طيب معلش حصل خير  ،  اهدي كدة وقومي افطري وبعدين روحي  . 
كانت بالفعل قد وصلت إلى الحمام تجيبه  : 
- ماشي يا حبيبي هخلص واكلمك تاني  ،  قول لماما إني هكلم الولاد في المكتب علشان اتأخرت  . 
أغلقت معه وأسرعت تغتسل وتتوضأ ثم خرجت تؤدي روتينها بشكلٍ سريع لتتجه إلى المكتب . 
❈-❈-❈
تعمد أن يذهب اليوم باكرًا إلى عمله بالرغم أن هذا ليس من طباعه ولكن من المؤكد أن اليوم مختلفًا عن غيره  . 
لقد تم إطـ.ـلا.ق سراح مارتينا ويجب عليه أن يستعد جيدًا  ،  الأيام القادمة لن تكون هادئة على الإطـ.ـلا.ق  . 
لم يكن يتوقع أن يتنازل توماس عن دعوته القضائية ضدها  ،  ما توقعه هو محاولات والدها لإخراجها لذا فكان أمامه متسعًا من الوقت ولكنهم حاصروه الآن  . 
نظر في ساعة يده ليجدها الحادية عشرة إلا عشر دقائق لذا عبث بهاتفه يتابع شيئًا ليبتسم ويتنفس باطمئنان حينما وجدها تدلف المكتب توزع ابتسامتها على الجميع وتسرع خطاها نحو مكتبها ليتساءل بضيق  ...  لمَ أعينهم تتغزل بابتسامتها  ؟ 
مال فمه بابتسامة هادئة يسخر بها من نفسه  ،  بات يشعر بالغيرة كثيرًا  ،  ثائر ذو الفقار الجبل الجليدي يغار   . 
احتلت عقله أمس بمناظرتها له ولولا مسألة مارتينا لكانت هي بطلة أحلامه  . 
التفت يجلس على مكتبه ويباشر عمله وعادت مارتينا تحتل أفكاره  ،  يجب عليه أن ينتبه جيدًا وإلا حدث مالم يحمد عقباه وهذا ما لن يسمح به  . 
ما إن فتحت مكتبها ودلفت حتى تفاجأت بمقعد جديد يشبه الأريكة  ،  تعجبت واتجهت تتحسسه ولسان حالها يردد  : 
- من جاء به ولماذا  ؟ 
تنهدت وجلست عليه لتشعر براحة تحيط بجسدها  ،  مريحًا بشكلٍ جعلها تغمض عينيها وتبتسم وتتنفس بعمقٍ حيث فردت ظهرها عليه بأريحية تستمتع باحتوائه لجسدها  . 
عادت تبصر وتتساءل مجددًا هل علموا أن مقعدها السابق كان غير مريح  ؟  وهل تم تغيير مقاعد المكاتب جميعها  ؟ 
لم تلاحظ ذلك أثناء دخولها لذا نهضت تتجه نحو النافذة المطلة على المكاتب لترى المقاعد كما هي  ،  لم يتغير شيئًا على الإطـ.ـلا.ق لذا زادت حيرتها ولكن عقلها انشغل بشيءٍ آخر  ،  امرأة تدلف المكتب وتخطو بتغنج يثير التعجب ،  ملابس غربية بحتة وزينة صارخة وعطرًا فرنسيًا يفوح في المكان كله  . 
قطبت جبينها وهي تراها تتحرك نحو مكتب ثائر ذو الفقار وفتحته دون استئذان لتشهق ديما وتهمس لنفسها  : 
- يا خبر  ؟  هو هنا  ؟ 
رفعت ساعتها تنظر فيها لتجدها تمام الحادية عشر لذا قطبت جبينها فهي لم ترهُ أتى للتو  ،  هل أتى باكرًا على غير عادة  ؟  ومن هذه  ؟  هل هي  ...  طليقته  ؟ 
شردت تتذكر ملامح المرأة التي رأتها معه من قبل في إحدى الصور لتومئ لنفسها قائلة  : 
- أيوا هي  . 
التفتت تعود لمكتبها وتباشر عملها معنفة نفسها على فضولها النسبي والذي يزيد حينما يتعلق الأمر به لا تدرك لماذا لذا فتحت الحاسوب الخاص بها كي تبدأ وتنـ.ـد.مج في العمل  . 
❈-❈-❈
لقد ظنت مارتينا أنها ستقتحم مكتبه ويستقبلها بحفاوة خاصةً بعدما نالت حريتها  ،  لم تتوقع أن يرفع نظره ويطالعها بهذا الكم من البرود واللا مبالاة  . 
تعجبت وهي تقترب منه فحذرها بعينيه قائلًا  : 
- اجلسي مارتينا  . 
توقفت عن سيرها نحوه وزفرت بإحباط واتجهت تجلس كما قال لتضع ساقًا فوق الأخرى وتجيبه  : 
- لم أكن أتوقع هذا الاستقبال منك ثائر  ،  ظننتك اشتقت لي ،  ولكن يبدو أن هناك أمرًا جديدًا قد طرأ على حياتك  . 
فهم مغزى حديثها ليجيبها بنظرات رسمية مباشرة  : 
- كيف اشتاق لأم ابني التي سُجنت بتهمة القـ.ـتـ.ـل لرجلٍ كانت على علاقة به لعدة أشهر ؟! 
تجهمت ملامحها ونطقت باندفاع وهي تقرب وجهها المنكمش منه  : 
- إن لم أقـ.ـتـ.ـله كان سيقـ.ـتـ.ـلني  ،  لقد كنت أدافع عن نفسي أم هل كنت تريد موتي  ؟ 
باغتها بنظرة جردتها وتابع من بين أسنانه بهدوءٍ عاصف  : 
- أنتِ أقمتِ علاقة معه مارتينا  . 
صمتت تطالعه بتـ.ـو.تر وهرب اندفاعها فتابع بذات الحالة  : 
- حينما تزوجنا أخبرتك أنني منفتح ولكنني لستُ ساذجًا  ،  لي هويتي التي ت عـ.ـر.فينها جيدًا وبرغم ذلك فعلتِ كل ما هو مخالف  ،  تريدنني أن أتقبل أفعالك  ؟  حسنًا ماذا عن ابني  ؟  ألن تخجلي منه وهو يراكِ امرأة قـ.ـتـ.ـلت عشيقها  ؟  
- ليس عشيقي ولن يكون  . 
نطقتها بغضب لحظي فتابع  : 
- إذا ماذا كنتِ تفعلين في سريره  ؟  
نهضت تنحني على المكتب وتطرق بكفيها بقوة وهي تباغته بنظرة تملك واستطردت بتجهم  : 
- فعلت ذلك من أجلك  ،  كل ما فعلته كان كي أنتقم منه على ما فعله بك  ،  حاولت قـ.ـتـ.ـله من أجلك أنت أيها الغـ.ـبـ.ـي  . 
حدق بها ولمح الجحيم في عينيها فزفر واسترسل بهدوء يزيدها جنونًا  : 
- اجلسي لنتحدث  ،  يجب على معاذ أن يذهب إلى مصر هذه الفترة  ،  هو متعب نفسيًا بعد كل تلك الأحداث  ،  دعينا نحل هذا الأمر  . 
صمتت لهنيهة تطالعه وجلست تزفر لتهدأ ثم أردفت باستفهام  : 
- ولمَ مصر  ؟ 
بهدوء افترش تقاسيم وجهه أجابها  : 
- أمي تتلهف لرؤيته  ،  تريد أن تأتي هي إلى هنا كي تراني وتراه وأنا لا أريدها أن تأتي لذا فليسافر هو لها ويقضي معها بعض الوقت  . 
أقنعها بذلك فهي لا تريد رؤية وجه والدته التي تكرهها ولكنها امرأة الاستغلال لذا استطردت بترقب  : 
- وما المقابل ثائر  ؟ 
ابتسم بسخرية وأجابها   : 
- المقابل أنكِ ستحاولين إصلاح ما أفسدتيه  . 
- موافقة  . 
نطقتها ونهضت تتحرك نحوه فكاد أن يمنعها ولكن ما  منعها طرقات على مكتبه وتبعها دخول إحدى المحررات تبتسم بحرجٍ وتردف  : 
- سيد ثائر هذا المقال يحتاج موافقتك للنشر  . 
أومأ لها وأشار لها بيده لتناوله الجهاز اللوحي الخاص بها ففعلت وزفر يتحدث معها وترك مارتينا تطالعه بضيق ثم اتجهت تنظر إلى الخارج من نافذته وتتفحص المكاتب لترى هل هذه المرأة هنا بينهم أم لا  . 
دارت بعينيها على الجميع ولم تلاحظها لذا ابتسمت ولكن لم تفلح أن تصل ابتسامتها لعينيها حيث وجدتها تظهر من مكتبٍ خاص وتتجه نحو آلة الطباعة الموجودة في ركنٍ ما . 
تفشت الصدمة ملامحها لتتبخر ويظهر بعدها الغضب والحقد امتزجا فحولا ملامحها إلى لوحة شرٍ لا تليق إلا بها واتقد داخلها نيرانًا سعرة أشعلتها ديما بهيأتها  . 
التفتت تطالعه وتساءلت وهي تتتبع المحررة حتى غادرت الغرفة : 
- هل تصالحت مع المحجبات  ؟ 
رفع نظره إليها وعلم أنها رأتها ومن خلال نظرتها أدرك المخاطر التي ستحيط ديما لذا كان عليه أن يجيبها بذكاء حيث قال  : 
- إن كان الصلح الذي تعنيه سيجعلها ترفع راية الاستسلام وتعود لوطنها خالية الوفاض بعدما أحطم أفكارها واحدة تلو الأخرى  ،  فنعم  . 
- ماذا تقصد  ؟ 
تساءلت بشكٍ ليبتسم ثم نهض يتجه إليها ويقف قبالتها وينظر معها نحو ديما التي تنشغل بطباعة الأوراق ليردف بنبرة واثقة ونظرة برع في تزييفها  : 
- لم تتحداني امرأة عربية من قبل لذا فأنا أحببت كثيرًا هذه اللعبة  ،  سأجعلها تشعر أنها تنتصر إلى أن تظنني استسلمت ثم  ...  ستصبح أضحوكة لتعود من حيث أتت وتندثر هي وأفكارها المتعفنة . 
نظرت في عينيه لتستشف الحقيقة من الكذب فلم تستطع حيث صدّر لها غشاءً من البرود لذا تساءلت بتأرجح  : 
- ولمَ تفعل هذا  ؟ 
هو على يقين بأنها لم تقتنع ولكنه سيسعى ليفعل أي شيء يجعلها آمنة لذا نطق يرفع حاجبيه  : 
- ربما تسلية  . 
حدقت فيه لهنيهة ثم تلاعبت بابتسامة متصنعة خبيثة تجيبه  : 
- لنتسلى إذًا  . 
قالتها وتحركت تستل حقيبتها وتغادر ملوحةً له ليقف يدس كفيه في جيبيه ويتابعها من خلف النافذة وهي تخطو نحو ديما حتى توقفت أمامها فلاحظتها ديما التي التفتت تبتسم لها  . 
ابتسامتان أتيتا من عالمين مختلفين  ،  إحداهما يسكنها الموت وأخرى تهب الحياة  ، إحداهما خلفها الجحيم وأخرى عفوية جعلت الأولى تنطق بترحيب زائف  : 
- أهلًا بكِ في فرنسا  . 
تعجبت ديما من نظرتها التي لم ترِحها على الإطـ.ـلا.ق ولكنها نطقت بهدوء  : 
- شكرًا لكِ  . 
انخلعت من المكان تغادر وداخلها تعهد  ،  حتى وإن كان صادقًا لن تسمح لأي مشاعر أن تولد بينهما  . 
وهذا ما علمه جيدًا لذا زفر بقوة وضيق وتحرك يتجه لمكتبه ويفكر في عدة حلول  . 
❈-❈-❈
كالعادة جلس يطعم والده الذي تدهورت حالته كثيرًا  ،  حتى أنه يشعر بقرب النهاية  ،  ربما تضاعف ألمه لبعده عن بلده  ،  كان يتمنى أن يموت ويدفن بها ولكن يبدو أن إرادة الله تسبق الأمنيات لتصنع خططًا تفوق استيعابنا  . 
نظر صالح إليه نظرة منطفئة وتحدث بنبرة حزينة  : 
- خلينا نروح عالمستشفى يا حج رُد عليي  . 
هز رأسه بوهن وأجابه  : 
- صالح  ، دقلي على عمك محمود بدي أحكي معه ضروري  . 
نهش الخوف جدران قلبه فتألم  ،  يشعر أيضًا بما يشعر به والده ولكنه أطاعه يحمل هاتفه ويطلب رقم عمه المقيم في ولاية كاليفورنيا  . 
أجاب العم يردف بحبورٍ وود  : 
- هلا صالح  ،  كيفك يا عمي  ؟ 
ابتسم صالح بملامحه الحزينة يجيبه  : 
- الحمد لله يا عمي  ،  إنت كيفك  ؟ 
ناداه والد صالح فأدار الثاني الهاتف نحو والده الذي حينما لمح شقيقه عزّت عليه نفسه وبكى حنينًا له يردف بترجٍ  : 
- تعال أشوفك يا محمود  ،  تعال و جيب معك الأمانة  . 
انزعج محمود من حالة شقيقه وتحدث إلى صالح معاتبًا  : 
- ليش هيك تاركه يا صالح  ؟  انقلو عالمستشفى دوغري  . 
نظر صالح لوالده بقلة حيلة ثم أجاب عمه  : 
- ياعمي عم أحاول معه من أسبوع مش قابل ،  ياريتك تيجي يمكن يتحسن  . 
زفر محمود بعمق وعيناه لا تفارق ملامح شقيقه الذي يبادله النظرات ويخبره أن يأتي لرؤيته لذا أومأ محمود يردف  : 
- خلص راح أحجز وأنزل بأقرب وقت  . 
- وما تنسى الأمانة  . 
اضطر صالح لإغلاق المكالمة ونظر لوالده الذي يلتقط أنفاسه لذا تساءل  : 
- أمانة شو يابا . 
لم يجد بدًا من إخبـ.ـاره  ،  خاصةً وأنه على فراش الموت ورأى كيف تعامل معهما المحيطين بهما فقال موضحًا بنبرة واهنة  : 
- عمك معاه مصاري لإلي  ، وديعة باسمي من زمان وخليتا معه  ،  كنت بدي اجيبا لما نرجع ع غزة ونعمل  مشروع هناك ونبلش من أول و جديد بس يمكن الله مش كاتب  ،  لهيك رح أسلمك إياها وانت افتح مشروع هانا مع صاحبك  ،  مصنع زغير على ادكوا وكبروه سوا  ،  زي ما أكرمنا ووقف معانا لازم نردله الجميل يا صالح بس بدي أوصيك وصية  . 
كان يشعر أن بين عمه ووالده شيئًا من هذا القبيل لذا التمعت عيناه بدمـ.ـو.عٍ أبت أن تسقط ولا يعلم ماهية الشعور الذي يراوده الآن ولكنه خليطٌ من الحزن والقهر والظلم والقليل من الراحة  ،  تلك الراحة التي تسبب فيها داغر لذا سيحاول بالقدر المستطاع فعل أي شيءٍ من أجله  ،  تنفس بقوة وأردف  : 
- الله يطول بعمرك يابا . 
- اسمعني بس  . 
أومأ يوليه اهتمامه وينحني عليه فتابع بوهن  : 
- وصيتي تصلي في الأقصى لما يتحرر وتدعيلي بالرحمة  ،  ولو ما عرفتش تنفذها وصي ابنك ينفذها  ، واحكيله على اللي صار معانا  ،  وقوله يحكي لابنه  ،  أوعى يا صالح تطلع من جلدك في يوم من الأيام  ،  أوعى تنسى يابا  . 
تنهيدة معبأة بأدخنة نيران القمع والظلم الذي رآه  ،  نيران الفقد حينما سقطت عائلته أمامه ولم يستطع إسعافهم  ،  حينما توقفت والدته وشقيقته الصغرى أمام عينيه ووقف يصـ.ـر.خ ويشق الألم صدره دون جدوى أو سبيل للراحة ولولا إصابة والده التي أجبرته على الخروج لكان الآن بينهم  . 
ازدرد ريقه وأومأ بطاعة يردف بنبرة تحمل أطنانًا من الحزن الذي يسعى داغر ومن حوله في إزالته  : 
- مش راح أنسى  ،  مستحيل أنسى  . 
❈-❈-❈
في اليوم التالي  . 
في المكتب جلست تفكر بشرود وتعجب فمنذ الصباح وهي تلاحظ حركة غريبة حولها  ، كأن هناك من يتتبعها  ، تتذكر حينما حاولت عبور الطريق وكادت سيارة أن تصدمها لينتشلها رجلًا ويبعدها بشكلٍ مفاجىء قبل أن يحدث ذلك  .
فعلها وغادر دون حتى أن تشكره وتراه جيدًا  ، المشهد كان مريبًا بالنسبة لها  .
لتأتي وتتفاجئ بثائر قد أتى باكرًا اليوم أيضًا  ،  هناك شيئًا يدور حولها لا تفسر كنهه  . 
تنهيدة حارة خرجت من جوفها وأرادت التركيز فيما تكتبه لذا حاولت أن تصفي ذهنها فنهضت تتجه إلى آلة تحضير القهوة لتضع بها إحدى أقراص القهوة المضغوطة وتضغط على  شاشتها منتظرة تحضيرها  .
لم يمر ثوانٍ حتى امتلأ الكوب بالقهوة فحملته وما إن كادت أن ترتشف منه حتى وجدت باب مكتبها يطرق ويتبعه دخول ثائر المفاجئ ليغزوها التعجب وتقف تمسك بالكوب متسائلة بتـ.ـو.تر حينما وجدته يغلق باب المكتب خلفه ويتقدم : 
- خير يا أستاذ ثائر  ؟ 
نظر إلى الكوب في يدها ثم رفع نظره يتعمق في حدقتيها وتحدث بهدوء وخطواته تستهدف موقعها  : 
- النهاردة عندي مبـ.ـاراة ملاكمة ودية وأنا متعود آخد معاذ معايا  ،  بس هو طلب حاجة غريبة شوية  . 
قطبت ما بين حاجبيها تتساءل حتى بات أمامها فمد يده ينتشل منها كوب القهوة ورفعه إلى أنفه يشمه ثم أنزله وتمعن فيها مجددًا يسترسل بثباتٍ : 
- قال لي إنه حابب تيجي معانا  ،  لو ماعندكيش مانع  . 
تفشى التـ.ـو.تر في جسدها من قربه ومن نظراته ومن احتلاله لقهوتها لتجده يتحرك نحو النافذة المطلة على الشارع وفتحها فالتفتت تنظر لما يفعله لتجحظ حينما وجدته يسكب القهوة داخل قصيصة الزرع لتسرع نحوه متسائلة بعدم استيعاب  : 
- إنت بتعمل إيه  ؟! 
التفت لها ثم ألقى الكوب في السلة القريبة منه واسترسل  : 
- بكرة هنعرف  ،  ومن دلوقتي لبكرة مـ.ـا.تشربيش ولا تاكلي أي حاجة هنا  ،  تمام  ؟ 
وجدت نفسها تومئ له رغمًا عنها  ،  فصرامة نظراته كانت كافية لترضخ دون سؤاله عن السبب  ولهذا تنفس بـ.ـارتياح والتفت يخطو نحو الباب وتوقف قبل أن يفتحه يعيد سؤاله وهو يواليها ظهره ويضع يديه في جيبيه  : 
- هتيجي معانا ولا أبلغ معاذ إنك مش موافقة  ؟ 
سمحت لرئتيها أن تتنفسا بعدما ابتعد عنها وفكرت لهنيهة  ،  يمكنها أن ترفض ولكن لأجل الصغير أجابته  : 
- هاجي  ،  علشان خاطر معاذ  . 
هز رأسه دون أن ينطق حرفًا وغادر وما إن دلف مكتبه حتى تجهمت ملامحه وتوعد لـ مارتينا إن تأكدت شكوكه  . 
❈-❈-❈
مساءًا 
اصطحباها معهما في سيارته  . 
جلست في الخلف متـ.ـو.ترة شاردة تفكر هل أخطأت حينما قبلت  ؟  ولكن فرحة الصغير بذهابه وحماسه الواضح وهو يتحدث مع والده جعلاها تهدأ وتسعد لأجله  . 
العلاقة بين الأب وابنه صحية بشكلٍ أثار إعجابها  ،  إنه أبٌ مثالي يحب ابنه كثيرًا ولم يعِق طـ.ـلا.قه التواصل بينهما وحتى الصغير مرتبطٌ به بشكلٍ وتيد  . 
تنفست بعمق ليسألها معاذ سؤالًا مفاجئًا  : 
- هل لديك أطفال  ؟ 
ابتسمت له تجيبه بهدوء والتمعت عينيها بالحنين لصغيريها اللذان تهفو لرائحتهما  : 
- نعم  ،  لدي مالك ثمانِ سنوات  ،  ورؤية خمسة سنوات  . 
تجلت السعادة فوق ملامحه واستطرد متلهفًا  : 
- وأين هما  ؟  
رسم الحزن لوحته على صفحة وجهها وأجابته بابتسامة مشتاقة  : 
- في مصر  ،  مع عائلتي  . 
أُحبطت مخططاته ونظر لوالده يردف بترقب  : 
- أبي هل يمكنك إحضارهما  ؟  سأكون سعيدًا إن تعرفت عليهما  . 
تحدث ثائر بثبات وعينيه على الطريق  : 
- سأعمل على أن تراهما حينما تذهب إلى مصر يا معاذ  . 
واسترسل وهو يسلط أنظاره عليها من خلال المرآة  : 
- إن وافقت السيدة ديما  . 
قطبت جبينها وتساءلت  : 
- هو معاذ هينزل مصر  ؟ 
أومأ يجيبها  : 
- أيوة  ،  هينزل فترة يزور عيلتي ويقضي الأجازة معاهم  . 
أومأت له وعادت لصمتها وتساؤلات عقلها عن شخصيته التي مازالت تخطو في درب اكتشافها  . 
❈-❈-❈
عفت عنه منذ الأسبوع الأول للخصومة حينما احتاجت للنقود  ،  بعدما اتخذ من محل عمله منزلًا له  ،  الوضع كان مزريًا بشكل لا يصدقه  ،  لقد ساءت حالته كثيرًا لذا ما إن طلبته حتى لبى طلبها على الفور متحججًا وفرحًا بأنها تحتاجه  . 
هاتفته ليعود فتهللت أساريره وعاد على الفور ولكنها صدمته حينما ألزمته النوم في غرفة منفصلة عنها بذريعة أن عليه أن يعمل من أجل أن تسامحه  . 
بالقليل من مكرها الأنثوي ودلالها المفرط أقنعته أن تصرفها كان بدافع غيرتها عليه وابتلع الطعم كالعادة لذا اضطر إلى شراء قطعة ذهبية لها عبـ.ـارة عن خاتم ليتفاجأ بها تكافئه كما يحب وكما تمنى  . 
والآن تجلس أمامه تحاول إقناعه بالأمر الذي فكرت فيه لذا قالت  : 
- أنت قلقان من إيه يعني يا كمال  ،  ما كله بقى بعمل كدة  . 
شرد يفكر في حديثها  ،  لقد كان يسخر من هؤلاء فهل سيفعل مثلهم الآن  ؟  هز رأسه يردف بين رفضٍ وقبول  : 
- واحنا ليه نطلع نعرض حياتنا على النت  ؟  وبعدين هنعمل إيه يعني وهنطلع نتكلم في إيه  ؟ 
هزت كتفيها بتغنج ودلكت معدتها تجيبه  : 
- يعني نروح مثلًا أنا وانت نشتري حاجات ابننا  ،  نصور روتينا اليومي  ،  نعمل فيديوهات عن أد إيه إنت بتحبني وبتموت فيا  ،  نطلع لايف وأنا بولد والناس تشوف لهفتك عليا  . 
وجدته شاردًا لم يقتنع بعد لذا تابعت  : 
- الحاجات دي بتفرق مع الناس وبيصدقوها أوي  ،  ده غير إن الفلوس اللي بتيجي من ورا الفيديوهات دي بالكوم  ،  وأهو رزق كمان وانت عارف البحر يحب الزيادة  . 
زفر ونهض يرتدي ساعة يده ويردف بتردد وهو ينوي التحرك  : 
- سيبيني بس اقلبها في دماغي وبطلي زن  ، يالا سلام  . 
تحرك يغادر وتركها تتأفأف بضيق من عدم موافقته ولكنها تعلم أنه عاجلًا أم آجلًا سيرضخ  . 
❈-❈-❈
في سريرها بعد العودة 
تتمدد بعدما أغلقت مع والدتها وطفليها للتو في مكالمة استمرت لساعة راجعت معهما الآيات التي حفظاها وفهماها والدروس التي ذاكراها  ،  تسابق الاثنان على محادثتها أولًا ولولا منال وتنظيمها كان أصبح الأمر عبثيًا حيث أن رؤية أرادت أن تحصل على التميز بدلالها الذي تسبب فيه داغر  . 
تنهيدة حارة مرت على رئتيها ليعود ثائر يقتحم ثنايا عقلها  ،  رأته اليوم وهو يصارع خصمه بقوة ويسقطه دون أن يرف له جفن  ،  كان جسورًا وقاسيًا معه للدرجة التي جعلتها تنكمش وتخفي وجهها بين كفيها على عكس معاذ الذي كان يشاهد بحماس  . 
نعم الآن فهمت مقصده حينما كتب في بحره الثائر 
(  إن أردت التعبير عن غضبك الداخلي تظاهر بالبرود وانتظر قليلًا  ثم اذهب واكسر كأسًا وادعي وقوعها بالخطأ  ،  أو اكسر جسدًا وادعي أنك تمارس الملاكمة ) 
إذًا هو كان غاضبًا  ؟  ممن هو غاضب  ؟  قبل ذهابه لم يكن يظهر عليه أي غضبٍ  . 
ما حدث اليوم منه مريب وهي بحاجة تفسير لتفهم الكثير وإلا لن تشعر بالراحة ولن يتوقف عقلها عن طرح الأسئلة  ،  يكفيها الأسئلة التي تدور في فلك عقلها حول حياتها لذا عليها سؤاله مباشرةً عما يريده منها  ،  إنه يخفي شيئ وستعلمه  . 
نهضت بعدها لتصلي القيام وتقرأ وردها اليومي وأذكارها التي تمدها بالنشاط والراحة ليومها التالي  . 
❈-❈-❈
هاتفها لتراه في حديقة الفيلا الخاصة بهم ففعلت لترى ماذا يريد والحزن يسيطر عليها من كل حدبٍ وصوب منذ أن أخبرها داغر بأمر خطبته القريبة  . 
جلست أمامه تنتظر حديثه وجلس أمامها يتفحص ملامحها بثقب لذا تساءل باهتمام ظاهري  : 
- مالك يا بسمة  ؟  احكيلي إيه مزعلك  ؟ 
بالطبع لن تخبره ولكن هل يشعر بها حقًا  ؟  هل يفهمها مثلما كان يفعل سابقًا  ؟  أم أنه يمارس المكر خلف قناع الاهتمام هذا  ؟ 
لم تعد تدرك شيئًا ولكنها مشتتة الآن لذا هزت رأسها تجيبه  : 
- أبدًا  ، أنا كويسة  ،  قول لي كنت عايزني في إيه  ؟ 
يحاول التروي جيدًا لذا وضح بهدوء وعينيه لا تفارق عينيها  : 
- أنا قبل ما اتكلم مع بابا أو ماما في أي حاجة قلت اكلمك إنتِ الأول وأعرف رأيك وصدقيني هحترم قرارك جدًا مهما كان  ،  واطمني مافيش بعدها حد هيفرض عليكي أي حاجة  . 
ضيقت عينيها مستفهمة فاستطرد بخبثٍ  : 
- أنا بحبك  . 
فرغ فاهها تطالعه بصدمة فأومأ بابتسامة لطيفة وتابع  : 
- بصي أنا عارف إن الموضوع هيكون صدمة بالنسبالك بس أنا فكرت كويس ولقيت إن دي مشاعري من ناحيتك من زمان  ،  أنا اللي كنت بحاول أفسرها اهتمام وأخوة أو ارتياح للكلام معاكِ بس الحقيقة أن كل ده حب  ،  وبعيد عن أي خطط أو أهداف لبابا أو ماما أنا مستعد أعمل أي حاجة تقولي عليها علشان أثبتلك إن ده مش كلام  ،  دي حقيقة يا بسمة  ،  أنا بحبك  . 
لم تستوعب ما تسمعه منه ولكنها سبحت تفكر فيما يحدث وفي الأحداث التي تسير من حولها  ،  ابتعاد داغر وهروبه منها  ،  مشروع خطبته  ؟  اعتراف ماجد بحبٍ لم ترهُ ربما بسبب تسلط عمها وشكها به  ؟ 
هل كل هذه الأحداث صدفة  ؟  أم أن هناك أمرًا يجب عليها أن تراه  ؟ 
أسبلت حينما نهض يسترسل بهدوء وتريث  : 
- بصي فكري على أقل من مهلك أنا مش مستعجل  ،  وزي ما قلتلك أي قرار أنا هكون معاكي فيه حتى لو على حساب قلبي  . 
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي دلفت مكتبها ثم تحركت تضع معطفها وحقيبتها واتجهت تفتح نافذتها ولكنها وقفت متجمدة حينما وجدت زرعتها ذابلة لا حياة فيها  . 
لثوانٍ من الصدمة وعدم الاستيعاب ثم غزاها جيشًا من التساؤلات لتهمس لنفسها  : 
- مش ممكن القهوة تعمل كدة  . 
التفتت مسرعة تخطو باندفاع خارج مكتبها لتتفاجئ به يدلف لتوه من باب المبنى لذا اندفعت نحو فتعجب لتردف بين الموجودين  : 
- ممكن تيجي معايا ثواني  ؟! 
لمح الغضب يتراقص في عينيها فتحرك أمامها نحو مكتبها وتبعته وحينما دلف أغلقت الباب واتجهت نحو النافذة تشير له على القصيصة قائلة بذهول  : 
- ممكن تشرح لي إيه ده  ؟ 
تسلطت عيناه على القصيصة ليسود الغضب مقلتيه وأردف بنبرة متوعدة  : 
- القهوة مسموسة  . 
صدمة أفقدتها النطق لثوانٍ قبل أن تهز رأسها وتتساءل  : 
- مسموسة إزاي  ؟  ومن مين  ؟ وليه  ؟ 
توقف أمامها لأول مرة كأنه يقطن خلف قفص اتهام شيّد بنظراتها لذا أجابها بنبرة مبطنة بالكثير  : 
- لازم تاخدي بالك كويس أوي من هنا ورايح يا ديما  ،  إنتِ مستهدفة  . 
الذهول الذي يتراقص في عينيها يعتدي على ركوده فيود لو يثور ويغرق الجميع ولكنها الآن تركض في متاهة عقلها دون هدى لذا تساءلت والخوف ينهش قلبها  : 
- إنت مين  ؟
انتهى الفصل
أخطأْت حساباتكَ... 
سيادة الثائر...... 
لا أنا لعبة بيديك... 
تحركني كيفما شئت.. 
ولا قلبي ولا قلبك 
ولا عقلي ولا عقلك 
أخطأت حساباتك 
فقلبي لن يفتح أبوابه.. 
لمجرد نظرة 
من عينين ساحرتين... 
أو بضع كلمـ.ـا.ت هاربة
من سجن غموضك و كتمانك 
ربما سيفتح ابوابه لك
لو أطلقت أنت سراح آلامك... 
أنا امرأة ماهمني يوما بريق الحب
لكني امرأة دوما ما فتنتني آلامه...
( بقلم فيروزة) 
❈-❈-❈
كان يجلس في مكتبه يباشر عمله بجد ولكنه انتفض فجأة حينما انفتح الباب وظهرت والدته أمامه بملامحها الصارمة ودلفت تغلق الباب وتتحدث بلغتها  : 
- كيف حالك يا ولد  ؟ 
لم يستوعب وجودها بعد لذا دَعَك جفنيه وعاد يطالعها ثم نطق بذهول  : 
- أمي  ؟  ألم تقولي أنكِ ستأتين بعد أسبوع  ؟ 
رفعت حاجبيها تباغته بنظرة ثاقبة مستكشفة به أمره كله لتردف  : 
- نعم قلت ذلك لأنني أعلمك جيدًا  ،  ستحاول تدريب تلك الفتاة على كيفية التعامل معي وأنا لا أريد ذلك  ،  أريد أن أراها على شخصيتها الحقيقية  ،  هيا انهض وأرني إياها  . 
افترش بساط الصدمة تقاسيم وجهه لثوانٍ ثم نهض يتجه نحوها يعانقها ويرحب بها ليبتعد ويطالعها مردفًا برجاء  : 
- أمي أرجوكي توقفي عن اختبـ.ـاراتك هذه  ،  هكذا لن أتزوج طوال حياتي  ،  يكفي ما فعلتيه معي في الصين  . 
توسعت حدقتيها تطالعه بثقب لذا شعر بالرهبة حينما صدرت له ملامح الجمود ونطقت بنبرة متعصبة  : 
- ماذا قلت  ؟  هل تقصد أنني أم سيئة  ؟  كل ما فعلته هذا كي أصطفي لك زوجة جيدة تسعدك يا لوتشو  ،  قل الحمد لله أنني أتيت لأجري اختبـ.ـاراتي على تلك المصرية ولم أعترض  ،  هيا أمامي لكي أراها  . 
تحركت خطوة نحو الباب فأسرع يمنعها قائلًا  : 
- أمي أرجوكي استريحي هنا وأنا سأناديها  ،  لا داعي لتذهبي إليها ستفزع  . 
لكمته بحقيبة يدها في كتفه تردف بغيظ  : 
- تأدب يا ولد  ، لما ستفزع هل أنا ناقة أمامك  ؟ 
انكمشت ملامحها حينما تذكرت الإبل لتستطرد بملامح مشمئزة  : 
- أوه يا الهي لما تذكرت هذا الآن  !  لا أعلم كيف يتناولون لحم الناقة هذا  ؟! 
زفر يحاول أن يهدأ وهو يردد مجددًا يحاول إقناعها : 
- لا أنتِ السيدة ميتاي الجميلة وصاحبة الشركة لذا إجلسي مكانك وهي من تأتي إليكِ  . 
نظرت له بملامح شبه مقتنعة وفكرت لثوانٍ قبل أن تومئ وتتجه نحو المقعد تجلس عليه وتبتسم له لذا تنهد بـ.ـارتياح واسترسل  : 
- هذه هي أمي  ،  سأذهب لأناديها وأعود على الفور  . 
مد يده ليفتح الباب ولكنها أوقفته تردف بحزمٍ  : 
- عد إلى مكتبك لوتشو  ،  هاتفها لتأتي وإياك أن تخبرها بوجودي  ،  دعني أتعامل معها بنفسي  . 
تنفس بعمق يهدئ من روعه ثم اضطر لأن يعود لمكتبه ويهاتفها لتأتي وفي داخله أن يمر الأمر مرور الكرام  . 
❈-❈-❈
قضت الليل تفكر في عرض ماجد الذي أتى في نفس توقيت كلمـ.ـا.ت داغر  ،  تتمتع بالذكاء الذي جعلها تربط الأمرين ببعضهما لذا كان عليها اتخاذ قرار يصعب تنفيذه ولكنها ستغامر لتعرف هل ما تشعر به صادقًا أم أنها تتوهم  . 
جمعت القليل من ملابسها وأغراضها في حقيبة صغيرة ثم توجهت إلى الأسفل كي تخبرهم بقرارها الذي لن يقابلوه بالقبول مطلقًا ولكنها ستنفذه  . 
وقفت أمامهم وهم يجلسون حول مائدة الفطور ليظهر التعجب على ملامحهم حينما وجدوا حقيبة يدها لذا نهض ماجد يتجه نحوها وتساءل  : 
- إيه ده يا بسمة  ؟  رايحة على فين  ؟ 
ابتسمت له ثم نظرت إلى وجه عمها ونطقت بثباتٍ  : 
- أكيد حضرتك عرفت إن ماجد عرض عليا الجواز  ،  وطبعًا أنا اتفاجئت بعرضه لإنه علطول كان بيتعامل معايا كأخ  ،  ولإن الموضوع جه فجأة أنا قررت أبعد شوية عن البيت وأفكر كويس علشان أعرف آخد قرار  . 
دب الرعـ.ـب في قلب ماجد كوالديه ولكنه أعطى رد الفعل الأسرع فأردف بشكلٍ متلهف  : 
- لا طبعاً ماينفعش تسيبي البيت إيه الكلام ده  !  أنا قلتلك فكري براحتك وأنا معاكي في أي قرار  . 
تأكدت من شكها  ،  فلا هو أنكر ولا هما تفاجآ بعرضه إذا هي خطة بينهم  ،  اختفت ابتسامتها وشعرت بالغربة مجددًا لتتنهد بقوة وتحاول التحلى بالهدوء فتابعت وهي تقصد عمها بنظراتها : 
- موضوع الجواز والارتباط مش سهل طبعًا  ،  خصوصًا لو من ماجد اللي كنت شيفاه دايمًا أخ  ،  محتاجة أبعد وأفكر صح وآخد قرار  . 
نهض نبيل يرتدي قناعًا مزيفًا حينما سمعها  ،  فهي لم ترفض عرضه لذا هناك احتمال كبير لتقبل وهذا ما جعله يبتسم وهو يتقدم منها حتى وقف أمامها وأردف بهدوء  : 
- حقك طبعًا يا حبيبتي  ،  خدي وقتك في التفكير  ،  بس هينفع تقعدي في مكان لوحدك بعيد عننا  ؟ 
نطقت زوجته معترضة بنبرة لاذعة  : 
- لا طبعًا ماينفعش يا نبيل  ،  بسمة مسؤولة مننا  . 
لم تعرها أي اهتمام بل تابعت ابتسامتها واسترسلت أمامهم  : 
- مـ.ـا.تقلقش يا أونكل أنا مش هكون لوحدي  ،  أنا هقعد مع خالتو منال مامت داغر  . 
تجلت الصدمة تقاسيم وجوههم ليندفع ماجد ناطقًا  : 
- ده مستحيل يحصل أبدًا  . 
التفتت تطالعه بحدة وتجردت من هدوئها تتساءل  : 
- يعني إيه مستحيل يحصل يا ماجد  ؟  
أخرسه والده بنظراته ليكظم غيظه منها حتى أنه رفع سبابته يسكت زوجته حينما كادت أن تتحدث ونطق هو بهدوء خبيث  : 
- إزاي بس يا حبيبتي تقعدي عند ناس غريبة زي دي  ؟  بسمة أظن إنك ازكى من كدة  . 
تكتفت تجيبه بهدوء  : 
- مـ.ـا.تقلقش يا أونكل أنا بثق فيهم جدًا  ، مافيش داعي حضرتك تقلق عليا وسطهم  ،  وبعدين أنا مش رايحة أعيش هناك أنا بس هقعد معاهم كام يوم وارجع  . 
- مستحيل يا بسمة  ،  مستحيل ده يحصل  ،  يعني إيه تروحي تقعدي مع اللي اسمه داغر ده في بيت واحد  ؟ 
قالها ماجد الذي لم يستطع إخفاء غضبه لتلتفت له وتجيبه بهدوء ضاعف غضبه  : 
- وفيها إيه  ؟  ما أنا عايشة وسطكوا يا ماجد وانت مش أخويا  ،  تفتكر إني مش هعرف أحافظ على نفسي هناك  ؟  وبعدين داغر إنسان محترم جدًا وبيعتبرني زي دينا أخته ،  اطمن  . 
جن جنونه أكثر وكاد أن يعنفها لولا تدخل نبيل الذي صاح به بغضبٍ لم يستطع إخراجه سوى فيه  : 
- ماجد اخرس إنت  ،  سيبني اتكلم أنا  ،  اخرج دلوقتي  . 
قبض على كفيه وتنفس مرارًا ثم نظر لوالدته التي أومأت له فتحرك يغادر المكان ليتابع نبيل بعد ذلك بتحذير ممزوج بالغضب المكبوت  : 
- أنا بحاول أكون متفهم يا بسمة بس ماينفعش تقارني ناس زي دول بأهلك  ،  أنا بسهولة اقدر امنعك من إنك تخرجي برا الفيلا بس أنا عايزك تشوفي بنفسك طريقة حياتهم وعيشتهم وخصوصًا اللي اسمه داغر ده علشان كدة هسيبك تروحي وهو أسبوع واحد وترجعي بس بعدها مش هيبقى عندك أي سبب ترفضي طلب ماجد  ،  تمام  ؟ 
هل يظنها لن تتحمل حياتهم  ؟  هل يظنها أنها تريد الترف والثراء  ؟ إنها لا تريد سوى الأمان والراحة لذا أومأت تبتسم وتوحي له أنها رضخت لكلامه فقالت  : 
- تمام يا أونكل  . 
تحركت بعدها تسحب حقيبتها وتغادر هذه الفيلا التي تكبت على صدرها  . 
❈-❈-❈
سؤالها كان واضحًا له لذا زفر وأردف بنبرة متفهمة يحاول بها تهدئة روعها : 
- ديما اهدي . 
هزت رأسها رفضًا وبمقلتين ملأتهما التساؤلات قالت : 
- لا مش ههدى ، إنت مين ؟ جبتني ليه ؟ مستهدفة يعني إيه ؟ 
يعلم أن ما يحدث معه الآن لم يجربه طوال حياته ، تلك المشاعر التي تغزو قلبه فتؤلمه لم يكن يسمح لها بالاقتراب من محيطه ، كان مغلفًا بالصقيع من كل الاتجاهات ولكن معها يشعر بضعفه الذي يكرهه ويشعر باحتلالها له الذي يبدل ضعفه إلى قوة مفرطة . 
زفر زفرة قوية ووقف أمامها ثابتًا مهيمنًا يجيب بنبرة بها لحنًا خصصه لها وبها قوة خاصة به : 
- لا المكان ولا الزمان يسمحوا إني اتكلم ، من حقك توضيح بس لازم تسمعيه وانتِ هادية علشان تعقليه كويس ، يالا كملي شغلك ومـ.ـا.تشربيش أي حاجة غير اللي أنا هجبهالك بنفسي . 
تحرك بعدها يغادر المكتب وتركها تواجه سطوة هيمنته التي جعلتها ترضخ لما يقول بالرغم من تعنيف عقلها لها ، ما يحدث معها من اضطرابات بين عقلها و ... خصمٌ آخر لا تدركه ، لا تدرك أي شيء مما يحدث معها الآن فهذه الأفكار والمشاعر جديدة عليها كليًا ولكنها ستنتظر ، بما أنه قال سيوضح لها ستنتظر وتهدأ . 
التفتت تنظر نحو الأصيصة وعينيها وقفت عندها ، كانت هي المستهدفة ، لولا تصرفه لكانت الآن هي الذابلة والفاقدة لحياتها بدلًا عن هذه النبتة . 
هل يحميها ؟ وكيف علم بأن القهوة مسمومة ؟ أم أنه يلعب معها لعبة مرعـ.ـبة خاصة وأن بينه وبين نساء بلده عداء ؟ 
توغل الرعـ.ـب داخل قلبها بعدها هاجمتها تلك الأفكار السلبية ولم تعد تستطع ممارسة عملها لذا زفرت بقوة وقررت أن تهدأ فتوجهت إلى الحمام لتتوضأ ، ستلجأ إلى ربها وتذكره ليطمئن قلبها كعادتها دومًا .
❈-❈-❈
طرقت الباب فسمح لها لذا دلفت مكتبه تبتسم نحو مقعده ولكن اختفت ابتسامتها حينما وجدت سيدة صينية تجلس مكانه  . 
أيقنت أنها والدته لذا عادت تزين ثغرها بابتسامة هادئة وتحركت تنظر نحوه حيث يجلس أمام المكتب لِيقف لها ويطالعها بلطفٍ قائلًا  : 
- دينا هذه أمي السيدة ميتاي  ،  أتت لتوها  ،  ما رأيك في هذه المفاجأة  ؟ 
حاول أن يغمزها بعينيه ولكنها لا تريد ذلك فهي ستتصرف بأسلوبها ولن تتجمل لذا ابتسمت لها بهدوء وأردفت  : 
- أهلًا بحضرتك سيدة ميتاي  ،  أنرتي مصر  . 
تفحصتها ميتاي من رأسها حتى أخمص قدميها تحفظ تفاصيلها لتجدها شابة جميلة للحد الذي يجعلها محط الأنظار  ،  تبدو ذكية وعملية  ،  ولكن لا تعلم عن عاداتها شيئًا لذا أومأت بثقل تجيبها  : 
- شكرًا  ،  إجلسي  . 
انزعجت دينا من أسلوبها ولكنها تحلت بالهدوء واتجهت تجلس مقابل لوتشو وأمامها فوزعت ميتاي أنظارها عليهما وتساءلت بنبرة استجوابية  : 
- ما الذي أعجبكِ في ابني  ؟ 
نظرت دينا إلى لوتشو بهدوء وبرغم قرارها بأنها ستكون واضحة لذا قالت  : 
- إنه لا يشبه الرجال المتسلطة  ،  ولا يشبه الرجال القاسية أيضًا  . 
ابتسمت ميتاي بخفة وأردفت  : 
- هذا حكم مسبق من فتاة عديمة التجربة  ،  لا يمكنكِ إصدار أحكام إلا بعد الإطلاع على مجريات الشخصية بشكلٍ كامل  ،  أنتِ لا ت عـ.ـر.فينه بعد  ،  ربما هو قاسٍ ومتسلط ويجذبكِ بوجهه البريء  . 
تحمحم بانزعاج ونطق معترضًا  : 
- أمي ماذا تفعلين  . 
- اصمت أنت  . 
نطقتها ميتاي تمنعه من الحديث فزفر بضيق والتزم الصمت فعادت إلى دينا تتساءل  : 
- السؤال التالي  ، ما هو الأهم بالنسبة لكِ  ،  العمل أم تكوين أسرة  ؟ 
تباهت قليلًا حيث ستجيب بقناعتها التي ظنتها متوافقة معها  : 
- العمل أولًا ثم يأتي تكوين الأسرة  . 
صمتت ميتاي لبرهة ثم أجابتها بجدية  : 
- مخطئة يا فتاة  ،  مثلما توقعت أنتِ عديمة التجربة  ،  تكوين الأسرة هو أهم شيء على الإطـ.ـلا.ق  ،  يجب الحفاظ على المورد البشري كي يرتقي العمل   . 
هذه السيدة غريبة  ،  صارمة ومتسلطة ولكنها تمتلك من الحكمة ما يجعلها صينية متأصلة لذا شعرت دينا بالتـ.ـو.تر وبدى الانزعاج على ملامحها لتبتسم ميتاي وتسترسل  : 
- اسمعي  ،  ربما أنتِ ناجحة في العمل ولكني أشعر أنكِ تهربين وتتخوفين من تجربةٍ ما لذا نصيحة قبل أن ترتبطي بابني عليك أن تحددي ماذا ستقدمين لهذه العلاقة مثلما ستأخذين وإلا سيكون ابني تعيسًا لأن حبه سيصبح من طرف واحد  ،  لا تنزعجي من حديثي ولكنني لا أرى الحب في عينيكِ له  ،  هو يستحق الحب وأنتِ كذلك أيضًا ولكن فكري جيدًا  . 
شردت دينا في كلمـ.ـا.تها وملامحها  ،  لقد جردتها هذه المرأة أمام نفسها  ،  إنها أدركت دواخلها لذا التفتت تنظر نحو لوتشو الذي يترقب ردة فعلها بتلهف فلم تستطع أن تجيبها بل نهضت تردف بملامح حزينة  : 
- اسمحا لي  . 
تحركت تغادر المكتب ولم تتوقع أن تسقط عبرة من عينيها لذا أسرعت تجففها وترفع رأسها متجهة نحو مكتبها وعقلها ينسج كلمـ.ـا.ت ميتاي بدقة  . 
أما لوتشو فتجلى الحزن على ملامحه لتجيبه ميتاي بنبرة هادئة مبطنة بالعاطفة  : 
- إن كانت تحبك بصدق ستخبرك لا تقلق  ،  هي ليست من الفتيات المتملقات  ،  دعها تفكر وتختار يا بني  ،  هذا أفضل لك  . 
لم يستطع إخفاء حزنه لذا نظر لها وأردف  : 
- ولكنني أحبها يا أمي  ،  وسأجعلها تحبني  . 
أمعنت النظر فيه وعادت لصرامتها تردف  : 
- أنت أيضًا عديم التجربة  ،  اهدأ ودعها تختار وهيا قف على رأس عملك  . 
زفر بقوة ونهض يومئ ثم تحرك خارج مكتبه يتجه لزوج شقيقته ليتحدث معه  . 
❈-❈-❈
كالعادة يقف يباشر عمله مع صالح الذي ينشغل عقله بحالة والده  . 
توقفت بسيارتها أمام ورشته وترجلت تتجه نحوه حيث ينحني على السيارة ولم يلاحظها بعد لذا نطقت  : 
- أزيك يا باشمهندس  . 
سمع صوتها لذا دب الاشتياق فيه وجعلته يعتدل ويلتفت لها يطالعها باندهاش وقد نسي كل ما قاله وابتسم لها يردف بحبور تجلى في نبرته  : 
- بسمة  ؟  أهلًا وسهلًا  ،  إنتِ كويسة  ؟ 
اهتمامه بها جعل قلبها يستكين من لوعته لذا تنفست بعمقٍ تجيبه بإيماءة  : 
- كويسة  ،  بس كنت محتاجة جراج للعربية  .
قطب جبينه متسائلًا باستفهام  : 
- جراچ  ؟  اشمعنى  ؟ 
تكتفت تجيبه بنبرة ثاقبة  : 
- أنا قررت أقعد مع خالتو منال أسبوع وطبعًا ماينفعش العربية تفضل كدة في الشارع  . 
- اللهم صلِّ على النبي  . 
نطقها معبرًا عن ذهوله مما قالته لتبتسم وتنظر نحو صالح الذي ابتسم عليه ليميل عليها ويتأكد مما سمعه متسائلًا  : 
- تقعدي فين ومع مين  ؟  مع خالتو منال اللي هي أمي  ؟  وأسبوع  ؟  في بيتنا  ؟ 
انشرح قلبها من طريقته التي اشتاقت لها لذا أومأت تجيبه بهدوء يخفي ثورة من المشاعر  : 
- أيوا يا داغر  ،  فيه مشكلة ولا إيه  ؟ 
التفت ينظر نحو صالح الذي يكتم ضحكته لذا أشار له يردف  : 
- لا اضحك يا صالح مـ.ـا.تكتمهاش  ،  اضحك على اللي أخوك فيه  . 
قطبت جبينها باستفهام وحاولت ألا تفهم معنى كلامه لذا تساءلت   : 
- داغر بجد قول لو فيه مانع أنا ممكن أرجع حالًا  . 
مسح على وجهه يستغفر ثم عاد يطالعها عن كثب ويتساءل باهتمام وهو يرنو منها قليلًا حتى لا يسمعه أحد  : 
- قوليلي الأول فيه حد زعلك أو اتعرض لك  ؟ 
هزت رأسها بلا تخفي عنه أمر ماجد قائلة : 
- لاء مافيش  ،  أنا بس فيه موضوع مهم حابة أفكر فيه براحتي بعيد عن العيلة  ،  فقولت آجي اقعد مع خالتو منال ودينا والأولاد  . 
- وبس كدة  ؟ 
تساءل بها حينما لم تذكر اسمه فأومأت مؤكدة بخبث يغلفه الهدوء  : 
- أيوة   . 
تنفس بعمق ثم أومأ وأردف بنبرة رصينة تندفع منها الحب  : 
- طيب تعالي لما أطلعك ومـ.ـا.تقلقيش على العربية هجرچها في الورشة جنب عربيتي  . 
تنفست بـ.ـارتياح وأومأت ثم التفتت نحو العربية تخرج حقيبتها فأسرع يلتقطها منها ويتحرك يردف إلى صالح  : 
- هرجعلك أهو يا صالح  . 
ضحك صالح يهز رأسه على هذين العنيدين اللذين ينهمر منهما الحب بوضوح بينما تحركا هما نحو المنزل  . 
❈-❈-❈
انتهى الدوام 
بصعوبة بالغة استطاعت إنهاء ساعات عملها وخرجت من المجلة لتتفاجأ به يقف ينتظرها على الرصيف أمام سيارته فأمعنت النظر تتساءل فأردف بنبرة تحمل أمرًا ورجاء : 
- من هنا ورايح هتركبي معايا ، يالا ! 
قالها وهو يتمنى أن تقبل دون اعتراض أو ندية وهذا ما قرأته في عينيه ويفترض أن ترفض ولكن خوفها مما حدث جعلها تومئ بضيق وبملامح متجهمة غير راضية لتلمح في عينيه ابتسامة أخفاها وهو يشير لها أن تتحرك نحو سيارته التي فتح بابها ففعلت واستقلتها لتكون طوال طريق العودة صامتة تتطلع أمامها ولم تتفوة ببنت شفة وفعل هو مثلها ، قبل الكلام معها عليه التحدث مع أخرى فلن يهدأ إلا إذا حل هذا الأمر .
أما هي فالتزمت الصمت وقررت ألا تسأله الآن فهي متعبة  ، ستتركه حينما يريد أن يخبرها  . 
توقف أمام منزلها فترجلت والتفتت تطالعه من خلال النافذة وقالت بخفوت  : 
- شكرًا . 
تحركت بعدها نحو الداخل وأغلقت بابها فتنفس بعمق واستل هاتفه يطلب رقم مارتينا التي أجابته بنبرتها اللعوب : 
- كيف حالك أيها البطل الخارق ؟ 
- أين أنتِ ؟ 
تساءل بنبرة صلدة مخيفة لتجيبه بتحدٍ : 
- في نادي المدينة ، انتظرك . 
أغلق وعاد يقود متجهًا إليها وعينيه تحمل وعيدًا سافرًا لا يدرك ثورته أحدٌ بعد . 
❈-❈-❈
جلست منال ترحب ببسمة ترحيبًا مليئًا بالعاطفة وداغر يقف متكتفًا ويطالعها بغيظ حيث أنها تتعمد استفزازه حينما قالت  : 
- تقعدي طبعًا ياقلبي وان ماشلتكيش الأرض نشيلك في عنينا  ،  دي دينا هتفرح أوي  . 
ابتسمت بسمة بعدما توغلتها الراحة  ،  منذ أن دلفت الحارة وهي تشعر بالارتياح لذا زفرت والتفتت تنظر نحو داغر الذي يتابع بصمت وعادت إلى منال تردف  : 
- تسلميلي يا خالتو منال  ،  بجد متشكرة على مقابلتك دي  ،  أنا فعلًا كنت محتاجة أغير جو  . 
نطقتها بعيون حزينة جعلته يتخلى عن صمته ويتحرك ليجلس بجانب والدته التي تساءلت بحنين  : 
- مالك يا حبيبتي احكيلي  . 
ازدردت ريقها ونظرت نحو داغر الذي يتمعن فيها منتظرًا تفسيرها ولكنها تجملت تجيب  : 
- روتين عملي ممل وبيت بـ.ـارد يا خالتو  ،  الواحد أحيانًا بيحب يبعد عن كل ده  . 
أومأت لها منال مؤيدة ليزفر داغر ويردف بهدوء  : 
- طيب يا ماما أنا هقعد يومين كدة مع صالح  ،  أبوه تعبان أوي ومش راضي يروح المستشفى وانتِ عارفة لازم أكون جنبه  . 
أدركت بسمة أنها السبب لذا نطقت بجدية  : 
- لا لا مالوش لزوم خالص يا داغر  ،  خلاص أنا همشي  . 
اعتدل في جلسته يجيبها بذريعة شبه مقنعة   : 
- يابنتي بقولك الراجـ.ـل تعبان جدًا  ،  وإنتِ عارفة إن صالح أقرب حد ليا  ،  أنا من زمان عايز أروح اقعد معاه يومين علشان يغير جو بس ماكنتش عارف اسيب أمي ودينا والعيال  ،  لكن مادام إنتِ معاهم هكون مطمن  . 
لمح السعادة تتراقص في عينيها وهذا ما أراده  ،  برغم أنها كانت تتمنى وجوده هنا إلا أن ثقته لها جعلتها تومئ باقتناع ليزفر بقوة حيث التفت ينظر إلى منال ويستطرد  : 
-  خدي بالك هي هتتعبك في الأكل، عمالة تخس تخس بس احنا ماينفعش معانا الكلام ده
ضحكت منال وضـ.ـر.بته بخفة على ساقه تنطق بعفوية  : 
- أيوا وانت عايزها بطاية  . 
كاد أن يومئ مؤيدًا ولكنه تذكر من هي ومن هو نظر إليها ليجدها تتورد خجلاً جعلها تدعي انشغالها في هاتفها لذا عاد لوالدته يغمزها بعتاب فأومأت له بنية طيبة ودعت في سرها أن يوفق الله بينهما  .
❈-❈-❈
ترجل من سيارته أمام المكان المنشود ودلف يبحث عنها بعينيه ليجدها تمارس التنس لذا تحرك لتراه وأشار لها أن تتبعه واتجه يجلس عند طاولة في ركنٍ هادئ . 
برغم أن نيران التوعد اندلعت داخله إلا أنه حافظ على ثباته وهدوءه وهو يراها تتقدم منه وتبتسم ثم انحنت لتقبله فابتعد فلم تفلح لذا زفرت تداري خيبتها والتفتت تجلس قبالته وتتلاعب بمكرها متسائلة : 
- ما سبب هذا الانزعاج يا ترى ؟ 
تمعن فيها بثقب ثم تحدث بنبرة مصوبة كسلاح حربٍ محرم : 
- اسمعي مارتينا ، لن أسمح لكِ بهدم اسمي الذي شيدته على مدار سنوات من القمع والظلم ، ليس بعدما نلت ما نلته من احترام وثقة وحققت المعادلة الصعبة التي لم يحققها أي عربي هنا ، إياكي مارتينا ، إياكي والمساس بسمعتي ، وإن كنتِ امرأة لا يهمها سمعتها ولا سمعة عائلتها فأنا رجل اهتم كثيرًا بهيبتي وسط جمهوري ، وكذلك أب اهتم بنفسية صغيري ، ما تفعلينه هو عبث بشكلٍ كامل وعدم ثقة منقطع النظير ستجعلني محط اتهامـ.ـا.ت، تروي وإلا أقسم أنني سأجعلكِ تكرهينني بحق . 
اشتعلت كليًا ولكنه برع في تهديده فلم يذكر سيرة ديما أمامها ولكنها بصقت ما في جوفها وهي تلفظ كما يلفظ التنين نيرانه : 
- أنت معجب بها ، أليس كذلك ؟ 
طوال اثنا عشر عامًا يستخدم غشاءً مقوى يخفي به دواخله عمن أمامه والآن لأول مرة يخشى أن تنخدش قوة هذا الغشاء ولكنه سيحاول بالقدر المستطاع لذا تنفس بعمقٍ يجيبها بتريث صارم مجردًا من الغضب وهو يرنو منها حتى بات على مقربة منها : 
- انظري إليّ جيدًا مارتينا ، انظري في عيني ، هل ترين داخلهما أي حبٍ ؟ أنا لا أحب سوى ابني وقلمي وكنتِ أنتِ ذات يوم ولكن لم تعودي كذلك بعد كل ما فعلتيه وما زلتِ تستمرين بفعله . 
انتفخت أوداجه وهو يبتعد وزفر يتابع بنظراتٍ ثاقبة : 
- أخبرتكِ أن القـ.ـتـ.ـل وسيلة الضعفاء ، أخبرتكِ أنني أريد أن أصل معها لهدفٍ معين وهذا يعد مكسبًا جديدًا لي بين جمهوري وكذلك وسط أعدائي ، لذا توقفي عن عبثكِ هذا ، هل فهمتِ ؟ 
حية تتلاعب وتحوم حول ضحاياها ولكنه حاوٍ يعلم جيدًا كيف يروضها وقتما يريد ويستخرج سمها ليكون ترياقًا لذا أومأت تجيبه بنبرة شبه مقتنعة بكلمـ.ـا.ته : 
- حسنًا ، لأنتظر وأرى ما هو هدفك ثائر . 
هز رأسه ونهض بعدها يغلق زر بدلته ونطق وهو يتعمق فيها : 
- كوني أمًا جيدة ونظمي حقيبة ابنك الذي سيذهب إلى مصر خلال الأسبوع المقبل ، افعلي الأشياء التي يمكنها محو سيئاتكِ من ذاكرتي . 
تحرك يغادر وتركها تتأمله وتفكر في كلمـ.ـا.ته ولأول مرة تقرر التمهل لترى هل تثق فيه أم في حدسها الذي يفحص كلمـ.ـا.ته . 
خطا نحو سيارته بثباتٍ يحسد عليه  ،  ثباتٍ جعله دومًا كالمحيط الذي لا يدرك أي أحدٍ أعماقه بعد  . 
❈-❈-❈
انتهت لتوها من تنظيف غرفة معاذ ووقفت تطالعها بأنفاسٍ مجهدة ولكن سعادتها بمجيئ ولد ولدها تفوق أي تعب  . 
دلف عليها أمجد يتطلع نحو الغرفة المرتبة والتي تليق بحفيده لذا ابتسم برضا واتجه يقف قبالتها ويردف بنبرته المراعية  : 
- يا علياء لسة أسبوع اعملي براحتك  ، بلاش تتعبي نفسك كدة مرة واحدة  . 
تأملت ملامحه ثم أردفت بنبرة حماسية حنونة  : 
- كل يوم هنظفها لحد ما ييجي حبيبي  ،  أخيرًا يا أمجد هشوف ابن ثائر وأخده في حـ.ـضـ.ـني أخيرًا  . 
حاوطها بذراعيه يردف بحب مغلف بالغيرة   : 
- هو هييجي ياخد الدلع كله ليه ولا إيه  ؟  لا لو كدة بقى اكلم ثائر أقوله يخليه عنده  ،  أنا ماحبكيش تدلعي حد غيري  . 
ضحكت عليه ووضعت كفها على قلبه تجيبه بحب  : 
- دا انت كل حاجة حلوة في حياتي  ،  عقبال ما نجمع أولادنا حوالينا تاني يا أمجد وأشوفهم قاعدين حواليا على سفرة واحدة قبل ما أموت  . 
ها هي تعود لدرامتها لذا اتخذها ذريعة ليعانقها ويربت على ظهرها بدعمٍ دائم مستطردًا  : 
- هيحصل إن شاء الله يا حبيبتي  ،  يالا تعالي نشرب القهوة اللي عملتها  . 
أومأت له وابتعدا ولكنهما لم يفترقا وتحركا سويًا نحو الخارج كي يرتشفا قهوتهما في شرفتهما كالعادة  .
❈-❈-❈
جلس مع مهندس الإلكترونيات في محل عمله ومعهما زينة التي تتحدث مستفسرة  : 
- يعني يا أستاذ علاء الربح مش هيتفعل من الأول  ؟  طيب نعمل إيه علشان ندخل المرحلة دي بسرعة  ؟ 
تحدث المهندس بعملية  : 
- بصي هو تبع اللي هتدفعوه  ،  كل ماهتصرفوا على القناة صح كل ما هتديكوا ربح ممتاز  ،  المهم المحتوى يتشاف  . 
نظرت إلى كمال بفخر تخبره بنظراتها بأنها فكرت بشكلٍ سليم ليتحدث الأول بتباهٍ  : 
- بس أنا مش هعمل محتوى مشبوه زي اللي بنشوفهم  ،  احنا هنقدم حاجة صح الناس تتعلم منها  . 
مطت زينة شفتيها بضجر ثم تجاهلته ونظرت إلى المهندس متسائلة  : 
- يعني لو عايزين ندخلها الربح خلال 3 شهور مثلًا هتاخد مننا أد إيه  ؟ 
نظر لهما المهندس ثم رفع نظره يدور حول المكان حتى استقر عند كمال يردف  : 
- يعني ممكن 100 ألف جنيه  ؟ 
- نــــــــــعــــــــــم  . 
نطقها كمال وهو ينهض ويفرد كتفيه بغضبٍ ليتـ.ـو.تر المهندس ويستغيث بزينة مردفًا  : 
- يا فنـ.ـد.م ده أقل بكتير جدًا من الربح اللي هتاخدوه لو القناة سمعت  ،  وبعدين أنا هشتغل لكوا شغل صح  . 
نظرت زينة إلى كمال نظرة نارية ونطقت بهدوء  : 
- اقعد يا كمال وخلينا نتفاهم مع أستاذ علاء  . 
نظر لها بضيق فهو لم يقتنع بعد بفتح هذه القناة لذا نطق  : 
- اقعد إيه  ؟  ده بيقولك 100 ألف  ،  هو أنا لاقي فلوسي في الشارع  ؟ 
كررت جملتها بنظراتٍ ثاقبة  : 
- اقعد يا كمال بس مايبقاش خلقك ضيق  . 
زفر بضيق وجلس حيث أنها كانت مهيمنة فعادت تنظر إلى المهندس وتسترسل بنبرة جدية  : 
- اسمع يا أستاذ علاء  ،  اللي معانا 50 ألف بس هتاخدهم وتبدأ شغلك وأنا اوعدك لو القناة سمعت واشتغلت حلو هروق عليك  .
- خمسين ألف منين  ؟ أنا مش دافع مليم  ، مش هشتري سمك في مية أنا  .
نطقها كمال الذي لم يعجبه الاتفاق ليتجاهله المهندس بعدما فهم فحوى علاقتهما ونظر إلى زينة يردف  :
- وأنا موافق يا مدام  ، هبدأ شغل وهتشوفي بنفسك  .
أومأت مبتسمة وتنفست بعمق وعقلها يهيئ لها المكاسب التي ستعم عليها وحياة الترف التي ستعيشها  ، هي ليست أقل من ديما لتسافر فرنسا وغيرها من الدول  ، بل هي أفضل منها وستصبح محط أنظار واهتمام الجميع  .
نهض المهندس يغادر على وعد بالاتفاق ليغضب كمال من تجاهلهما له ويردف بضيق  :
- أنا مش دافع جنيه يا زينة  ، ولا موافق ع الموضوع ده أصلًا  .
نظرت له بدلال ونطقت بغنج  :
- هتدفع يا كمولتي هتدفع  ، اسمع كلامي بس وهتشوف حياتك مع زينة شكلها عامل إزاي  . 
انعقد لسانه من ردعها وتجهمت ملامحه أكثر حيث لم يعد يستطيع التعبير عما بداخله ولكنه شعر بشيءٍ يقبض عليه إن لم يخرج طاقته لذا بصق كلمة واحدة خوفًا من العواقب  : 
- شوفت  .
❈-❈-❈
ليلًا 
تبكي وهي تشاهد التلفاز بعينيها وعقلها في رحلة بعيدة . 
لم ترد أن تهاتف عائلتها المكالمة الليلية حيث أنهم سيكتشفون حزنها لذا أرادت أن تنتظر حتى تهدأ ، اليوم تعرضت للقـ.ـتـ.ـل مرتين ولا تعلم لِمَ ومن فعلها . 
بدأت تنـ.ـد.م على مجيئها بالرغم مما حققته خلال فترة قليلة جدًا وآخرها مناظرتها معه التي لاقت جدلًا واسعًا خاصة في بلدها ولكن المقابل كان وحدة واستهدافًا وهي ليست سوى امرأة السلام ، مسالمة لا تحبذ الدخول في أي مشاحنات . 
لقد تركت الساحة لتلك الزينة وذاك المسمى بزوجها ونجت بطفليها تجنبًا لأي شجار معهما ، لقد تخلت عن حلمها وكتابها وتقبلت حكم القضاء في بلدها حتى لا تدخل ضمن قائمة المعارضات فقط لأنها مسالمة . 
فهل بعد كل هذا تأتي وتواجه خلافات في بلد غريبة لم تستطع عليها صمودًا ؟ لماذا ؟ وهل الدافع يستحق ؟ 
زفرت بقوة وعادت تجفف دمـ.ـو.عها لتفكر بوجهة النظر الأخرى ، رسالتها التي وضعت على عاتقها ، دينها الذي تحاول تبسيطه وتوسيطه للفئة التي تفهمه بشكلٍ آخر أشـ.ـد عنفًا لا يمت له بصلة وهذا دافع يستحق الصمود ولكن هل هي قادرة على ذلك ؟ هل تمتلك القوة لتواجه ؟ 
من جهة أخرى طرح القلب أفكاره ، القلب الذي انتظر عقلها أن ينهي صراعه ليعرض عليه شيئًا غير مألوف له ، تشعر أن هناك قوة تحيطها ، رادارًا يحيط بها وينتبه جيدًا عليها منذ أن وطأت قدماها هذه البلد . 
قوة غريبة تشعر أنها تمتلكها ولا تراها  ،  شيئًا غير ملموسٍ أو مرئيٍ ولكنها تستشعره جيدًا  . 
وقد أتى على سيرته ليعلن هاتفها عن اتصالٍ منه فانتشلته تنظر له بشرودٍ لثوانٍ قبل أن تزفر وتجيب بترقب  : 
- ألو ! 
أجابها بنبرة دافئة : 
- أنا قدام بيتك ، لو حابة ت عـ.ـر.في إجابات كل الأسئلة اللي بتدور في عقلك دلوقتى خلينا نتكلم ، مستنيكي . 
نهضت تدور حول نفسها بتـ.ـو.ترٍ من وجوده المفاجئ ثم زفرت بقوة تجيبه : 
- تمام . 
أغلقت معه ووقفت حائرة تستدل عن هدى ثم قررت أن تسمعه لتستريح لذا اتجهت تبدل ثيابها سريعًا وتخرج إليه . 
دقائق قليلة مرت حتى ظهرت أمامه فابتسم لها فتحركت تغلق الباب وتنزل الدرجات القليلة لتواجهه وهي تحتضن معطفها وتحدث : 
- ممكن نروح نقعد في المكان اللي كنا اتكلمنا فيه قبل كدة  ؟ 
أومأ وتحرك معها سيرًا يتجهان إلى الحديقة القريبة من برج إيفل . 
وصلا وجلسا على نفس المقعد وبينهما بعدًا مناسبًا فتكتفت وانتظرته حتى يتحدث وعيناها لا تلتقيان به فلن تسأله سؤالًا محددًا بل ستتركه يخبرها ما يريد . 
سيخبرها عن شيءٍ لا يعرفه الكثيرون عنه ، سيتحدث بعدما التزم الصمت لسنوات ولكنها تستحق . 
زفر بقوة يستعد ثم بدأ يوضح بنبرة تحمل بين طياتها أمواجًا من الغموض : 
- عيلة ذو الفقار عيلة مصرية أصيلة وخصوصًا عيلتنا ، كلهم شخصيات مرموقة مخلصة جدًا لمصر ، حطت لنفسها حدود صارمة وقررت إنها هتتولى الدفاع بكل شراسة عن البلد ومش هتتقبل أي نقد ، وإن أولادها هيتبعوا نفس النهج ، علشان كدة معظم عيلتي في مناصب هامة في الجيش المصري بس والدي كان نوعًا ما متهاون شويةً معانا أنا وأحمد أخويا ، يعني سابلنا حرية اختيار الكلية المناسبة ، أحمد اختار إدارة الأعمال وأنا اخترت الإعلام ، كنت بحب جدًا المقالات وعندي شغف كبير إني أمشي في سكة لوحدي مش تبع قطيع معين . 
تنهيدة حارة صدرت منه ونظر لها نظرة خاطفة ليجدها باتت تطالعه وتوليه كامل انتباهها فهي لم تكن تتوقع أن يسرد لها قصته من بدايتها لهذا تأهبت لتستمع فتابع يعاود النظر أمامه : 
- والدتي ست جميلة جدًا وبتحب بلدها جدًا برغم إن جدتها من الأم فرنسية ، كان همها في الحياة إنها تشوفنا مبسوطين ولإن فيه بينها وبين والدي قصة حب عظيمة كان نفسها إن أنا واحمد أخويا نعيش حب زي ده فاختارت لأحمد بنت أخوها لإنها حست إنها بتحبه وده علشان كانت بتتردد علينا كتير جدًا وأحمد وافق لإنه كان منجذب ليها ، إنما أنا ماعرفتش تقنعني بأي بنت سواء من داخل العيلة أو خارجها ، كنت عنيد جدًا ورافض إن حد يفرض عليا أي حاجة حتى لو كانت أمي وكنت مستني أقابل البنت اللي هحبها وهختارها بنفسي . 
صمت لهنيهة يتذكر السنوات كأنها أمس واستطرد بملامحه البـ.ـاردة  : 
- دخلت إعلام زي مانا عايز برغم الاعتراضات اللي من العيلة واتخرجت وبنفوذ من تحت الترابيزة اتعينت في مجلة مرموقة جدًا وفعلًا ألفت عدة كتب كانت هادية إلى حدٍ ما وبعدها بدأت العيلة تطلب مني مقالات معينة كهجوم على الأراء اللي مش على هواهم واللي شايفين أنها لازم تتردع ، نظام ديكتاتوري ضد أي حد ممكن يتكلم وده بالنسبالي مش الحل لإنه بيزود فجوة الغضب بس بدل ما بيكون غضب معلن بيكون غضب مكبوت وانا بشوف إنه أخطر بكتير ، علشان كدة قررت استغل اسم عيلتي وأعبر عن أفكاري بحرية واتكلم بوجهة نظري اللي مش هتعجب العيلة أبدًا ، وبدأت فعلًا أول مقال وعبرت عن رأيي الشخصي وإن لازم يكون في انسجام وثقة بين الشعب والجهات المعنية وإن ده هيولد طاقة دفاع وقت أي أزمة  ،  ومن هنا بدأ الانفجار . 
تنبهت كل حواسها وتباطأت أنفاسها وهي تستمع له وهو يكمل : 
- المقال سمّع جدًا ولقى إعجاب كبير جدًا من الناس والشباب وهنا كان أول حد هاجمني هي عيلتي ، عاملوني على إني خاين  ،  اتهاجمت من وسائل الإعلام واترفع عليا بدل القضية اتنين وتلاتة وعشرة من محامين كانوا منتظرين وقوعي ، ولما ظهرلي ناس كتير تدافع عني وبدأ يبقالي شعبية كبيرة فجأة ظهرت بنت في الصحافة وقالت إني حاولت اعتدي عليها ودليلها مكالمـ.ـا.ت ورسايل مني ليها كلها كدب . 
- وعيلتك ؟ 
تساءلت بها بنبرة متحشرجة نسبةً لصمتها ومقلتين حزينتين على ما مر به فهي تشعر به جيدًا ليبتسم بألم ويجيبها بشرود : 
- حاولوا يدافعوا عني لانهم عارفين أخلاقي كويس في النقطة دي بس ظهرت بنت خالي وسط العيلة واللي كانت اتجوزت أخويا وقالت أن كلام البنت دي صحيح لأني فعلًا حاولت اتقرب منها كذا مرة ، كان صعب أتوقع إنها تتهمني بحاجة زي دي وسط العيلة وخصوصًا أحمد أخويا بس فهمت بعدها هي قالت كدة ليه  ، كان مستحيل أقدر أتكلم وأجرح أخويا وأقول إنها كانت بتحبني وانجبرت عليه وجتلها الفرصة تنتقم لأني كنت دايمًا رافضها ، كان لازم أمشي من البلد اللي اتظلمت فيها ظلم كبير جدًا ، واتفاجئت بعدها بمجرد ما وصلت فرنسا إني اتمنعت من دخولها تاني ، بلدي اللي بعشق ترابها حرمتني منها . 
التفت يحدق بها ليجد دمـ.ـو.عها معلقة لذا ابتسم بألم وتساءل : 
- تفتكري لو حد مكاني ممكن يعمل إيه ؟ 
بادلته معركة النظرات المؤلمة لا تعلم بماذا تجيبه فهي عاشت ما عاشه وتدركه ولكن ما تعرضت له أقل مما تعرض له هو لذا لن تحكم ليبتسم ويلتفت بنظراته للبعيد مستطردًا : 
- عارف إن مافيش عندك إجابة ، وأنا مش عايز إجابة بس كان لازم أعرفك إني واثق فيكي لإنك بتفكريني بنفسي ، كل ما ببصلك بشوف فيكِ ثائر اللي جوايا واللي محدش يعرفه ولا حد فاهمه . 
عاد يلتفت لها وبعينين بهما بريق القمر وأضواء عاصمة العشق قال : 
- عايزة ت عـ.ـر.في أنا مين وبعمل معاكي كدة ليه ؟ 
هجوم مسلح بمشاعر التـ.ـو.تر والرهبة والقلق تساءلت بمقلتيها بعدما عجز لسانها عن النطق ليجيبها بثباتٍ صادق : 
- لأني بحبك . 
عجزت عن استيعاب هذه الكلمة ، أي حب ؟ هل يقصد هذا الذي يتراقص في عينيه أم يسكن نبرته الدافئة ؟ سمعتها من قبل ولكن لم تشعر بها طوال سنواتها سوى الآن لذا احتلها الخوف احتلالًا جعلها تستنكر وتهز رأسها رفضًا لأي حب ولكنه تابع متقبلًا جميع حالاتها وردود أفعالها : 
- من أول كومنت كتبتيه ليا وحذفته بعد ما سجلته هنا . 
قالها وهو يشير بإصبعه على عقله ويتابع : 
- فيكي حاجة غريبة قدرت تجتاز المسافات وتوصلني بس منعني عنك إني لقيتك متجوزة وقلت استوب  ، لحد ما كتبتيلي كلمة خاين ، وقتها حسيت إني محتاج أشوفك ونتكلم ، أحكيلك وتحكيلي بس الأمر أشبه بالمستحيل لكن بعد الترتيبات دي كلها والقدر اللي رتب بإننا نتقابل كان لازم أقرر فورًا أعرض عليكي العمل معايا واسيبك تقرري وقلت وقتها إن النصيب اللي جمعني بيكِ في الشارقة أكيد هيكون ليه ترتيبات تانية . 
شفتيها باتت ترتعشان بعدما فقد جسدها السيطرة على ثباته أمام سطوة هذه الكلمـ.ـا.ت ، لقد ظنت أنه لن يلاحظها قط ، تعليقاتها ستذهب هباءً منثورًا وشيئًا من المستحيل جعلها توقن أنه لن يهتم لذا فهي تستمع إليه بذهولٍ تام غطى ملامحها ليتابع موضحًا صفحات كتابه واحدًا تلو الآخر : 
- كان لازم اقنعك تيجي وعلشان عقلك مايدورش الأمور غلط كل اللي قولته عن الشغل كان حقيقي جدًا ، تحديكِ علشان تثبتي أفكارك حقيقي ، المناظرة اللي حصلت بينا واللي خلت ناس كتير تبحث ورا كلامك ده كان هدف مهم إنك تبقي هنا ، وآخر حاجة المحاولات اللي استهدفتك النهاردة دي هنعتبرها إنها دليل على تأثيرك . 
زوت ما بين حاجبيها وتخلت عن كل ما قاله سوى جملته الأخيرة وكأنها تعلقت بها كذريعة لتهرب من الحالة التي حاوطها بها تحت وطأة حبٍ لا تدركه لذا تساءلت بتحشرجة خافتة : 
- يعني إيه ؟ 
ابتسم على هروبها الواضح له ليومئ مجيبًا على استفسارها : 
- فيه مقولة بتقول لو لم يكن لك عدوًا فاصنعه بنفسك ، الإنسان كل ما كان مؤثر كل ما هيلاقي ليه أعداء كتير ، سواءً بقى التأثير ده سلبي أو إيجابي ، وأظن إنك عارفة كويس إنتِ مؤثرة بأي اتجاه لإن مافيش جدال بين الصح والخطأ . 
تنفست بقوة فتضخمت رئتيها ورفعت كفيها تمسح عن وجهها لتعطي لنفسها استراحة محارب من كل ما سمعته ، لا تصدق أنه اعترف وسرد لها كل هذا وظل على ثباته  ، إنها تشعر بالتشتت والحيرة  . 
عادت تنظر له مستكملة دور التجاهل حيث أردفت : 
- يعني من البداية خالص كل حاجة مترتبة عندك ، علشان كدة وقت المناظرة اديتني مساحتي أعبر ووقتها كنت مستغربة جدًا بس دلوقتي فهمت . 
لم يحب أن يستمر هروبها لذا أردف ضاغطًا على أحرفه بنبرة ثاقبة ونظرة راشقة : 
- لإني بحبك . 
تهاوى قلبها أرضًا وعادت تهز رأسها والتمعت عينيها غير قادرة على تحمل هذا الاعتراف لتجيبه بحزنٍ أهلك طاقتها : 
- مش هينفع ، مش هينفع بأي شكل ، أنا ماعنديش أي مشاعر أقدمها لأي حد غير ولادي ، أرجوك سيبني زي ما أنا لأني مكتفية بيهم عن أي شيء تاني . 
ود لو عانقها الآن  ،  ود لو طمأنها لأنه رأى في عينيها خوفًا لا يحب أن يراه لذا أردف بجسارة يواجه خوفها : 
- أنا عارف إن القصة اللي كتبتيها دي قصتك إنتِ . 
توالت الصدمـ.ـا.ت ورسمت خريطتها على تقاسيم وجهها ليومئ مسترسلًا كطبيب يلئم جراحًا دون تخدير  : 
- كل الوجع والانتقادات والاتهامـ.ـا.ت والغدر وأخرهم الخيانة كل دي حاجات واجهتك إنتِ ، إنتِ هي البطلة الحقيقية . 
لم تعد تحتمل التئام جروحها هكذا دون تخدير لذا هبت واقفة تقطع خيطه وتهز رأسها مجيبة بدمـ.ـو.عٍ سالت على وجنتيها : 
- علشان كدة لو سمحت سيبني في حالي ، أنا ماعنديش أي مشاعر لأي حد  ، أنا اتأذيت جدًا من جوايا علشان كدة لو سمحت خليك بعيد عني  . 
التفتت تغادر بل تركض ببكاء غلف مقلتيها وتركته جالسًا يتابعها ويعلم أنها ستتعافى شيئًا فشيئًا ، لن يحل وثاقه من حولها وسيداوي جراحًا ليس له يدًا فيها ولكن له قلبًا بات مسؤولًا عنها .
أحتار... 
كيف إذا ابتسمتِ تكونين بهذا الجمال 
و كيف إذا عبستِ يصيب قلبي هذا الدمار
وكيف إذا نظرتِ صوّبت سهما، وأصاب ذاك السهم قلبي
وإذا خجلتِ اصطاد ذاك الخجل قلبي.. ووقع  قلبي 
أحتار  من أين لعينيك... 
تلك السلطة على قلبي.... 
لَعَلِّي أحبكِ... 
أَيا امرأة ثار لأجلها قلبي
وعليّ أنا تمردا.....
( بقلم فيروزة  ) 
❈-❈-❈
جالسة بين الصغيرين ومنال ودينا تشعر أنها تنتمي إليهم  ،  الحياة هنا بها كمًا فائضًا من السكينة التي تفتقدها  . 
الصغيران يلعبان ويركضان ومنال تحضر الطعام والمشروبات بين الفينة والأخرى ودينا تجلس تتحدث معها عن لوتشو ووالدته  . 
أجواء هي بحاجة إليها عوضًا عن الذهاب إلى معالجٍ نفسي يعالج اكتئابها ووحدتها  . 
مشاعرها التي رفضت خلودهم إلى النوم  ، شعرت بالضيق حينما أمرت منال الصغيران بالتوجه نحو غرفتهما والنوم بعد روتينهما اليومي المعتاد والذي يتميز بالجزء الديني حتى اعتادا عليه  .
نهضت دينا بعد ذلك تزفر بقوة فرأي بسمة يتعارض مع أحلامها  ، أخبرتها أن تختار بقلبها لذا نظرت لهما وأردف  :
- تصبحوا على خير  ، أنا هدخل أنام علشان هروح الشغل بدري  .
ودعاها فدلفت غرفتها مع الصغيرين واتجهت منال تجلس بجانب بسمة وتبتسم لها متسائلة باهتمام  :
- اعملك كوباية شاي وساندوتش  ؟
اتسعت حدقتا بسمة وأجابتها بملامح مصدومة واضعة راحتها على معدتها :
-  ساندوتش إيه يا خالتو  ،  مافيش أي مكان خلاص دانا أكلت أكل أسبوع قدام  . 
ابتسمت منال بتباهٍ وأجابها بنبرة ودودة  : 
- أهو الأكل ده البت دينا بتاكله في تلت دقايق ومش بيبان عليها  ،  بتحب الشوكولاتا أد عينيها ونقطة ضعفها الحلويات  . 
رفعت كفيها تلوح بهما قائلة برفضٍ قاطع  : 
- لالالا حلويات إيه  !  مش بحبها خالص  . 
تعجبت منال مما تسمعه وقالت بتهكم مبطن بالحنان  : 
- شكلك هتتعبيني وهكلم داغر هو اللي يجيلك يأكلك  . 
( نعم يا خالتو فلتناديه وسأتناول الشهد منه  ) هكذا تحدث لسان حالها لذا تحمحمت بتـ.ـو.تر وأجابتها بابتسامة هادئة  : 
- لاء بجد يا خالتو مش هقدر آكل فوق طاقتي  ،  وبعدين أنا مش رفيعة يعني للدرجادي  . 
قالتها بترقب لعل منال تحدثت عن داغر قليلًا لتبتسم الثانية وتجيبها  : 
- إنتِ كلك على بعضك بطاية  . 
- هو إيه حكاية بطاية دي يا خالتو  ؟ 
تساءلت بها حينما سنحت الفرصة التي خلقتها هي لتجيبها منال بزفرة قوية معربة عن جزء من مشاعر ابنها  : 
- دي كلمة داغر ابني  ،  كل ما كنا نقوله هتتجوز امتى يقول مش عايز  ،  طب يابني اخطب يقول لاء  ،  أصل من كتر تعلقه بديما كان نفسه ربنا يبعتله واحدة زيها  ،  طيبة وعاقلة وبتوزن الأمور صح وكان مطلع عليها الاسم ده علشان طول عمرها جميلة وعودها ملفوف كدة على عكس عود القصب اللي جوة  ،  المهم انه لحد دلوقتي مش راضي يخطب غير بنت تكون شبه ديما  . 
تـ.ـو.ترت نظرتها بعدما كانت تستمع مبتسمة وتساءلت بشكٍ  : 
- مش راضي  !  بس هو قالي إن فيه مشروع خطوبة فعلًا  . 
أفشت سره حينما هتفت  : 
- كـ.ـد.اب  ،  ولا مشروع خطوبة ولا حاجة هو كان جه عليه يومين فضل يقول هخطب هخطب وتحسيه عايز يهرب من حاجة وانا واخواته وصالح فضلنا نكلمه ونحاول نفهم منه اللي حصل وهو مافيش  ،  عيبه إنه مش بيحكي أبدًا  ،  دايما مايحبش يشيل حد همومه  . 
لا تعلم هل تقبل منال أم تعانقها ولكنها تستطيع أن تفتح قفصها الصدري لنسمـ.ـا.ت الهواء  ،  تنهيدة ارتياح عبرت إلى فؤادها فانتعش لذا ابتسمت واسترسلت وهي تتثاءب  : 
- طيب يا خالتو أنا هقوم أنام بقى معلش والصبح نكمل كلامنا  . 
أومأت منال ونطقت وهي تشير لها نحو غرفة داغر  : 
- قومي يا حبيبتي أنا جهزتلك سرير داغر وغيرتلك الملايات ،  نامي وارتاحي والصبح نتكلم  . 
( هل سأنام على سريره أيضًا  ؟  هل تتعمدين فعل هذه الحركات يا خالتي  ؟)  
حدثت نفسها بهذه الكلمـ.ـا.ت مجددًا قبل أن تومئ بهدوء وتنطق شاكرةً بحرجٍ  : 
- شكرًا يا خالتو تعبتك معايا  . 
تحركت بعدها نحو غرفته ودلفت تغلق الباب خلفها وللحظة تخيلت أنها زوجته وأنه أمامها لذا ابتسمت كأنه يراها  . 
نظرت حولها ثم اتجهت للفراش وجلست تتحسسه بكفها ومرت على عقلها كلمـ.ـا.ت منال  ،  ما السبب الذي جعله يتخذ قرارًا كهذا  ؟  هل حدث ما تتوقعه  ؟  يجب أن تعلم ولكن كيف  ؟ 
مهما بلغت جسارتها لن تبادر بالاعتراف بمشاعرها مطلقًا
،  لن تتخذ خطوةً كهذه إلا حينما يعترف هو أولًا  . 
نظرت حول رفٍ يضع عليه أغراضه الشخصية فنهضت تتجه إليه والتقطت الفرشاة الخاصة به ونظرت لها بحبٍ يسكن أضلعها بعدما فاض به القلب  ،  لا تعلم متى اجتمع داخلها هذا القدر من الحب له ولكنها تعلم أنه يستحق  ،  برغم أنه يصغرها إلا أن صفاته الرجولية جعلته كعملة نادرة وسط عملات يتم تداولها بسهولة  . 
وضعت الفرشاة وامتدت يدها نحو عبوة كريم الشعر وفتحتها ترفعها إلى أنفها  ،  هي نفس الرائحة التي تشمها حينما يميل ويتحدث إليها  ،  حتى خصلاته مميزة مثله  . 
أغلقتها ووضعتها مكانها ثم انتشلت زجاجة عطره ورفعتها تشمها وتزفر بقوة قبل أن تقرر الابتعاد  ،  لا تعلم هل هي تبتعد عن شخصيتها العملية أم أنها تقترب من شخصيتها الحقيقية دون أن تدري  . 
تعجبت حينما تذكرت بأنه لم يأخذ أغراضه معه  !  ماذا سيفعل من دونهم  ؟ 
هزت رأسها على أفكارها المراهقة ثم قررت التسطح والنوم متنعمة بدفء الفراش كأنه لم يتركه  . 
❈-❈-❈
وصلت إلى منزلها ودلفت تغلقه واتجهت ترتد على الأريكة وتنظر للأمام وتعيد تشغيل حفلة كلمـ.ـا.ته في ساحة عقلها . 
لم تتذوق طعم الحب ، لم تتعرف على كنهه ولكن ربما هناك أوقاتًا شعرت فيها بالراحة والطمأنينة والاحتواء كأن أحدهم يعانقها كمثل وقتها حينما كانت تقرأ كتبه .
نهرت نفسها سريعًا على تذكرها لهذا ، لقد أتت إلى هنا لهدفٍ مُعين لا يمكنها تغييره وإلا فيجب عليها العودة ، نعم العودة هو القرار السليم فهو خطط ودبر لكل هذا . 
أي عودة ؟ ماذا عن الحكم القضائي ضد كتابها ؟ ماذا عن فرصة العمل التي لن تجدها في بلدها ؟ ماذا عن المقابل المادي الذي تجنيه كل شهر وترسل منه الجزء الأكبر لطفليها ؟ 
صراعات جعلت الدوار يزورها لذا وضعت كفيها تحيط عقلها وتناجي ربها مرددة بهمس : 
- ‏يارب افتح عليَّ فتحًا يُذهلني اتساعه، وأنر بصيرتي باﻷسباب والحكمة ما يملؤني قناعة، وارضَ عني رِضًا لا أشقى بعده أبدًا، وامنُن عليّ بِقرَّة عينٍ غير منقطعة، وبقلبٍ سليم وفكرٍ رحيم وكامل التسليم لكل أقدارك .
تنفست بعمقٍ وقررت أن تهاتف طفليها فهي في أمس الحاجة لرؤيتهما والتحدث إليهما الآن . 
❈-❈-❈
تمدد على الفراش في منزل صالح سابحًا في أفكاره  ،  هو ليس ساذجًا وبرغم عدم إنكار سعادته لوجودها في منزله إلا أنه يتساءل عن السبب  . 
عهدها ليست متطفلة وليست اندفاعية  ،  عهدها حكيمة في قراراتها ولكنه لم يستوعب سبب هجومها الكاسح عليه اليوم بسطوتها وطلتها وملامحها التي اشتاق إليها  . 
وبرغم قناعاته الداخلية بأنها تبادله المشاعر إلا أن أصوات الأرق تلقي أفكارها على عقله فتخبره أنها تعتبره صديقًا وتستريح مع عائلته  ،  مشاعر الراحة فقط وليس إلا  . 
زفر بقوة ونظر للجهة المقابلة حيث ينام صالح بعمق لذا همس داخله بخفوت  : 
- يابختك يا عم صالح  ،  بلا حب بلا وجع قلب  . 
قالها وابتسم على حاله ثم التفت يرفع الغطاء عليه وينام بعدما قرر إقصاء فكرة الخطبة التي كان ينويها  ،  لن يفعلها وسينتظر لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا  . 
غفا وهو يظن أن صالح لم تلمسه شرارة الحب ولا يعلم أنه يعيش حلمًا مع خاطفة فؤاده  ،  حلمًا نسجه عقله الباطن ليسعد قليلًا ويتمنى أن يتحقق يومًا  . 
❈-❈-❈
في الصباح
تتسطح على الفراش وعقلها يدور حول كلمـ.ـا.ته ، منذ أن استيقظت وهي هكذا لا تفعل شيء ، حتى أنها تفكر ألا تذهب للعمل اليوم ، فكيف ستذهب وتنظر في عينيه بعد اعترافه هذا ! 
تحتاج لقوة هي لا تمتلكها ، دومًا نقطة ضعفها هي عاطفتها ، مشاعرها التي تنتمي إلى الحنان والليونة وكأنه اكتشف هذه النقطة وتآمر عليها . 
ليس من السهل عليها الوقوع في الحب حتى وإن طالبها قلبها بذلك بل يجب عليها بعد تجربتها أن تُحكّم العقل ولا شيئًا سواه  ، والعقل هنا يحذرها بألا تفعل . 
تنهيدة حارة صدرت منها وتقلبت للجهة اليمنى تتذكر محاولات قـ.ـتـ.ـلها ، هل سيحاولون مجددًا ؟ هل هذه هي حرية الرأي التي تتكفل بها البلاد الغربية للجميع ؟ 
مازال صراع عقلها قائمًا لذا همست بتضرع : 
- ربي وكلتك أمري وأنت خير وكيل ، اللهم دبره كما تشاء فإني لا أحسن التدبير . 
جاءها اتصالًا منه فالتقطت هاتفها تنظر له ولم تجب سريعًا بل ظلت تحدق في اسمه ، كلما دعت بدعاءٍ أو فكرت فيه يهاتفها ! 
أجابت بنبرة جادة يغتالها التـ.ـو.تر : 
- صباح الخير يا أستاذ ثائر . 
ظنت أن نبرته ستختلف ولكنه نطق برسمية مفرطة : 
- ماجتيش المجلة ليه يا أستاذة ديما ؟ 
تعجبت قليلًا من رسميته في السؤال لتجيبه مبررة : 
- معلش يمكن ماقدرش آجي النهاردة ، تعبانة شوية . 
أجابها دون نقاش : 
- للأسف ماينفعش ، لازم تيجي ، فيه مقالات مهمة لازم تنزليها ، ساعة بالكتير وتكوني في المجلة . 
انزعجت من نبرته واعتدلت تجلس لتجيبه بنزق : 
- عادي أنا ممكن أنزل المقالات وأنا هنا . 
أجابها ساخرًا بغلاف جاد : 
- مهو بردو ممكن تنزليها وأنتِ في مصر بس للأسف الأوبشن ده مش متاح عندنا . 
استفزها بكلامه لتجيبه بتساؤل : 
- هو ممكن فعلًا أنزّل وأنا في مصر ؟ 
أدرك أنها تفكر جديًا في الهرب منه لذا أجابها قاطعًا آمالها : 
- راجعي العقد بتاعك يا أستاذة ديما ، لازم تستمري في المجلة 6 شهور على أقل تقدير علشان نقدر نثق في أدائك وبعدها ممكن تباشري العمل من أي مكان . 
زفرت بإحباط فهي تتذكر هذا الشرط وهو بقاؤها هنا لمدة ستة أشهر ، استرسل بصرامة مبطنة بحنانٍ لم تدركه بعد : 
- الساعة بتقل ، مستنيكي وخدي بالك كويس وإنتِ جاية . 
أغلق وتركها في حيرتها لتقرر بعدها النهوض والذهاب إلى العمل ، حسنًا رفع من على عاتقها حمل مقابلته خاصةً بعد نبرته الجادة التي تحدث بها ، يبدو أنه يعاني من انفصام  . 
لا يهم  ،  ما يهمها الآن هو التعامل بهذه الرسمية 
❈-❈-❈
طرق الباب وانتظر لتفتح له إحداهن ولم يفتح بمفتاحه احترامًا لوجودها  . 
ولكنه لم يكن يتوقع أن تفتح له بنفسها لذا توقف متصنمًا يطالعها لثوانٍ ولسان حاله يردد  : 
( عقبال ما تفتحي لي باب شقتنا  ) 
تـ.ـو.ترت من نظراته ولكنها تجاوزت تـ.ـو.ترها وأفسحت له المجال قائلة  : 
- اتفضل  . 
- يزيد فضلك يا بنت الأكابر  . 
دلف يتحمحم لتسرع إليه رؤية وتعانق ساقه كعادتها فبادلها وربت على كتفها فتساءلت بتلقائية  :
- داغل إنت كنت فين  ؟ وليه خالتو بسمة نامت في أوضتك  ؟
نظر لها ولم يجب حينما قابلته منال مبتسمة وهي تحمل أطباق الطعام قاصدة المائدة مردفة  : 
- حمـ.ـا.تك بتحبك يا داغر  ،  يالا علشان تفطر  . 
- الله يرحمها يا ماما  . 
نطقها داغر بتلقائية كأن قلبه بات مسؤولًا عن تحريك لسانه منذ أن رآها لذا التفتت تطالعه بعينين متسائلتين فتهرب منها بعينيه واتجه مع الصغيرة يجلس على المائدة وتساءل باهتمام  : 
- أومال دينا فين ومالك  ؟ 
أجابته بسمة وهي تقف أمامه على الجهة الأخرى  : 
- دينا لسة نايمة ومالك بيغير هدومه جوة  . 
أحب انـ.ـد.ماجها مع عائلته بهذه السرعة  ،  أحب استقبالها وإجابتها على أسئلته كأنها منهن وهذا ما يريده  ،  ليت هذا الثراء لم يكن له وجود لكانت الآن زوجته فلم يعد فارق السن عائقًا بينهما  ،  حتى أنه يراها تصغره بأعوام  ،  يرى أنه المسؤول عنها ولكن  ...  تبقى ثروتها هي العائق بينهما  . 
أومأ وأجابها وعلى ثغره ابتسامة ملفتة  : 
- ده العادي بتاع دينا  ،  خلوها نايمة أنا أصلًا مابقتش عايزها تروح الشركة دي  . 
جلست مقابله تردف بترقب  : 
- أنا كنت بفكر اعرض على دينا تشتغل معايا في الشركة  ،  إيه رأيك ؟ 
انكمشت ملامحه بضيق مصدره عائلتها وتساءل  : 
- تشتغل معاكي  ؟  هتشتغل معاكي إيه وهي تخصص صيني  ؟  
هزت كتفيها حينما لاحظت انزعاجه تجيبه  : 
- وإيه يعني ما الشركة كبيرة وأكيد لينا تعاملات كتير مع الصين  . 
زفر يومئ وأنب نفسه على انزعاجه أمامها ولكنه لا يريد لشقيقته أن تعمل عند تلك العائلة التي لا تفكر سوى بالمال فقط  . 
خرجت دينا من غرفتها تتساءل بملامح ناعسة بعدما استمعت لحديثهما  : 
- أنا مش هسيب الشركة أصلًا  ،  صباح الخير  . 
هز داغر رأسه من عنادها بينما أجابتها بسمة بهدوء قررت الالتزام به  : 
- صباح النور  . 
دقائق والتفوا جميعهم حول المائدة يتناولون الفطور ولأول مرة يشعر داغر بأنه يريد تناول كل شيء برغم إحساسه بالشبع  ،  شعورًا متناقضًا ولكنه ممتع في حضرتها  ،  ليتها تظل هنا إلى الأبد  ،  ليت عائلتها تتركها له وتأخذ كل شيء  . 
ليت هذا الأسبوع لا ينتهي أبدًا  . 
❈-❈-❈
بعد مرور  أسبوعٍ 
عاد من المطار بعدما أوصل ابنه معاذ الذي سافر إلى مصر ، شيئًا ما داخله يشعر بالراحة والطمأنينة ،  الآن يمكنه التحرك بحرية أكبر ، الآن يمكنه تأمينها بشكلٍ أكبر . 
طوال الأسبوع يتعامل معها بجدية لأنه يعلم هويتها جيدًا ، يدرك أنها رأت كثيرًا وعانت كثيرًا  ،  يدرك أنها آيلة للسقوط ولن تثق بسهولة ولن تقنعها التصرفات العاطفية . 
هي تحتاج إلى ترميم يعيد لها الثقة  ،  تحتاج لوقتٍ وهو يعطيها ما تحتاجه بصبرٍ ظاهري ولكن قلبه يشتاق ، يشتاق لها بشكلٍ يعجز الاشتياق عن تفسيره . 
ليست مجرد امرأة تركت أثرًا في حياته ، إنها تمثل له العودة ، الوطن ، السلام النفسي من أمورٍ شتى ، تمثل له الجائزة الكبرى في كل تحدياته على مدار سنوات  ،  من كل لحظة معاناة وألم عاشهما ولم يستطع إلا أن يتظاهر بالثبات  ،  إنها تمثل الدواء الذي بحث عنه ليعالج جراحه  ،  إنها حقًا امرأة السلام . 
يريد احتضانها واحتواءها وأن تميل روحه عليها ، اثنان وأربعون عامًا يعاني من وحدة القلب البـ.ـاردة والآن بات يشعر بدفئها يقترب منه  ، يشعر أنها تنتمي إليه خاصة بعدما علم عنها كل شيء  . 
توقف بسيارته جانبًا ثم قرر مهاتفها ، أجابته بترقب فأردف بنبرة مشتاقة لم يعد يستيطع إخفاءها : 
- ينفع أشوفك ؟ معاذ سافر حالًا ، إيه رأيك لو نتقابل بليل في مكاننا ؟ 
مكاننا ؟ أي مكان ؟ هل جُن هذا ؟ ألم يعاملها برسمية طوال أسبوع لدرجة أنها ظنت بأنه حينما اعترف بحبه كان يتعاطى شيئًا ما ؟ حقًا لم تعد تفهمه لذا أجابته بفتور : 
- مكاننا ؟ أستاذ ثائر النهاردة يوم أجازتي وبحب أقضيه في البيت . 
تساءل باهتمام : 
- بتعملي إيه طول الوقت ده لوحدك ؟ 
يبدو أنه يريد التحدث لذا تحركت تباشر صناعة قالب الكيك وأردفت بهدوء : 
- بكلم ولادي وبقرأ وبكتب وبطبخ ، وحاليًا بعمل كيكة بالتفاح . 
هل سيحدث شيئًا إن ذهب إليها الآن ومكث معها ؟ إن وقف يعد معها كعكتها ويضمها ؟ إن احتضنها وقرأ لها بدلًا من أن تجهد عينيها في القراءة ؟ إن شاركها مكالمة طفليها وشاركته مكالمة طفله ؟ 
تنهيدة قوية معبأة بالأمنيات خرجت من صدره فتوغلت إليها فوترتها ليستطرد بهدوء ملغم بالحب والحنين : 
- هتاكليها لوحدك ؟ أنا بحبها على فكرة . 
إنه ماكر يبتزها عاطفيًا لذا أردفت تواري عاطفتها  : 
- بسيطة بكرة إن شاء الله هجبلك تدوق في المجلة . 
زفر بإحباط ليصمت قليلًا وحينما طال صمتها قال بنبرة هادئة يتوغلها الإحباط : 
- تمام يا ديما ، أشوفك بكرة . 
انزعج ولكنه جليدي لذا تحرك يكمل قيادته نحو منزله وليتسلى بطرقه الخبيثة . 
❈-❈-❈
هي من قالت أنها لن تترك الشركة وهي الآن التي اتخدت قرار الاستقالة  . 
طوال الأسبوع وهي تفكر في كلام ميتاي الذي اخترق هدوءها وأعاد رشـ.ـدها إلى صوابه  ،  كانت ستظلم نفسها وتظلم معها لوتشو الذي أحبها وترى ذلك في تصرفاته  . 
كانت ستقحم نفسها في زيجة وبين عائلة لا تعلم عنها شيئًا ومن الواضح لها أنه يتبع قرارات تلك العائلة لذا قررت أن ترفض عرضه وتقدم استقالتها  . 
حزينة جدًا لأنها تحب عملها هنا ولكن هذا هو الحل المناسب بعد أيام من التفكير  ،  ستقبل بعرض بسمة وتعمل معها  . 
طرقت الباب فسمح لها لذا تحركت للداخل بملامحها الهادئة وعينيها الحزينة التي لم تصل إليها ابتسامتها  ،  رآها فانفرجت أساريره وأردف بترحاب  : 
- مرحبًا أيتها الجميلة  ،  هل جئتِ لتريني  ؟ 
ازدردت ريقها وتابعت حتى وقفت أمامه ثم مدت يدها تناوله ورقةً تعجب وهو يلتقطها منها وتساءل  : 
- ما هذه  ؟ 
- استقالتي  . 
نطقتها مباشرةً بنبرة عملية اعتادت عليها فتجمد يحدق بها فتركت له الورقة وأسدلت ذراعيها جوارها تنتظر أن تنتهي صدمته ولكنها لم تنتهِ بل تساءل بقلبٍ منقبض  : 
- السبب  ؟
تـ.ـو.ترت ففركت أصابعها وهي تجيبه بعيون متأرجحة بينه وبين الأرض  : 
- كدة أفضل يا لوتشو  ،  أنا فهمت إننا مختلفين تمامًا عن بعض  ،  والدتك كان معاها حق  ، أنا مش هعرف اتأقلم مع عاداتكوا  ،  سامحني  . 
لا لن يسامحها  ،  ليس بعدما استهدفت قلبه  ،  ليس بعدما تعلق بها  ،  ليس بعدما أقنعته بتفهم لم يستشعره ولكنه أرغم نفسه على تصديقه  . 
هز رأسه رافضًا يجيبها  : 
- لن أقبلها دينا  ،  سأعتبر أن مقابلة والدتي هي السبب في هذا القرار المتسرع وسأتفهم خوفكِ ولكن دعيني أخبركِ أنني صاحب القرار الأول والأخير في حياتي  ،  فكري جيدًا دينا ولا داعي للتسرع  . 
وقفت أمامه عاجزة متأرجحة بين رفضٍ وخوف  ،  يقيدها بنظراته التي لم ترَ التصميم بهما مثلما هو الآن  . 
رفع الورقة أمامها ثم قام بشقها إلى نصفين ثم أربع ووضعها على مكتبه يسترسل بثباتٍ جعله يبدو مهيمنًا على غير عادة  : 
- أنا لن أترككِ دينا  ،  أنا أحبك ووالدتي تعلم ذلك جيدًا وستتفهم  . 
تجمدت من نبرته وحدقت به لثوانٍ لتجده ينهض ويتجه نحوها ليقف أمامها ويستطرد وهو يتكتف وعلى محياه ابتسامة هادئة  : 
- اذهبي إلى المنزل واستريحي اليوم وغدًا خذي لي موعدًا مع شقيقك  ،  سآتي أنا ووالدتي لنطلب يدكِ بشكلٍ رسمي  . 
تساءلت تتعلق بذريعتها فنطقت بتـ.ـو.ترٍ بالغ  : 
- داغر مش موافق  . 
- سأقنعه لا تقلقي  ،  في النهاية ستكونين لي  . 
نطقها بتأكيد واتسعت ابتسامته فتهاوى قلبها بشكلٍ لا تدركه لذا حاولت أن تغادر فترجت قدميها أن تتحركا وبالفعل تحركت تردف  : 
- عن إذنك  . 
غادرت بعدها وتركته يقف يتتبع أثرها  ،  سيفعل المستحيل ليحصل عليها ولن يجعل والدته تتدخل في شؤونه هذه المرة  ،  ليس بعدما وجدها  . 
❈-❈-❈
أنهت ترتيب الطابق الأرضي لمنزلها فهي منذ أن وطأت قدماها البيت لم تكتشف ولم تصعد إلى الطابق العلوى أبدًا كأنها تخشاه ، اتجهت تقطع الكيك بعد أن تركته يبرد ثم وضعت نصفه في علبة بلاستيكية ثم أحضرت كيسًا ورقيًا ووضعته به واتجهت نحو غرفتها ترتدي معطفها وحجابها لتقرر الذهاب إليه وإعطائه الكيك ليتناوله طازجًا أفضل . 
خرجت من المنزل وخطت في شارعها ثم انعطفت من شارع جانبي لتصل إلى شارعه . 
دقيقة أو اثنتين حتى وقفت أمام منزله ، أخبرها أنه يقطن خلفها مباشرةً فهل هذا هو ؟ 
تنفست حتى تضخمت رئتيها ثم تحركت نحو الباب تطرقه بتـ.ـو.ترٍ وحذر خشية من ظهور شخصٍ آخر . 
حينما فتح الباب وظهر أمامها ناقضت نفسها وتمنت لو أنها رأت شخصًا غيره فقد كان يقف قبالتها يرتدي سروالًا وتي شيرت رياضي أظهر عضلاته عن قرب ، رأته وهو يمارس الملاكمة ولكنه الآن قريبًا جدًا ، وشمه ظاهرًا أمام عينيها بوضوح لذا تسلطت عليه تحاول استكشاف ماهيته لتتفاجأ به يقترب منها كأنه يسمح لها باستكشافه فتـ.ـو.ترت ورفعت عينيها تطالعه بحذرٍ ألا يقترب أكثر ثم أردفت وهي تناوله الكيس : 
- اتفضل ، قلت تاكلها طازة أفضل . 
التقطه منها يبتسم ثم أجابها : 
- ت عـ.ـر.في إني كنت جعان فعلًا ، اتفضلي نشرب قهوة ! 
باغتته بنظرة محذرة وهزت رأسها تجيبه بجدية : 
- شكراً ، عن اذنك . 
التفتت تغادر ولكن فضولها أجبرها على العودة إليه لذا نظرت في عينيه وتساءلت : 
- هو ممكن أسألك سؤال ؟ 
تكتف فاتسعا كتفيه وأجابها مرحبًا : 
- أكيد . 
عادت عينيها تنظر لوشمه ثم ارتفعت إلى عينيه سريعًا وتساءلت : 
- الوشم ده لبنت مغطية شعرها بحجاب ؟ مصرية صح ؟ 
مالت عينيه ينظر لوشمه ثم عاد يتمعن فيها ونطق بجدية لا تتناسب مع نظرته : 
- تقريبًا انتِ . 
قطبت جبينها بعدم فهم وعينيها تسأله عن مقصده ليجيبها مسترسًلا وهو يتقدم منها خطوة أخرى : 
- لما رسمته كنت بشرح للي بيعمله البنت اللي في خيالي وطلعت دي  ، بس دلوقتي بشوفها إنتِ . 
تـ.ـو.ترت من قربه ومن نظراته لذا ابتعدت تجيبه بثباتٍ زائف : 
- بس أكيد وقتها كنت عارف إن الوشوم حـ.ـر.ام يا أستاذ ثائر ذو الفقار . 
ضغطت على كلمـ.ـا.تها والتفتت تغادر مسرعة هربًا منه قبل أن تفضحها نبضات قلبها المتسارعة ، هـ.ـر.بت ونـ.ـد.مت على مجيئها له فيبدو أنه لن يكف عن أفعاله  ، ولكن هل حقًا هي المرأة التي كان يبحث عنها  ؟ كيف ذلك وهو لم يرَها قط  ؟ 
ابتسم بخفة عليها حينما وجدها تخطو بسرعة شبه مهرولة هربًا مما يفعله  ، اتجه يعود لمنزله ليتناول كعكتها اللذيذة والتي يشم رائحتها قبل أن تحضرها . 
❈-❈-❈
وقف أمجد في المطار تجاوره علياء ينتظران ظهور حفيدهما  ،  قلبيهما ينبضان بصخب لا يصدقان أنهما بعد لحظات سيلتقيان بحفيدهما للمرة الأولى  . 
حماسهما وصل لدرجةٍ غير مسبوقة حتى أن علياء سبقتها دمـ.ـو.عها فرحًا تستعد لرؤيته  . 
دقائق قليلة وظهر معاذ يدفع حقيبته وينظر في وجوه الموجودين وما إن رآهما حتى هرول إليهما يناديهما فلم تتردد علياء في الذهاب إلى وضمه بقوة اشتياق اهتز لها جسديهما  . 
تعانقه وتقبله وتبكي وتنادي على ابنها ثائر كأن هذا الصغير نسخة طبق الأصل منه  . 
حاوطهما ماجد وانتظر دوره ليعانق حفيده ولكن دمـ.ـو.عه لم تنتظر بل سبقته على هذا اللقاء الممتلئ بالمشاعر  . 
لسنوات عدة حرما من ولديهما والآن يعانقان حفيدهما لأول مرة  ،  لم تحل علياء وثاقها من حوله فضحك أمجد من بين دمـ.ـو.عه وتحدث بمحبة  : 
- يالا بقى يا علياء سيبي الباقي لما نروح  ،  عايز أحـ.ـضـ.ـن ابن ابني  . 
ابتعدت علياء بامتعاض ولكنها رفعت كفها تتحسس وجه الصغير الذي سكنت السعادة خمائل قلبه من هذا العناق وهذا الكم من المحبة لذا وجد جده يبادله هو الآخر فرحب به واتجهوا سويًا الى السيارة عائدون إلى المنزل برفقة الغالي ابن الغالي  . 
❈-❈-❈
انقضى الأسبوع سريعًا  ، سريعًا جدًا لدرجة أنها لم تشعر به هنا ، لقد ظنت أنه كثيرٌ جدًا لتفكر وتقرر رفض طلب ماجد ولكنها اكتشفت أنها تحتاج للبقاء هنا  ، تعلم أن هذا يعد ضـ.ـر.بًا من ضروب الخيال ولكنها ستحاول  ، سترفض عرض ماجد ولترى ماذا سيحدث بعدها  .
لقد غمروها بمشاعر لم ترَها أو تعيشها طيلة حياتها  ، منال كانت لها أمًا حنونة  ، ودينا شقيقة صغيرة  وديما صديقة وفية والطفلان ونسًا لا يُمَل منه  .
أما داغر فهو حبيب غلف قلبها بالطمأنينة والراحة  ، الآن ترى محبته وليست صداقته  ، نعم باتت ترى حبه لها ولا يمكن أن تكون مشاعرها من طرفٍ واحدٍ لذا سترفض الزواج من ماجد ثم ستتحدث معه عن شيءٍ كانت قد اتخذت القرار بعدم أخذ خطوتها فيه  . 
قطع حبل أفكارها رنين هاتفها برقم عمها لذا حينما رأته زفرت بضيق وقررت أن تنهض وتذهب للشرفة لتجيبه  . 
وقفت تردف بترقب وهدوء  : 
- أزيك يا أونكل  ؟ 
أجابها دون عناء الرد على سؤالها بعدما فاض به من غيابها عن العمل  : 
- الأسبوع خلص  ،  هترجعي امتى يا هانم  ؟ 
زفرت تحاول فك الحظر عن صدرها فأجابته  : 
- مش هرجع يا أونكل  ،  أنا بدور على بيت اشتريه وهتنقل فيه  . 
- نعم  ؟ 
نطقها باستنكار وهو يجلس خلف مكتبه فتابعت بنبرة جادة تهاجم بها حدته  : 
- اللي سمعته يا أونكل  ،  ماينفعش أكون في نفس المكان مع ماجد اللي طلب إيدي للجواز  ،  خصوصًا إني فكرت في عرضه ولقيت إن الأفضل نكون اخوات زي ما احنا  . 
بهدوءٍ مخيف كشر عن أنيابه وسألها باستهزاء متجسدًا في نبرته : 
- وده طبعًا بسبب الاسطى داغر  . 
تنهدت بعمق ولم تجبه سريعًا حيث أنها التفتت تنظر إلى داغر الذي ناداها يردف مبتسمًا  : 
- يالا يا بسوم الغدا اتحط  ،  سيبك من الفون وتعالي علشان تاكلي  . 
سمعه نبيل ليشعر أن عالمه ينهار وأن ذلك المهندس خطط لينتقم ويستولي عليها وعلى ثروتها لذا تأججت أنفاسه ونطق بتوعد مخيف  : 
- تمام يا بسمة  ،  روحي علشان الغدا مايبردش  ،  وابقي سلميلي على الاسطى داغر وبلغيه إن اللي بياكل لوحده بيزْور  . 
تعجبت حينما وجدته يغلق الخط في وجهها وانقبض قلبها بشعورٍ سيء من كلمـ.ـا.ته وخشت أن تتجسد فكرتها التي راودتها للتو لذا نفضت رأسها تجبر عقلها ألا يصدق هذه الأفكار  ،  فمهما كان نفوذ عمها لن يفعل ذلك أبدًا  . 
❈-❈-❈
ليلا جلست تشاهد التلفاز بعينيها وعقلها منشغلٌ بطفليها ، لم تعد تحتمل بعدهما عنها برغم عدم انقطاع تواصلها معهما طوال اليوم ولكنها اشتاقت لضمهما لذا فقد آن الآوان لتحضرهما ولكن كيف ؟ 
هل تأخذ أجازة أسبوعية وتعود لتجلبهما سريعًا أم سيكون هناك عائق ؟ كثيرًا عليها قضاء ستة أشهر بدونهما ، هل تتحدث معه عن ذلك ؟ 
وكالعادة حينما تفكر به يهاتفها لذا ابتسمت وهزت رأسها تجيبه بترقب : 
- سلام عليكم ! 
تنهد صوته ثم أجابها بدفء : 
- وعليكم السلام ، أنا قاعد دلوقتي في المكان بتاعنا ، ممكن تيجي شوية! 
تنهدت تسبل أهدابها وتفكر قليلًا ، برغم هالة الهيمنة المحيطة به إلا أنها تلاحظ إلحاحه عليها منذ أن اعترف بتلك المشاعر لذا لم تستطع الرفض ، ستذهب وتتحدث معه عن أمر طفليها الذي يشغلها لذا أردفت بهدوء خافت : 
- تمام ، جاية . 
- مستنيكي . 
أغلقت معه ونهضت متجهة نحو غرفتها لتبدل ثيابها ، كانت تشعر بالوحدة وأحيانًا تخاف من مكوثها في هذا المنزل البـ.ـارد وأوقاتًا كثيرة تمل ولا تستطيع الخروج والتنزه لذا فإن اتصاله أتى في الوقت المناسب .
دقائق وكانت تخطو باتجاهه فرآها لذا اتخذ جانبًا يفسح لها المجال لتجلس ففعلت تبتسم بهدوء مردفة : 
- شكرًا . 
تحدث وهو يتكتف وينظر أمامه : 
- المكان هنا بقى بتاعنا رسميًا ، مابقتش أشوف حد بيقعد هنا غيرنا . 
التفت يطالعها ويسترسل : 
- تفتكري دي مقصودة ! 
ابتسمت ساخرة تجيبه بثبات : 
- أكيد لاء ، يمكن لإنه هادي شوية وبعيد عن الدوشة . 
أومأ يجيبها بمغزى : 
- زينا . 
تنفست بعمق فيبدو أن كلمـ.ـا.ته ستأخذ منحى آخر لذا أرادت أن تتحدث عما يشغلها فقالت : 
- فيه موضوع مهم شاغلني عايزة أسألك عنه . 
والاها انتباهه واهتمامه قائلًا : 
- أكيد اتفضلي . 
بدأت تخبره بما يشغلها وبحنانٍ وقلبٍ ملتاع قالت : 
- يعني بما إن السكن موجود والشغل كويس الحمدلله كنت عايزة أجيب ولادي معايا هنا ، أنا اضطريت أسيبهم في مصر غصب عني بس قلت أشوف الوضع الأول هيكون إيه هنا وبيتهيألي إنه مناسب ولا إيه ؟ 
تمعن فيها قليلًا ثم أجابها بغموض : 
- الأفضل يكونوا مع عيلتك في مصر يا ديما ، وجودهم هنا معاكِ هيقيدك عن حاجات كتير . 
لم ترُق لها كلمـ.ـا.ته وظنتها أنانية منه لذا جابهته : 
- حضرتك ليك شغلك وبس ودي حاجة مش هقصر فيها ، أنا بسألك علشان لو ينفع آخد أجازة أنزل أجيبهم وأرجع ،  وطبعا قبلها داغر والمحامي هيتمموا اجراءاتهم . 
مسح على وجه ثم أجابها موضحًا : 
- فكري شوية يا ديما ، مـ.ـا.تنسيش أنك استهدفتي مرتين هنا ، وده مش معناه إن هنا مش أمان بس انتِ محتاجة حد بتثقي فيه يكون معاهم وأظن مافيش أفضل من عيلتك . 
هو محق وكلامه أقرب إلى المنطق ولكنها استرسلت بنبرة مشتتة : 
- يمكن معاك حق ، يمكن هناك أأمن ليهم شوية عن هنا بس أنا مش بثق في باباهم علشان كدة فكرت إنهم يبقوا قريبين مني  ، أصلًا بعدهم عني صعب أوي  ، حاسة إني كنت أنانية لما اخترت الشغل هنا وسيبتهم ، أنا مش عارفة أعمل إيه ؟ 
نكست رأسها تضعها بين كفيها وتخفي وجهها بحيرة وحزن ، أصبحت مشتتة بين أمرين حلوهما مر  ، لأول مرة تفصح عن همٍ يعتليها أمامه ورؤيتها هكذا لم ترُق له على الإطـ.ـلا.ق ، ليست هي المرأة التي تحني رأسها أبدًا لذا كان عليه أن يعيدها إلى صوابها فأردف موضحًا بنبرة يسكنها الغموض : 
- اصبري شوية يا ديما ، فيه احتمال آخد عفو ولو ده حصل هقدر أرجع مصر ووقتها هفتح فرع للمجلة هناك وإنتِ هتكوني مسؤولة عنه  ، وحتى لو مارجعتش ممكن إنتِ اللي تقومي بالمهمة دي . 
رفعت رأسها والتفتت تحدق به باندهاش ثم اعتدلت تتساءل : 
- ده بجد ؟ إزاي ده هيحصل ؟ وامتى ؟ 
زفر وتابع بثبات وشرود : 
- محامي العيلة فتح قضيتي تاني وهنشوف هيحصل إيه ، علشان كدة أنا بعت معاذ على مصر ، هناك أأمن ليه ، ونفس الأمر بالنسبة لأولادك ، وأوعدك إن قريب جدًا هتشوفي أولادك سواء أنا كنت معاكِ أو لاء . 
وعده كان بمثابة عهد وثقة طمأنتها ، برغم كل أفعاله وكلمـ.ـا.ته ومنشوراته إلا أن شيئًا داخلها أجبرها على الوثوق به لذا زفرت براحة ونظرت له بامتنان تجيبه : 
- شكرًا . 
ابتسم لها ولكن رنين هاتفه أخذه عن تأملها لينتشله من صفو أفكاره حينما وجد المتصل هو توماس لذا تجهمت ملامحه وأجاب بنبرة جليدية : 
- اسمعك . 
تحدث توماس بتخابث : 
- جهز نفس غدًا أيها الثائر ، موعدك مع خصمٍ جديد ، كن مستعدًا . 
فاجئه بالأمر ولكنه لم يندهش بل توقع أن يفعلها توماس معه فهو في نهاية الأمر عدوه لذا لم يبدِ انزعاجه بل تساءل بنفس وتيرته البـ.ـاردة : 
- من هو ؟ 
ابتسم يجيبه باستفزاز ونبرة تحمل من الشمـ.ـا.تة أطنانًا : 
- أندريه أودلف . 
لاحظت ديما تجهم ملامحه وتصلب فكه ولكنه أجاب بصقيع جعلها تتعجب من كم ثباته : 
- حسنًا ، جهز حفلتي . 
أغلق معه وشرد قليلًا يفكر ، يريدون سقوطه بأي ثمن ، يسعون ليهدموا شخصيته التي شيدها لتكون حصنًا وواجهة لبحره لذا لن يسمح لهم ولكن .... 
كان ابنه يمده بالدعم ، نظرات الفخر والثقة في عينيه كانت نقطة قوته والآن هو ليس هنا ، التفت يقابلها فوجدها تحدق به منتظرة تفسيرًا لا تود السؤال عنه لذا سألها يأمل ألا ترفض طلبه : 
- عندي منافسة بكرة مع شخص بيكرهني ، إيه رأيك تيجي معايا ؟ 
كلمة يكرهني كفيلة لتؤكد لها أنه بحاجتها ولكن من هي لتقدم له أي مساعدة ؟ وهل من الصحيح أن تذهب معه ؟ 
لا ليس صحيحًا كل ما يحدث معها خطأ وعليها أن تعود لرشـ.ـدها لذا زفرت بضيق واستغفرت والتفتت تجيبه : 
- تمام ، هاجي معاك . 
تفاجئت من نفسها قبله ولكنها قالتها وانتهى الأمر 
❈-❈-❈
لم ينتظر إلى أن يعود إلى المنزل بل تحرك بعدها نحو المصنع ليرى ويتحدث إليه  . 
جلس معه في مكتبه المغلق ونظر له والشر يتحالف مع عينيه وأردف بغضبٍ سافر  : 
- رفضت عرضك  ،  رفضت الجواز منك  ،  وقريب جدًا هنلاقيها متجوزة الواد الميكانيكي ده  . 
هاج ماجد وحاوط عقله بعدم استيعاب بعدما نهض يتحرك بعبثية ويردف  : 
- أنا مش مصدق أنها بتتحدانا كدة عيني عينك  ،  دي مابقتش تخاف من أي حاجة خالص  . 
نظر نبيل نحو ابنه الذي يدور حول نفسه وصرخ  : 
- اقعد  . 
طالعه بضيق ولكنه جلس ينفذ أمره فتابع يبصق أحرفه الخبيثة  : 
- هي فعلًا مابقتش تخاف  ،  علشان كدة لازم نخوفها  ،  أنا كنت غلطان لما فكرت آخدها بالسياسة  ،  بس هي محتاجة قرصة ودن  . 
قطب ماجد جبينه مستفهمًا وتساءل  : 
- يعني إيه يا بابا  ؟  ،  ناوي على إيه  ؟ 
نظر نحوه شزرًا وهمس بفحيح  : 
- ناوي أضغط على نقطة ضعفها  ،  مهي لازم تقبل بالجواز منك يا ماجد سواء بالرضا أو الغصب  ، ثروة الراوي مش هتروح لحتة ميكانيكي زي ده  . 
❈-❈-❈
في اليوم التالي 
يجاوران بعضهما متجهان إلى الصالة الرياضية ، عقله شاردٌ حتى أنه لم يباشر عمله اليوم بشكلٍ جيد . 
طوال ليله يتدرب ويشاهد مقاطع لخصمه ويركز عليها ، يعلم كيف يفكر ولكن أحيانًا يخدع من أمامه ، خبيث لدرجة تجعل منافسه يصاب بالحيرة لذا عليه أن يكون مستعدًا لأي شيء منه لأنه مجبرٌ على لعب هذه المصارعة تحديدًا . 
تجاوره وتلاحظ شروده وصمته وليس الآن فقط بل هو كذلك منذ الصباح ، هناك أمر يخفيه وليس مجرد مصارعة فهذه ليست مرته الأولى ولكن ما هو؟ . 
قاد حتى توقف أمام الصالة الرياضية ثم نظر لها يحاوطها بنظراته وأردف محذرًا : 
- هتقعدي في الصف التاني بعيد عن الشغب ومهما حصل مـ.ـا.تتحركيش من مكانك ، هتلاقي بنات من المجلة جوة ممكن تقعدي معاهم . 
أومأت له وترجلا ودلفا سويًا وبالفعل اتجهت تجلس مع زميلاتها ولكنها اتخذت مقعدًا منفردًا حسب رغبتها . 
نظرت حولها وشعرت بالضيق ، المكان معبأ بجمهورٍ أكبر من المرة السابقة وعلى ما يبدو أن هذه المبـ.ـاراة هامة حيث لمحت القليل من المصورين في الأرجاء لذا توغلها التـ.ـو.تر ولكنها لن تتزحزح من مكانها ، أتت معه وستغادر معه وانتهى الأمر داخلها . 
بعد قليلٍ خرج المنافس الأول والذي كان ضخم البنية بجسدٍ غرق في الوشوم وملامح وجهٍ مكفهره تثير الريبة فيمن يطالعه لذا انسحبت أنفاسها وفرت دماءها خوفًا منه ليس عليها ولكن على ثائر الذي ظهر يرتدي مئزرًا قاتم اللون وتحرك نحو ركن الحلبة يخلع مئزره لتظهر عضلاته ووشمه وملامحه الوسيمة أمام الجميع فتعالت التصفيرات وسمعت الهتافات باسمه بينما هو ثابت متأهب لا يتزعزع به إنشًا واحدًا . 
بدأت الجولة الأولى ونشب العراك الذي تفادى فيه ثائر لكمـ.ـا.ت خصمه ببراعة والآخر يبتسم له بشرٍ وتوماس يقف في الأرجاء متحمسًا ومستمتعًا كما لم يكن من قبل ضامنًا تحطيم شموخ ثائر وطوي صفحته في مجال المصارعة ثم يليه مجالًا آخر  . 
كلما حاول الآخر إطاحة ثائر وجده مستعدًا للكمـ.ـا.ته وكأنه درس طريقته جيدًا لذا بدأ يشعر بالغضب وصاح يزأر بجنون : 
- سأقـ.ـتـ.ـلك الليلة أيها الحقير . 
تعالت الصيحات وعم الصخب فتـ.ـو.ترت ديما كثيرًا بل هجم عليها الخوف خاصةً وأنها لا تنتمي إلى هذا المكان ولكنها متجمدة كمن التصقت بالمقعد لترى ما سيحدث مع ثائر الذي يؤدي أداءً جيدًا . 
لم يبالِ ثائر بتهديدات الآخر له بل استمر في الهجوم عليه حتى كاد الآخر أن يسقط لولا صراخ توماس باسمه يحثه بنظراته على فعل شيء ما لذا اختطف نظرة سريعة عليه فوجده يشير له نحو جانبه لذا انخلع من قبضتي ثائر بعنفٍ وأسرع يسدد له لكمة غير قانونية في جانبه الذي جرح فيه من قبل  . 
كانت ضـ.ـر.بة عنيفة لم يتحملها ثائر وتألم ينحني ويتمسك بجانبه الذي نهشه الألم وجعلته يحني ظهره ليستغلها الآخر حيث رفع قبضتيه ونزل بهما على ظهره بقسوة جعلته يركع أمامه فضحك بشر وتبعه توماس يضحكان بشمـ.ـا.تة وتهاوى قلب ديما على هيأته وهو راكعًا أمام هذا الحقير الذي تأكد أنه دمر مقاومته . 
تعالت الصيحات وأصبح الأغلبية ينادون باسم ثائر ويجشعونه ولكن ألم ظهره وجنبه لا يحتملان لذا لم ينتظر الآخر بل ركله بساقه بقسوة مفرطة أسقطته أرضًا في الحال   .
ليهلل ويستعرض نفسه كأنه فاز قبل أن تُعلن النتيجة حتى ، يتباهى بأنه الوحيد الذي غلب أسطورة ثائر ذو الفقار التي دامت لسنوات لم يغلبه فيها أحد . 
صمتٌ وحزنٌ استحوذ على الجميع إلا من صرخات قليلة مؤيدة للآخر وعلى ملامح توماس تجسدت سعادة ليس لها مثيل . 
تجمدت كليًا وهي تراه يصارع الألم ولم تحتمل ذلك بل تناست هويتها ولقبها وسلامها وتناست كل شيء لذا نهضت تنزل من مقعدها وتتجه نحوه فلن تحتمل أن يصاب بأذى ، هي هنا في حمايته  ،  وقلبها الآن يرتجف خوفًا  . 
اتجهت نحوه وقبل أن تنطق وجدته يصارع لينهض ويتمسك في الحبال فاستردت روحها وابتسمت تحفزه بتشجيع وتومئ له بأن ينهض وينهي حفلته  . 
بنظرة خاطفة حدق بها ويكفيه فرحتها بنهوضه لذا أومأ لها بثقة واعتدل يرى الآخر يتباهى بما حققه  ،  يواليه ظهره ولم يلاحظ نهوضه فقد كان منشغلًا بانتصاره العظيم لذا أسرع يقبض على رأسه من الخلف وقبل أن يستوعب الآخر كان ينزل به أرضًا بحركة مميتة ولكنه يتقنها ويؤديها بشكلٍ دقيق حتى لا يقـ.ـتـ.ـل خصمه  ،  حاوطه مقيدًا حركته فبات الآخر يهتز ويتلوى محاولًا النجاة من قبضته عبثًا حيث أن ثائر جمع جُل طاقته ليحطم غروره ويهدم سعادة توماس  . 
وفعلًا تهاوى الآخر على الأرض معلنًا عن استسلامه وسط صدمة توماس آور ليان وفرحة لم تسع ديما التي قفزت تصفق بحماس ليراها ويبتسم حيث باتت تشبه صغيره وتناست أنها امرأة السلام  .
انتهى الفصل
لقد زرعت حبكِ بصدري... 
 وردة توليب بيضاء ... 
 في جمالها تشبهك
 وفي عنفوانها ورقتها تشبهينها.... 
 في سلامها و حنانها تشبهك... 
 وفي حزنها و نَزْفِها تشبهينها... 
 لقد أخفيت حبي في الأعماق 
 هو كنزي.... 
 لك أعترف عن مكانه، عن قيمته... 
 ولغيرك هو سر ليس يقال.... 
 اقبليني بحبي و بأحزاني... 
 أحبيني  ، ولا تتمهلي بحبي... 
 دمع عينيك يـ.ـؤ.لم قلبي... 
 أحبيني أولا... 
 ولتدعيني بعدها أعطيكي وعدا... 
 أن الدمع في عينيك غال.... 
 لن أسمح يوما وأنت معي.. 
 أن يسيل لا حزنا ولا حتى فرحا  
 فهو كما أنت بقلبي غالٍ..... جدا غالٍ......
(بقلم فيروزة) 
❈-❈-❈
انتهيا من مناسك عمرتهما و أقلعت طائرتهما لتهبط بعد ساعات في العاصمة الماليزية كوالالمبور  .
يشعران أنهما اغتسلا من شحنات سلبية كانت تتوغل إلى حياتهما  ، كلٍ منهما قلبه مستكين  ، كلٍ منهما يحب الآخر بطريقة تجعلهما مثالًا يحتذى به لزواجٍ سليم، الآن فقط باتت راضية عن حياتها  .
اتضحت الرؤية لعقلها بعد أن زارت بيت الله الحـ.ـر.ام والروضة الشريفة وكانت في رحاب سيد الخلق .
رأت أن الله وهبها زوجًا مميزًا يشبه جوهرة داخل صدفة قاسية  ، رجلًا لا تشوبه شائبة وسط عاصفة من الذكور النرجسيين  .
وهبها بيتًا معمرًا بالإيمان  ، وهبها الصحة  ، وهبها الرزق الوفير  ، وهبها احتواءه ولهذا فهي مميزة به  ، باتت ترى الآن الجزء الممتلئ من الكوب وأدركت أن هذه حياة الدنيا ليست دار الخلود وأن كل إنسان سيأخذ الأربعة وعشرين قيراطًا بطرق مختلفة ولكنها ستصله  .
انتهت إجراءاتهما واستقلا سيارة نحو الفندق الذي سيقيمان به  ، يحتويها باشتياق برغم أنه لم يفارقها لحظة ولكنه حقًا يشتاق لها للدرجة التي جعلته يجلس ظاهريًا بثقل ولكنه يتقلب على صفيحٍ منصهر منتظرًا لحظة الوصول  .
لم يمر الكثير حتى وصلا إلى الفندق وترجلا نحو الداخل ووقفا عند الاستقبال وبدأ دياب يخبر الموظف بأسمائهما والحجز الخاص بهما  .
رحب بهما ونادى على العامل ليصطحبهما إلى غرفتهما التي سيمكثان بها لليلتين ثم سيتجهان إلى لنكاوي   . 
صعدا للغرفة بصحبة العامل الذي ساعدهما في حمل أغراضهما حتى وصلا إليها وناولهما المفتاح الإلكتروني وغادر  . 
دلفا سويًا يفحصان المكان بأعينهما ثم وضعا حقائبهما جانبًا والتفت دياب ليواجه يسرا ويسافر في ملامحها قائلًا بابتسامة ماكرة  : 
- حشـ.ـتـ.ـيني و   . 
فهمت مغزاه لذا ابتسمت بخجل فزادته ابتسامتها اشتياقًا لها لذا رفع كفيه يحاوط وجهها ليسـ.ـر.ق قبلة منها فبادلته بمحبة بالغة برغم تـ.ـو.ترها من هوية المكان الجديد  . 
تضاعفت مشاعره نحوها فحاولت إيقافه وابتعدت تلتفت حولها وتنظر في الأرجاء قائلة بتـ.ـو.تر  : 
- دياب استنى ليكون في كاميرات هنا  . 
ضحك عليها وأردف مطمئنًا بثقة  : 
- هحجز في فندق أي كلام ولا إيه  ؟  اطمنى خالص المكان هنا ثقة  . 
زفرت بـ.ـارتياح لذا رفعت كفيها تحاوط عنقه وابتسمت وعينيها تستهدف شفتيه قائلة قبل أن تبادر بتقبيله  : 
- لاء لو كدة بقى يبقى إنت كمان وحـ.ـشـ.ـتني جدًا  . 
حاولا أن يطفئا شرارة اشتياقهما سويًا بمنتهى الحب الذي يزداد بينهما يومًا بعد يوم  . 
❈-❈-❈
هبطت طائرة العم محمود في مطار القاهرة وتوجه بعدما أتم إجراءاته إلى الخارج ليجد صالح وداغر في استقباله  .
أسرع صالح نحوه يرحب به فبادله بحبور ثم اتجه يعرفه على داغر الذي رحب به أيضًا واستقلوا السيارة وغادروا إلى وجهتهم ليرى العم محمود شقيقه ويعطيه أمانته  .  
❈-❈-❈
تحرك يغادر الحلبة ويواري آلام جسده خلف قناعٍ من الجمود ،  نزل يحدق بها بثبات وعينيه تخبرها أنه يتألم ثم أزاحها عنها واتجه نحو توماس ذو الملامح المتجهمة الغاضبة وانحنى يهمس في أذنه وسط التصفيقات الحارة  : 
- ما بك توماس  ؟  من يراك يظن أن عدوك هو من فاز  ، ألم تراهن عليّ أم أن هدمي أفضل إليك من الفوز  ،  جهز أموالي  . 
ابتعد عنه يحدجه بعداءٍ سافر ثم تحرك يخطو نحو ديما التي تأهبت فأردف وهو ينتشل مئزره من الجوار ويخطو وهو يرتديه دون أن يأخذ ملابسه   : 
- بت عـ.ـر.في تسوقي  ؟ 
قطبت جبينها وهي تتبعه نحو الخارج حيث سيارته لتجده يلتفت نحو الجهة الأخرى ويركب ثم سمح لنفسه أن يعبر عن الألم حيث أهدر نفسًا قويًا وفرد ظهره يغمض عينيه بانزعاج  . 
أسرعت تستقل السيارة مكان القيادة وتطالعه متسائلة  : 
- ضلعك بيوجـ.ـع صح  ؟ 
إيماءة بسيطة ثم أردف مجيبًا وعينيه مغلقتان يصارع خلف جفنيه الألم  : 
- اطلعي على أقرب مستشفى  . 
تـ.ـو.ترت كليًا فهي لا تجيد القيادة بشكلٍ جيد ولكنها ستحاول لذا نطقت البسملة وأدارت المحرك وبدأت تقود بحذر وتتبع جهاز تحديد المكان  . 
مد يده يضغط على الزر الذي يفرد مقعده وحاول أن يستريح  ،  ملامحه ثابتة لا تعبر عن أي ألم ولكنها تدرك أنه يتألم كثيرًا فكلما تذكرت كيف ضـ.ـر.به ذلك الخصم انكمشت متألمة مابالها به  . 
بعد دقائق عدة وصلت إلى المشفى القريب وترجلت تحاول مساعدته ولكنه سبقها وترجل يخطو ببطء لتتبعه حتى دلفا واتجها سويًا نحو غرفة الفحص بعدما شرحت حالته لموظفة الاستقبال  . 
دلفت معه غرفة الفحص ورأته وهو ينزع مئزره ويلقيه ويجلس على السرير ليبدأ الطبيب في فحصه والاستماع إليه  . 
وقفت تواليه اهتمامها وترى الطبيب ويديه تجوب على جسده ثم قام بوضع ضمادًا طبيًا عريضًا حول ضلعه وقد أمر بأخذ صورة بالأشعة ليطمئن  . 
❈-❈-❈
تجلس حبيسة غرفتها تفكر  ،  لم يقبل باستقالتها ولكنها لن تعمل بالإجبـ.ـار  ،  رفضته وانتهى الأمر قبل أن يبدأ ولكنها أمس شعرت بالخوف منه  . 
رن هاتفها فانتفضت والتفتت تطالعه لتجده هو لذا تـ.ـو.ترت ولم تجب سريعًا بل ظلت تنظر إلى اسمه ثم زفرت والتقطته تقنع نفسها بأنها قوية وستواجهه لذا أجابته تقول بنبرة هشة تغلفها قوة زائفة  : 
- ألو  ؟  أزيك  ؟ 
أجابها مباشرةّ  : 
- كيف حالك اليوم يا دينا  ؟  هل أخبرتي داغر بمجيئنا أنا ووالدتي كما اتفقنا  ؟ 
ازدردت ريقها ثم التقطت نفسًا قويًا وأجابته  : 
- لاء يا لوتشو  ،  قلتلك موضوعنا انتهى  ،  أنا فكرت كويس ولقيت إننا غير بعض  ،  لو سمحت خليك متفهم  . 
تألم لسماعه كلمـ.ـا.تها وصب اللوم على والدته التي تتعمد إفساد حياته  ،  لقد ترك لها الصين بأكملها وجاء إلى هنا ليتخذ مسارًا خاصًا به ولكنها لحقته و أفسدت بينه وبين من أرادها  . 
صمته جعلها تتساءل  : 
- لوتشو إنت معايا  . 
زفر بقوة يستدعي التروي لذا أجابها بتريث ظاهري  : 
- حسنًا دينا  ،  لن أضغط عليكِ ولكن عودي إلى العمل  ،  لن أقبل استقالتك  . 
تنهيدة ملغمة بالضيق صدرت منها لتخبره بشعور الضغط الواقع عليها  : 
- تمام  ،  خليني أكمل الأسبوع ده في البيت لإني فعلًا الفترة دي مش كويسة  . 
كاد أن يرفض ولكنه رضخ حتى يعالج أمر والدته لذا قال  : 
- حسنًا  . 
❈-❈-❈
توقفت سيارة داغر أمام منزل صالح وترجلوا جميعهم نحو الداخل  . 
صعدوا ودلف صالح يتجه نحو غرفة والده ليوقظه وتبعه محمود متلهفًا لرؤية شقيقه وداغر يجاوره  . 
ما إن ناداه صالح حتى أسرع يفتح عينيه حيث كان في انتظار شقيقه الذي ارتمى عليه يعانقه بحبورٍ والآخر يربت على ظهره بقوة واهنة ويبكي لرؤيته  ،  كان يخشى أن تصعد روحه لخالقها دون أن يراه  . 
الآن اطمأن قلبه  . 
ابتعد محمود عنه وتعمق في ملامحه ليجد الحزن والألم ينقشان لوحتهما على تقاسيمه لذا اعتدل ونظر إلى صالح يردف بنبرة آمرة  : 
- خلينا ناخدو عالمستشفى طوالي يا صالح  . 
أومأ صالح واستعد ومعه داغر ولكن والده اعترض بشـ.ـدة يردف بشعورٍ يجتاحه  : 
- مش رايح محل  ،  أنا قبلت أطلع من غزة لاني حسيت انو هاي إشارة من الله بس  هسا أنا حاسس إنو خلَص آن الأوان  ،  اقعد بس يا محمود واسمع اللي بدي اقولك اياه  . 
تملك العجز محمود حينما سمع كلمـ.ـا.ت شقيقه ونظر إلى صالح الذي استسلم بحزنٍ طاغٍ وداغر الذي يستغفر ربه لذا اضطر أن يجلس أمامه ليسمعه فتحدث بما يعتليه  : 
-  فك الوديعة واعطيها لصالح يفتح فيها مشروع هان هو وداغر  ، مصنع زغير خاص بالمكن وانت ساعدن واستورد منن لحد ما يوقفو على إجريهن  . 
انصدم داغر مما يسمعه ونظر نحو صالح الذي يصب اهتمامه على حالة والده لذا التزم الصمت يتابع الرجل وهو يسترسل بوهن ويقبض بيدٍ مرتعشة على يد شقيقه  : 
- صالح محتاجك يا محمود  ،  أنا هانا مطمن عليه علشان داغر معاه بس إنت لازم تدعمن  ،  أنا هسا اللي بطلب منك هيك وعارف انك راح تستغرب  . 
ابتلع محمود ريقه وتابع بملامح حزينة لائمة  : 
- مش محتاج توصيني ياخو  ،   كنت دايما أقلك اتركني اعملك اشي بس كنت ترفض  ، لحد ما اجيت عمصر فهمتني انك معك مصاري  . 
التفت محمود يتفحص المنزل البسيط ويتابع  : 
- بس اللي مبيّن انك كنت بتكذب علي زي كل مرة  ،  ليش ياخو بتعمل هيك  ؟  
تنهيدة بطيئة وقوية في آنٍ صدرت منه فارتعب قلب صالح واتجه يجثو جواره ليتعمق فيه ويتابع  : 
- كنت بتمنى أرجع عبلدي  ،  قلت بنعمرا من اول وجديد وقلت المصاري اللي معك مارح أفرط فيهن  ،  حسبنا الله ونعم الوكيل  . 
مسح محمود على وجهه يستغفر بتعب بينما لثم صالح يد والده وأردف بحنين  : 
- سلامتك يابا  ،  إن شاء الله راح ترجع احسن من الاول  . 
صدر منه أنينًا وهو ينادي على داغر الذي تحرك يجثو هو أيضًا فاستطرد الرجل بوهن  : 
- صالح أمانتك  ،  هو بيحبك كتير وأنا عارف إنك بتحبه  ،  دير بالك عليه منيح  ،  مالوش غيرك هانا  ،  خليك حده عطول  . 
تجهمت ملامح داغر بالحزن ولكنه أومأ ليريحه فأردف محمود بترجٍ  : 
- ريحني وقوم نطلع عالمستشفى  . 
أغمض عينيه في رسالة واضحة منه بأنه يريد أن ينام  ،  سينام بعدما أتم وصيته وأخبرهم بما في نفسه . 
❈-❈-❈
لم تمر هذه المبـ.ـاراة مرور الكرام بل تم إرسال مقطع فيديو إلى مارتينا يحمل مشاهد جمعت بين ثائر وديما  . 
جلست تتفحصه بنظراتٍ رادارية  ،  دلفا معًا وجلست تشجعه ثم انتفضت على إثر إصابته ونزلت تقترب منه بلهفة تجلت على ملامحها  ؟
  إنها تحبه  ،  نعم هذا ما حدث وقد وقعت هذه المصرية في حبه ويبدو أنه يبادلها وكان يوهمها بعكس ذلك  . 
حسنًا أولم يخبرها بسمعته التي ستضرر  ؟  أولم يحذرها من العبث  ؟  ليكن الأمر أشبه بالحادثة  ،  أو محاولة سرقة مثلًا ولكن يجب أن تنهي الأمر في أسرع وقت  . 
بابتسامة المكر والجنون الخاصة بها قررت حل الأمر بطريقتها المعتادة ولكن عليها أن تكون حذرة كي تحصل على النتيجة المطلوبة  . 
❈-❈-❈
جلسا حول طاولة الطعام يضعان الطعام الذي أحضراه والذي كان عبـ.ـارة عن أكلات بحرية متنوعة  . 
باتت على وشك الولادة وتضخم حجم بطنها ولكنها قررت أن تبدأ أول تحدي بينها وبينه اليوم لذا فلم يتناولا شيئًا منذ الصباح بعدما حرمته من الطعام  . 
بدأت بتشغيل كاميرا الهاتف الذي يستند على الحامل الخاص والذي بدأ يسجل المشهد التالي  . 
ألقت المقدمة التي أعطاها لها المهندس المنشود بينما هو يستمع لها ويشعر بالحرج والحماس في آن  . 
الحماس للشهرة خاصة وأنه ينوي تقديم محتوى مخالفًا لما يشاهده والحرج مما تفعله ولكنه ينتظر تنفيذ ما نوى أمام المشاهدين للبث   . 
بدأت توضح التحدي وتعرض أصناف الطعام ليقطع حديثها مردفًا بهيمنة زائفة  : 
- استني بس يا زينة  ،  مش ده اللي هنعمله ،  احنا لازم نفهم الناس إنهم مايتبعوش ولا يتفرجوا على اللي بيطلعوا يعملوا كدة  ،  فيه ناس غلابة كتير مش لاقية العيش الحاف ماينفعش نطلع نعرض رزقنا على حد  ،  إحنا بس عملنا الأكل ده علشان عارفين إنها الطريقة اللي هتخليكوا تتابعونا بس أوعدكم بعد كدة محتوانا هيبقى مختلف تمامًا  ،  هنقدم حاجات تانية تفيد الناس  فياريت بقى تشجعونا  . 
كانت تتلظى على نيران الغضب ولا تصدق ما يقوله  ،  أيخدعها ويفـ.ـضـ.ـحها ويهدم خطتها  ؟  لن تسمح بذلك أبدًا لذا هاجت تصيح بنظرات حادة تباغته بها : 
- إيه يا كمال وهو احنا بنعمل إيه غلط  ؟  وبعدين مالهم الناس اللي بيعملوا كدة مهما زي الفل مايصحش تغلط في حد  ،  وبعدين الأكل ده في متناول الجميع ده شوية سمك يعني مش شغلانة  . 
هذا ما أراده أن يظهر للعلن لذا ارتدى ثوب الحكمة وأردف بهدوء  : 
- يا حبيبتي صدقيني مش أنا اللي بغلط فيهم تصرفاتهم هي اللي غلط  ،  احنا عايزين المشاهدين يحبونا مش يشتمونا  . 
قالها وهو يشير نحو الكاميرا ويبتسم بتباهٍ خادع فلم تحتمل مايقوله لذا نهضت لتحتد ولكنها شعرت بألم الولادة يهاجمها فجأة صرخت وانحنت تمسك ببطنها فتعجب يتساءل  : 
- في إيه  ؟ 
نظرت له بصدمة والبث مباشر لتقول بصراخ غير عابئة بأي شيء  : 
- أنا بولد  ،  قــــــــــوم  . 
نهض بعدها يسندها ويظهر حبًا واهتمامًا مبالغًا فيه فصرحت تبعده وصاحت  : 
- اقفل البث والحقني يا كمال احسنلك  ، آاااااااه الحقيني ياما   . 
❈-❈-❈
بعد ساعة 
تم عمل أشعة له وتبين أنه يعاني من كسرٍ في ضلعه وأن هذا الألم طبيعي نسبةً للضـ.ـر.بة القوية التي تلقاها. 
استراح قليلًا وقد شعر بتحسن بعد جرعة المسكن التي تناولها والضماد حول ضلعه لذا نهض يطالعها وهي تجلس أمامه بترقب وقال   : 
- يالا يا ديما  . 
قالها بعدما أخذ الوصفة الطبية واستمع إلى إرشادات الطبيب ثم انتشل مئزره وارتداه وتحرك معها نحو الخارج وتبعته بهدوء ثم استقلا السيارة وبالطبع قادت هي أيضًا  .
تقود بحذرٍ وبهدوء ولكنها حزينة على ما أصابه لذا التفتت تطالعه فوجدته متكئًا على المقعد يستند على كفه ويفكر قليلًا فلم تحتمل إلا أن توبخه بعدما شعرت بالمسؤولية تجاهه لذا نطقت وعينيها على الطريق  :
- ليه أصلًا تلعب لعبة همجية زي دي  ؟ كلها عنف وضـ.ـر.ب وأذية  ؟ ليه بجد إنت كاتب محترم ومعروف وليك اسمك يبقى إيه لازمة الملاكمة أصلًا  ؟
أراد أن يبتسم ولكنه لم يفعل بل استمر على جموده فزفرت واستطردت  :
- المفروض إن إنت ترتاح 3 أيام على الأقل  ، مش هينفع تنزل الشغل الفترة دي كلم نسيم هو اللي يتابع الشغل مكانك وانت تابع من البيت لحد ما تقدر تقف  .
أومأ واعتدل بهدوء ثم أردف بخبثٍ مغلفًا بملامح جادة  :
- هعمل كدة فعلًا  ، بس المشكلة إني هحتاج حد يهتم بيا ال3 أيام دول  .
قطبت جبينها والتفتت تطالعه بشكٍ ليقابلها مسترسلًا بمكر  :
- وجع الضلع صعب أوي  .
- ومافكرتش في ده ليه قبل ما تروح تلعب  !
سألته بضيق حيث أنه يستمر في ممارسة ابتزازه العاطفي عليها وبالفعل هي لن تستطيع تركه هكذا وحده ولكن ماذا تفعل وكيف تراعيه  ؟ باتت مؤخرًا تتصرف بطريقة لا تمت لها بصلة ولكنه تعمد أن يستفزها لذا نطق باستنكار  :
- ماكنتِ فرحانة وبتهللي أول ما غلبته  ، اشمعنى دلوقتي بتلوميني  ؟
زفرت بضيق وتذكرت فرحتها حينما فاز على خصمه لذا أجابته توضح بمراوغة  :
- لاء أنا بس كنت فرحانة لإني ماكنتش هعرف أخرج من هناك من غيرك  .
تمعن فيها ونطق بحبٍ لم تتوقعه وهو يحاول الجلوس باعتدال   :
- علشان كدة قومت وغلبته ، حمايتك مسؤوليتي يا ديما  .
تـ.ـو.ترت وتحمحمت تتهرب من إجابته التي أنبتت براعم جديدة من العشق في قلبها لذا نطقت  :
- هو انت مـ.ـا.تعرفش حد هنا ممكن يساعدك  ؟
نظر أمامه ونطق بجدية زائفة  :
- في طليقتي  ، لو كلمتها هترحب جدًا  .
كان يقصد رؤية أي ملامح للغيرة لديها ولكنه رأى الغضب الخفي الممزوج بالحزن  ،  هذا ما لم تتقبله  ،  يمكنها بسهولة تهميش أي شخصٍ يستغل مشاعرها فقد رأت من الخيبات ما يجعلها تتربع على عرش التخلي  ،  ليتذكر على الفور قصتها لذا نطق بصدقٍ يصحح ما قاله  :
- بس أنا مستحيل أعمل كدة لإني خرجتها من حساباتي من زمان جدًا  ، من وقت ما شوفتك وأنا مش عايز حد غيرك في حياتي   .
أخمد ثورتها الداخلية لترتاح ملامحها لذا تنهد بـ.ـارتياح يتابع معبرًا عما به  :
- ديما مـ.ـا.تخافيش مني  ، أنا بحبك ومستحيل أأذيكي بنظرة حتى  ، خليكِ واثقة من ده كويس  .
لم تعد تتحمل ما تسمعه لذا توقفت جانبًا ثم هزت رأسها تطالعه وقد التمعت عينيها لتردف بتحشرج  :
- لو سمحت كفاية  ، أنا بسببك بقيت بعمل حاجات كتير غلط  ، أصلًا إني آجي معاك الملاكمة غلط  ، ركوبي معاك دلوقتي غلط وحـ.ـر.ام وضد اللي أنا بحاول أوصله وضد مبادئي  ، إنت ليه مش فاهمني  .
طالت نظرته لها وهي تنتظر أن يتفهمها ويخبرها بأنه سيتوقف فلم تعد تحتمل تأنيب الضمير القائم بين مشاعرها وعقلها لينطق بشكلٍ جاد ومفاجئ  : 
- خلينا نتجوز  .
نطقها دون مقدمـ.ـا.ت لتتفشى الصدمة على ملامحها ويفرغ فاهها لذا زفر يستطرد  :
- وقتها مش هيكون فيه بينا حاجة غلط أو حـ.ـر.ام  ، فكري يا ديما  ، وأنا ماعنديش أي مانع أتكلم مع داغر واعملك كل اللي إنتِ عايزاه  .
ظلت كما هي محدقة به لثوانٍ ولا تصدق أنه عرض عليها الزواج هكذا فجأة  ، أرادت أن تهرب من عاصفة الأحداث المتسارعة هذه لذا التفتت تنظر أمامها وتقبض على طارة القيادة بقوة  ، يعرض عليها الزواج  ؟ بهذه البساطة  ؟ أيعرفها لهذه الدرجة  ؟ أتعرفه وتثق به وتحبه لتقبل  ؟  أهي مستعدة للزواج مرة أخرى  ؟  
استغفرت ربها وأردفت دون النظر إليه  :
- خليني أوصلك البيت .
تركها وتكتف وقرر الصمت وأكملت قيادتها حتى وصلت أمام منزله فترجلت وترجل يتجه نحوها بخطواتٍ حذرة ثم قال وعينيه تسافر فيها  : 
- يالا روّحي إنتِ  . 
نظرت له تستشف حركته حتى أنها تراجعت عن سؤاله هل يتألم أم لا وأومأت تودعه وتتحرك نحو الشارع المؤدي لمنزلها وهو يقف يتابعها باهتمام ويعلم أن عقلها الآن يعمل بلا هوادة  . 
❈-❈-❈
في اليوم التالي  وبعد عودتها من المجلة 
خرجت من حمامها بعدما أغتسلت ترتدي قميصًا بيتيًا قصيرًا وتلف المنشفة حول رأسها بإحكام ثم خطت بخفها نحو المطبخ لتحاول تحضير وجبة له  . 
منذ أن تركته وهي تفكر به وكيف حاله ومن المؤكد لم يستطع النهوض وإحضار أي طعام  ،  لا تعلم ما بها ولكنه حقًا شغل حيزًا من عقلها لذا ستحضر وجبة صحية وتذهب لتعطيها إياه . 
تعترف أن اليوم كان مملًا بدونه ولم تمارس عملها بشكلٍ جيد  . 
وقفت بطلتها الناعمة تحضر الطعام ليرن هاتفها برقمه فاتجهت تلتقطه من فوق الطاولة ووقفت تجيبه بترقب  : 
- ألو  ؟ 
أجابها بتنهيدة حارة  : 
- أنتِ نايمة ؟ 
التفتت تنظر للموقد وتجيبه بوضوح  : 
- لاء  ،  بعملك أكل  ،  يعني نص ساعة بالكتير وهجبهولك  ،  إنت عامل إيه دلوقتي  ؟ 
ابتسم ولكنه أجابها يدعي المسكنة  : 
- فيه ألم  ،  الحركة صعبة شوية بس ماشي الحال  . 
أومأت وعجز قلبها عن التغافل بل انفطر لأجله فقالت بهدوء  : 
- مـ.ـا.تقلقش هتبقى تمام  ،  حاول تستريح وتفرد ضهرك  بس مـ.ـا.تاخدش الأدوية غير لما تاكل  ، إنت ماكلتش حاجة من إمبـ.ـارح  ؟  
أجابها بصدق  : 
- شربت قهوة  . 
زفرت بضيق وشعرت بالذنب يأكلها تجاهه فكان يجب عليها أن تطعمه قبل أن تذهب إلى العمل لذا أردفت بنبرة حنونة  : 
- طيب أنا مش هتأخر  . 
- تمام  . 
أغلقت معه وعادت تحضر الطعام بينما هو جالس في غرفته يتصفح هاتفه ويجري اتصالاته الهامة وعقله منشغلٌ في شيءٍ هام وهو رد فعل مارتينا التي من المؤكد رأت ما حدث  . 
❈-❈-❈
جلست تتآكل كرهًا وغضبًا وتتحدث عبر الهاتف مع رجلها الذي ولته مهمة قـ.ـتـ.ـل ديما  ،  لن تتركها على قيد الحياة  ، ستتخلص منها كما فعلت مع غيرها وستفعلها قبل أن يعود لعمله  . 
بعدما رأت نظراتها نحوه ستتخلص منها كما تفعل دومًا  ،  تلك المصرية المحجبة خطرًا عليها وهو خدعها  ،  ذريعته كانت سُمعته واسمه  . 
حسنًا ستتخلص منها بطريقة أخرى لذا أردفت  : 
- فقط انتظر الوقت المناسب وتسلل إلى بيتها  ، اقـ.ـتـ.ـلها واسرق بعض الأغراض وغادر على الفور  . 
نطق الرجل متسائلًا  : 
- هل تضع جهاز إنذار  ؟ 
اغتاظت وتملكها الجنون لتجيبه معنفة وهي تنتفض : 
- افترض أنها تضع وتصرف على هذا النحو  ،  إياك أن تخطئ وإلا أنا من سأقضي عليك  ،  هيا سأنتظر منك اتصالًا سعيدًا  . 
أغلقت معه وجلست على طرف الفراش تهز ساقيها بانفعال لثوانٍ قبل أن تبتسم ثم تضحك بشرٍ وتهس قائلة بثقة  : 
- لن تكون مع غيري ثائر  ،  أعدك أنك ستعيدني في أقرب وقت  ، لن تذهب كل محاولاتي سدا . 
❈-❈-❈
وصلت أمام منزله وطرقت الباب تنتظر ظهوره  ،  تعلم أنه لن يفتح سريعًا نسبة لتألمه لذا انتظرته قليلًا حتى فتح لها يطالعها بتمعن ثم نظر لما في يدها وهي تناوله إياه مردفة  : 
- اتفضل  ،  لسة سخن يعني كُل علطول  . 
تناوله منها وتأملها  ،  ود لو سحبها من يدها لتدخل في بيته  ،  بيته الدافئ المكون من ضلوعه وخلفهما قلبًا مرحبًا ينبض باسمها ولكنه ابتسم بهدوء يجيبها بثبات  : 
- تسلم إيدك  . 
نظرت لجسده وتساءلت باهتمام نبع من داخلها  : 
- أحسن دلوقتي  ؟ 
انكمشت ملامحه يجيبها بخبث  : 
- شوية  ،  مـ.ـا.تقلقيش هبقى كويس  ،  تحبي تدخلي  ؟ 
أجابته بجدية  : 
- أكيد لاء  ،  عن اذنك لو احتجت حاجة كلمني . 
أومأ بتفهم وودعته وعادت منزلها ودلف بيته يتناول طعامها اللذيذ حتمًا  
❈-❈-❈
في اليوم التالي 
الثالثة صباحًا بعدما وضعت الخطة حول المكان وجرى تنفيذها . 
كانت تنام متلحفة بغطائها الوثير الذي لم يمنع عنها الصقيع  ،  لسعة بردٍ تخترق الأقمشة وتضـ.ـر.ب جسدها لذا باتت تتململ في نومها قبل أن تستمع لصوتٍ مفاجئ يأتي من الخارج ففتحت عينيها بتعجب حيث لم تنم بعمق بعد  . 
ولت تركيزها على الصوت الذي تكرر لذا قررت النهوض ورؤية ماذا يحدث في الخارج بالرغم من الرعـ.ـب الذي تفشى في قلبها وسرى في جسدها . 
نهضت ثم التقطت مئزرها وارتدته وتوجهت خارج الغرفة تتكتف وتنظر بتـ.ـو.تر باحثة عن مصدر الصوت  ،  تحركت خطوة  ،  اثنتان  ،  ثلاث حتى وقفت في المنتصف تجحظ بصدمة حينما ظهر أمامها رجلًا مقنعًا خرج للتو من مطبخها  . 
شُل عقلها وهي تراه يُخرج سكينًا ويتمسك بها ونظراته الباحثة عنها تؤكد لها أنه سيقـ.ـتـ.ـلها لا محالة  ،  لم تتحرك إنشاً وانعقد لسانها وفجأة هجم على عقلها طفليها وتمنت لو تراهما الآن أو يكون ما تراه أمامها مجرد كابوس  . 
وقعت عيناه عليها فتوقف لثوانٍ ثم تحرك نحوها بحركة ضخت الأدرينالين في جسدها وجعلتها تلتفت تنوي الركض من أمامه ولكنها عادت تتجمد مكانها حينما ظهر ثائر من أعلى الدرج ينزل راكضًا كمن يلحق بقطار عمره قبل أن يفوته  . 
لم تعد تستوعب أي شيء بعد ذلك بل وقفت تنظر لما يحدث من عراك حيث لحق ثائر بالمقنع الذي تفاجأ به مثلها وحاول مهاجمته ولكن الآخر كان يعميه الغضب وتتملكه قوة الدفاع عنها متناسيًا أي ألم كان يسكنه بل أنه قـ.ـتـ.ـل الألم وبات فقط يسدد له اللكمـ.ـا.ت فوقعت السكين  ، استمر في لكمه دون رحمة أو توقف ولم يترك فرصة للآخر أن يجابهه حتى فقد وعيه وسقط أرضًا فلم يتوقف بل استمر في ركله في أنحاءٍ متفرقة وهو يزأر حتى تأكد من إغمائه أو موته لا يهم بعد الآن  . 
التفت يتنفس بقوة وهدر   ،  يواجهها فوجدها تحدق به وتقف كمن دخلت حلمًا في ساعة العصر  ،  من هذا ومن أين ظهر وماذا حدث  ؟ 
التفتت تنظر للدرج الذي نزل من خلاله بعدم استيعاب ثم عادت إليه وتساءلت وهي على وشك الجنون ورأسها يذهب ويعود بذهول وخوفٍ سافر  : 
- أنا بحلم صح  ؟ 
تنفس وتفهم ما تمر به  لذا تحرك نحو غرفتها يلتقط معطفها وحجابها وحقيبة يدها ثم نزع حقيبة أخرى يضع بها بعض ملابسها بحركة سريعة وأغلقها وحملهما ثم خرج من الغرفة يتجه نحو باب المنزل يفتح قفله ثم عاد إليها يمد يده ليسحبها معه نحو الدرج ويردف بنبرة آمرة حادة من شـ.ـدة غضبه  : 
- إحنا لازم نمشي من هنا حالًا  . 
سحبها فتحركت معه خطوة قبل أن تنفض يدها منه وتتساءل بعيون متسعة   : 
- نمشي فين ؟ أنا عايزة أفهم  ،  أنا أكيد مش في وعيي  ،  أكيد بحلم  . 
ستجن  ،  هذا ما شعرت به  ، إنها ستفقد عقلها لذا وقف أمامها وتحدث وعينيه مصوبة على عينيها ضاغطًا على أحرفه  : 
- لازم  نمشي من هنا حالًا وهفهمك كل حاجة  . 
نظرت لعمق عينيه ثم انحرف نظرها نحو ذلك الملقي أرضًا لتعود إليه ولا تعلم كم عدد المرات التي وثقت به فيها ولكن عقلها الآن عاجز عن تصديق ما حدث  ، ناولها معطفها وحجابها قائلًا  : 
- البسي دول  . 
تناولتهما منه وأدركت أنها الآن تقف أمامه من دون حجاب لذا أسرعت ترتديه ولفت الحجاب حول رأسها وتحركت معه نحو الدرج حتى صعدا للطابق العلوي لتجده يأخذها نحو غرفة ما  ،  المكان هنا منظم كثيرًا وليس مخيفًا على عكس ما توقعت ولكن عقلها كان مشغولًا بشيءٍ واحد فقط كيف حدث ذلك؟ 
دلفا الغرفة واتجه لخزانة خشبية تحتل الحائط بالكامل وفتح إحدى ضلفها يزيح الملابس منها ويفتح بابًا فيها ليعبر إلى بابٍ آخر وتظهر غرفة أخرى وخزانة أخرى خرجا منها للتو  . 
توالت الصدمـ.ـا.ت عليها ونظرت له بذهول وهو يعيد إغلاقه لتردف بعدما اكتشفت أنها الآن في منزله : 
- إنت عامل باب سري  ؟  إنت كنت عايش معايا  ؟ 
تنهد بضيق واتجه يجلسها على فراشه فأبعدت يدها عنه تردف بدمـ.ـو.ع بعدما بدأت تدرك ما يحدث حولها  : 
- ابعد عني  . 
تفهّم ما يحدث معها فابتعد يتنفس بضيق وبدأت تبكي أمامه  ، كل ما حدث ليس كابوسًا بل حقيقة  ،  لقد خدعها  ،  جاء بها إلى هذا البيت تحديدًا لأنه يقطن معها  ،  هل عبر إليها من قبل أثناء نومها  ؟  ما هذا الذي تعيشه وتراه  ؟  هل تسلل إليها قـ.ـا.تل كان ينوي قـ.ـتـ.ـلها  ؟  
زاد بكاؤها ليشعر بالاختناق لذا أردف  : 
- ديما اهدي  ،  صدقيني مش هسمح لأي حد يأذيكي  . 
صاحت موبخة إياه وهي تقف وتطالعه باستنكار   : 
- كفاية بقى  ،  من يوم ما جيبتني هنا وأنا عمالة اتعرض لحاجات غريبة وكل شوية مش هسمح ومش هقبل  ،  كفاية أنا عايزة أرجع بلدي  ،  أنا مش هستنى هنا يوم واحد بعد كدة  . 
مسح على وجهه يحاول أن يتحلى بالثبات ولكن مشاعره مبعثرة لأجل حزنها لذا أردف  : 
- أنا آسف  . 
عادت ترتد على الفراش وحاولت أن تهدأ وتفكر بتروٍ ولكن عقلها يدور في متاهة لا سبيل للخروج منها ،  هذه الأحداث كثيرة جدًا عليها وفوق استيعابها ولكنها حقيقة لذا ستحاول أن تهدأ فالتسرع ليس من مصلحتها   . 
نظر في ساعة يده ثم عاد إليها يردف بترقب  : 
- ديما خلينا نمشي من هنا وهفهمك كل حاجة  ،  صدقيني عملت كل ده علشان حمايتك  . 
لم تجبه بل مسحت على وجهها تكفكف دمـ.ـو.عها ثم نهضت تمعن النظر فيه وتجيبه  : 
- تمام هسمعك  ، فيه حاجة ناقصة إنت مخبيها عني   ،  بس بعدها هرجع مصر  ،  مش هبقى هنا بعد كل اللي حصل  ده  . 
أومأ يستطرد  : 
- تمام  . 
وقفت تطالعه وهو يتحرك نحو خزانته وينزع منها بعض الملابس ثم استل حقيبته ووضعهم فيها يغلقها ثم اتجه يرتدي معطفه ثم وضع أغراضه الشخصية في حقيبة جلدية صغيرة وقال مشيرًا لها أن تتبعه وهو يحمل هذه الأغراض  : 
- يالا  . 
أطاعته بعجزٍ جعلها ترضخ له وبمشاعر داخلية تجبرها على الوثوق به  ، خرجا سويًا من باب منزله حيث تصطف سيارته فركباها واتجه يقود وانطلق نحو وجهته إلى قرية جيفرني وهو يهاتف الشرطة ويخبرها باللص الذي هجم على منزلها  . 
❈-❈-❈
بعد وقتٍ  . 
توقف أمام منزل كبير في منطقة ريفية  ،  زفر والتفت يطالعها فوجدها تستند على ركن السيارة وتغمض عينيها فنداها بهدوء  : 
- ديما  . 
فتحت عينيها والتفتت تنظر حولها لترى المنزل وتتعجب لذا عادت إليه تسأله  : 
- بيت مين ده  ؟  
أجابها بوضوح  : 
-  ده بيت صديق ليا  ،  المكان هنا أمان  ،  هنقعد هنا كام يوم وبعدها هنسافر دبي نحضر مناظرة مهمة هناك  وبعدها هترجعي مصر  . 
جلست تطالعه لهنيهة ثم تساءلت بقلبٍ مترقب قلق  : 
- وانت  ؟ 
تمعن فيها  ،  هي تحبه وهذا الشيء لا تستطيع عينيها إنكاره  ،  تعاني من صراع داخلها تسبب هو به ولكنها تخشى اتخاذ قرار يـ.ـؤ.لمها ويظلمها ويظلم طفليها  ،  ما زالت بحاجة إلى أمان  ،  إلى ثقة واطمئنان وكل ما رأته معه حياة غير آمنة لذا حتى وإن شعرت نحوه بمشاعر جديدة عليها إلا أن عقلها يجبرها أن تتروى  ،  هناك أشياء أثمن من الحب  ، أغلى من المشاعر التي تسكن فؤادها  ،  هناك شعور أهم  ،  الآمان  . 
سألها بوضوح بعدما تأكد من حبها له  : 
- إنتِ خايفة مني  ؟ 
ليتها توميء له ولكن كيف تومئ وتؤكد على شعور ينافي تمامًا ما تشعر به حينما تكون معه لذا أجابته بصدق  : 
- لاء  ،  مش خايفة منك بس إنت دخلتني عالم مش بتاعي  ،  أنت دخلتني ساحة حرب وسط أعداء كتير أنا ماعرفهمش وأنا مافيش في إيدي سلاح غيرك  . 
شعور مفاجئ اجتاحه يلزمه باحتوائها الآن ولكنه تمالك نفسه عن فعل ما يرغب بشـ.ـدة وبدلًا عن احتضانها قرر احتوائها بالكلمـ.ـا.ت فأردف  : 
- ساحة الحرب دي هتتحول لمقبرة لأي حد يحاول يقرب منك  ،  معاكِ حق أنا جبتك عالم مش شبهك بس إنتِ غير أي واحدة عادية  ،  أنا دخلتك العالم بتاعي لإني محتاجك في حياتي  ،  بعد ما قرأت قصتك وعرفت كل اللي مريتي بيه حسيت إن إنتِ الوحيدة اللي ممكن تنقذني من الوحدة والغربة اللي كنت غرقان فيهم  ،  ماعتقدش هلاقي واحدة في قوتك ومش عايز ألاقي   . 
وجدها ساكنة تخترق كلمـ.ـا.ته عقلها ليتابع بنبرة هائمة وعينين سابحتين في فلك عينيها  : 
- إنتِ بالنسبالي الوطن اللي أنا اتحرمت منه يا ديما  ،  الوطن اللي نفسي أترمي في حـ.ـضـ.ـنه  ،  كل الغموض والقوة والشهرة اللي في حياتي دي ناقصها حاجة واحدة بس ومش موجودة غير عندك إنتِ وأنا محتاجها جدًا في حياتي  . 
ترقبت ما سيقوله لذا تنفس بقوة وأردف بمغزى  : 
- السلام  ،   السلام يا امرأة السلام  . 
اجتياح قوي هجم على قلبها  ،  لم يعد لديها شك أن ما تشعر به تجاهه هو الحب  ،  ولكن الخوف في عينيها لم يزُل والصراع داخلها مازال قائمًا لذا أردفت  : 
- بس أنا ماذكرتش في كتابي إني بخاف  ،  أنا أخفيت الإحساس ده عن القارئ  ،  أنا مريت بتجربة قرائتها سهلة لكن إحساسها محدش هيعيشه مكاني  ،  أنا كمان زيك بدور عن السلام  ،  استكفيت حروب مع نفسي وتحامل على طاقتي  ،  أنا محتاجة حد يطمني والأهم مني يطمن ولادي قبلي  ،  محتاجة أب كويس ليهم  ،  محتاجة حد يفرح قلبي فيهم  ،  محتاجة حد ينزع منهم كل لحظة خوف وتعب وقلق شافوها  . 
هزت رأسها تتابع بخوفٍ وهي تسبح في بحر عينيه  : 
- صعب جدًا إن ماكنش مستحيل إن ألاقي الحد ده  ،  علشان كدة أنا مش هينفع أدخلك حياتي  ،  إنت عايز مني حاجة أنا أصلًا بدور عليها  . 
لم يكن يسعى ليخبرها بمَ لديه ولكن هذه فرصته الأخيرة لذا زفر بقوة وأمسك بهاتفه يطلب رقم أحدهم وينتظر إجابته فأجاب الآخر بعد وقتٍ يردف بنعاس  : 
- سامعك يا ثائر باشا  . 
التفت ثائر ينظر لها وهي تستمع ثم تساءل وهو يشغل مكبر الصوت  : 
- معلش يا حسن صحيتك بس قولي الولاد أخبـ.ـارهم إيه النهاردة  . 
تحدث حسن يوضح بجدية  : 
- مـ.ـا.تقلقش يا أستاذ ثائر أنا عيني مش بتفارقهم غير لما بوصلهم البيت  ،  مالك النهاردة زميله وقعه من على الألعاب بس الموضوع اتحل وهو كويس جدًا واتكلمت مع مديرة المدرسة تاخد بالها عليهم ووصلته البيت هو واخته والصبح إن شاء الله هروح أخدهم  . 
ذُهلت وهي تستمع إلى صوت حسن سائق الباص الخاص بصغيريها  ،  نعم إنه هو  ،  وبالفعل أخبرها صغيرها بما حدث معه اليوم  . 
زفر ثائر واستطرد بهدوء  : 
- تمام يا حسن  ،  خد بالك منهم كويس  وأهم حاجة أوعى حد يزعلهم  . 
- مـ.ـا.تقلقش من الناحية دي يا أستاذ ثائر  . 
أغلق معه وزفر يتحدث دون النظر إليها ودون محاولة لإظهار أي التباهي  : 
- إنتِ ماكتبتيش في قصتك إنك بتخافي بس أنا قرأت ده كويس جدًا  ،  أنا عايز أكون أب لاولادك  ،  عايز أعوضهم وعايز أفرحهم ومستني أرجع مصر في أقرب وقت علشان اتعرف عليهم   . 
التفت لها ليجدها تتأمله كليًا بعدم تصديق فاسترسل  : 
- أنا كمان عندي ابني اللي بحبه أكتر من أي حاجة في الدنيا وظلمته باختياري لوالدته  ،  هو كمان زيي محتاج أم تحبه وتصاحبه وتخاف عليه  ،  المعادلة محلولة يا ديما بس إنتِ اللي جبانة  . 
شيد لها بروجًا من السعادة في مدينتها المهجورة  ،  الآن تراه بعينٍ أخرى  ،  ترى حبه وترى كيف يكون حب الرجل لامرأة  ،  ترى ما ظنت أنه يستحيل أن تعيشه  . 
صمتت ولم تعد تعرف بماذا تجيبه وعم التـ.ـو.تر داخلها فباتت تشعر بالخجل من الإفصاح عما يسكنها لذا التفتت تنظر نحو البيت وتنهدت تنهيدة عميقة ثم تذكرت ما حدث الليلة معها كأنها تتخذه مهربًا لذا عادت إليه وتساءلت  : 
- طيب ممكن تقولي مين الشخص اللي دخل بيتي ده  ؟  وإزاي عرفت أنه دخل أصلًا لإنك جيت بسرعة جدًا  . 
تأملها لثوانٍ يخبرها بعينيه أنه يدرك هروبها ولكنه سيجيبها لذا عاد يعبث بهاتفه وهو يبحث عما يريد ولكنه أجابها عن سؤالها الأول بخداع  : 
- مين ده هنعرف الصبح بس واضح إنها محاولة سرقة ودي مش أول مرة تتكرر في المنطقة علشان كدة ركبتلك جهاز أمان قبل ما تيجي  . 
تنفس بعمق وناولها هاتفه يسترسل بترقب منتظرًا ردة فعلها التي ستأسره  : 
- أما عرفت إزاي فعرفت كدة  . 
قالها يشير على ما يعرض حيث تظهر أمامها صالتها بوضوح تام  ،  كاميرا تراقب كل شيء لدرجة أنها رأت بقعة دماء على الأرضية الخشبية عائدة لللص الذي لم يعد له وجود بعدما تم القبض عليه منذ قليل . 
التفتت تباغته بنظرة جاحظة وتساءلت بشهقة اخترقت صدرها : 
- إنت كنت بتراقبني  ؟  طول الفترة دي كلها وإنت شايفني  ؟ 
أراد أن يصحح مفهومها لذا أردف موضحًا  : 
- بأمنك مش براقبك  ،  أنا أخلاقي مش منحرفة للدرجادي  . 
صمتت تحدق به وتفشى الخجل على ملامحها لذا ابتلعت لعابها وتساءلت بشكٍ لتطمئن  : 
- يعني ماكنتش بتشغلها  ؟ 
هز كتفيه وأجابها بخبث يسكن المرح جدرانه  : 
- ممكن لو حبيت أطمن عليكِ أبص بصة صغيرة كدة واقفله تاني علطول  ،  زي مثلًا النهاردة لما رجعتي من المجلة وأخدتي شاور وبعدين روحتي المطبخ تعمليلي الأكل  . 
شهقت ووضعت كفها على فمها وتوردت وجنتيها خجلًا ليتابع بغمزة عاشقة  : 
- القميص الأورنج اللي كنتِ لابساه كان لايق عليكِ جدًا  . 
انسحبت الدماء من وجهها وشحبت ملامحها بخجلٍ حاد ليتابع  : 
- بصراحة يا ديما بعد الحاجات اللي شوفتها إحنا لازم نتجوز  . 
لم تعد تحتمل ما تسمعه لذا أسرعت تفتح باب السيارة وتترجل وتتجه نحو باب البيت لتطرقه وتلجأ لأناس لا تعرفهم ولكن يكفي أن تهرب من هذا الموقف برمته  . 
أما هو زفر بقوة وابتسم يشعر أنها لم تعد بعيدة عنه  ،  لم تعد بعيدة على الإطـ.ـلا.ق ،  ترجل هو الآخر واتجه يحضر أغراضهما وقرر اللحاق بها  .
انتهى الفصل 
أتعلمين بم أشعر؟؟؟ 
عنـ.ـد.ما يهطل علي المطر 
و عنـ.ـد.ما يعصف بي القدر
تشتاق لتعانقك أنفاسي.. 
وتتوق للقياك جميع أقداري.. 
أتعلمين بم أشعر
عند النظر  إلى عينيك.. 
وعند النظر إلى شفتيك... 
أشتاق للغرق في تلك النظرة الحائرة 
منكِ إليِّ.... 
أتوق لأترك نفسي تهيم فيكِ... 
أتوق لتتركي نفسك تهيم فيَّا.... 
أحب كل ذكرى أماكن جمعتنا... 
وأشتاق للأماكن التي ستجمعنا... 
أحببتك قبل اللقاء... 
أما بعد اللقاء... 
أحببتك أكثر... 
لا نجاة لقلبك إلا معي... 
ولا حياة لقلبي إلا معك.....
( بقلم فيروزة) 
❈-❈-❈
تململت من بكاء الصغير الذي أنجبته لتزفر بضيق وتصيح بانزعاج وهي تلكز النائم بجوارها :
- قوم بقى يا أخي أنت إيه  ؟  طول الليل سهرانة قوم خده برا وسكته وسيبني أنـــــــــام  . 
انتفض بانزعاج بيّن والتفت لها وللصغير يطالعهما بضيق فهو منذ أمس لم يستطع النوم بـ.ـارتياح لذا نفخ أوداجه ونطق بغيظ  : 
- ياستي أنا كمان ساعة وهنزل شغلي مالي أنا ومال تربية العيال  ،  قومي رضعيه الواد جعان ولا يمكن عايز يغير  . 
حدجته بنظرة عدوانية ونطقت  : 
- يبقى غيرله وحل عني هو مش ابني لوحدي  ،  يالا قوم وخدوا برا علشان دماغي هتنفجر  . 
زفر يستغفر واضطر للنهوض وحمل الصغير الذي لم يهدأ بكاؤه لذا عاد بذاكرته على الفور إلى ديما التي كانت تسرع لتهدئة صغيريها وانتشالهما من جواره حتى لا ينزعج ويستيقظ  . 
كانت مراعية كثيرًا لذا فهو يعلم أنها إن قررت الزواج ذات يوم سيقع الآخر في عشقها ولكنها من المؤكد لن تفعل  ،  لفظ نيران صدره المكبوتة بجملة لم يستطع كبتها فقال قبل أن يتحرك خارج الغرفة  : 
- يوم من أيامك يا ديما  . 
أسرع الخطى للخارج قبل أن تنهض وتصب حممها فوقه وهذا ما كان سيحدث حيث التفتت تطالع أثره بغضبٍ مكبوت جعلها تريد أن تنهض وتوبخه ولكنها قررت النوم وتركت أمر عقابه لابنها الذي لم ولن يتوقف عن البكاء  . 
❈-❈-❈
كلما قررت أن ترحل تمسكت بها منال أكثر  ،  برغم مكوث داغر عند صالح وهذا يزعج منال إلا أنها باتت لا تريد ابتعاد بسمة عنها  . 
هي مختلفة  ،  طباعها تنسجم مع الصغير قبل الكبير  ،  ذكية ولكنها حزينة لذا فقد تكفلت منال بامتصاص حزنها  . 
وقفتا في المطبخ تحضران الفطور فتحدثت منال بنبرة حنونة  : 
- يعني إنتِ فعلًا عايزة تروحي يا بسمة وزهقتي مننا ولا عاملة على داغر  ؟  
تنهيدة عميقة صدرت منها وأجابت دون النظر إليها  : 
- مستحيل أزهق منكوا يا خالتو منال بس أنا طولت أوي وماينفعش داغر يفضل عند صالح المدة دي كلها  .
زفرت منال واسترسلت بتأنٍ  :
- طيب بصي  ، إنتِ كدة كدة عارفة الموضوع إياه وأديكي قاعدة معانا كام يوم لحد ما اتكلم مع الست لطيفة صاحبة الشقة اللي فوق لو تقبل تأجرها وتاخديها يبقى خير وبركة ومـ.ـا.تبعديش عننا تاني  .
تتمنى هذا كثيرًا  ، تعلم أن عمها لن يتقبل شيئًا كهذا ولكنه أيضًا لم يستطع الرفض فهل تخوض التجربة  ؟ هل ترفض عرض ماجد وتمكث هنا لترى ماذا سيحدث مع معذب قلبها الذي لا يبالي لها ؟ 
ازدردت ريقها ثم رفعت مقلتيها تنظر نحو منال مجيبة  :
- طيب يا خالتو ماشي كلميها وأنا هتكلم مع أونكل نبيل وأشوف رأيه مع إني متأكدة أنه هيرفض  .
أردفت منال بانزعاج واضح نسبةً للظلم الذي تتعرض له بسمة  :
- مش من حقه  ، إنتِ كبيرة ومسؤولة عن نفسك  ، يبعد بس هو وابنه ومـ.ـر.اته عنك  .
ابتسمت بسمة وشعرت بأن منال تعطيها الحب والدعم  ، اتخذتها ابنة ثالثة لها لذا زفرت بقوة واستطردت كي تهوّن عليها  :
-  طب يالا نحضر الفطار علشان داغر زمانه على وصول وبعدها نبقى نشوف موضوع شقة الست لطيفة  . 
أومأت منال مؤيدة وانـ.ـد.مجتا معًا في التحضيرات قبل مجيء داغر واستيقاظ دينا  ،  أما عن الصغيران فهما قد ذهبا إلى مدرستهما  . 
❈-❈-❈
لم تكُن تعلمان أن داغر يمكث منذ يومين في ورشته  ،  لم يقبل أن يظل في استضافة صالح بعد مجيء عمه محمود برغم إلحاح الآخر عليه  . 
التزم بالمبيت في ورشته دون علم أحد سوى صالح أحضر له أغراضًا تناسبه للنوم في هذه الورشة  . 
استيقظ ونهض يتماطأ حينما سمع صوت صالح يطرق الباب فنهض يتجه نحو الباب ويفتح القفل الداخلي ليرفع صالح باب الورشة المعدني ويطالعه بانزعاج مردفًا بقلة حيلة  : 
- راح ضل تنام هان يا داغر  ؟ هاي عيبة كبيرة  بحقي ياخو  . 
ربت على كتفه يقول بتروٍ  : 
- ولا عيبة ولا حاجة يا جدع مـ.ـا.تحبكهاش أوي  ،  لما عمك يسافر هرجع  . 
شهق صالح ونطق بتلقائية  : 
- لاااا  ،  هيك يعني محلك راح  ؟  الأنسة مش راجعة ع بيتا ولا شو  ؟ 
انزعج داغر ونطق معارضًا  : 
- اللا  ،  مـ.ـا.تسيبها قاعدة يا ابني هي قاعدة على قلبك  ؟  وبعدين مـ.ـا.تخافش أنا مش راجع بيتك أنا قاعد في ورشتي  . 
تقبل صالح مزاحه ونطق بمثل  : 
- لا هي قاعدة ع قلبك إنت  ،  ريح حالك وخليها تعرف مشاعرك واحسم قرارك بدل ما تضل نايم هان بين البراغي والمفاتيح  . 
تنهد بعمق يومئ بشرود ليسحبه صالح بعد ثوانٍ إلى سؤالٍ آخر  : 
- شو راح تعمل بموضوع أختك  ؟ 
شرد قليلًا يتذكر ما حدث وما يحدث ليجيبه بتأكيد  : 
- هسافر لها طبعًا  ،  أومال هسيبها  ؟ 
❈-❈-❈
ظهرًا 
لم تنم بعد  . 
استقبلها صاحب البيت وزوجته استقبالًا حافلًا وقد رأت المحبة في أعينهما كأنهما يعرفانها منذ أمد  ،  معرفتهما به وطيدة وبينهما ترابط ظهر في طريقة تعاملهما معه وهذا شيء أراحها قليلًا ولكنها لن تنسى ما حدث  . 
لن تنسى مراقبته لها من البداية  ،  لن تنسى الباب المتصل بمنزله  ،  لن تنسى هجومه الكاسح على مشاعرها المسالمة  ، وبالطبع لن تنسى محاولة قـ.ـتـ.ـلها للمرة الثانية . 
كيف سمح لنفسه أن يتجسس ويقتحم خصوصيتها  ؟  مهما كان يحبها كما يدعي هذا لن يبرر له ما فعله  ،  كيف ستتقبل ذلك  ؟ 
إن كانت سنواته في أوروبا جعلته يتصرف بطريقة غربية فهي لم ولن تسمح له بتعدي الحدود معها  . 
يعلم هويتها  ،  يعلم قناعتها  ،  يعلم التزامها وكان عليه احترام هذا لذا يجب أن يكون بينهما حديثًا آخر وتصدي من جهتها حتى لا يظن أن الأمر هينًا على الإطـ.ـلا.ق  . 
طرقات على باب الغرفة التي تمكث بها لذا نهضت تتجه نحوه وفتحت حيث لم تتخلَ عن حجابها تحسبًا لأي شيء  . 
وجدت أمامها السيدة الجميلة زوجة صاحب المنزل  ،  تبتسم لها ببشاشة وتردف بنبرة ودودة  : 
- أعلم أنكِ لم تستطعي النوم جيدًا ولكننا أحضرنا فطورًا مميزًا ونريد أن تشاركينا إياه  ،  هلا أتيتِ معي من فضلك  ؟ 
بادلتها ديما الابتسامة الودودة وأجابتها بحبور  : 
- بالطبع من دواعي سروري  ،  انتظريني ثانية  . 
عادت إلى الداخل تستل هاتفها والمعطف الخاص بها ثم ارتدته وتحركت مع السيدة نحو الحديقة حيث تم تجهيز الفطور بها  .
لمحته يجلس مع صديقه وابنته الشقراء الرائعة  ، يدللها ويعاملها بلطفٍ بطريقة تناقض ما كان عليه أمس حينما هجم على اللص  ، كان شرسًا بشكلٍ تام  ، والآن لطيفًا جدًا  .
تقدمت وألقت السلام فالتفت يحدق بها وأفسح لها لتجلس على المقعد المجاور له ففعلت بتأنٍ بعدما رحب بها صديقه بنبل  .
تناولوا الفطور في أجواء لطيفة وهادئة ودار بينهم حوارًا بسيطًا عن أمورٍ عامة لينتهي سريعًا وقد ران لهم أنها تود الحديث لذا نهض الرجل يصطحب ابنته معه نحو اسطبل الخيول بينما نهضت الزوجة تجمع الأطباق نحو الداخل بعدما أجبرت ديما على الجلوس حيث كانت تريد مساعدتها  .
جلست متحفزة تشعر بالتـ.ـو.تر أمامه وجلس ينتظرها لتفضي ما بداخلها  ، يتأملها بدقة وتركيز وقد تجمعت أشعة الشمس الصافية على ملامحها فزادتها صفاءً ولمعانًا  ،  عينيها لؤلؤتين ود لو لم ينظران لغيره  ،  ملامحها النقية يشتهي أن ينهل منها حتى يرتوي  . 
كانت شاردة في الكلمـ.ـا.ت التي ستقولها ولم تلاحظ تحديقه إلا حينما رفعت مقلتيها تطالعه وتسأله بشكلٍ مباشر  : 
- ليه كنت بتراقبني  ؟ ليه تسمح لنفسك تتفرج عليا وانا مدية الأمان وقاعدة براحتي في مكان المفروض إنه بيتي  ؟  إزاي تتعامل معايا بالأسلوب ده وانت عارف إني ست محجبة وملتزمة ؟ 
وجدها ثائرة متـ.ـو.ترة من نظراته ولكن ثورتها تغلبت على تـ.ـو.ترها ليزفر بقوة سامحًا لمشاعره أن تخمد حتى يجيبها معترفًا بذنبه أمامها  : 
- ده ذنب كبير عليا  ،  وأنا عارف إني غلطان جدًا وماليش أي عذر وماكنش ينفع أعمل كدة بس صدقيني ماحدش فينا خالي من الأخطاء  ،  غلطتي إن لأول مرة ماقدرتش اتحكم في مشاعري معاكِ  . 
عاد تـ.ـو.ترها يتقافز أمامه فابتسم بخبث وتابع بنبرة صادقة  : 
- بصي علشان أهون عليكي شوية موضوع المراقبة ده كان في محيط الصالة بس  ، واتمنى تثقي فيا بس أنا كنت أمين شوية في مراقبتي ليكي  ،  بمعنى إني كنت بحب أشوفك بتطبخي أو بتقرأي أو مثلًا بتتفرجي على التليفزيون إنما غير كدة لاء  ،  صدقيني كنت بتحكم في نفسي كويس  . 
وجدها متوردة خجلًا  ،  هي من الأساس تحاول تجاوز هذا الأمر ولكن مع شرحه لم تفلح لذا استرسل مهيمنًا بسعادة تنعش خمائل قلبه  : 
- وبعدين يا ديما حاولي تهدي  ،  يعني بما إننا هنتجوز ف الموضوع تحت السيطرة  . 
- مين قالك إننا هنتجوز  ؟ 
نطقتها بغيظ من تسلطه لتجد في عينيه نظرة ثاقبة لا تراجع فيها ولا استسلام وهو يجيبها  : 
- هنتجوز  ،  عاجلًا أم أجلًا هنتجوز يا ديما لإني بحبك  ،  وإنتِ كمان بتحبيني وده أنا شايفه واضح في عيونك  . 
ردع من نوعٍ خاص حطم كل دفاعاتها أمامه لذا وجدت أن الهرب هو الأمان لها فنهضت وتحركت تغادر من أمامه عائدة للغرفة  ،  تعيش  حالة فريدة  تجربة لم تخضها قط  ، حالة من السعادة المشبحة بالقلق والخوف والخجل والغيظ منه  . 
تنهد يتتبعها بنظراته وشرد يفكر في مارتينا لذا رفع هاتفه يجري اتصالًا عاجلًا لينهي هذا الأمر  . 
❈-❈-❈
مر اليومان في بيت صديقه وسط أجواء من الهدوء . 
ولكنها قضتهما تفكر فيه وفي أفعاله وأقواله وتصرفاته وغموضه والخبايا التي توقن أنه يخفيها عنها  . 
لم يحِد من خاطرها محاولة قـ.ـتـ.ـلها الأخيرة  ،  لم يغب عنها الباب المتصل بينهما   ،  هناك ألغاز لم تحل بعد  . 
غريب ومريب ولكنه احتواها بكلمـ.ـا.ته  ،  لمس بداخلها مشاعرًا تجبرها على اتباعه برغم كل تساؤلاتها حوله  . 
جعلها تغير قراراتها وقناعاتها وتفشل في الثبات على ألا تدخل رجلًا آخر حياتها  ،  بطريقة ما لا تعلم كيف فعلها ولكنه نجح في إبرام صفقة بينه وبين عقلها  . 
ها هما في طريقهما إلى المطار كي يسافرا إلى دبي ليؤديا المناظرة الثانية هناك  ،  تتساءل عن السبب مرارًا ولكنه لم يجبها بل يراوغ بأي وسيلة والآن ستعاود سؤاله ولم تسمح له بالهرب لذا أردفت دون مقدمـ.ـا.ت  : 
- ممكن بقى تفهمني ليه المناظرة هتتعمل في دبي  ؟  وخليك واضح معايا  . 
أومأ وهو يتطلع نحو الأمام ويوضح بدهاء  : 
- دبي مدينة عربية فعلًا بس أكتر من نص سكانها أجانب من مختلف الديانات ومعظمهم شايفين إنها وصلت للتطور ده بسببهم هما وإن المجتمع العربي ما هو إلا خزنة تمويلية بس التنفيذ والعقلية غربية الهوية  ،  هما شايفين إن العقل العربي مايقدرش يحقق ربع انجازات العقل الغربي خصوصًا المرأة  ،  علشان كدة مجموعة شباب عربية طلبوا مني عمل مناظرة هناك وطلبوكي بالاسم وقالوا إن التناقض المنسجم بينا عجبهم قوي  . 
التفتت تطالعه بتمعن ثم تساءلت  : 
- وانت شايف إيه  ؟ 
لف رأسه لها يبادلها النظرات وأردف بصدق  : 
- شايف إن المرأة العربية قوية ومثابرة وذكية وهي اللي قادرة تستحوذ على العقل والقلب  ،  وده بالنسبالي بيتمثل فيكي ،  أما وجهة نظري في نساء العرب هتفضل زي ماهي . 
حيرها في أمره  ،  أيراضيها أم يستفزها  ؟  أيميزها أم يذم صنفها  ؟  لذا زفرت ونطقت مستفهمة  : 
- علشان كدة بتتساهل معايا جوة المناظرة صح  ؟ 
تساءل باهتمام  : 
- إنتِ عايزة إيه  ؟ 
بتحدٍ يشع من مقلتيها ونبرتها قالت  : 
- عايزاك تتعامل كإنك في مناظرة مع أي ست عربية إلا أنا  . 
أجابها بثقة وإيماءة ماكرة  : 
- لكِ هذا  . 
توقف في الموقف التابع للمطار وترجلا سويا يتجهان نحو الداخل ليلحقا بطائرتهما  .
منذ أن علمت بإنقاذه لها وإفلاتها من محاولة القـ.ـتـ.ـل وهي تتلوى على صفيحٍ مشتعل  ،  بحثت عنهما ولم تعثر عليهما وهذا جعلها تجن كما لم يحدث من قبل ولكنها أيضًا تعلم أن فعلتها لن تمر مرور الكرام عليه  ،  من المؤكد يخطط لأمرٍ لا تدركه لذا يجب أن تنتبه عليه فهو وقع في الحب  . 
رطمت الكأس الذي تتجرع منه في الحائط المقابل حينما خطر على بالها استنتاج حبه لأخرى  ،  قلبها يُلاك بين فكي وحشٍ كاسر  ،  نيران الغيرة تلتهم جسدها  ،  لا تصدق أنه أحب غيرها والآن لم تحصد سوى كراهيته ولكنه أيضًا لن يكون لغيرها  . 
أو أنه كان  ؟ 
لم تعد تحتمل لذا حملت زجاجة المشروب ورطمتها في الجدار ذاته الذي يعاني منها حتى كاد أن ينطق على عكس والدها الذي قرر أن يتركها تعيش حالة الجنون هذه علها تعي على نفسها وتعلم أن ثائر عدوٌ لدودٌ لهما وعليهما التخلص منه  . 
❈-❈-❈
بعد ساعات 
وصلا إلى دبي واتجها مباشرةً إلى الفندق ليستريحا ويستعدا لمناظرة الغد  . 
كانت تخطو معه دون خوفٍ أو قلق  ،  تشعر بجواره بالأمان ولكن بقى سؤالًا يتردد على عقلها  ،  هل ستعود مصر بالفعل بعد انتهاء المناظرة  ؟  هل سيفترقان كما أخبرها  ؟ 
يفترض أن تسعد ولكنها ليست كذلك  ،  مشاعرها نحوه سلكت طريقًا آخر ممهدًا بالرغبة معه  . 
لا تدرك ما أصابها ولكنها أحبته بالفعل  . 
شهقت عنـ.ـد.ما اعترفت داخلها بذلك وكأن عقلها تفاجأ من اعتراف قلبها ليلتفت لها على أثر شهقتها ويطالعها بثقب كأنه اكتشف أمرها لذا أسرعت تحيد أنظارها عنه وتتحمحم بتـ.ـو.تر فابتسم عليها وتوقفا أمام غرفتها يشير لها قائلًا  : 
- دي أوضتك  ،  ودي أوضتي  ،  ادخلي استريحي وجهزي نفسك للمناظرة بكرة وللعشا بليل  . 
رفعت حاجبيها باستنكار من ثقته وأوامره ولكنها نظرت نحو الغرفتين الملتصقتين ببعضهما وتساءلت ببعض المرح برغم جدية ملامحها  : 
- فيه بينهم باب من جوة  ؟  مهو إنت كل أفعالك مشكوك في أمرها  . 
لم يستطع إلا أن يبتسم ويجيبها بثقل ظاهري : 
- قولتلك إني مش منحرف  ،  بس لو إنتِ مراتي الوضع هيختلف  . 
غمزها ومال يفتح لها باب غرفتها بالشفرة ثم ناولها إياها وأشار لها يسترسل بنبل  : 
- اتفضلي  . 
لم تستطع إلا أن تتحرك نحو غرفتها بعد تنهيدة قوية لتلتفت تقابله وهي تتمسك بالباب فتابع بهيمنته  : 
- حاولي تاخدي شاور وتنامي شوية علشان وقت المناظرة يبقى باين إنك مستريحة  ،  وبليل هجيلك علشان ننزل نتعشى في مكان ممتاز هتحبيه  . 
لم يمهلها الرد حيث مد يده يغلق الباب عليها واتجه يفتح باب غرفته ويدلف وعلى ضفاف قلبه تنبت زهور الراحة والطمأنينة خاصةً وقد رأى حبها بوضوح الآن وسمع شهقتها التي كانت خير دليل له    . 
❈-❈-❈
كالعادة تتلصص عليه وعلى تحركاته والآن من خلال الإعلان الذي انتشر علمت أنه في دبي لذا لن تترك الأمر يمر مرور الكرام  . 
جلست تعبث بالهاتف وتجمع معلومـ.ـا.ت عن مكان تواجده من خلال صفحة المنظمة المتكفلة بالمناظرة التي سيكون هو ضيفها أمام ديما الصابر  .
تلك الكاتبة التي سمعت عنها ووضعتها في قائمة المغضوب عليهن قبل أن تراها  . 
يكفي أنها حصلت على فرصة السفر والعمل معه وتراها لا تستحق ذلك خاصة إن كان كل إنجازاتها في الحياة هو كتاب لعين يتحدث عن قوة المرأة العربية  ،  أي قوة هذه  ؟! 
بالنسبة لها قوة المرأة تكمن في شراستها التي توظفها في الوقت المناسب لتحصل على ما تريده أما دون ذلك فهو عبث لذا فإنها معجبة بقوة مارتينا وتراها هي الوحيدة التي تليق بثائر  .... بعدها . 
نظرت إلى زوجها الذي يجلس يتصفح حاسوبه ويتابع أعماله لتبتسم بخبث ونهضت تتجه إليه ثم وقفت خلفه واحتضنته تميل برأسها نحوه وتقبل وجنته ثم ابتعدت تردف بتخابث ومكرٍ يرقص في عينيها  : 
- إيه رأيك لو طلعنا نتعشى برا النهاردة أنا وانت بس  ؟! 
تعجب مما تفعله وأدرك أن هناك مغزى لذا التفت ينظر لها وتساءل بشكٍ  : 
- عشا بريء ولا وراه حاجة  ؟ 
ابتسمت تجيبه وتتغنج عليه  : 
- وراه ليلة رومانسية  . 
صمت لبرهة يطالعها ثم عاد لحاسوبه يردف بترقب ليرى ما خلف قناعها  : 
- أنا عندي شغل مهم النهاردة يا سها  ،  ممكن نأجلها لبكرة ونطلع نتغدا سوا كلنا  . 
كادت أن تحتد ولكنها أدركت شكه لذا سريعًا تحلت بابتسامة صفراء تجيبه بهدوء  : 
- تمام  ،  يبقى بكرة  ،  بس أنا وانت بس  . 
عادت تقبله على وجنته وتتحرك عائدة لفراشها وعقلها يحيك خطته لرؤية ثائر بأي طريقة  ،  من المؤكد سيتناول طعامه غدًا في مكانٍ ما وكل ما عليها هو معرفة المكان لذا عليها تتبع أثره ولهذا  ... 
ابتسمت وهي تعبث بهاتفها مجددًا وترسل رسالة إلى صديقتها وذراعها الأيمن ومنفذة المهام الصعبة  .
ستراه هذه المرة بكل تأكيد فالمرة السابقة تفاجأت بحضوره مؤتمر الشارقة وتفاجأت أيضًا بسفره قبل أن تراه  . 
❈-❈-❈
في اليوم التالي
ذهبا سويًا حيث المكان الذي ستقام فيه المناظرة  ،  تجاوره بجسدٍ متـ.ـو.تر خاصة وأنها طلبت منه أن يتعامل معها بجدية ولا يتهاون كالسابق  ،  لا تعلم ما يحضره لها من أسئلة وبرغم يقينها وثقتها بأنه لن يعرضها للخجل والقيل والقال إلا أنها تريد أن تثبت صحة رؤيتها وهويتها  ،  تريد أن تؤكد للعالم أجمع أن العرب أساس الحضارة والاكتشافات وإن دوام الحال من المحال وربما هذه السنوات عجاف ومن بعدها ستأتي سنوات الخير على بلادها  ،  ستنتهي أسطورة الغرب ذات يومٍ وتنتهي صراعاته ويكشف الستار عن أكاذيبه ويتلاشى انبهار الكثيرين به خاصةً بعد حروبه التي يشعلها والفتن التي يقدمها والعقول التي يأسرها  . 
ستنتهي الحربُ يوماً ، ويعود الزيتُون فلسطينياً ، والياسمين دمشقياً ، والقهوة والعسلُ يمنياً ، والصوتُ عراقياً ، ويعودُ العزُ عربياً ، والنصرُ إسلامياً .
التفتت تطالعه  ،  ملامحه هادئة لا يشوبها ذرة تـ.ـو.تر على عكسها  ،  لم تعد ترى داخله التعصب ضد المجتمع العربي خاصةً النساء  ،  كأنه شفافٌ أمام عينيها  . 
تستطيع أن ترى أعماق بحره الآن بوضوح  ،  يكمن داخله ألف حبٍ لبلده وليتها تعفو عنه وتحتضنه  ،  هي على يقين أنه يتمنى ذلك وعلى يقين أن حبه لفرنسا ما هو إلا قناع كأقنعة كثيرة لا يرتديها معها  . 
طالت التحديق به دون قصدٍ منها لذا ابتسم وأردف بثباتٍ ولم يحد ناظريه عن الطريق  : 
- بردو مش هتأثري عليا  ،  مش هتهاون معاكِ المرة دي زي المرة اللي فاتت  . 
نطقت بثقة لا تعلم كيف حصلت عليها ولكنها قررت أن تجابهه بنفس طريقته  : 
- لو عايزة أأثر عليك هعرف اعملها  . 
لم يتمالك نفسه من ألا يضحك ويلتفت يطالعها بثقب ويسترسل بحبٍ ومكرٍ   : 
- طب مـ.ـا.توريني إزاي هتعمليها  ؟ 
تفشت حمرة الخجل في ملامحها وجعلتها تحيد مقلتيها عنه ونطقت بتحمحم تداري خجلها من مقصده  : 
- بس مش أسلوبي  . 
رفع حاجبيه يشك في إجابتها لذا أجابها بالفرنسية  : 
- سنرى هذا في وقتٍ لاحق  . 
تذكرت أمرًا ما لذا تساءلت بشيءٍ من القلق لا تعلم مصدره  : 
- هو أنا فعلًا هرجع مصر بعد المناظرة دي  ؟ 
هكذا أخبرها وهي سعيدة لرؤية صغيريها وعائلتها وضمهما ولكن هل ستتركه  ؟ حتى لو كانت فترة مؤقتة  ؟  
أجابها بسؤالٍ يلقي الكرة في ملعبها  : 
- إنتِ عايزة إيه  ؟  
حدقت به لثوانٍ ثم نطقت تراوغ وتخفي مشاعرها  : 
- عايزة أرجع طبعًا  . 
يعلم أنها تراوغ  ،  يكفي ما تقوله عينيها ولكنه أيضًا يشتهي العودة  . 
توقفت سيارته أمام المبنى لذا ترجلا سويًا يتجهان نحو الداخل معًا وكلٍ منهما يفكر في الآخر بطريقته 
❈-❈-❈
رن هاتفها للمرة التي لم تعد تعلم عددها  . 
بات يضغط عليها وباتت تشعر بالضيق منه  ،  لم يكن كذلك في البداية  ،  منذ أن أخبرته بقرار رفضها وقد أصبح متسلطًا  . 
عاد رنين الهاتف يصدح لذا فتحت الخط تجيب بعبوس  : 
- ألو  ؟ 
- أنا أسفل منزلك دينا  ،  يجب أن أراكِ وشقيقكِ هاتفه مغلق  ،  هل أصعد  ؟ 
توسعت حدقتيها بصدمة ودارت حول نفسها بتـ.ـو.تر ثم أردفت بترجٍ  : 
- لوتشو لو سمحت ماينفعش كدة  ،  تطلع فين  ؟  داغر مش هنا لو سمحت امشي وبكرة هرجع الشركة  . 
أجابها بثبات وتصميم جديدٍ عليها  : 
- أنا لن أتحرك من هنا دون رؤيتكِ  ،  إما أن تأتي أو أصعد إليكِ دينا  . 
زفرت بقوة وأغلقت الخط تفكر ثم قررت النزول له لذا اتجهت ترتدي ثوبًا مناسبًا وتحركت نحو الخارج تبحث عن والدتها التي كانت منشغلة مع الصغيرين لذا حثت الخطى نحو الباب دون أن ينتبه لها أحد وفتحته وغادرت  . 
نزلت إليه فوجدته يقف بسيارته أمام منزلها  ،  تـ.ـو.ترت وشعرت بالخجل من نظرات المارة نحوهما لذا تقدمت منه ونطقت بهدوء  : 
- لوتشو لو سمحت ماينفعش تقف هنا  ،  ياريت تمشي وهنتكلم في الموبايل  . 
حدق بها ولم يبالِ بحديثها بل نطق مبتسمًا  : 
- اشتقت لرؤيتكِ  . 
لم تشعر بأي مشاعر سوى الضيق والغضب الذي جعلها تنطق من بين أسنانها  : 
- لوتشو مايصحش كدة أبدًا  ،  قلتلك لو سمحت امشي دلوقتي  ،  إنت كدة بتضرني  . 
ظهر من خلفه صالح يربت على كتفه بصلابة ويتساءل بملامح منزعجة  : 
- خير يا أستاذ  ؟  شو بدك  ؟ 
كأن أنفاسها انفرجت بوجود صالح وشعرت بالقليل من الراحة بينما التفت لوتشو يحدق به وتحدث باستعلاء بمقلتين ثاقبتين نحوه : 
- من أنت  ،  ما دخلك بي  ؟ 
أجابه صالح الذي وقف حائلًا بينه وبين دينا يردف بثبات وثقل  : 
- ما إلي دخل فيك  ،  أنا بهمني الأنسة دينا  ،  ياريت تتفضل من هنا ولما داغر يكون موجود يبقى كلامك معاه  ،  دي مش أصول وإنت هنا لازم تحترم عاداتنا  . 
شعر بالضيق ولف أنظاره نحوها ليجدها صامتة برضا واقتناع بكلمـ.ـا.ت هذا الشاب الذي على ما يبدو مقربًا منها  ،  ربما يحبها  ؟  وربما هي أيضًا بدأت تبادله  ؟ 
تجهمت ملامحه وهو يطالعهما سويًا بنظرات نارية ثم أردف بنبرة صلدة موجهة نحو دينا  : 
- غدًا أراكِ في مكتبي دينا  . 
كان تهديدًا لا تعلم عواقبه حيث نزع نفسه بعدها يغادر من حيث أتى ووقف صالح يتتبعه حتى غادر حدود الحارة لذا التفت نحو دينا ونطق دون النظر إليها  : 
- اطلعي عالبيت يا أنسة دينا ولو صار هيك مرة تانية احكيني وأنا راح اتصرف ومـ.ـا.تنزلي إنتِ  . 
تنفست بعمق توميء له وشكرته بامتنان قائلة  : 
- شكرًا يا صالح   . 
تحركت تعود للمنزل ووقف يتنفس الهواء الذي كان يحاوطها ثم قرر العودة إلى الورشة داعيًا أن يستريح قلبه الملكوم  .
صعدت الدرج وكادت تدخل لكنها وجدت الباب موصودًا لذا زفرت بتـ.ـو.تر فقد كانت تواربه  ، طرقته وانتظرت لتفتح لها منال التي حدجتها بملامح غاضبة ونطقت موبخة  : 
- إيه اللي جاب الجدع ده لحد هنا  ؟  وتنزلي ليه تقفي معاه في الحارة  ؟ 
نطقت دينا بتلعثم بعدما انكشف أمرها  : 
- هو جه لإني مش بروح الشغل يا ماما  ،  وبعدين هو مش حد غريب يعني ده مديري  . 
اشتعلت عين منال بالغضب وبصقت بانفعال  : 
- لاء مش مديرك يا دينا وكفاية لحد كدة  ،  ده لا شبهنا ولا احنا شبهه  ،  الشغل ده مابقاش يناسبك ومش هتروحي تاني  ،  الجدع ده مش مريح أبدًا  . 
لا تحب هذه التحكمـ.ـا.ت والأوامر لذا صاحت مستنكرة  : 
- ماما لو سمحتِ بلاش الأسلوب ده  ،  أنا مش صغيرة وهعرف اتصرف  ،  وبعدين فيه في العقد بتاعي شرط جزائي ماينفعش أسيب شغلي فجأة كدة  ،  وحاولت أقدم استقالتي وهو رفض  ،  سبيني أتصرف بنفسي معاه  . 
بصياح مماثل وخوفٍ نهش جدران قلبها نطقت  : 
- لاء يا دينا مش هسيبك تتصرفي بنفسك معاه  ،  ومافيش مرواح على شركته تاني واللي عايزه يعمله  ،  إنتِ هتبعدي عنه وأخوكي لما يرجع هو اللي هيشوف موضوع الشرط الجزائي ده  . 
جاءت بسمة من غرفة داغر على صوتهما وحاولت تهدئة منال المتحفزة فقالت  : 
- خالتو اهدي لو سمحتِ وسيبي دينا تفكر وأنا متأكدة إنها هتتصرف صح  . 
هكذا امتصت غضب دينا المتجلي على ملامحها وامتصت غضب منال التي زفرت تستغفر لتجيبها بلوعة قلب أم  : 
- يا بسمة أنا خايفة عليها  ،  أنا عارفة بنتي كويس هي عاملة فيها بـ.ـارم ديله وهي بتغرق في شبر مية والجدع الصيني ده مش مريح  ،  ده كإنه استنى لما داغر يسافر وجه  ،  أنا لولا أنه مشي كنت نزلت عرفته قيمته  . 
- صالح جه وكلمه وهو مشي  . 
نطقتها دينا بدفاع عل والدتها تهدأ بعدما لاحظت خوفها عليها لتجيبها منال بحنين يسكن نبرتها  : 
- شوفته  ،  ربنا يبـ.ـاركله  ،  بس بردو أنا مش مأمنة ترجعي على شركته تاني  ،  يابنتي ده واحد مانعرفوش ولا نعرف بيفكر إزاي  ؟ 
عادت بسمة تطمئنها قائلة بتريث  : 
- مـ.ـا.تقلقيش يا خالتو قلتلك  ،  بصي أنا هكلم حد يعرف معلومـ.ـا.ت أكتر عنه واطمنك  . 
رفعت يديها تردف باستنكار  : 
- لاء  ،  ولا معلومـ.ـا.ت ولا مخابرات  ،  مادام قلبي مش مرتاحله يبقى الله الغني عنه  . 
هي أيضًا مثلها لذا لم تعترض على كلمـ.ـا.ت والدتها  ،  نعم تبغض طريقة الأمر والنهي ولكنها باتت ترى أن لوتشو يظهر تسلطًا لا يناسبها إطـ.ـلا.قًا لذا عليها أن تجد حلًا معه  .
❈-❈-❈
جلسا في مواجهة بعضهما على مسرحٍ علوي وأمامهما الكثير من الشباب ينتظران بدء المناظرة  . 
بدأ المقدم يعرفهما ويسرد نبذة عنهما ثم ترك لهما المجال ليتناظرا فبدأ ثائر يشرح وجهة نظره حيث قال  : 
- أنا أرائي مش هجوم ولكن انتقاد على تصرفات وأفعال وعادات كلها غلط  ،  تباهي مفرط بأفعال أجداد مـ.ـا.توا من زمان  ،  على أرض الواقع التطور والتقدم والعلم والتكنولوجيا من نصيب المجتمع الغربي  ،  الوعي والتجدد الفكري من نصيب المجتمع الغربي  ،  حتى دبي ووضعها الممتاز مش هننكر إنها بأيادي غربية وطبعًا مش تقليل من المجتمع العربي اللي هو أصلًا مبهور بالغرب  ،  طيب ليه ننبهر لما ممكن نفكر ونطور من نفسنا ونكون إحنا اللي ينبهر بينا مش العكس  . 
كان يشرح ويوضح بيديه وتوليه ديما انتباهها  ،  هو محق في كلمـ.ـا.ته وهذا ما يحدث ولكن هذا نصف حق  ،  يجب أن يعطي كل ذي حقٍ حقه  . 
سلط أنظاره عليها وتابع بنبرة جادة وملامح ثاقبة  : 
- أستاذة ديما شايفة إن التطور الغربي كله لا شيء قدام انحلال الغرب  ،  شايفة إن أخلاق المجتمعات هي اللي بتحدد تطورها  ،  ممكن تكلميني يا أستاذة ديما عن ألة أو وسيلة أو علم اخترعته الأخلاق العربية وقدر يطور العالم  ؟  خلينا نتكلم بوضوح ونبدأ بمثال طبي لإن الطبيب هو أهم رمز بالنسبالي  زي ويليام هارفي الباحث في دورات الدم وزي سيرفيتوس واللي بسببهم تطور الطب لحد ما وصلنا للحظة دي  . 
نظرت له بدهشة  ،  لقد أخبرته ألا يتهاون معها فلم يفعل هذا  ؟  من المؤكد أن بعض الشباب هنا يعرفون الرد مثلها ولكنها زفرت تجيبه بثبات  : 
- واضح إن حتى الكتب اللي حضرتك بتقرأها كتب غربية بس  ،  لإن لو كنت بتقرأ كتب علمية عربية كنت عرفت إن اللي اكتشف الدورة الدموية الصغرى هو العالم العربي ابن النفيس  ،  وسجلها بنفسه في كتاب ليه اسمه شرح تشريح القانون واللي اختفى لقرون وبعد كدة نسبت وهم للباحث ويليام هارفي اللي قولت عليه بس لإن لازم الحق يترد لأهله ظهر الدكتور المصري محي الدين الطهطاوي وصحح المعلومة وقال إن المكتشف الحقيقي هو ابن النفيس وده بعد ما اكتشف مخطوطة باسمه في مكتبة برلين  . 
ابتسم ساخرًا وتساءل بشكٍ ظاهري  : 
- المعلومة دي مش جديدة عليا  ،  بس إيه دليلك وليه ممكن أصدق إن تم تزوير معلومة زي دي وماصدقش إن كمان تم تزوير اكتشافات ويليام هارفي وسيرفيتوس  ؟ 
استفاضت توضح ما لديها وتجيبه بثقة  : 
- هو ده بالضبط اللي شككوا فيه أستاذه الدكتور المصري محي الدين الطهطاوي لإنهم كانوا غربيين وعلشان كدة استعانوا بالباحث والمستشرق الألماني مايار هوف واللي وقتها كان مقيم في القاهرة وكتب تقرير وقتها إنه ذُهل من تحريف كتاب ابن النفيس من خلال سيرفتوس واللي أصلًا باحث ديني مش طبيب  وهتلاقي ده مذكور في أواخر كتاب تاريخ العلم لجورج ساردون وده طبعًا بعد ما مايار هوف بلغه بالحقيقة  . 
أومأ مرارًا يدعي التفاجؤ لذا نطق يعترف بالخطأ ويراوغ أيضًا  : 
- يمكن بحثي في الموضوع ده مكانش مكتمل بس لإن دي مش المعلومة الوحيدة اللي كان فيها شك بالنسبالي  ،  ومش معنى إن الاكتشاف ده طلع أصله عربي إن باقي الاكتشافات كمان زيه  ،  خلينا نروح لمثال تاني زي قانون الحركة اللي اكتشفه إسحاق نيوتن وبلاش تقولي إنها غلطة لإن تفاحته خير دليل  . 
قالها ساخرًا لتبتسم وتجيبه بثبات  : 
- طبعاً هقول لإن مكتشف قانون الحركة هما عالمين مسلمين ابن سينا وهبة الله ابن ملك وده بردو موجود في مراجع من قرون  ،  بس مش ده المهم دلوقتي يا أستاذ ثائر  ،  المهم هي أمانة المسلمين في الحقوق الفكرية لأصحابها  ،  يعني على مدار سنين مافيش مرة واحدة ذكر إن عالم عربي سرق أو نسب اكتشاف لنفسه وثبت بعد كدة العكس  ، دايمًا بيعترفوا وبينسبوا أي اكتشاف غربي لأهله  ،  ودي في حد ذاتها أمانة فكرية وخُلق بيفتقده المجتمع الغربي  ،  وهو نفسه اللي شايف إن بلد عربي على أرض عربية زي دبي هو السبب في تطورها ده  ، ، ويمكن أنا وجهة نظري في التطور مختلفة شوية  ،  يعني مش شوية مباني هما دليلي للتطور   ، التكنولوجيا نفسها مؤذية للموارد البشرية  ، الذكاء الصناعي علميًا قـ.ـا.تل للطبيعة   ،  التطور عندي في صحة وتعليم الانسان  ،  في نشر الأمانة والمحبة والسلام بين الناس  ،  التطور بالنسبالي هو قلوبنا على بعض ومحبتنا لبعض  ،  التطور هو الاستمتاع بالطبيعة وجمالها وألوانها اللي بتتمثل في النبات والأنهار وغيرها مش خلق طبيعة صناعية وإرغامنا على رؤيتها ومحاولة زرع وهم جوة عقولنا إن الجمال كله هو جمال لمعة مباني بدون روح ،  حلو إن يكون فيه تطور مرئي بس الأهم هو التطور الأخلاقي  ،  وده بالنسبالي لو حصل هيبقى منتهى السلام مش زي ما بنشوف حوالينا دلوقتي  ، للأسف . 
صفق الجمهور لها  ،  لامست كلمـ.ـا.تها قلوبهم قبل العقول وجلس يحدق فيها بفخرٍ استشفته فطالعته بعتاب  ،  هذا ليس عدلًا  ،  يجب أن تكون المناظرة نزيهة  . 
ليتخذ من عتابها محاولة في طرح أسئلة أخرى فتجيبه بأجوبة تثبت مدى علمها وتطلعها وبالفعل كان بينهما تضاد يحمل انسجامًا من نوعٍ خاص أحبه الجمهور كثيرًا ليخرجا من المناظرة بنجاح لكليمهما
هي نجحت في إيصال وجهة نظرها وهو نجح في إعطاء هويتها حقها  . 
❈-❈-❈
انتهت المناظرة واتجها سويًا حيث المطعم المتصل بالمبنى الذي كانا فيه ليتناولا غدائهما  . 
جلست أمامه تتطلع على قائمة الطعام واختارت طلبها تبلغه للنادل وفعل ثائر كذلك ليرحل ويتركهما  . 
أمعنت النظر فيه ثم تحدثت بعتابٍ لم يزُل  : 
- طلبت منك تكون رسمي معايا وبردو تهاونت  ،  ليه كدة  ؟ 
ادعى الجدية يجيبها  : 
- لاء بالعكس أنا كنت رسمي  ،  وفعلًا المعلومة اللي ضيفتيها في المناظرة فاتتني  . 
بشكٍ صريح باغتته ليسبل جفنيه عنها ثم ابتسم حيث لم يعد يجيد الكذب عليها لذا تساءل بملامح منتعشة  : 
- معقول بقيتي قرياني بوضوح كدة  ؟ 
أومأت تجيبه بثقة  : 
- ده اللي حصل  . 
ابتسم وحدق بها بثقب لينطق بنبرة هامسة تحمل مشاعر قوية وجرأة مستترة ولغة فرنسية  : 
- أعدكِ أنني عما قريب سأناظركِ مناظرة قوية سأكون أنا الفائز فيها ومع ذلك لن تخرجي خاسرة منها أبدًا بل مستمتعة  . 
وترها كليًا فباتت تجلس أمامه كمن تم تجريدها من ثيابها وأرادت أن تركض أو وتهرب من نظراته التي أزاحها عنها ليرحم خجلها بعدما فهمت كلمـ.ـا.ته  . 
وليته لم يزح نظراته عنها  ،  ليته ظل يطالعها حيث أنه وجد أمامه آخر شخصٍ يود رؤيته  ، سها زوجة شقيقه التي دلفت المطعم تخطو بغرور يلازمها وقد تسلطت عينيها عليها لتتجمد مكانها وتظل كما هي تحدق به ولا تصدق أنه أمامها الآن  ،  بملامحه الوسيمة التي زادت هيبة وجمودًا  . 
لاحظت ديما تجهم ملامحه ورأت في بؤبؤي عينيه نظرة غضبٍ مستترة لذا قطبت جبينها بتعجب والتفتت تنظر نحو الباب لترى سيدة تقف تحدق به بنظراتٍ قوية واضحة ولحظات حتى ظهر رجلًا يجاورها ويتعجب من جمودها لذا لفت وجهها تعود إلى ثائر الذي تبدلت نظرة غضبه إلى حنينٍ صريح يكاد ينهمر من مقلتيه أمام الجميع حينما رأى شقيقه  . 
تراقصت نبضات قلبه  ،  تمناها وتحققت  ،  تمنى رؤيته وها هو أمامه بعد سنوات من الفراق والخصام ولكن  ... 
نظر أحمد أمامه ليصطدم بوجه أخيه لذا تجمد هو الآخر يحدق به بعدم تصديق  ،  اثنا عشر عامًا لم يرَه والآن يجلس أمامه  ؟ 
الحنين له كان قويًا جعله ينسى كل ما حدث وكاد أن يذهب إليه ويعانقه عناقًا يشبع به اشتياقه خاصةً وأنه رأى الاستجابة في عيني ثائر الذي حاول أن يقف ويستقبله ولكن أتت كلمة سها هادمة لكل خططهما حيث قالت بنبرة ذاهلة   : 
- ثائر  ؟ 
كلمتها هذه كانت كفيلة لتشعل داخل قلب أحمد موقد الذكريات فألهبت قلبه مجددًا لذا لف نظره لها وأردف بملامح متجهمة حزينة  : 
- يالا نمشي  . 
سحبها على الفور وغادرا المكان وارتد قلب ثائر عائدًا بخيبته بعدما كاد أن يحلق نحو شقيقه  ،  حدث كل هذا أمام عيني ديما التي استشفت هوية هذا الرجل من خلال ملامح ثائر لذا تساءلت  : 
- ده أحمد اخوك  ؟ 
نظر يشتكي لها ألمه في لحظة ضعفٍ مرت عليه قبل أن يومئ ويلف وجهه عنها يحاول أن يعود لثباته وجموده  ،  ازدرد ريقه وتحمحم ينظر في كل الاتجاهات عدا عينيها ولولا الآتي بعد قليل لكان نهض وغادر يختلي بنفسه في غرفته حتى لا يراه أحدٌ بهذا الضعف حتى لو كانت هي  . 
هي التي لا تمتلك سوى عناقًا ليتها تستطيع مواساته به ولكن يستحيل فعلها لذا شعرت بالضيق من أجله  ،  ضيقًا هاجمها كوحشٍ كاسر فجعلها تتلوى بين نيران قلبه لذا نطقت  : 
- هتتصالحوا  . 
الثقة التي نطقتها بها جعلته يسألها بعينيه عن الموعد كأنه اشتاق لذلك فأومأت له بذات الثقة تتابع  : 
- هتتصالحوا قريب جدًا  ،  نظراته عليك هي اللي قالت مش أنا  . 
أومأ لها بثبات ولكنه لم يرد التحدث الآن لذا رفع يده ينظر في ساعته ليرى الوقت ثم زفر وأمسك هاتفه ينوي إرسال رسالة قطعها دخول شخصٍ آخر من باب المطعم ليشير لها بأنظاره قائلًا  : 
- بصي مين جه  . 
التفتت لترى قبل أن تتوسع حدقتيها بذهول وهي ترى أمامها شقيقها داغر لذا هبت واقفة تصرخ باسمه بعدم تصديق قبل أن تركض نحوه وتعانقه بقوة واشتياق لم تستطع منعهما ليجلس كما هو يحدق بهما ويرى فرحتها التي كانت كفيلة لتنتشل حزنه منه  . 
إنه يحبها بطريقة تجعله يفضل سعادتها على حزنه  .
عيناك ِ
النظر إلى عينيك 
مشكلة كبيرة 
وعدم النظر مشكلة أكبر... 
إن نظرت 
غرقت حبا
وإن لم أنظر 
مت شوقا 
في كلا الحالين
أنا فيكِ غارق 
أنا لنبضكِ سارق
أنا لكِ عاشق
أحببت فيك شيئا دعاني إليك
كلمـ.ـا.تك وبعدها عينيكِ... 
وعنـ.ـد.ما لبيتُ الدعوة... 
وقعت في حب كل الأشياء
التي ماقالتها كلمـ.ـا.تك
لكن باحت بها سرا نظراتك...
(بقلم فيروزة ) 
❈-❈-❈
استقل سيارته وقاد بانزعاج وحزنٍ سافر وتجاوره بملامح متجهمة حيث لم تحصل على مبتغاها في رؤية ثائر جيدًا لذا بصقت أحرفها بلا مبالاة لحالته  : 
- على فكرة بقى غلط جدًا إنك تمشي  ،  كدة هو هيفكر انك اتأثرت لما شوفته  ،  كان الصح إنك تتجاهله تمامًا وندخل نقعد . 
لم ترِحه كلمـ.ـا.تها بل نثرت ملحًا على جراحٍ لم تلتئم بعد لذا نطق محذرًا  : 
- سها اسكتي دلوقتي  ،  مـ.ـا.تتكلميش عن الموضوع ده بالذات  . 
لم تطعه بل توغلها شعورًا بالغضب من رؤية ثائر بعد كل تلك السنوات يجاور امرأة مصرية ويباغتها بعداءٍ لذا نطقت تخرج القليل مما في جبعتها  : 
- لا مش هسكت  ،  المفروض ده هيفضل عامل حاجز بيني وبينك  ،  إنت لسة بتحن له مش كدة  ؟  لو كان جه وسلم عليك كنت هتجري عليه وتنسى كل حاجة  . 
توقف بشكلٍ مفاجئ فصرخت وكادت أن تصطدم بالتابلوه لتجده يلتفت لها بمقلتين قاتمتين ونبرة مبطنة بالوعيد حذرها  : 
- قلتلك مـ.ـا.تتكلميش في الموضوع ده بالذات علشان وقتها هتطلعي منه خسرانة  ،  فاهمة  ؟ 
قطبت جبينها حينما فطنت لتهديده لذا تساءلت بخوفٍ نهش جدران حقدها  : 
- يعني إيه  ؟  إنت بتهددني يا أحمد  ؟  كل ده علشان شوفناه صدفة  ؟ 
حدق بها بنظرة مشككة حينما هبت على عقله عواصف خبثها ليتساءل  : 
- إنتِ كنتِ عارفة إن ثائر هنا  ؟ 
تـ.ـو.ترت نظرتها لذا عادت تنظر أمامها وتكتفت تجيب بتملق  : 
- وأنا هعرف منين  ؟  
مد يده يقبض على ذراعها بقسوة ويصيح بتكرار  : 
- كنتِ عــــــــــارفة  ؟ 
نزعت يدها من قبضته تصيح بنبرة هائجة  : 
- قلتلك لاء  ،  وروحني حالًا لإن تصرفاتك مبقتش طبيعية  . 
عيناه تباغتها بشكٍ لذا عادت تنظر أمامها وتتنفس بغيظ وحقدٍ غمراها منه ومن ثائر ومن تلك التي كانت تجاوره والتي رأتها معه من قبل  . 
تنفس بعمق وقرر التحرك قبل أن يحدث مالا يحمد عقباه أما عقله فانشغل يفكر في شقيقه  ،  نظرته له  ،  ملامحه التي عُرفت بالوسامة والتي ازدادت هيبة ووقارًا نسبةً لبعض الخصلات البيضاء التي توغلت خصلاته البنية سواءً كان في رأسه أو لحيته ليعترف في قرارة نفسه أنه اشتاق له كثيرًا  . 
❈-❈-❈
بعد وقتٍ وبعدما تناولا وجبتهما سويًا 
جلست مع شقيقها في غرفتها ترحب به بحبورٍ واشتياق  ،  إلى الآن لا تصدق أنها تراه  . 
تأملت ملامحه والابتسامة تنبلج من شفتيها وتساءلت بعتاب  : 
- احكيلي بقى كل حاجة  ،  جيت إزاي  ؟ وبعدين ما أنا مكلماك امبـ.ـارح ماقولتش خالص  ،  بقى كدة تتفق معاه عليا  ؟ 
تأملها أيضًا ثم تنفس بعمق وأجابها  : 
- مهو بعد كلامه ده كان لازم أجي وأشوفك واتكلم معاكي   ،  احكيلي إنتِ بقى وهاتي كل اللي عندك  . 
تـ.ـو.ترت نظرتها وتساءلت بتعجب وهي تفرك كفيها  :
- كلام إيه اللي قاله  ؟ 
أجابها وهو يستند بكفيه على الفراش ويتحدث بأريحية  :
- قال عنك كل خير  ، وعلى فكرة إحنا بقالنا فترة بنتواصل وكل كلامه عنك إنتِ  ، يالا احكيلي بقى   .
طالعته تراوغ قائلة بوجنتين متوردتين كالعذراء  : 
- احكي إيه بس  ،  أنا أصلًا كنت نازلة مصر بعد كام يوم  . 
هز رأسه يتساءل بعيون ثاقبة  : 
- سيبك من نزول مصر دلوقتي وقوليلي  ،  هو طلب إيدك للجواز  ،  إنتِ موافقة  ؟ 
كان ينتظر أن يرى منها نظرة تأكد حدسه ورآها لذا زفر بـ.ـارتياح وتركها تجيبه  : 
- بص يا داغر هو فتح معايا الموضوع ده فعلًا وحكالي على كل حاجة وسبب بعده عن مصر وكل اللي حصل معاه بس المشكلة عندي أنا . 
أمعنت النظر فيه تسترسل مخاوفها أمامه بوضوح : 
- هتجوز تاني إزاي  ؟  ولادي هواجههم إزاي وأنا داخلة عليهم براجـ.ـل غريب عنهم  ؟  حياتي هتمشي إزاي بعد كدة  ؟  أنت أكتر واحد عارف أنا مريت بإيه  . 
سألها مباشرةً حينما لمح الخوف في عينيها  ، خوفًا من الابتعاد  : 
- بتحبيه  ؟ 
فاجأها سؤاله لذا حدقت به ببؤبؤين متسعين فتمعن بها بشكٍ لتتـ.ـو.تر وتزدرد ريقها تجيبه بتلعثم وعينيها تحيدان عنه وقد شردت تبوح بمكنونها  : 
- مممش مسألة حب بس هو مختلف  ،  معندوش بقى كل الأمور اللي واجهتها مع التاني ده  لااااا خالص  ،  عنده نضج وبيفكر بطريقة أكبر من كدة  ،  عنده حلول لأي مشكلة  ،  إنسان عقلاني ومتزن وتحس إنه قادر يحتوي أي موقف  ،  وغير كل ده أنا كنت مطمنة لإنه كان جنبي  ، حاسة إن فيه حد حواليا وده شعور مش عارفة إزاي حسيته بس ده اللي حصل فعلًا ،  وآخر حاجة كنت اتوقعها إنه متابع ولادي ومأمنهم  ،  قبل كدة كُتبه احتلت أفكاري وألهمتني كتير جدًا وسهلت عليا طريقي في الكتابة ودلوقتي شخصيته هي كمان احتلت أفكاري  ،  قليل الكلام بس لما بيتكلم لازم تركز مع كل حرف بيقوله  ،  ملامحه ثابتة بس لو ركزت في عيونه هتكشف كل مشاعره  ،  حضوره قوي مع إنه قليل  . 
كانت تشرح منـ.ـد.مجة وقد تناست عيون شقيقها الذي يسمعها ليتأكد أنها أحبته  ،  وقعت شقيقته في الحب لأول مرة  ،  إنها تشرح وعينيها تضيئان بوميض الحب وهو أدرى الناس بها  ، لقد أتى ليشهد على سعادة تستحق أن تعيشها  ، إنها تستحق الأفضل دومًا وربما ذلك الثائر هو الأفضل  خاصة بعد حديثه المطول معه منذ عدة أيام  ،  لقد أخبره كل شيء  ،  لم يخفِ عنه شيئًا حتى أنه أرسله إلى والده وجلس داغر مع أمجد لأكثر من ساعة يتحدثان سويًا حتى اطمأن قلبه لذا زفر بقوة ونطق  : 
- طيب هو طالب إيدك مني وأنا موافق .
نظرت له باندهاش فلم تتوقع أن يقبل شقيقها بزواج ثانٍ لها لذا أومأ يؤكد وتابع باهتمام :
- وامك موافقة وعيالك موافقين وهو كلمهم والدنيا كلها تمام  . 
قطبت جبينها تنطق باستنكار ودهشة  : 
- كلمهم  ؟  كلمهم امتى  ؟ 
ابتسم بخفة يجيبها  : 
- دانتِ نايمة في العسل يا ديما  ،  كلنا كلمناه وماما اتعرفت عليه وحبته كمان  ،  وولادك كان ناقص يقولوله يا بابا من كلامنا عنه أنا وامك اللي حبته جدًا   ،  كدة مافيش غيرك توافقي ويالا علشان أكتب كتابك وارجع مصر علشان ماينفعش أسيبهم لوحدهم كتير  . 
كتب كتاب  ؟  هل ما سمعته صحيح  ؟  كتب كتاب  ؟ 
نظرت له ببلاهة فتابع  وهو ينهض  : 
- بصي يا ديما اللي بيحصل لحياتك ده كله من وقت ما انفصلتي من الزفت التاني ده لازم نقف عنده ونركز في الأحداث دي ونعرف ربنا مدبرها إزاي وحكمته إيه  ،  بالنسبالي هكون مطمن عليكي أكتر وانتِ على ذمته  ،  لعلمك أنا قرأت كتابين ليه ويمكن اللي مكتوب جوة الكتب طمني أكتر  ،  إنسان زي ده محتاج اختي في حياته وأنا عارف كويس اختي على إيه وهتعمل علشانه إيه وهو كمان عارف ده كويس جدًا علشان كدة عنده استعداد يقدم أي حاجة علشان تبقي في حياته . 
لمح الحيرة تكسو عينيها فابتسم وتنفس بعمق يسترسل بتروٍ  : 
- اللي لازم تعمليه دلوقتي إنك تتكلمي معاه  ،  وبعدين إنتوا الاتنين تكلموا الولاد ده لو وافقتي على الجواز  ،  ولو مش موافقة هو قالي إنك هترجعي مصر معايا  ،  علشان كدة فكري كويس وانتِ عارفة إني معاكي في أي قرار  . 
ربت على كتفها ثم تحرك بعدها نحو الحمام وتركها تسأل نفسها سؤالا واضحًا  ،  هل ستكون بخير إن ابتعدت عنه  ؟  
❈-❈-❈
في مقهى راقي على طرف الحارة 
جلست بسمة ويقابلها ماجد الذي أصر على رؤيتها كثيرًا لذا لم تجد بدًا من الفرار منه  . 
تتنفس بضيق وتنتظر حديثه حيث جلس لا يعلم من أين يبدأ ولكنه ارتدى قناع الطيبة وتحدث بنبرة هادئة تحمل من الحزن ما يؤهله لنيْل أهدافه  : 
- أنا عارف أنك زعلانة مني علشان موضوع الارتباط وإني خبيت عليكي إن بابا وماما يعرفوا  ،  أنا فعلًا خبيت علشان كنت اتمنى تقبلي لإني بحبك يا بسمة  ،  مع الوقت اتأكدت إن مشاعري ناحيتك هي حب حقيقي مش أخوي زي ما كنت مفكر  . 
شعرت بالنفور من حديثه الذي لم تصدقه على الإطـ.ـلا.ق لذا نطقت بملامح منزعجة  : 
- ماجد لو سمحت إنت طلبت تشوفني علشان تقولي حاجة مهمة بلاش ندخل في حوارات ملهاش لازمة  ،  إيه المهم اللي عندك  . 
أدرك أن طريقه وعِر لذا زفر بقوة واستبدل قناع النصح يردف  : 
- إنتِ لازم ترجعي الفيلا يا بسمة  ،  صدقيني ده أحسن للكل  . 
لم ترِحها نبرته ولكنها تساءلت بشكٍ حينما فطنت لتهديده المبطن  : 
- يعني إيه أحسن للكل  ؟  هو عمي باعتك تكمل كلامه ولا إيه يا ماجد  ؟  وبعدين ليه أرجع بما إن الشغل ماشي كويس وأنا متابعة كل حاجة من مكاني  ؟ 
ادعى التفكير لبرهة من الزمن ثم عاد يطالعها ويسترسل بنبرة مبهمة  : 
- بسمة هو أنا ينفع أتكلم معاكي بصراحة  ؟  أنا مش هقدر أخبي عنك  . 
مالت بوجهها تحثه على الحديث ليتابع بتمعن  : 
- بابا ناوي يضغط عليكي علشان ترجعي  ،  ماعرفش هو بيفكر في إيه بالضبط بس كان لازم أنبهك  ،  أنا طبعًا مضايق جدًا من وجودك هنا وفي بيت غريب ومع راجـ.ـل غريب بس ده مايمنعش إني لازم أحذرك  . 
استنكرت ما يقوله وأرادت أن تصحح كلمـ.ـا.ته ولكنها أدركت أن لا أحدًا من عائلتها يستحق عناء التوضيح لذا تساءلت  : 
- تحذرني من إيه يا ماجد  ؟  خليك دوغري لو سمحت  ،  بما إنك جيت تتكلم معايا يبقى أكيد عندك علم بالتفاصيل  ،  قول علطول  . 
صمت لهنيهة ثم أردف بتردد ظاهري  : 
- الموضوع ممكن يمس داغر  ،  بابا شايف إن داغر عايز يستحوذ عليكي بأي شكل  ،  لازم تفهمي إنه مش هيسمح بده وممكن يتصرف بطريقة مندفعة  ،  لازم تاخدي بالك كويس  ،  وبجد ياريت ترجعي في أقرب وقت  . 
ابتسمت بتهكم وتكتفت تجيبه  : 
- وطبعًا أونكل بعتك تبلغني الرسالة دي  ،  مش كدة  ؟ 
شعر بالضيق ولكنه أظهر حزنًا بالغًا ونهض من مقعده يستطرد بنظرات معاتبة  : 
- تفتكري بابا هيبعتني أعترف عليه  ؟  عامةً أنا كنت أتمنى إن يبقى فيه بينا على الأقل ود وثقة بس يظهر إنك فعلًا اتغيرتي جدًا يا بسمة  ،  أوعدك بعد كدة مش هزعجك تاني  . 
ترك الحساب وغادر بعدها وتركها تجلس تطالع أثره وتفكر في كلمـ.ـا.ته التي شتتتها  ،  هل هو ماكر يتلوى كالثعبان أم أنه أتى ليحذرها بالفعل  ؟ 
ولكن عليها أن تضع تحذيره في الحسبان مهما كانت نواياه 
❈-❈-❈
مساءً قررت التحدث معه ربما هذا الحوار سيساعدها في اتخاذ قرارها  ،  جلست في المطعم الخاص بالفندق وجلس أمامها ينتظر حديثها معه  ،  يتأملها بعيون لم يعد يخفي عشقه بهما كالسابق بل أنه بات متلبسًا بالعشق أمام الجميع  . 
تـ.ـو.ترت من نظراته وتحديقه بها لذا أرادت أن تشغله بالأسئلة فسألته سؤالًا تمت الإجابة عنه  : 
- قولي الحقيقة  ،  إنت عايز تتجوزني ليه  ؟ 
يدرك أن سؤالها هذا نسبة لتـ.ـو.ترها لذا ابتسم بخفة وتنفس بعمق يجيب باستفاضة وحب  : 
- بصي يا ديما  ،  خليني أجاوبك على كل أسئلتك من غير ما تسألي  ،  قلتهالك قبل كدة وهقولها تاني  ،  أنا بعدت عن بلدي 13 سنة اتجوزت وخلفت ودخلت عالم الملاكمة ده غير الكتابة والشهرة وكل الحاجات اللي ممكن الإنسان يعملها علشان يشغل وقته عملتها بس الحقيقة أنا ماكنتش بشغل وقتي أنا كنت بشغل عقلي عن الهدف الحقيقي اللي عايزه من الدنيا كلها  ،  وباختصار شـ.ـديد جدًا الهدف ده هو إنتِ  . 
انقشعت سحابة تـ.ـو.ترها تطالعه بعمق ليسترسل بعمقٍ أقوى ضاعطًا على أحرفه  : 
- أنا  محتاجك   جدًا   ،  دي أصعب فترة بمر بيها في حياتي ومـ.ـا.تسألنيش ليه بس اللي أقدر أقولهولك إني بعرف أحافظ على الحاجات اللي بمتلكها لإنها بتيجي بعد صبر وعذاب فبكون عارف قيمتها كويس  ،  يمكن تسميه تملك أو أنانية بس أنا مستحيل هتخلى عنك سواء وافقتي تتجوزيني أو لاء  ،  إنتِ لسة لحد دلوقتي مـ.ـا.ت عـ.ـر.فيش ثائر ذو الفقار كويس بس علشان مـ.ـا.تخافيش مني أنا أكتر إنسان ممكن يطمنك وأبعد شخص ممكن تخافي منه إلا في حالة واحدة بس  . 
صمتها وتركيزها معه جعلاه يتنفس ويتابع دون الإفصاح عن هوية الشيء الوحيد الذي سيخيفها منه  : 
- لو عايزة تنزلي مصر وتشوفي الأولاد ماعنديش أي مشكلة بس أتمنى يبقى بعد جوازنا  ،  على الأقل أحس إن روحي رجعالي تاني  ،  ومش هقولك أولادك هما أولادي وابني هو ابنك بس هوعدك لو قضيّتي اتحلت ونزلت مصر وقتها همحي من ذاكرتهم إن كان ليهم أب تاني  ولو مانزلتش يبقى هنعيش كلنا في فرنسا  ،  بس وانتِ مراتي  . 
تخشى من أشياءٍ كثيرة  ،  طليقها  ؟  آراءها  ؟  جمهورها  ؟  والمناظرات  . 
تنفست بعمق تتساءل بترقب  : 
- طيب والمناظرات اللي بينا  ؟ والناس اللي مقتنعة إنك بتهاجم المرأة العربية والحجاب والأفكار اللي أنا بطرحها  ؟  كل ده هتتعامل معاه إزاي  ؟ 
أجابها بثبات وثقة  : 
- ماعنديش مشكلة أبدًا أطلع أقول إني كنت غلط في وجهة نظري وأنك اثبتيلي ده  ، الاعتراف بالحق فضيلة  . 
هزت رأسها تخشى من انهيار اسمه لذا أجابته  : 
- لاء  ،  ماينفعش تعمل كدة فجأة  ،  لازم تمهد ده لجمهورك  ،  يعني ممكن مانعلنش جوازنا للناس إلا لما تبدأ تتراجع واحدة واحدة عن أفكارك  . 
- أفهم من كدة إنك موافقة  ؟ 
حاصرها بسؤاله لتدرك أنها أخبرته بالموافقة في خضم حديثها لتخفي وجهها بين كفيها بتلقائية جعلته يبتسم ويتنفس براحة لا مثيل لها ثم  أجابها بثبات  : 
- تمام يبقى نعلن جوازنا بعد المناظرة اللي هتكون بيني وبينك في فيينا بعد شهر من دلوقتي   . 
أبعدت يدها عن وجهها تطالعه بخجلٍ ممزوجٍ بعشقٍ بدأ يزين ملامحها لتسأله بتـ.ـو.تر  : 
- طيب هنعمل إيه دلوقتي  ؟ 
نظر في ساعة يديه وتحدث برتابة  : 
- هتطلعي دلوقتي أوضتك تتكلمي مع منال هانم والأولاد وتشرحيلهم كل حاجة وبكرة هنكلمهم سوا وبعدين هنروح نعمل إجراءات كتب الكتاب ونرجع وبس كدة  . 
بسطها كثيرًا بشكلٍ متعمد يخفي بين طياته الكثير ولكنه رجل الأفعال لا الأقوال لذا نهض يحدق بها ويستطرد بحب  : 
- أحلام سعيدة يا ديما  . 
❈-❈-❈
يتمددان على فراشهما وكالعادة يحتوي وحدتها وتحتوي همومه  . 
تخبره عما تشعر به  ،  تستطيع التنفس بـ.ـارتياح الآن وهذا ما وضحته في حديثها  : 
- أنا مرتاحة أوي يا أمجد  ،  حاسة إن ثائر هيرجع لي قريب  ،  مبسوطة إنه أخيرًا لقى الإنسانة اللي تشبهه  ،  هي شبه يا أمجد  ،  كلام والدتها عنها وكتابها اللي قرأته أكدولي إنها شبهه  . 
ملس على ظهرها بحنو وأومأ يؤكد بشرود  : 
- بالضبط يا علياء  ،  أنا كمان حسيتها شبهه  ،  ثائر كان محتاج واحدة زيها في حياته  ،  هو يستاهل إنه يرتاح بعد السنين دي كلها  . 
تمسكت بكفه واسترسلت  بفرحة تغمر قلبها : 
- عارف أكتر حاجة مريحاني إيه  ؟  إن معاذ عارفها وبيحبها ورحب بالفكرة  ،  أنا كنت خايفة يرفض  ،  بس ثائر عمل الصح وعرف يقربهم من بعض قبل ما يبعته  . 
نظر لها بفخرٍ ارتسم في عينيه واستطرد متباهيًا  : 
- ابننا ذكي وعارف ومحدد خطواته كويس  ،  مـ.ـا.تقلقيش عليه  . 
هزت رأسها تردف بترقب  : 
- بردو مش هرتاح غير لما يكون في حـ.ـضـ.ـني  ،  يرجع هو بس ويسكن جنبي ويبقى علطول قدام عيني هو ومـ.ـر.اته وابنه وساعتها هرتاح وقلبي هيهدى  . 
ابتسم أمجد وأردف بتروٍ ومرح  : 
- قولي يارب  ،  وبعدين لسة ديما ماوفقتش يعني مـ.ـا.تستعجليش وتقولي مـ.ـر.اته  .
نظرت له باستنكار وتابعت بقناعة مبهمة  :
- هتوافق  ، أنا عارفة ابني كويس  . 
❈-❈-❈
على الطرف الآخر كانت تتحدث مع والدتها  ،  أرادت أن تشاركها مشاعرها لذا أردفت منال عبر الهاتف  : 
- مش إنتِ مرتاحاله يا ديما  ؟ قلبك مطمن من ناحيته  ؟ 
نعم هي كذلك  ،  تشعر أنها امرأة حديدية وما هو إلا مغناطيسًا يجذبها إليه طواعية  ،  قلبها بات يشبه حديقة مزهرة بالورد والعطر وهو البستاني الذي زرع كل هذه البراعم  . 
تنهيدة معبأة بالأمل خرجت منها ثم أردفت بهدوء  : 
- أيوة يا ماما  ،  فيه قبول وراحة مش هقدر أتخطاهم  ،  معرفش كل ده حصل امتى وازاي مع إني كنت قافلة السكة دي تمامًا بس هو مختلف  ،  مافيش حاجة كنت قلقانة من ناحيتها إلا ولقيته بيطمني حتى على ولادي  . 
أومأت منال وأردفت بنبرة سعيدة لأجل ابنتها التي تشعر بسعادتها  : 
- ربنا دلك على الإنسان اللي شبهك يا ديما  ،  أنا لما حكيت مع والدته عرفت إنه شبهك  ،  الست ياعيني قلبها مفطور عليه ونفسها تشوفه  ،  حكيتلي عنه وعن حياته وعن بره بيها  ، ده غير إني ارتحت له أصلًا لما كلمته  . 
قطبت جبينها وتساءلت بتعجب  : 
- هو انتِ كلمتي مامت ثائر  ؟ 
ابتسمت منال وعبثت بفروة الصغيرة النائمة وأجابت بهدوء  : 
- أيوا كلمتها  ،  وأبوه كلم داغر  ،  الراجـ.ـل شاريكي يا ديما وبيحاول يطمنك ويطمنا  ،  صلي استخارة يا حبيبتي وتوكلي على الله  ،  ربنا يقدملك كل الخير اللي تتمنيه وربنا يجعله الزوج السند والحبيب اللي يعوضك عن كل أذى شوفتيه  . 
استكان قلبها ونظرت لوالدتها عبر الشاشة تبتسم وتتنفس بـ.ـارتياح مجيبة  : 
- اللهم آمين يارب يا ماما  . 
❈-❈-❈
بعد يومين
تم تجهيز إجراءات كتب الكتاب واليوم موعده 
جلست في غرفتها ترتدي فستانًا هادئًا  كريمي اللون وحجابًا بنفس اللون يخفي خصلاتها وملامح وجهٍ جميلة يعلوها التـ.ـو.تر  . 
تنتظر شقيقها الذي ذهب ووعدها أن يعود سريعًا وبالفعل عاد يحمل بين يديه باقة زهور فريدة ورائعة ثم تقدم منها يناولها إياها قائلًا بابتسامة غمرت ملامحه السعيدة  : 
- اتفضلي  ،  دي من ثائر  . 
تناولتها منه تستنشقها وتتنفس بقوة ثم طالعته وتساءلت بانكماش يلازم معدتها  : 
- هو برا  ؟   
ابتسم داغر على تـ.ـو.ترها وأجابها وهو يرنو منها ويلتقط معصمها متأبطًا إياها بحب وحنان  : 
- لا هو مستنينا تحت في القاعة اللي هنكتب فيها الكتاب  ،  هو كان عايز يطلع ياخدك بنفسه بس انا قولتله لازم أقوم بدوري كأخ  ،  ولا إيه  ؟ 
أومأت له بتتابع وابتسمت وبدأ قلبها يقرع طبول التـ.ـو.تر وهي تتحرك معه نحو الخارج لينزلا إلى القاعة  . 
❈-❈-❈
كان يرتدي حلته السوداء وينتظرها  ،  ظاهريًا يمتاز بالثبات والهيبة وداخليًا يتلهف لرؤيتها  . 
دلفت من باب القاعة بصحبة داغر فلمحته يقف عند المأذون وقد صوب مقلتيه عليها يتأملها كما لو كانت نجمة براقة  ،  تضخم صدره أعرب عن نفسٍ قوي اتخذه عند حضورها وسألها بنظراته هل أحببتيني  ؟  فأجابته بنظراتها معك أتعلم معنى الحب  . 
وصلت إليه فأعطاها له داغر وأردف بابتسامة ودية  : 
- أنا عارف إنك بتحبها بس هي محتاجة اللي يحترمها ويفهمها قبل أي شيء   . 
ابتسم بخفة ثم لف وجهه ينظر إلى وجه ديما المتورد وأردف مؤكدًا بصدق وبعيون عاشقة : 
- أنا بحترمك جدًا  ،  أنا فاهمك جدًا  ،  أنا بحبك جدًا  . 
تهاوى قلبها من فرط مشاعره الكاسحة وشعرت أن ساقيها كالهلام ولأنه يفهمها تحرك بها نحو الطاولة يجلسها عليها واتجه يجلس مكانه وداغر يجاوره والمأذون وشاهدان وبدأ كتبت الكتاب  .
❈-❈-❈
بعد محاولات مع والدتها نجحت في إقناعها بالذهاب إلى الشركة وساعدتها في ذلك بسمة خاصةً بعدما أكدت لها أنها ستنهي العقد معهم  . 
دلفت مكتبه بعدما سمح لها  ،  لأول مرة تشعر معه بالرهبة  ،  لم يتزحزح من مقعده كما كان يفعل في السابق بل نظر إليها بتجهم وسألها  : 
- لما لم تذهبي إلى مكتبك دينا  ؟ 
شعرت بالتـ.ـو.تر يغتالها لذا زفرت لتهدئ من روعها وحاولت أن توضح له سبب مجيئها لذا أردفت  : 
- أستاذ لوتشو أنا جيت علشان أعرفك إن فعلًا مش هقدر أكمل شغل هنا  ،  أنا حاولت بس مش نافع  ،  معلش ياريت تقبل استقالتي المرة دي  . 
قالتها وهي تمد يدها له بالورقة التي جهزتها فلم يستلمها منها لذا زفرت وتركتها على المكتب ووقفت تطالع ملامحه التي تدل على غضبٍ مستتر لذا جاهدت لتتحلى بالثبات أمامه وانتظرت حديثه الذي طال لمدة حاول فيها تلجيم غضبه لذا نهض وتحرك نحوها فازداد تـ.ـو.ترها وخوفها منه وهذا ما استنتجه لذا ابتسم وتوقف أمامها يحدق في ملامحها بتفرس ليقول بعدها بهدوء مُربك  : 
- حتى لو قبلت استقالتكِ دينا لن أقبل أن تبتعدي عني  ،  أنا أحبك  ، وأنا أخذت جوابي منك في البداية لذا لن أبتعد  . 
رفعت أنظارها تطالعه بتعجب وتساؤلات ليسترسل  : 
- حسنًا ربما رفضك وابتعادك نتج من حديث والدتي معكِ لذا سأترك لكِ فرصة التفكير بشكلٍ جيد ولكن دعينا نبدأ من جديد  ،  نتقرب من بعضنا أكثر  ،  نتحدث أكثر  ،  وأنا على يقين أنكِ خلال فترة قصيرة ستتراجعين عن أفكارك تمامًا  ،  أنا أعلم أنكِ تحبيني ولكن الخوف يمنعك من قولها  . 
أرادت أن تنفي هذا الإدعاء ولكنه أخافها وشعرت أن أنفاسها مقيدة حيث أنه كان يحوم حولها يسحب الهواء لذا تابع مبتسمًا كأنه يتغذى على حالتها  : 
- هذا هو السكوت الذي يسمونه علامة الرضا  ،  أليس كذلك  . 
شعرت أنها بحاجة لداغر في هذه اللحظة  ،  أخطأت حينما لم تثق في كلامه ونصائحه  ،  هذا الرجل لا يشبهها قط  ،  إنه يتحول لشخصٍ آخر لم يكن ظاهرًا لها من قبل لذا حاولت أن تتحلى بالجرأة ونطقت بجسارة امتصتها من شخصيتها التي تحاول التظاهر بها  : 
- لاء  ،  أنا مش عارفة أقولك إيه بس مش إنت نفس الشخص اللي كنت معجبة به وبطريقة تفكيره  ،  أنا حاسة إنك اتبدلت  . 
ابتسم على كلامتها لتتحول ملامحه للوداعة التي تظاهر بها مسبقًا وأردف  : 
- هل تقصدين أنني لدي وجهان  ؟  لا دينا أنتِ مخطئة  ،  ولكن مجيء والدتي جعلني أفكر جيدًا  ،  كما جعلكِ تتراجعين عن قراركِ  ،  ولكن صدقيني كلانا سيعود كما كان قبل مجيء السيدة ميتاي  ، أنا سأعود لوتشو الوديع وأنتِ ستعودين دينا التي قبلت عرضي  . 
كان يتحدث بثقة جعلتها ودت لو تسأله عن العواقب إن لم تفعل ولكنه استرسل وهو يعود لمكتبه ويجلس عليه بهيمنة  : 
-  الوقت تأخر وأنا أعاملك بتميز وهذا لن يروق لكثير من الموظفين ولكنني سأتفهم حالتكِ لذا عودي إلى المنزل الليلة وفكري جيدًا وغذًا أراكِ على رأس عملك في التاسعة صباحًا  ،  لسنا في علاقة رسمية بعد لتستغلي نفوذك  . 
قالها وابتسم لذا زفرت بقوة وأرادت أن تغادر الآن وتبحث عن حلٍ فيما بعد لذا التفت تغادر مسرعة وتعود لمنزلها وما بعد ذلك سيكون عن طريق داغر فهي لن تحتمل الصمود أمام تسلط هذا اللوتشو  .
❈-❈-❈
انتهى المأذون وأعلنهما زوجًا وزوجة ونهض ثائر يوقفها ويطبع قبلة راقية على جبينها ثم ابتعد يتأملها وابتسم وتنفس حتى شعر أنه سحب الهواء من المكان كله  ،  لقد أصبحت ملكه  . 
بـ.ـارك لهما داغر وعانق شقيقته ووقف يطالعها بسعادة ومن أعماقه يتمنى لها الراحة ولا شيئًا سواها لذا أردف بنبرة مستكينة هادئة   : 
- لو احتجتيني في أي وقت هتلاقيني قدامك مهما كان مكانك هجيلك بس صدقيني أنا مطمن عليكي مع ثائر  . 
مشاعرها الآن لا مترجم لها ولكنها تسعى للتعامل مع من حولها لذا ابتسمت كردٍ على كلمـ.ـا.ته فتابع  : 
- أنا طيارتي كمان ساعتين  ،  لازم أرجع مصر  . 
تحدثت بلهفة وحنين يلازمها نحوه  : 
- هترجع دلوقتي  ؟  
أومأ له مضطرًا ليجيبها ثائر بتروٍ  : 
- لازم يرجع يا ديما علشان الأولاد ومامتك واختك  ،  وزي ما قولتلك كمان شهر أو شهرين هتنزليلهم مصر بنفسك  . 
أومأت بتفهم وودعت شقيقها بدمـ.ـو.ع لم تسعَ لها وغادر داغر عائدًا لوطنه بعدما اهتدى ثائر إلى وطنه هو أيضًا  . 
تحرك معها نحو الأعلى حيث الجناح المخصص لهما والذي حجزه لهذه الليلة الفريدة من نوعها  . 
دلفا الجناح سويًا يتمسك بكفها الذي وصلت برودته إليه ليدرك أنها شاحبة من شـ.ـدة تـ.ـو.ترها مما يحدث لذا ما إن أغلق الباب حتى لفها نحوه وعانقها  . 
استدعى حقوقه المسلوبة لسنواتٍ واتخذ من عناقها دفئًا أذاب الجليد وأصهر الفؤاد  . 
وجدت نفسها مكبلة بضلوعه فمرت سحابة ذهول على عقلها قبل أن يجتاحها سطوًا مسلحًا من المشاعر وانتقل انصهار فؤاده إلى جسدها البـ.ـارد فتنعمت بالدفء وسكنت خمائل قلبه واستكانت بين ذراعيه  . 
عناقًا كان بمثابة رواية لم تخطها بقلمها لكن نسجها قلبها فأحبت جميع أركانها  ،  لم تخطئ حينما اتخذته بطلًا ورجلًا اقتحم غربتها واغتال وحدتها باحتوائه  . 
ربما مر دقيقة أو ساعة أو يومًا أو سنة لا يعلمان فالوقت هنا لم يتم حسابه لذا بعدما طال الصمت قال بنبرة تشتهيها ومشاعر صادقة وهو يقبض عليها : 
- دي أول حاجة كنت عايز أعملها أول ما شوفتك في المطار  ،  وأول ما اعترفتلك بحبي  ،  وأول ما فوزت في الملاكمة  ،  وأول ما جيتي وقفتي قدام بيتي  ،  وأول ما دخلت بيتك وشوفتك خايفة  ،  وأول ما أخويا شافني ومشي  ،  وأول ما المأذون قال بـ.ـارك الله لكما  . 
كلمـ.ـا.ته نثرت بذور السعادة في تربتها الرطبة لذا لم تجد بدًا إلا أن تبادله فرفعت ذراعيها تضعهما على قلبه وتربت عليه بصمتٍ فعاد يسحب أكبر قدر من الأوكسجين الملغم بالحب إلى رئتيه فهو يشتاق إلى حبها كاشتياقه لوطنه  . 
قرر أن يبتعد عنها قليلًا وتأملها ولم يحل وثاق ذراعيه بعد ليجدها تهرب بعينيها مما تعيشه فهمس  : 
- خلي عيونك في عيوني يا ديما  . 
أطاعته ترفع نظراتها نحوه فابتسم واسترسل يحيطها بسطوته  : 
- اعترفي حالًا  ، قوليها يالا  . 
همست بنعومة ووجنتين متوردتين بقوة  ومشاعر تركض داخلها بلا هوادة : 
- أقول إيه  ؟ 
تعلم جيدًا ما يسعى لسماعه لذا ما إن ضيق عينيه يدرك مراوغتها حتى ابتسمت وأسبلت جفنيها ثم تنفست بعمق ورفعت نظراتها إليه تُمعن النظر فيه وقررت مصارحته بكلمة  : 
- بحبك  . 
نعم يعلم  ،  يعلم أنها تحبه ولكن نطقها أرضاه للدرجة التي تقبل فيها كل مظلمة وغربة ووحدة عاشها  ،  ابتلع لعابه يتفرسها بعينيه ثم تمالك نفسه وابتعد ينظر حوله قليلًا وعاد إليها يردف  : 
- خلينا نتعشى الأول وبعدين نبدل هدومنا ونصلي  . 
هدوء غريب سكن فؤادها  ،  كانت تنوي إخبـ.ـاره بركعتي السنة ولكنه فاجأها برغبته في ذلك لذا ابتسمت وأومأت وبالفعل اتجها سويًا نحو طاولة الطعام ليتناولا وجبة العشاء  . 
❈-❈-❈
كان يباشر عمل الورشة بجدٍ ويفكر في حياته القادمة  ،  حينما يعود داغر سيبدآن بالبحث عن قطعة أرضٍ مناسبة ليبنيا عليها المصنع الصغير  . 
اتخذ قرارًا بأن يشاركه داغر في هذا العمل   ،  يعلم أنه سيواجه رفضًا من طرفه ولكنه سيقنعه  . 
يجب أن يبدآ في أسرع وقت كي يحقق داغر أمنيته ويستطيع طلب الزواج من بسمة بأريحية  . 
ودعه الصبية وغادروا وبدأ يجمع المعدات ليغلق الورشة ويعود لوالده وعمه الذي لم يرحل بعد  . 
كانت في هذه الأثناء تترجل من سيارة الأجرة وتخطو باتجاه الشارع المؤدي للمنزل  ،  بملامح حزينة وأنفاسٍ مختنقة لا تعلم ماذا تفعل مع ذلك المتسلط الذي أظهر وجهًا آخر لم تكن تتوقعه  . 
يفترض أن يعود داغر فجرًا ولكنها تخشى عليه من مواجهته  ،  فهل تخبره بما يحدث معها أم لا  ؟ 
أغلق صالح الورشة ونوى التحرك فرآها تأتي من بعيد  ،  مشاعره سبقت حركته فتوقف يتأملها لثانية قبل أن يرن هاتفه معربًا عن اتصال من عمه  . 
وخزة استهدفت قلبه لذا أجاب يتساءل بترقب  : 
- أيوا يا عمي  ؟! 
أجابه العم محمود وهو يبكي ويجاور شقيقه الذي فارق الحياة  : 
- تعال يا صالح  ،  تعال يا عمي أبوك اتوفى  . 
انهالت عليه الذكريات فجأة وتكونت الغيوم في مقلتيه أمامها حتى لاحظته فأسرعت تقف أمامه وتسأله بقلقٍ حينما لاحظت حالته  : 
- مالك يا صالح فيه إيه  ؟ 
صوت عمه عبر الهاتف وصوتها وأصوات الانفجارات التي طرأت على عقله وموت عائلته وحبها الذي توغل إليه فأعانه على الحياة  . 
نطق بوهن وحزنٍ شـ.ـديد ونبرة متحشرجة  : 
- أبوي اتوفى  . 
شهقت وسقطت دمـ.ـو.عها وتلقائيًا رفعت يدها تربت على كتفه ولكنه انتفض يبتعد عنها ويغادر بل يركض ليودع والده ووقفت تطالع أثره بحزنٍ  وتمنت لو أن داغر هنا يجاوره ويآزره ولكنها ستصعد وتخبر والدتها  ، يجب أن تسانداه إلى أن يعود داغر  . 
❈-❈-❈
التفاهم لا يعرف لهما سبيل ولكنه لأول مرة قرر أن يتحدث إليها  ،  لا تروق له هذه الحياة التي يعيشها  ،  لا تناسبه وأصبح يرضخ لأوامرها بشكلٍ مخزي لا يتقبله لذا عليه أن يتحدث معها ويصلا إلى نقطة تفاهم  . 
دلف منزله فوجدها تُرضع الصغير فألقى السلام وجلس أمامها لتتأفأف بضيق وتردف  : 
- قاعد طول النهار مزاجك رايق ومافيش حاجة وراك وسايبني هنا طالع عيني مع ابنك  ،  أنا زهقت يا كمال  . 
زفر بضيق فها هي تبدأ قبل أن ينوي التحدث لذا أسرع يردف  : 
- هو مش دي الأصول بردو يا زينة ولا الدنيا اتقلب موازنها  ؟  مش إنتِ أمه ومسؤولة عن رعايته وأنا مسؤول عن مصاريفكم  ؟  ولا إنتِ عايزاني اقعد أراعيه وأشوف مصالح البيت وتنزلي إنتِ المعرض تشتغلي  . 
راقت لها فكرته لذا أطلقت ضحكة رنانة ونطقت متخلية عن ضجرها اللحظي  : 
- تصدق فكرة حلوة يا كمولة  ،  مـ.ـا.تيجي نجرب  ؟ 
اتسعت مقلتاه باستنكار ولوح بيده يستطرد  : 
- نجرب إيه  ؟  اعقلي كدة يا زينة وبلاش جنان  ،  أنا أصلًا راجع وناوي نتكلم مع بعض شوية لإن الأوضاع دي مش عجباني  . 
قلبت عيناها ونفخت أوداجها ثم نظرت لصغيرها الذي نام فأبعدته عن صدرها ونهضت تتجه لغرفتها لتضعه على الفراش وتدثره بالغطاء  . 
عادت بعدها تجلس أمام زوجها الذي يتابع حركاتها بترقب ثم نظرت له نظرة ثاقبة وربتت على ساقه بكفها تردف بهدوء يخفي تسلط وتمكن لن يتزحزحا  : 
- بص يا كمولة يا حبيبي  ،  الأوضاع اللي مش عجباك دي هي اللي لازم تحصل  ،  عارف ليه  ؟  لإن لو أنا اتهاونت معاك لحظة هلاقيك داخل عليا بالتالتة هنا وساعتها هيبقى عليا وعلى أعدائي  ،  مهو أنا مش ديما يا حبيبي ومش أنا اللي تاخدني لحم وترميني عظم  ،  إنت يا كمال ماينفعش معاك واحدة تقولك سمعًا وطاعة لإنك اتربيت على إن الست هي اللي تعمل كل حاجة  ،  ومن وجهة نظري كل حاجة دي يبقى أنت ترتاح وتقعد في البيت وأنا اللي انزل الشغل  ،  يا إما بقى يبقى الوضع على ما هو عليه ومتتبترش ع النعمة اللي إنت فيها لتزول منك  ،  ماشي يا كمولة  ! 
باغتها بنظرة يسكن النـ.ـد.م خلف أسوارها  ،  لا يستطيع تحريره ولكن لسان حاله يردد بأن النعمة زالت بالفعل وانتهى الأمر  ،  زالت النعمة والآن يجني العقاب  . 
حياته باتت لا شغف فيها  ،  هل يثور  ؟  هل يهدم كل شيء ويبحث عن زواج جديد  ؟  وهل ستسمح له بفعل ما يفكر فيه  ؟  لقد تمكنت منه ومن حياته ومن منزله 
و تتوجت بإنجابها طفلًا صغيرًا  . 
زفر بقوة وأومأ لها لذا ابتسمت وملست على ساقه تردف بدلال بعدما حصلت على طاعته  : 
- يالا بقى أطلب لنا ديلفري علشان ماعرفتش أعمل أكل  ،  وأنا هقوم أغير العباية ورجعالك  . 
نهضت وتركته يجلس يتطلع على كل شيء من حوله والأهم يتطلع على خيبته الكبرى ويتساءل في داخله  ، هل أنا كمال الوراق نفسه  ؟
❈-❈-❈
كل الطرق تؤدي إلى ديما،  وسبيلها الوحيد هو قلبي 
كل المشاعر في حضرتها حاضرة  ،  ومشاعرها ملكًا لي وحدي 
كل الغيوم تتبدد بطلتها  ،  وشمسها تشرق فقط على أرضي 
كل النساء تجمعت فيها  ،  وفي عينيها لا يوجد رجلًا غيري  . 
ختما صلاتهما ونهض يلتفت لها ومد يده يطلبها فناولته يدها ونهضت تقابله وتنظر في عينيه حيث تحوم داخلهما رغبةً واضحةً لذا حادت نظراتها المتـ.ـو.ترة عنه فردها إليه يردف بتحذير مفعم بالمشاعر  : 
- مـ.ـا.تبعديش عيونك عني يا ديما  . 
تنفست بقوة تجيبه بتـ.ـو.تر وتلعثم من فرط خجلها وسرعة نبضاتها : 
- ث  ثائر  ،  أناااا  . 
رفع سبابته يوقف شفتيها عن الحديث ففعلت فتولى عنها أمرها وحل وثاق حجابها المتصل ثم رفع ثوبها ينزعه بتمهل شـ.ـديد فتركته يفعل والتزمت الصمت الصاخب بالارتعاش  . 
نجح في تجريدها منه لتقف قبالته بقميصٍ كريمي طويل اختارته عن عمد حتى لا تخجل ولكنها كانت مخطئة فنظراته نحوها جعلتها تود لو تنشق الأرض وتبتلعها ، لم تتذكر قط أنها قد سبق لها الزواج  ، تقف أمامه عذراء جديدة على كل أفعاله وغريبة في بحر مشاعره . 
امتدت يده يحل وثاق رباط شعرها فانسدل على كتفيها بسحرٍ أسره وتذكر شيئًا لذا ابتعد قليلًا يتجه نحو حقيبته وفتحها يستل منها الطوق الخاص بها ثم عاد لها يضعه على رأسها ويتأملها قائلًا بهمس مثير  : 
- أخدت عهد أرجعهولك وانتِ ملكي  . 
ابتسمت وأرادت أن تخبره أن يتوقف  ،  كل ما يفعله لم تستطع مواكبته  ،  كل ما يفعله كانت تقرأ عنه في الأساطير ولم تكن تصدق أنها تعيشه  ،  ليته يرحم حالتها وينهي عذاب صدمتها فيما عاشته من قبل  . 
ولكنه تابع  ،  تابع باشتياق يتملكه لعيش تجربته معها  ،  متلهفًا لها ولافتراسها كما لم يتلهف من قبل لذا  . 
تعمق فيها فوجدها تصارع الخجل في سباقٍ حاد فقرر أن يحسم المبـ.ـاراة وينصرها عليه وانحنى يحملها بين ذراعيه فجأة فشهقت وتعلقت به تتوسله  : 
- ثائر نزلني لو سمحت  . 
تحرك بها نحو فراشهما وأنزلها بهدوءٍ شـ.ـديد وجلس جوارها يحدق بها مجددًا كأنه لا يصدق أنها أمامه لذا نطق غزلًا بالفرنسية يتلائم مع ليلتهما ويديه تلامس وجنتيها وملامحها بنعومة : 
-  هيا يا امرأة السلام أخبريني كيف تتنعمين بدفء وطنٍ لستُ فيه  ؟ 
وتريدنني ألا أغار  ؟ أن أنفى بعيدًا عن عينيكِ ولا أثور  ؟ 
قولي يا امرأة الحروف  كيف تسردين آلامكِ وآمالك  ؟ 
وكيف أقرأها ولا أبدد الظروف  ؟ 
أدخلي إلى وطنكِ وأفشي فيه السلام  ،  أسكني في قلبي واتركي على عاتقي تحقيق أحلامكِ  . 
انقطع الكلام وانقطع الصمت أيضًا حينما أنحنى يقبلها ويخبر شفتيها كم هو مشتاق  ،  يسرد لهما قصة عشقٍ ممتعة ويعاملهما بعدلٍ فلا يفضل واحدةً على الأخرى  ،  يغمرهما بشفتيه غمرةً أسعدتهما فطالبا بعدها بالمزيد  . 
ليوزع بعد ذلك مهمامه على مساعديه فعملت يداه على إزالة العوائق حتى نجح في الوصول إلى مبتغاه فبات في حضرة المشاعر التي حلم بها منذ صباه  . 
استولى على عرش قلبها ومفاتيح أفكارها واحتل جسدها احتلالًا شرعيًا بتصريحٍ من همهمـ.ـا.تها ليكن المحتل هنا أسيرًا للفريسة  . 
بات عقله لا يستطيع ترجمة مشاعره ولكنه يتلذذ بكل ما ينهله منها  . 
كانت تعلم أن المشاعر لها بريقا أشـ.ـد سطوعًا من بريق الرغبة ولكنها لم تكن ترى هذا السطوع والآن فقط تلألأ بريقها فوصل عنان سماءها ينفجر واحدًا تلو الآخر  فيضيء ظلمتها  
أعطاها قوة مشاعره وقوة حبه وقوة اشتياقه  ،  أعطاها وحدته وغربته في باقة همسات ولمسات لم تعشها ولن تعيشها سوى معه ، هذا الثائر الذي أثار داخلها مشاعر قوية لم تثُر من قبل فودت لو لم يبتعد عنها أبدًا وهنا فقد عقلها صوابه وتأملت سؤالًا لحظيًا هجم عليها صدفة  ،  هل أنا ديما نفسها  ؟ 
يا صباحا أصبح وهي بجانبي
 مارأيتك يوما ياصباح جميلا 
 إلا اليوم لأنها تغفو بجانبي.... 
 يا ليلا حل بي وهي معي... 
 ما أجملك يا ليل ليس حبا بقمرك
 بل لأن قمري غفى وهو معي... 
 لم تكن أيامي جميلة قبلك
 لم تكن حياتي سعيدة قبلك
 لم يكن قلبي يحيا قبلك
 معك أصبح للحياة ألف معنى....
قبلك لم تملك الحياة أي معنى
( بقلم فيروزة) 
❈-❈-❈
- دومتي  ؟ 
هكذا نداها بعد لقائهما الأول حيث تسكنه بسلام فما كان منها إلا أن ترفع كفها وتتحسس شفتيه اللتان وزعتا عليها وابلًا من القبل المزيلة لآلام الروح والآن يناديها بلقبٍ مدلل ينتمي له لذا نطقت بهمسٍ دون أن تفتح مقلتيها ومازال شعور الراحة مسيطرًا عليها : 
- بحبك  . 
ابتسم برضا وتنفسها بود  ،  كلمتها طمأنته وزادته ثقةً وتباهٍ لذا نطق بنبرة متحشرجة وهو يغمض عينيه مثلها  : 
- وأنا بحبك  ،  وبشكرك على الإحساس ده  ،  تصبحي على خير  . 
ليغفو بعد ذلك وتغفو بين جنبات صدره وكلٍ منهما يعيش الشعور ذاته مجددًا عبر مخيلتهما  . 
❈-❈-❈
توجهت منال ومعها دينا وبسمة إلى منزل صالح بعدما أخبرتها دينا  ،  ما إن دلفن المنزل حتى وجدن الجيران يساندون صالح في حزنه وقد وقف يستند على باب الغرفة الموجود فيها جثمان والده  . 
يقف بثباتٍ ظاهري كأنه اعتاد ولا يعلم ما في قلبه أحد  ،  لا يدرك إحساسه أحد  ،  هو لا يحب أن يظهر ضعيفًا  ،  لو أظهر جزءًا ضئيلًا من ضعفه سينهار لذا يقف ينتظر مجيء السيارة التي ستنقله  . 
يجلس أمامه عمه يستند على ذراعه ويبكي  ،  فراق شقيقه الوحيد مؤلم جدا عليه  . 
جلست منال وبسمة مع سيدات الحارة في غرفة جانبية بينما وقفت دينا على عتبة الباب تتطلع على صالح وحالته  ،  ترأف عليه كثيرًا فقد لمحت ضراوة الحزن في عينيه  ،  تعلم أنه يتألم  ،  هو يشبهها في إظهار عكس ما يخفي . 
نادتها منال بنبرة هادئة منزعجة من وقوفها الغير مبرر خاصة وأن الصالة معبأة برجال الحارة لذا زفرت بقوة والتفتت متجهة إليها وجلست بينها وبين بسمة لتجد أنظار اثنتين من سيدات الحارة مصوبة عليها وقد بدأ الغمز واللمز بينهما  . 
مالت عليها بسمة وتساءلت بهمس  : 
- كلمتي داغر يا دينا  ؟ 
تحمحمت وأجابتها بهمس مماثل متجاهلة نظرات الجارتين  : 
- موبايله مقفول يا بسمة وده أكيد لإنه دلوقتي في الطيارة  ، يارب يوصل بالسلامة صالح محتاجه أوي  . 
اومأت بتفهم وزفرت تردد داخلها 
( ليس صالح فقد  ،  أنا أيضًا بحاجته  ،  لقد اشتقت له كثيرًا  ،  ليأتي فقط  ) 
❈-❈-❈
مر حوالي ساعتين وترجل داغر من سيارة الأجرة على مشارف الحارة  . 
حمل حقيبته وتحرك في طريقه ليشعر بشيء غير مألوف يحدث حتى لمح شابًا يعرفه فأسرع إليه يردف بنبرة متـ.ـو.ترة  : 
- إنت فين يا داغر  ،  أبو صالح مـ.ـا.ت والحارة كلها عنده في البيت  . 
ركض داغر مهرولًا نحو منزل صديقه ليراه والحزن غلف ملامحه بعدما أدت السعادة دورها من أجل شقيقته  . 
وصل إلى المنزل فوجد زحامًا وبالفعل تجمعت الحارة للدعم والمساندة فمر من بينهم ليدلف المنزل فتعالت الصيحات بكلمة  : 
- داغر وصل  . 
ارتعش قلبها حينما علمت بمجيئه وأرادت رؤيته ولكن ألجماها المكان والزمان لذا تنفست بعمق لتنهض دينا وتقف مجددًا عند الباب لترى شقيقها وترى ماذا سيفعل مع صالح الحزين  . 
ظهر داغر الذي أسرع نحو صالح وبدون أي مقدمـ.ـا.ت ألقى الأخير بنفسه داخله فبادله الأول يعانقه بأخوية مفرطة ويربت على ظهره مرددًا بدعمٍ حزين  : 
- البقاء لله يا صالح  ،  شـ.ـد حيلك يا أخويا  . 
ربت صالح على ظهره بقوة وكأنه يخبر الجميع أنه بخير وأنه لن ينحني مهما حدث ولكنه أراد أن يفعل  ،  أراد أن يبكي في عناق صديقه  ،  ولن يفعل  . 
استكانت دينا قليلًا لذا التفتت عائدة لتباغتها منال بنظرة غاضبة لذا أردفت  : 
- قوموا نروح إحنا بقى طالما داغر جه  . 
أومأت بسمة مؤيدة وأرادت دينا أن تعترض ولكن منال قد نهضت بالفعل وتحركت نحو الخارج تخطو بتمهل وتبعتاها الفتاتان حتى عبرن للخارج  . 
بينما وقف داغر يساند صالح ويؤدي دروه بأصالة  . 
❈-❈-❈
صباحًا 
ترجلا سويًا إلى الأسفل كي يتناولا فطورهما ثم يذهبان للتسوق 
جلسا في المطعم الخاص بالفندق ينظران لبعضهما  ،  نظراته نحوها خبيثة تذكرها بما عاشاه ليلة أمس وما عاشاه صباحًا حينما اقتحم خلوتها في الحمام وهي تغتسل ليسقيها من بحر عشقه الصافي . 
تشعر أنها تحررت من قيود نفسية كانت تسكنها من ذلك الأمر للدرجة التي جعلتها تخشى ألا تعطيه المشاعر المطلوبة ولكنها تفاجأت قبله بمشاعر قوية انفجرت منها معه  ،  لتدرك أنه نجح في استخراج مكنونها ببراعة وتؤكد أنه يمتلك قدرة عالية في التعامل مع أنوثتها  . 
رجلٌ مختلفٌ في كل شيء حتى في عيوبه  ،  مثلًا تسلطه في أمرهما الخاص الذي أحبته  .
فهل يمكن للمرء أن يحب التسلط  ؟  كيف جعلها تحب عيوبه وكيف أقنعها  ؟ 
أسئلة هنا تفوق عقلها لذا التقطت نفسًا قويًا وانتبهت على النادل الذي يضع فطورهما ويغادر فتحدث ثائر دون النظر إليها  : 
- يالا افطري وكفاية تفكير مش هتوصلي لإجابة  . 
قطبت جبينها باندهاش فكيف علم ما تفكر به وتساءلت بعينيها فرفع أنظاره يتمعن فيها بقوة واسترسل بالفرنسية بهمس وهو يقرب نفسه منها قليلًا  : 
- هذا أحد أسراري  ،  سأجعلكِ تدمنين ذلك التسلط  . 
شهقة خرجت منها بشكلٍ لا إرادي وانكماش قبض على معدتها من تصريحه وسطوته عليها لتعض شفتيها بخجلٍ من سطو المشاعر المسلح الذي هاجمها لذا حدجها بنظرة محذرة بألا تفعل هذه الحركة فحررت شفتيها تتحمحم وبدأت تتناول فطورها بصمتٍ كان أبلغ رد على كلمـ.ـا.ته  . 
❈-❈-❈
عاد داغر وصالح والعم محمود إلى الحارة بعدما تم دفن والده في المقابر الخاصة بأهل المنطقة  . 
وقفوا بالقرب من الورشة وتحدث داغر بنبرة حزينة  : 
- تحب نعمل القراية هنا ولا عند البيت  ؟ 
هز صالح رأسه بلا يجيبه بانكسار يجاهد ليخفيه  : 
- ما إلو لزوم ياخو  ،  الله يرحمه ويجعل مئواه الجنة ويتقبله من الشهداء هو واخوتي وأمي  . 
أومأ محمود مؤيدًا وتحدث بحزنٍ سافر  : 
- صالح معو حق يا عمي  ،  خلينا نعملو صدقة جارية وبالأساس أهل الحارة عملوا اللي عليهن وزيادة  . 
صمم داغر على رأيه يردف دون جدال  : 
- مهو كدة كدة القراية هتتعمل لأبو صالح مافيش كلام  ،  ده حقه علينا،  وهنعمل بردو الصدقة الجارية إن شاء الله  . 
نظر له محمود بامتنان وأومأ بطاعة ليتابع داغر حديثه  إلى صالح  : 
- وانت يا صالح تعالى معايا يالا علشان ناكل لقمة وتدخل تنام شوية  ،  يالا يا عم محمود  . 
سحبه معه قاصدًا منزله ولكنه اعترض قائلًا برفضٍ قاطع  : 
- لا ياخو مش راح أكل إشي ،  أنا بدي أنام شوي  . 
التفت ليعود نحو منزله ومعه العم محمود الذي وافقه الرأي لذا تبعه داغر وهو يلتقط هاتفه ويتحدث إلى والدته التي أجابته بترقب  : 
- أيوا يا حبيبي سمعاك  . 
- معلش يا ماما جهزي غدا صالح وعم محمود وأنا هبعتلك بندق ياخدهم  . 
أغلق معها وتحرك يساند رفيقه ورافضًا عدم تركه أبدًا  . 
❈-❈-❈
في دبي 
خرجت سها تنوي رؤيته خاصة وقد علمت أنه مازال في الفندق  ،  تعلم أن عواقب ما تفعله ستكون وخيمة إن علم زوجها ولكنه لن يعلم  ،  ستراه وتحاول التحدث معه برغم أنها ترى الكره واضحًا في عينيه ولكن لا يهمها  ، يكفيها أن تراه مجددًا  . 
وصلت إلى الفندق في وقتٍ قياسي وترجلت ثم توجهت للداخل تنوي السؤال عنه ولكنها لمحته يجلس في المطعم وتجلس أمامه تلك السليطة  . 
تراكَم الحقد في مقلتيها وحاولت أن تهدأ والتقطت نفسًا قويًا وجاهدت لتخفي حقدها خلف قناع ابتسامة واتجهت نحوهما حتى توقفت خلفه تنظر إلى ديما التي رأتها وأمعنت النظر إليها لتقترب الأخرى من ثائر حتى قابلته تقول بتودد خبيث  : 
- أزيك يا ثائر  . 
لم يرفع نظره في عينيها بل لمح هيأتها ويكفيه صوتها لذا نظر إلى ديما وتحدث بابتسامة ظاهرية لم تشفع لعيني ديما التي رأت في عينيه الكره  : 
- خلينا نقوم علشان اتأخرنا  . 
نهض بعدها يلتفت ويتجاهلها بشكلٍ تام لتشعر بالدونية وتتلظى داخلها حمم الغضب وحاولت لفت انتباهه بأي شكل لذا نظرت إلى ديما التي نهضت وابتسمت تردف وهي تمد يدها  نحوها تستكمل خبثها : 
- أستاذة ديما  ،  أنا سها مرات أخو ثائر وبنت خاله ،  جيت مخصوص علشان أقابلك وأعبرلك عن إعجابي الشـ.ـديد بكتابك ومناظراتك القوية  ،  أخيرًا لقينا حد يتحدى أفكار ثائر ذو الفقار ويغير وجهة نظره عننا  . 
بنظرة هادئة شرحت لها ديما أنها تفهمها ولكنها لم ترد تجاهل يدها لذا بادلتها السلام تجيب باختصار ورتابة   : 
- أهلًا وسهلًا مدام سها  . 
انزعجت منها للحد الذي جعلها تود أن تصفعها ولكنها ابتسمت وسحبت يدها ثم عادت تنظر نحو ثائر الذي يواليها ظهره يداري غضبه وقالت بترقب  : 
- إيه يا ثائر مش عايز تسلم عليا ولا إيه  ؟ 
للمرة الثانية يقرر تجاهلها ويردف دون التفات  : 
-  مستنيكي برا يا أستاذة ديما  . 
غادر قبل أن ينحرها بكلمـ.ـا.ته أمام ديما وتحت نظرات الحضور لتبتسم لها الأخرى بحرجٍ وتردف وهي تنوي اللحاق به : 
- عن إذنك  . 
غادرت خلفه ووقفت سها تطالعهما وتتصارع مع الذل والهوان اللذان فازا عليها لذا عليها أن تنتقم على هذا التجاهل  ،  ولكن كيف سيحدث ذلك  ؟ 
أما ثائر فاستقل السيارة التي استأجرها وجاورته ديما تطالعه بترقب لتدرك أنه يصارع غضبه لذا مدت يدها تضعها على كفه القابضة بقسوة على التارة وأردفت  : 
- ثائر اهدى لو سمحت  . 
لم يسمعها ولم يشعر بلمستها إلا بعد ثوانٍ وهي تملس على كفه الذي لان قليلًا من أثر لمستها لذا زفر بقوة ثم التفت يطالعها بمقلتين التمعتا بوميض العشق الذي يظهره ببراعة برغم سكون ثورة الغضب خلفه ليردف بنبرة غامضة  : 
- أنا هادي يا حبيبتي  ،  إيه رأيك نروح نعمل شوبينج ونغير جو شوية  ! 
تـ.ـو.ترت قليلًا ولكنها جارته تبتسم وتومئ له فرفع كفها يقبله بتمهل أذاب تـ.ـو.ترها ثم احتضنه وتحرك يقود إلى وجهته ليتجاوزا ما حدث بسبب تلك الحقيرة كما نعتها داخله  .
❈-❈-❈
في بـ.ـاريس 
في النادي الرياضي 
جلست تطالع هذا الماثل أمامها والذي طلبت رؤيته  ، تدخن سيجارتها وتنفث دخانها في الهواء بتعالٍ يلازمها  ، يطالعها بعينين متسائلتين عن سبب اتصالها به بعد كل ما فعلته  . 
ابتسمت بغنج وحاوطت خبثها بجرأتها وهي تتحدث  : 
- أراك بصحة جيدة توماس  ،  وهذا يعجبني  . 
بابتسامة مماثلة لا تدل سوى على التحدي والتصالح لأجل المصالح المشتركة بينهما ليردف  : 
- نعم مارتينا أنا كذلك  ، والآن دعكِ من صحتي وأخبريني ماذا تريدين  ،  أم هل تنوين قـ.ـتـ.ـلي مرة أخرى  ؟ 
قهقهت بلا داعي لتجيبه بتمهل  : 
- أنا لا أصوب سلاحي تجاهك توماس  ،  ذاك كان سلاحك أنت وأنا فقط دافعت عن نفسي  ،  ولكن دعنا ننسى ما حدث ونبدأ صفحة بيضاء سويًا  . 
يدرك نواياها جيدًا لذا تساءل بشكلٍ مباشر لا ينتمي له  : 
- ماذا تريدين مارتينا  ؟ 
عادت تسحب دخان سيجارتها ثم زفرته عاليًا واستطردت  : 
- ثائر  ، أريده نادمًا  . 
ابتسم لأنه يدرك أن هذا ما تريده بالفعل خاصة بعدما وقع الآخر في الحب لذا نطقها بشكلٍ صريح يحمل بين طياته التشفي  : 
- هل هذا لأنه وقع في الحب  . 
تقلب جسدها بخليط من الغضب والغيرة ونطقت تبصق الأحرف  : 
- إياك أن تقولها أمامي توماس  ،  سينـ.ـد.م وسيعود لي عاجلًا وليس آجلًا  ،  وأنت ستساعدني  . 
قهقه عاليًا على ثقتها ونطق  : 
- ولمَ سأفعل  ؟  أنسيتي أنني أحببتك ذات يوم بقدر حبك له وأنا أيضاً أردت أن تتذوقي النـ.ـد.م  ،  أرى أن هذا يحدث الآن لذا لماذا أساعدك  ؟ 
انحنت نحوه قليلًا وهمست بمكرٍ واضح  : 
- لأننا نريد الشيء ذاته  ،  لا تقول أنك لا تريده نادمًا وراكعًا أمامك  ،  لقد أخذ مكانًا ليس له وبدأ يتمادى معنا لذا يجب أن توقفه عند حده  ،  ولكن أولًا لنتخلص من تلك المصرية اللعينة  . 
ابتسم توماس ابتسامة شيطانية  ،  فقد رآها أثناء المبـ.ـاراة  ، وعلم أنها حبيبة الثائر ،  لا ينكر إعجابه بها  ،  هو يعشق المصريات ولكن بطريقته لذا فهي تعد فريسة صعبة المنال بالنسبة له وعلى ما يبدو أنها نقطة ضعفٍ لعدوه اللدود فلمَ لا يبدأ اللعب  ؟ 
أردف بنبرة مبطنة بالتحدي ولمعة الشر تضيء مقلتيه  : 
- حسنًا لنتفق  ،  ولكن بشروطي أنا  . 
باغتته بنظرة مطولة ثم ناولته كفها كدليل على موافقتها  ،  لا يهمها سوى الحصول على ثائر وإعادته إلى حجمه الطبيعي الذي كان عليه قبل اثنا عشر عامًا  ، وستفعل  . 
❈-❈-❈
ليلًا 
وقفت أمام المرآة تنظر لهيأتها الجميلة  ،  تبتسم حينما أمعنت النظر وقد عادت بذاكرتها إلى المرحلة الأجمل في حياتها إلى الآن وهي الثانوية 
كانت مفعمة بالحياة مثلما هي الآن 
ارتدت الفستان القصير الذي اشترته كما يرغب  ،  متناسق عليها كأنه صمم خصيصًا لها ولكنه  ...  قصيرٌ فأظهر ساقيها  . 
ساقيها العلوية الملطخة بالتجلطات الدموية التي خلفها ذلك المسمى بزوجها الأول  ،  هذه العلامـ.ـا.ت التي لم تزُل بعد خاصة مع تعثر نظامها الغذائي لتذكرها دومًا بما مرت به من مآسي معه  ،  كل بقعة مشبحة باللون الأزرق كان سببها الكتمان والكبت والصمت على نرجسيته وتسلطه وقسوته  . 
رفعت طرف فستانها تمعن النظر في تلك البقع الواضحة وقضمت شفتيها بحرجٍ من رؤية ثائر لهما ولكنها انتفضت حينما فتح باب الغرفة فجأة فرفعت رأسها تطالعه بملامح خجولة ثم ابتسمت وسعت لتسدل فستانها للأسفل أكثر ولكنه لاحظ حركتها فتقدم منها يبتسم على ملامحها الجميلة وابتسامتها وهيأتها في هذا الفستان الذي ابتاعاه سويًا   . 
توقف أمامها ورفع يديه يحاوط ذراعيها ثم تحدث بنبرة مغرمة  : 
- أتمنى إن اللي صممه تكون بنت لأن فكرة إن اللي صممه راجـ.ـل ولمسه قبل ما تلبسيه فكرة مؤذية أوي  ،   زينتي الفستان وزينتي حياتي يا ديما . 
جديدة تلك الهجمة المرتدة التي هجمت على قلبها وروحها  ،  جديدة وجميلة حيث مشاعر غريبة لا تميز ماهيتها ولكنها تجزم أنها شعرت بطعم الشهد يطوف لسانها منذ أن تزوجته . 
بنظرة امتنان تكفي العالم تمعنت فيه تشكره على كلمـ.ـا.ته ولم تستطع النطق  . 
ابتسم وانحنى فجأة يتكئ على ساقيه فجحظت حينما وجدته يرفع طرف الفستان ويتفحص ساقيها لذا أسرعت تنحني وتمسك بكتفيه مردفة بذهول وخجل جعلها تتشبح باللون الأحمر فباتت هي والفستان سواء  : 
- ثائر بتعمل إيه بس  ؟ 
أوقفها يطالعها بنظرة ثاقبة تحمل من الحنان ما يفيض وأردف بأمر يشوبه الترجي  : 
- ديما اصبري  ،  سبيني أشوف ده إيه  . 
حاولت منعه بضعف نسبةً لرجائه واستيطان جيشَا من المشاعر داخلها ولكنه كان لحوحًا لذا نهضت تقضم شفتيها بخجلٍ بلغ منتهاه حينما بدأ يتفحص ساقيها تحت الإضاءة الواضحة  وتسافر يده بتأنٍ على تلك البقع بعدما رآها بوضوح فعادت تهمس بضعفٍ وحرج من لمسته  : 
- ثائر لو سمحت  . 
أبعد يده عنهم لتلتقط أنفاسها حيث ظنته سينهض ولكنه قرب شفتيه منهم يقبلهم واحدة تلو الأخرى  ،  لو باستطاعته نزعهم أو إزالتهم سيفعل ولكن هذا جُل ما يستطيع فعله  ،  يقبلهم حتى يزول أي أثر حزن بها  . 
ارتعشت ولم تعد تعلم ماذا تفعل ولم تستطع تفسير ما يفعله معها لذا همست مجددًا حينما تعمقت قبلاته  : 
- ثائر علشان خاطري  . 
وخاطرها على عينه وقلبه ورأسه لذا نهض يبتلع لعابه ويحدق بها ثم حاوط خصرها ومال يقضم رقبتها بهمجية عاشق فارتعشت وانطوت معدتها تعجبًا مما يحدث لها مع هذا الرجل ، عاد يستطرد بمشاعر مزهرة بالشغف :
- فيه تمن سنين من عمرك مش لايقين عليكِ  ،  تسمحيلي أبدلهم يا فريستي ؟ 
قالها وعينيه مسلطة على شفتيها لأنه ينوي افتراسهما  ،  ينوي افتراسها كليًا  . 
ولو كان باستطاعته رؤية قلبها الآن سيراه يحلق في فضاء سعادتها التي عقدت لسانها  ،  لا تصدق أذنيها ولا عينيها ولا عقلها الذي يعيش كل هذا  ،  لقد ظنت أن الحياة لا تعطي سوى المعاناة ولكن يأتي ثائر ويثور لسنواتها الحزينة ويستبدلها  ؟ هذا كثير  بل لن تتحمله ولن تصمد أمامه أكثر  ، أمامها لحظات وتقع في براثن أفعاله المتيمة . 
يدرك مشاعرها ويدرك أنها على وشك السقوط لذا استقبلها لتسقط على قلبه وفي كنفه يحتضنها ويقبل شفتيها ويهمس لها بكلمـ.ـا.تٍ مشفرة لا تحتوي على أحرف بل مكونة من فراشات وملاطفات تزيل مُر ذكرياتها .
❈-❈-❈
عادا إلى منزلهما بعد رحلة سفرٍ كانت هي الأجمل على الإطـ.ـلا.ق  . 
توقفا أمام شقتهما وأخرج دياب مفاتيحه يستعد لفتح الباب ولكنهما سمعا الباب المقابل لهما يفتح وتظهر منه رحمة مبتسمة تقول بترحاب  : 
- حمدالله على السلامة  ،  إيه الغيبة الطويلة دي  ؟ 
التفتا إليها يطالعانها بهدوء حيث كانت تقف وتحتضن صغيرها لتجيبها يسرا بتكلف وهدوء بينما التزم دياب الصمت  : 
- الله يسلمك يا رحمة  ،  عن اذنك لإننا راجعين تعبانين جدًا  . 
فتح دياب الباب وكادا أن يدلفا ولكنها عادت تستطرد بتلهف للحديث معهما خاصة وهي تشعر بالوحدة والملل  : 
- طيب قصي مش وحشك  ؟  معقول  ؟ 
زفرت يسرا بضيق من تعمدها استخدامها الصغير ليؤثر عليها لذا التفتت لها تجيبها بجدية بالغة  : 
- ربنا يبـ.ـاركلك فيه يا رحمة  ،  عن اذنك  . 
دلفت بعدها تتبع دياب وأغلقت الباب تزفر بقوة من تلك المتسلطة  ،  تعلم أنهما لا يريدان التحدث معها  ،  تعلم أنهما يتجنبانها ومع ذلك تلح للحديث معهما فلمَ تفعل هذا  ؟ 
ليتها ترحم ذاتها وترحمهما من هذا التعامل الجاف وتتوقف عن تلك الأفعال  . 
لاحظ دياب تجهم ملامح يسرا لذا وقف قبالتها وأمسك بكفيها يتحدث بابتسامة عاشق  : 
- احنا اتفقنا على إيه  ؟  مش قولنا مش هنسمح لحد يعكر مزاجنا  ؟ 
أومأت له فمال يقبل شفتيها قبلة ناعمة ثم ابتعد يسترسل  : 
- يالا تعالي ندخل ناخد شاور وننام علشان هصحى بدري أروح الشغل  . 
أومأت له بتفهم وتحركت معه نحو غرفتهما وهما يحاولان تجاوز ما حدث  . 
أما رحمة التي جلست تفكر وتبكي على ما وصلت إليه من ذل  ،  مهما حاولت التقرب منهما وجدت سدًا منيعًا سواء من يسرا التي تحقد عليها أو من دياب الذي تتمنى رجلًا مثله  ،  أو هو  . 
نظرت لطفلها الذي ينام في سريره الهزاز والذي ينشغل بالألعاب المعلقة لتفكر  ،  هل ستظل هكذا وحيدة دون قريب أو حبيب  ؟ أم هل تحاول مجددًا التواصل مع توماس  ؟ 
نفضت رأسها سريعًا فإن علم بها وبطفلها من المؤكد سينهي أمرهما  ،  لقد حذرها ويجب عليها أن تخاف منه بعدما رأته  ،  يجب عليها أن تجد رجلًا يحبها ويدللها ويعامل طفلها بحنان  . 
تفتقد وجود رجلٍ كثيرًا خاصةً مع تجنب الجميع لها حتى عائلتها  . 
❈-❈-❈
فجرًا  . 
تململت في نومها حينما شعرت بالخواء لذا نظرت جانبها فلم تجده فتعجبت ورفعت جسدها تنادي عليه بترقب  : 
- ثائر  ؟ 
لم يأتِها رد لذا قطبت جبينها وترجلت تخطو نحو الحمام تبحث عنه فلم تجده فزاد تعجبها وعادت تناديه بعلو ولكنه ليس هنا  . 
توغلها الخوف واتجهت تستل هاتفها لتحاول الاتصال به ولكنها وجدت منه رسالة نصية يخبرها أنه نزل يصلي الفجر وسيعود  . 
الأمر غريبًا بعض الشيء بالنسبة لها  ،  نعم سعدت كثيرًا بمواظبته على صلاته ولكن الآن لا تعلم أن وراء غيابه سببًا آخر لذا قررت الاتصال عليه لتتفاجأ بهاتفه مغلق فما كان منها إلا أن تتجه لتغتسل وتتوضأ وتصلي وتنتظره ليشرح لها  . 
❈-❈-❈
سطعت شمس المدينة وتجاوزت السادسة وقد انتهت من فرضها وأذكارها و هو لم يأتِ بعد وهاتفه مغلق لتشعر بالضيق الذي جعلها تنتج أسوء السيناريوهات لذا قررت أن تنزل للأسفل وتتمشى قليلًا ربما هدأت حتى لا تستقبله بتجهم  . 
بالفعل ارتدت ملابس مناسبة وتحركت نحو باب الجناح تفتحه وما إن اندفعت نحو الخارج حتى اصطدمت بصدره يظهر أمامها لذا لف يديه حولها مستغلًا صدامها وطالعها بنظرات متفحصة وتساءل  : 
- رايحة فين يا ديما  ؟ 
دارت حول ملامحه تتفحصه لتلمح في عينيه التعب وغمامة حمراء نتجت عن الإرهاق مصاحبة بوميض حزين لذا أجلت معاتبتها وسألته باهتمام وحنين  : 
- مالك يا ثائر  . 
هذا ما يريده الآن لذا دلف بها إلى الداخل وأغلق الباب وسمح لجسده أن يحتويها ولجسدها أن يحتوي قلبه  . 
وضع رأسه على كتفها يغمض عينيه والتزم الصمت لتبادله وتربت على ظهره بتعجب وتدرك أن هناك شيئًا أحزنه أو أرهقه لذا ظلت تملس على طول ظهره بيديها حتى مر عدة دقائق فابتعد يحدق بها ثم أردف بهدوء  : 
- احنا هنرجع فرنسا النهاردة يا ديما  . 
بملامح ثابتة أخفت دهشتها وسألته وهي تبتعد خطوة للوراء  : 
- ليه  ؟  إنت قلت هنقعد أسبوع  . 
في هذه اللحظة كان مضطرًا للاستحواذ على عاطفتها لذا مط شفتيه وأمسك بمعصمها يسحبها إلى الأريكة وجلسا عليها ثم بتركيز تام قال بنبرة مغلفة بالحزن  : 
- من وقت ما شوفت أحمد وأنا بفكر  ،  وخصوصًا بعد اللي حصل إمبـ.ـارح أنا متأكد إنها هتحاول تدس سمها زي كل مرة والموضوع مش ناقص  ،  علشان كدة قلت أنزل أصلي الفجر واستنى شوية وأحاول أشوفه  . 
صمت لثوانٍ فتساءلت بانتباه  : 
- وبعدين  ،  شوفته  ؟ 
تمعن بها ثم أطرق رأسه يومئ بلا ويجيب  : 
- للأسف رفض  . 
عاد يطالعها ويستطرد  : 
- علشان كدة خلينا نرجع فرنسا  ،  إحساس صعب جدًا إني أكون في مكان واحد أنا وهو ومش قادر أكلمه  ، ده غير إني مش عايز أشوف الإنسانة دي تاني في أي مكان . 
بالرغم من أنها لم تجرب إحساسه إلا أنها تعلم مدى صعوبة ما يشعر به لذا وافقته الرأي وأجابته بنبرة مطمئنة يتوغلها الحزن  : 
- تمام يا حبيبي خلينا نرجع  ،  المهم تكون مرتاح  ،  وقريب جدًا ربنا هيزيل من على عيونه الغمامة وهيفوق  ،  صدقني ده إحساسي  . 
تحول الحزن في عينيه لذنبٍ داهمه لذا ابتسم ونزل بنظره نحو شفتيها فلاحظت نظراته لذا قضمتهما بخجل فتولى مهمة تحريرهما بشفتيه فمن ذا الذي يقدر على أسرهما أمامه  ،  إنهما حرتان مادامتا في حضرته  ،  تتمتعان ما دام يدللهما ويدغدغهما بخاصته  ،  تعطيانه طعم الشهد فلا يشبع منهما لا صباحًا ولا مساءً  . 
وجدت نفسها على الفراش فشقهت من صدمتها حيث لا تعلم متى حملها ونقلها وكأن الوقت أمام تسلطه ينكسر لتبدأ يديه تنفيذ مهمتها الرسمية لتجده يحتويها ويهمس بالفرنسية عند أذنها بإثارة جعلت معدتها تتلوى استمتاعًا  : 
- سألتهمك بطريقتي أيتها الفريسة حتى تتشابك العروق مع الأوردة في جسدكِ هذا   . 
❈-❈-❈
عاد داغر إلى المنزل ليرى والدته وشقيقته وحبيبة قلبه  .
منذ أن عاد من سفره وهو لم يتسنى له رؤيتهن جيدًا  ، عاد العم محمود صباحًا إلى كاليفورنيا وصمم صالح على النزول  إلى الورشة  . 
طرق الباب فشعرت بسمة أنه هو لذا توجهت لتستقبله وتفتح له بنفسها وحينما وجدته أمامها ابتسمت وتعلقت على طرف لسانها كلمة الاشتياق لذا تنفست بقوة كي لا تسقط منها ونطقت بدلًا عنها  : 
- حمدالله ع السلامة  . 
بمقلتين ممتلئتين بالحنين والشوق أجابها  : 
- الله يسلمك يا بسوم  . 
أسرعت دينا نحوه تعانقه فبادلها العناق حتى كادت أن تبكي برغم أنه لم يغب عنها كثيرًا ولكنها أدركت أنها بدونه مشتتة  ،  تحتاجه كثيرًا ليتصدى لذلك اللوتشو ولكن لتتمهل قليلًا لذا ابتعدت تطالعه وسألته باهتمام عفوي  : 
- صالح عامل إيه دلوقتي  ؟ 
أومأ يجيبها تحت نظرات بسمة التي شردت في عناقه لشقيقته وسحبتها مخيلتها إلى عناقٍ مماثل ولكن بشعورٍ مختلف  ،  ماذا إن حاوطها بذراعيه هكذا فهل ستشعر بالأمان كما أرادت أن تشعر دينا  ؟ 
تحدث داغر بهدوء وهو يدلف ليرحب بوالدته  : 
- كويس يا دينا الحمد لله  ،  ربنا يصبره  . 
استقبلته منال بعناقٍ أيضًا وابتسمت تردف بحنين  : 
- وحشتنا يا داغر  ،  نورت البيت يا حبيبي  . 
- منور بيكم يا ست الكل  ،  عاملين إيه  ؟ والولاد عاملين إيه  ؟ طمنوني فين حاجة حصلت في غيابي  ؟ 
نظرت دينا إلى منال تسألها هل تخبره لتمنعها الأخرى بنظراته بأنه ليس الوقت المناسب لذا استرسلت هي  : 
- لا يا حبيبي كل حاجة تمام  ، يالا علشان نفطر  . 
توجه نحو مائدة الفطور يجلس عليها واتجهتا دينا وبسمة خلف منال لتساعداها لذا التقطت بسمة طبق الفول واتجهت تضعه على المائدة فنظر إليها ليلمح طيفًا حزينًا يشع من ملامحها لذا تساءل مباشرةً  : 
- مالك يا بسوم  ؟ 
رفعت نظراتها إليه تبتسم وتجلى التعجب تقاسيمها تجيبه بسؤال مراوغ  : 
- مالي يا داغر  ؟ 
دقق النظر فيها وتابع  : 
- فيه حاجة حصلت وأنا مش هنا  ،  صح  ؟ 
لن تراوغ ولن تكذب فهي كانت قد قررت التحدث معه لذا التقطت نفسًا قويًا وأومأت تجيبه بهدوء وخجل  : 
- أيوا  ،  بس خلينا نفطر الأول وبعدين هنقعد نتكلم  . 
ظهور منال ودينا جعلاه يرضخ للجلوس وتناول الفطور أولًا ولكنه بات متلهفًا لمعرفة ماذا حدث معها في غيابه  . 
لم يمر دقائق حتى أعلن انتهاءه من الفطور فنهض يردف  : 
- الحمد لله  . 
التفت يطالعها ويسترسل  : 
- بسمة خلصي فطارك وتعالي نتكلم شوية في البراندا لو سمحتِ  . 
أومأت له بحرج أسفل نظرات دينا ومنال التي سعدت وتنمت لو يفصح ابنها عن مشاعره ويريح عذابه وعذاب هذه الفتاة التي أحبتها كثيرًا  . 
دقائق أخرى وتحركت بسمة نحو الشرفة لتجده يجلس في انتظارها  ،  الجلوس هنا مريح خاصة وأنها محاطة بساتر زجاجي يمنع رؤية من في الخارج لهما لذا جلست أمامه فتحدث مباشرةً  : 
- قولي علطول عملوا إيه  ؟ 
- مين  قصدك  ؟ 
سألتها بتعجب من سؤاله ليجيبها بتأكيد بعدما اشتدت عروقه : 
- هيكون مين غير عمك وابنه يا بسمة  ،  اتكلمي علطول علشان أنا على أعصابي  . 
تنفست بعمق وحاولت أن تتريث لذا نطقت بحكمة  : 
- لاء ماهو أنت مادام على أعصابك يبقى مش هتكلم  ،  لازم تهدى وتسمعني كويس يا داغر ولو سمحت بلاش اندفاعك ده لإن فعلًا الموضوع محتاج تأني  . 
مسح على وجهه يستغفر ثم عاد يطالعها وأردف بهدوء  : 
- طيب قولي سامعك  . 
تنفست بعمق ثم قررت أن تقص عليه ما حدث فقالت  : 
- ماجد جه الحارة واتكلمنا وقال إنه عايزني أرجع الفيلا  ،  طبعًا الصح ظاهريًا إني أرجع وإن قعادي هنا مش صح ومش نافع خصوصًا إنك قاعد عند صالح بس أنا مابقتش قادرة أعيش معاهم يا داغر  ،  مش بعد ما لقيت حنية خالتو منال ولهفة مالك ورؤية معايا وصداقة دينا  ،  هرجع لهناك إزاي وأعيش الإحساس الكئيب اللي كنت عايشاه وسطهم ده  ؟ 
- يبقى مـ.ـا.ترجعيش طبعًا  . 
نطقها بفرحة واندفاع وبدون تفكير لتتنفس وتجيبه  : 
- للأسف صعب جدا  ،  تعرف قالي إيه  ؟ 
قطب جبينه ينتظر تكملة حديثها فتابعت بترقب وتـ.ـو.تر من ردة فعله  : 
- قال إن أونكل نبيل ممكن يضغط عليا بيك لو أنا مارجعتش  . 
حرر لسانه مستنكرًا يتساءل  : 
- يضغط عليكي بيا  ؟  اللي هو إزاي يعني  ؟ 
نطقت والخوف سكن جدران ملامحها  : 
- مش عارفة بس حسيته تهديد  ،  وأنا مستحيل هقبل إنك تتأذي بسببي  . 
نهض يردف بهياج وعصبية مفرطة  : 
- وانا مستحيل هسيبك تروحيلهم تاني  . 
لا يعلم من أين أتته هذه الجسارة ولكن ربما من مكوثها لفترة في منزله واعتياده على كونها فردًا من عائلته بات مسؤولًا عنها لذا نظرت له نظرة ثاقبة وأردفت بنبرة مؤكدة  برغم السعادة والطمأنينة التي توغلتاها : 
- اهدى واقعد علشان نلاقي حل . 
زفر بضيق ولكنه رضخ لرغبتها فعاد يجلس ويتابع بنبرة جادة  : 
- بصي يا بسمة الشقة اللي فوق هتتأجرلك وتقعدي فيها وده علشان تكوني مرتاحة وهتكوني هنا في حماية ربنا ثم حمايتي وأي حد منهم لو راجـ.ـل يقرب  ، وابن عمك ده أنا هعرفه مقامه . 
هزت رأسها تتنفس بضيق وتابعت بترقب وعينيها تتفحص عينيه  : 
- مش هينفع يا داغر  ،  أنا فعلا نفسي اعمل ده بس عمي مش هيسكت  ،  ده غير أنه ممكن يئذيني في الشركة وسط الموظفين علشان اقبل ارجع  ،  وممكن فعلًا يئذيك وده اللي مش هتحمله أبدًا  ،  ماينفعش أبقى هنا خصوصًا إن مافيش صفة رسمية لدة  . 
تجرأت ونطقتها هي وباتت الآن الكرة في ملعبه لذا حدق بها وصمت لهنيهة يستكشف مغزى حديثها وبرغم إحساسه بأنها تتعمد ما فهمه إلا أن الخوف جعله ينتظر ويحدق بها لدقائق تصارعت فيها القرارات في عقله ليردف بعدها دون تردد  : 
- إيه رأيك لو نكتب كتابنا أنا وانتِ  ؟ 
الدهشة والسعادة تكونتا في مقلتيها وهي تطالعه لثوانٍ قبل أن تتساءل بتلعثم نتج عن تـ.ـو.ترها  : 
- إزاي  ؟ 
لم ينتظر منها الموافقة السريعة ولكن سؤالها شتته لذا تـ.ـو.ترت نظراته وزفر بقوة ونطق وهو ينهض ويستعد للمغادرة أو الهرب  : 
- فكري كويس الأول وأنا معاكي في الحالتين يعني مـ.ـا.تقلقيش  ،  أنا بس لازم انزل الورشة دلوقتي علشان صالح  . 
غادر يتعجب من نفسه وكيف نطق هذا الحل  ،  ربما هو بالنسبة لها حلًا ولكنه بالنسبة له استغلال  . 
استغل الموقف ليقترب منها  ،  ليحميها  ،  لتكن معه بأي شكلٍ كان لذا فر هاربًا لأنه لا يمتلك تبرير لعرضه المفاجئ  ، نطق الحل وعرض الأمر وعليها أن تفكر وتخبره حتى لا تظنه يستغلها ماديًا  .
أما بالنسبة لعمها وابنه فيكفيه أن تقبل وما بعد ذلك سيكون عهدًا على عاتقه  ، سيقف لهما مثل الشوكة في الحلق وليريهما من هو داغر الصابر الذي يهددانها بأذيته . 
❈-❈-❈
مساءً وبعد سفرٍ طويل اتجها سويًا بسيارته التي تركها في المطار آنذاك وقاد نحو منطقتهما  . 
وصل أمام منزلها فترجل يحضر شنطتها من صندوق السيارة وترجلت تخطو نحو منزلها ليتبعها ويضع الحقيبة عند الدرج ثم نظر إليها نظرات ماكرة يردف مبتسمًا  بغمزة : 
- أشوفك بكرة في المجلة إن شاء الله  ،  تصبحي على خير  . 
لم تستطع إخفاء ابتسامتها وحماسها لذا تنفست تجيبه  : 
- وانت من أهله  . 
التفت يستقل سيارته واتجهت تفتح باب منزلها ودلفت وتحرك هو إلى منزله  . 
أغلقت الباب خلفها واتجهت نحو الأريكة تضع الحقيبة ثم نظرت حولها وهجمت عليها ذكرى ذلك اليوم لتنفض رأسها وتتذكر أنه معها إذًا فهي بخير لذا استلت هاتفها وجلست تتحدث مع طفليها مكالمة دامت لعدة دقائق ثم أغلقت ونهضت تتساءل لما لم يأتِ  ؟ هل غفا  ؟   
ابتسمت بخفة حينما تذكرت غمزته لتتأكد أنه لن يغفو ولكنه سيكون هنا في أقرب وقت لذا تنفست بعمق وقررت أن تدلل نفسها  . 
تحركت نحو حقيبتها وفتحتها تستل منها حقيبة صغيرة بها مشتريات العناية الشخصية ثم انتشلت قميصًا ورديًا مناسبًا لقضاء ليلة رومانسية وتحركت نحو غرفتها لتغتسل وتتجهز قبل أن يأتي  . 
دلفت الحمام وتجردت من ثياب سفرها ووضعتهم في السلة لتظل بقميصٍ كريمي اللون قصير بعض الشيء بحمالات رفيعة لذا وقفت أمام المرآة العلوية للحوض وفتحت حقيبتها تخرج منها غسول البشرة وبدأت تعتني ببشرتها العناية التي تسبق الاستحمام ثم انتشلت شرائح شمعية وصبغة توريد القدمين وتحركت نحو المرحاض تجلس فوقه وشمرت عن ساقيها لتبدأ في العناية بهما  . 
كانت منـ.ـد.مجة فيما تفعله وخصلاتها القصيرة تمردت عليها فغطت رقبتها وكتفيها خاصةً وأنها تطرق رأسها ليتسنى لها العناية بساقيها جيدًا  . 
شقهت حينما ضلل خياله على ما تفعله ورفعت بصرها تطالعه وقد شعرت بالخجل ولكنه لم يمهلها وقتًا بل تقدم منها بعيون مفترسة ومشاعر متضخمة فشقهت حينما انتشلها في عناقٍ لتسقط منها الأغراض لذا ضحكت وازدادت قهقهاتها المختلطة بالمتعة حينما انحنى على رقبتها يترك عليها علامـ.ـا.ت عشقه وسبل نجاته لذا تعلقت به ولفت ذراعيها تعقدهما حول رقبته وتردف بنبرة مدللة من أثر ما يفعله  : 
- ثائر استنى بس لما أخلص اللي كنت بعمله  ،  يالا أطلع استناني برا  . 
بالطبع لن يطيعها بل استمر في رسم خريطته عليها ليتجه نحو أذنيها ويهمس برغبة ملحة وبالفرنسية كعادته في الغزل  : 
- لا يحق للفريسة أن تشترط الانتظار  ،  الفهد جائع  . 
انتزعها نحو حوض الاستحمام وفتح صنبور المياه و تساقطت المياه عليهما كالمطر ليعطيها إحساسًا بأنه الغيث الذي جاء بعد سنواتٍ من تصحرٍ مشاعرها وبالفعل حينما أخذت هذا الشعور لم تبخل في إعطائه شعورًا من النعيم الذي تمتلكه من رقتها ونعومتها ولمسات يديها وهمسها باسمه المثير ثائر   . 
❈-❈-❈
في الصباح توجها إلى المجلة سويًا ودلف كلٍ منهما مكتبه بهدوء بعدما اتفقا على عدم إشهار زواجهما الآن  . 
عاصفة هوجاء اندفعت داخل المجلة حيث ظهرت مارتينا تخطو بحدة متجهة إلى مكتب ثائر ودون أي استئذان فتحت المكتب وصفعته بقوة انتبهت ديما على إثرها في مكتبها فانتفضت وتوقفت تتجه إلى النافذة الداخلية وتنظر منها فلاحظت همهمـ.ـا.ت الموظفين وخربش الفضول عقلها ولكنها قررت العودة إلى مكتبها وإرسال رسالة إلى ثائر  . 
وقفت مارتينا أمامه بملامح يشع منها الغضب ولولا قوته لكان احترق بنيران نظراتها لذا حدجها بنظرة عميقة ثم أردف مرحبًا وهو يخط بقلمه بعدما أبعد أنظاره عنها   : 
- أهلًا مارتينا  ،  ما هذه العاصفة التي أتيتِ بها  ؟ 
تحركت نحو مكتبه وصفعته تنحني وتردف من بين أسنانها  : 
- هل أقمت معها علاقة  ؟  وإياك أن تنكر ثائر  ،  أنت معها منذ أسبوعٍ وسافرت معها لحضور مناظرات لعينة مثلكما  ،  أنت كذبت علي واستهونت بذكائي  ،  أخبرني الآن هل فعلت  . 
ابتسم بجانب فمه ثم دقق فيها بمقلتين قاتمتين وأجابها بثباتٍ مستفز  : 
- نعم فعلت  . 
لمح الجنون في عينيها فاسترسل قبل أن تقذفه  : 
- مثلما فعلتِ مع توماس مارتينا  ،  انتقمت منكِ  ...  ومنها  . 
برغم اندلاع حريق التملك داخلها إلا أنها ألجمت جنونها ونطقت من بين أسنانها  : 
- ولكنني فعلت ذلك من أجلك أيها الغـ.ـبـ.ـي  . 
أومأ يجيبها بثبات وعينيه لا تفارق عينيها بنبرة متقنة يضغط على كل حرفٍ يخرج منه : 
- وأنا كذلك  ،  انتقمت منكِ لتعيشي نفس الشعور مارتينا  ، وفعلتها معها لأكسر شوكتها وتكف عن تحديها لي  ،  يعني أنني ضـ.ـر.بت عصفورين بحجر واحد  . 
الهدف الثاني جعلها ترتد وتجلس وعينيها لا تفارقه والتعجب باديًا على ملامحها لتحاول فك شفرة كلمـ.ـا.ته لذا تساءلت  : 
- كيف ذلك  ؟  إياك ثائر  ،  إياك والتلاعب معي فأنا لست كتلك الحقيرة  . 
ازدرد ريقه وابتسم يجيبها  : 
- تزوجتها  . 
صمتها لا يعني شيئًا سوى الهلاك لذا تابع يوضح  : 
- لم يفلح معها نفس الطريق الذي سلكتيه مع توماس لذا قررت الزواج منها  ،  ولهذا دعينا نعترف أنها ليست حقيرة  ،  هي تظن أنها محصنة وأتت لتتحداني وتثبت قوة المرأة العربية وتطيح بأفكاري واستنتاجاتي وآرائي لسنوات عرض الحائط لذا كان علي أن أعلمها درسًا لن تنساه  ،  وقريبًا جدًا سأكسر شوكتها أمام الجميع وسأظهر ضعفها بشكلٍ لن تستطيع النهوض بعده مجددًا .
انتهى الفصل
يتراقص لحن الحب بقلبي بسلام
وتتراقص حول الحب بقلبي الآلام
كيف أنجو بقلبي 
كيف أنجو بحبي
أبيع مامضى من عمري
وأبيع الآتي منه
لأعيش معك لحظة.. فقط لحظة
لحظة معك تساوي عمرا... 
والحب معك لا يُساوى بشيئ ولا يثمن.. 
اعلمي أني لأجلك سأحرق وأهدم و أَكْسِر
ولأجلك أيضا سأحترق وأَنْهَدم  وأنكسر.. 
لطالما إنبهرت بكلمـ.ـا.تي... 
لا تقرئي بعد اليوم كلمـ.ـا.تي... فهي ستؤلمك
أنظري لعيني واقرئيني أنا...
( بقلم فيروزة   ) 
❈-❈-❈
أنهت صلاتها وخرجت من غرفتها تبحث عنه لتجده يقف في المطبخ مجددًا يعد الطعام لهما لذا تنفست ووقفت هي هذه المرة تتأمله وهو منشغلٌ ، نشيط ومراعٍ وحنون لذا لن تجعل ذلك الكابوس يؤثر على سعادتها بالرغم من أنه جزءًا من مشاعرها ، قبل أن تصلي كانت تشعر أن هناك موَلدًا للطاقة السلبية يعمل داخلها ولكنها الآن أقل خوفًا لذا اتجهت إليه وأرادت أن تكافئه على ما يفعله فاحتضنته من ظهره ووضعت رأسها عليه تغمض عينيها لتستريح ، تنهيدة قوية وصلت إليه فبادلها بتنهيدة أكبر وترك مافي يديه واحتضن كفيها التي حاوطته بهما ووقف يرفع رأسه ويفكر وحينما لم يجد شاطئًا آمنًا يهتدي إليه التفت لها ورسى في حـ.ـضـ.ـنها وانحنى مقبلًا عنقها قبلة تلو القبلة تلو القبلة مغمغمًا بحبٍ كبير فتجاوبت معه فحملها فابتسمت وظنت كالعادة أنه سيتجه بها نحو عشهما ولكنها تفاجأت حينما وضعها على رخامة المطبخ لتطالعه بتساؤلات تخفي حنقها من إحباط مشاعرها ولكن كما هو كاتب ماهر فهو كذلك قارئ بـ.ـارع لذا غمزها وقرص وجنتها يردف بابتسامة هادئة وغمزة : 
- نتعشى الأول . 
ابتسمت بتورد وجنتين حينما أدركت أنه استشف أمرها ، ألهذه الدرجة باتت مقروؤة له ؟ أم أنه يعاقبها على مافعلته له آنذاك  ؟ 
تحدثت وهي تحاول النزول : 
- طيب خليني أساعدك  ! 
ثبتها بكفيه يعترض بنظره فأومأت فالتفت يكمل ما كان يفعله حيث أنه يحضر شطيرتين وعصير برتقال طازج . 
انتهى سريعًا وناولها الكوب الخاص بها وكذلك الشطيرة ووقف أمامها مباشرةً يأكل وتساءل وعينيه تحيط عينيها : 
- نسيم قالك إيه ؟ 
سؤاله حمل غيرة تحيط بها الثقة فشهقت بخفة حيث أنها نسيت أمره تمامًا لذا أردفت تسرد وقد بدت منزعجة : 
- إزاي أنسى حاجة زي دي ؟ هو كلمك ؟ أكيد عرفت اللي حصل ، إنت لازم تعمل حاجة يا ثائر ، مستحيل نسمح لهم إنهم يوقعوك بالشكل ده . 
التقط كفها القابض على الشطيرة ورفعه يلثمه ثم عاد يصوب عينيه عليها وتحدث بمزاحٍ يشوبه اطمئنان لا يطمئن على الإطـ.ـلا.ق بل أثار الخوف داخلها أكثر : 
- محدش يقدر يوقعني ، وقتها هكشر عن أنيابي ومش هرحم حد فيهم . 
قالها وهو يكشر عن أنيابه بالفعل فانقبض قلبها وهجم الكابوس على عقلها مجددًا لتبتسم وتتساءل : 
- يعني هتعمل إيه ؟ 
لاحظ خوفها فحرر خبثه يردف : 
- كلي الأول واشربي العصير وبعدين هقولك ، ماقولتليش إيه رأيك في السندوتش ؟ 
- تحفة . 
قالتها وتبعتها بقضمة تلوكها وفعل مثلها إلى أن انتهيا فأنزلها والتقط ثغرها في قبلة متقنة وضع أسسها في عقله منذ أن بدأت تلوك الشطيرة لتحيط رقبته وتبادله بمحبة لتجد نفسها بين يديه ولم يخب ظنها هذه المرة حيث توجه بها نحو عشهما فحلقت بسعادة وهبطت على جنة من المشاعر حينما بدأ يحرر شفتيها ويتجه لعنقها وحينما تأوهت كشر عن أنيابه وقضمها فاختلط حلمها بمشاعرها لذا شعرت بهجوم مفاجئ من الخوف ولا إراديًا أبعدته عن عنقها ولأول مرة تشعر بالاختناق وكأنه بالفعل كان ينهل من دمائها لذا تعجب وهمس عند أذنيها مسحورًا بها ومأخوذًا داخل دوامة مشاعر تغلبت على تعجبه : 
- وجعتك ؟ 
أومأت له فهمس : 
- أنا آسف . 
أنهى اعتذاره بحنانٍ ورقة متناهية في التعامل معها فالتقطت نفسًا تلاحق به الهجوم الكاسح للمشاعر الذي كانت تنتظره ليعيشا معًا السلام الممتع  . 
❈-❈-❈
يعلم أنه انشغل الأيام الماضية مع صالح وهذا يجعله يشعر، بالذنب تجاه شقيقته وبسمة ولكنه يحاول من أجلهما  . 
منذ أيام وهما يعملان بجدٍ لشراء الأرض وقد قام داغر ببيع سيارته وعما قريب سيبيع الورشة أيضًا  . 
اتجه إلى منزله ليرى شقيقته حيث قرر اصطحابها في صباح الغد إلى الشركة لتقديم استقالتها  . 
انتظر إلى أن باتت الساعة الحادية عشر حيث هدأت الأجواء قليلًا في الحارة  . 
طرق الباب ففتحت له منال تبتسم وترحب به بحنان فدلف يتساءل بعينيه عن الجميع فأردفت بهدوء وهما يتجهان ليجلسا  : 
- الولاد ناموا وزعلوا انهم مش شافوك النهاردة  ،  ودينا كمان نايمة من بدري وغلبت أنادي عليها تصحى تقولي سبيني  ،  وبسمة في أوضتها بتحضر اجتماع أونلاين مع الموظفين بتوعها  . 
أومأ بتفهم وتنهد بعمق فسألته بترقب وهى تملس على ظهره بحنو  : 
- مالك يا حبيبي  ؟ 
بادلها الحركة وأجابها برصانة  : 
- زي الفل يا ست الكل بس النهاردة كان يوم طويل ولفينا كتير أنا وصالح  ،  بس الحمد لله كدة الأرض خلاص لسة بقى التراخيص ونتوكل على الله ونبدأ نبني المصنع  . 
رفعت كفيها وباتت تدعي له ولصديقه بقلبٍ سليم وهو يُأمن خلفها ثم نهض يردف بهدوء  : 
- هروح اصحي دينا  ،  عايزين بكرة نروح نخلص موضوع الشغل ده  . 
أومأت بتفهم فتحرك نحو غرفة شقيقته وطرقها ينتظر فلم تجِبه لذا فتح الباب ودلف ليجدها نائمة فاتجه ليوقظها ولكنه لاحظ احتقان ملامحها لذا تحسس جبينها بيده فتأكد من حرارتها لذا انفطر قلبه وناداها وهو يرنو منها  : 
- دينا  ؟  إنتِ تعبانة  ؟ 
تمتمت وتململت في نومها تجيبه بنعاس ونبرة متحشرجة : 
- لا يا داغر أنا كويسة  . 
- كويسة إيه وشك أحمر اهو وصوتك رايح  ،  قومي لما اخدك للدكتور  . 
انكمشت وعادت تدثر نفسها تحت الغطاء بتذمر واعتراض فزفر بضيق وتحرك نحو المطبخ ليحضر وعاءً من الماء وقطعة قماش  . 
عاد إليها يحملهما ووضعهما على الكومود فانزعجت حينما رأته وقالت  : 
- يا داغر بقى  ،  هو أنا طفلة  . 
لم يعرها اهتمامًا بل عصر القطعة ووضعها على جبينها وثبتها يردف  : 
- أيوة طفلة  ، ده مالك ورؤية أعقل منك  ،  نفسي أفهم بتخزني النوم ده كله فين  ؟
جلس أمامها يتطلع على ملامحها وهي تطالعه بنصف عين ثم امسكت برأسها تتأوه  : 
- آه راسي تقيلة أوي  . 
زفر بضيق مما يصيبها  ،  لا يحتمل رؤيتها هكذا  ،  يحمل من الحنان ما يؤهله ليكون الشقيق الأفضل على الإطـ.ـلا.ق لذا نهض مجددًا وتحرك نحو الخارج ينادي والدته التي كانت تصلي فأتته متسائلة فقال بعتاب : 
- البت تعبانة يا ماما سيبينها كدة إزاي  ؟ 
تعجبت منال واتجهت لتراها لتردف مبررة  : 
- مالك يا دودو  ،  مش كنتِ كويسة ساعة الغدا  ؟ 
- أنا كويسة يا ماما داغر هو اللي بيأفور  . 
قالتها وهي تحاول النهوض ولكنها عادت تتألم فزفر داغر يردف بغيظ  : 
- مـ.ـا.تخلنيش أربطك في السرير  ،  قولنا تعبانة  ،  روحي يا ماما هاتلها حباية مسكن معلش وانا معاها أهو  . 
أومأت له وتحركت تغادر الغرفة وعاود يجلس أمام شقيقته العنيدة ويباشر حرارتها باهتمام ليردف كي يشغلها عن الألم  : 
- شـ.ـدي حيلك كدة علشان نروح بكرة نقدم الاستقالة دي  . 
أجابته بوهن  : 
- مش عارفة ليه المشوار ده بقى تقيل على قلبي  . 
أجابها بنبرته المطمئنة  : 
- متخافيش أنا معاكي  ،  تيجي نكلم ديما؟ 
أومأت له فالتقط هاتفه وحاول الاتصال على شقيقته الكبرى التي لم تجبه بل أعادت الاتصال به بعدما نهضت من بين قبضة ثائرها وتحركت ترتدي إسدالها وتجلس في الصالة لتتحدث بأريحية مع شقيقها  . 
❈-❈-❈
صباحًا في المجلة 
جلس كلٍ منهما في مكتبه سابحًا في أفكاره ، ثقلًا يكبح أنفاس ثائر ، ثقلًا يعلم مصدره ولكن لأول مرة لا يعلم كيف يواجهه . 
ثقل يدوس على طمأنينة ديما لا تعلم مصدره ولكنها تجاهد لتواجهه . 
يدٌ وحشيةٌ تعتصر منتصف صدرها مما يؤدي لانقباض معدتها خاصة وأن الكوابيس ترددت عليها ليلة أمس لذا شعرت صباحًا بأنها ليست بخير ولم تشتهِ تناول أي طعام ولكنه أرغمها على تناول الفطور فانجبرت لأجله . 
والآن يلازمها شعورًا بالغثيان وتحاول تجاوزه بأخذ أنفاسٍ قوية لذا نهضت من مقعدها واتجهت نحو النافذة المطلة على الخارج ووقفت تتطلع على المارة وحركة المرور عل معدتها تهدأ ولكن عبثًا . 
رفعت كفها تملس عند منتصف صدرها صعودًا وهبوطًا وتحركت تستل زجاجة المياه من فوق مكتبها وترتشف منها القليل ثم عادت تجلس وتحاول تجاوز تلك الحالة . 
طرقتين تبعها اقتحام مكتبها منه حيث أغلق الباب خلفه واتجه نحوها يردف بلهفة واضحة : 
- مالك يا ديما ؟ 
تعجبت من معرفته ولكنها لم تعد تندهش لذا حينما وصل إليها يتفحصها بعينيه أجابته : 
- أبدًا يا حبيبي كويسة بس تقريبا أخدت برد على معدتي . 
أومأ بتفهم وأردف بهدوء : 
- طيب قومي نروح للدكتور . 
هزت رأسها رفضًا وأجابته : 
- لا خالص الموضوع مش مستاهل ، روح يا ثائر على مكتبك علشان محدش ياخد باله . 
زفر بضيق ثم اعتدل يطالعها ويردف : 
- طيب قومي يالا هوصلك البيت . 
نظرت في مقلتيه فلمحت التصميم وهذا بالفعل ما تريده لذا أومأت ونهضت لتجده يستل معطفها ويلبسها إياه فسايرته بحبٍ والتقطت حقيبتها وتحركت معه نحو الخارج تتوارى خلفه عن الأنظار ، تشعر أنهم اكتشفوا أمرهما وربما هذا أحد أسباب تـ.ـو.ترها . 
خرجا من المجلة وأردف وهو يفتح لها باب السيارة : 
- اركبي يالا . 
أطاعته وفعلت ليتجه للجهة الأخرى ويستقلها ويغادر فأردفت بنبرة معاتبة : 
- ثائر الموضوع مش متحمل أصلًا وكفاية أوي الأخبـ.ـار الذي بيحاولوا ينشروها عنك ، كنت هعرف أروح لوحدي ، علشان خاطري يا ثائر أنا مش هتحمل يصيبك أي أذى أو اسمك يتضر بسببي . 
يا إلهي ، إنها تزيدها عليه ، تفكر فيه وتتألم من أجله ، تسعى لتحافظ على مكانته واسمه وماذا سيفعل هو بها ! 
لم يجبها ليس تجاهلًا ولكن انغماسًا في أفكاره فتنهدت والتزمت الصمت تميل على مقعدها حيث تشعر بالتعب .
❈-❈-❈
مساءً جلس على الأريكة يتطلع على التلفاز ويده تتوغل خصلاتها حيث رأسها المرتكزة على ساقه ، تنام بعدما تناولت وجبة خفيفة أحضرها لها وحبة دواء مسكنة . 
يفكر ويفكر ويفكر ولم يهتدِ إلى حلٍ أيضًا لذا أطرق رأسه يطالعها ، تنام مكومة وتلف ذراعيها حول ساقه كقطة تأمن كنف صاحبها . 
مد يده يرفع الغطاء عليها أكثر بحنانٍ خاص بها فقط لتتململ في نومتها فربت على كتفها فنظرت إليه بعينيها الثقيلتين ثم ابتسمت وتساءلت : 
- بتفكر في إيه ؟ 
بادلها ابتسامة وأجابها بمراوغة : 
- بتفرج على فيلم . 
نهضت تعتدل وتلتصق به أكثر ثم رفعت الغطاء على ظهره ليتشاركا به ونظرت للتلفاز وهي تتثاءب وتستند برأسها على كتفه قائلة : 
- اسمه إيه ؟ 
حتى أنه لا يعلم اسمه ولا يركز فيه مثلما قال لذا هرب من سؤالها بسؤالٍ صادق وهو يتفحصها بعينيه : 
- معدتك عاملة ايه دلوقتي ؟ 
أومأت بـ.ـارتياح : 
- أحسن بكتير ، الأقراص دي حلوة جدًا . 
تنهد بـ.ـارتياح جزئي ومال يقبل رأسها ثم عاد ينظر للتلفاز وحاول أن ينـ.ـد.مج مع الفيلم ولكن كيف ينـ.ـد.مج ويفترض أن ينتشر الخبر في الصحف غدًا . 
هجم عليها سؤالًا لم يكن ينقصه فسألته بشكلٍ مفاجئ ولكنه نتج عن أحلامها : 
- ثائر هي مارتينا طليقتك كانت فعلًا على علاقة بعدوك ؟ ولو هي كدة إزاي لسة بتحبك ؟ وليه هددتني في المكتب ؟ 
زفر بقوة ثم قرر إجابتها فقال : 
- مارتينا مش بتحب إلا نفسها وبس ، مريـ.ـضة بالتملك وأي حاجة بتعجبها بتعمل المستحيل علشان توصلها . 
التفتت تطالعه وتعلقت في عينيه وتساءلت : 
- وهي عايزة توصلك ؟ 
لم يجبها بل ادعى التثاؤب فتضخمت بنيته فعاد يضمها بقوة ويردف بترقب يخفي وراءه إجابة سؤالها : 
- قومي يا ديما ننام الوقت اتأخر وانا هنجت . 
تنفست بعمق تومئ له ونهضا سويًا يتجهان لغرفة نومهما وكلٍ منهما يتمنى ألا يرى كابوسًٍا يؤرق نومهما أو صحوتهما . 
❈-❈-❈
كعادتهما يتحدثان سويًا قبل أن يخلدا إلى النوم  . 
يعانقها ويتحدث إليها عن يومه وعن صديقه وعن مواقفه وهي تسمعه بتركيز واهتمام ولكنها الآن شاردة على غير عادة في أمرٍ ما   . 
لاحظ شرودها فتعجب ومال يحدق بها متسائلًا  : 
- يسرا  ؟  سرحتي في إيه  ؟ 
انتبهت له فطالعته وشردت في ملامحه وعينيه المتسائلة  ،  أتخبره أم تنتظر  ؟  أتشاركه ما لديها  ؟  إنها تخشى أن تعيش وهمًا لا وجود له  ،  تخشى إن صرحت بما يسكنها فتكون صدمته رصاصة تستهدف قلبها  ،  هل عليها أن تنتظر لتتأكد  ؟ 
ولكنها لم تعتد إخفاء شيءٍ عنه حتى مشاعرها  ،  مخاوفها  ،  شكوكها  ،  تشاركه كل شيء لذا تنهدت بقوة فعاد التعجب يغزو ملامحه فتحدثت لترحم لهفته  : 
- هقولك يا دياب بس هو مجرد إحساس  . 
أومأ متنبهًا لتسحب أكبر قدر من الأوكسجين وتردف بتـ.ـو.تر  : 
- خالتو منال النهاردة وأنا عندها قالت لي حاجة  . 
- قالتلك إيه  ؟ 
سألها بتركيز حيث اليوم ذهبت لرؤية الصغيران وجلست مع منال تخبرها عن رحلتها وكيف كانت وعن تفاصيل خاصة شاركتها إياها  ،  ازدردت ريقها وأردفت بمقلتين ترجوانه ألا ينزعج  : 
- إنت عارف إن معاد البريود كان مفروض من خمس أيام  ! 
أومأ لها فالتهمها التـ.ـو.تر لذا قبض بحنو على كفيها لتواصل فتابعت بتوجس  : 
- هي قالت إن احتمال كبير أكون يعني  ...  حامل  . 
تجمد مكانه وعينيه لم تفارق عينيها التي تترجاه ألا يحطم آمالها ولكنه بدى منزعجًا  ،  بدى الخوف يحيط بتقاسيم وجهه وسؤالًا يتردد على عقله  ،  ماذا إن لم تكن  ؟  لمَ دومًا تركض في حلقة مفرغة  ؟  
نادته بقلقٍ فزفر بقوة وعاد يعتدل ويردف بنبرة هادئة تحمل انزعاجًا واضحَا متعمدًا ألا ينظر في مقلتيها  : 
- ممكن ننام دلوقتي  ؟ 
شعرت بوخزة تستهدف قلبها وأرادت أن تعبر عما تشعر هي به فقالت  : 
- دياب لو سمحت اسمعني  ،  إنت عارف إني بحب أشاركك أي حاجة بتحصل معايا حتى إحساسي  ،  المرة دي أنا فعلًا حاسة إنــــــــــــــــــ  . 
- يسرا كفاية  ،  خلينا نقفل على الموضوع ده وننام  . 
قاطعها بنبرة جادة وعينيه تأمرها أن تطيعه فتجمعت الغيوم في مقلتيها وابتلعت لعابها ولم ترد عناده بل أنها أومأت تردف بنبرة واثقة  : 
- تمام يا دياب  ،  خلينا ننام دلوقتي  . 
نبرتها ونظرتها أكدا له أن بداخلها الكثير وهذا ما أزعجه  ،  هو اعتاد مشاركتها كل شيء ولكنه يخشى عليها من تحطيم الأمال  . 
لذا تمددا على الفراش ليعانقها ويدخلها في كنفه وقد شعر بالذنب نحوها فهمس ورأسه تعلو رأسها دون أن ينظر إليها  : 
- سبيها على الله يا يسرا  . 
- ونعم بالله  . 
قالتها بخفوت وحزنٍ أدركه فقبل رأسها وتنهد بعمق وقرر أن يغفو وظلت هي تدعو ربها ألا يخذلها هذه المرة وأن ما تشعر به داخلها سيكون واقعًا ملموسًا عما قريب  . 
❈-❈-❈
صباحًا 
استيقظ أو لم ينم بل يتمدد ويحتويها ويتطلع عليها وهي تنام بسلام يغمرها حينما يعانقها . 
الخبر سينتشر اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، كيف سيواجهها حينما تعلم ؟ كيف سيتعامل معها ؟ 
تنهيدة ثقيلة صدرت منه وآخر ما اهتدى إليه هو إجبـ.ـارها على المكوث في المنزل طوال اليوم ، وقطع الانترنت عنها إلى أن يرى ماذا سيفعل . 
استيقظت على أثر أنفاسه فابتسمت تسأله باستفهام وتحشرج : 
- صحيت امتى ؟ 
امتدت يده تزيح خصلاتها الملتصقة بملامحها الجميلة وأجابها بعيون تسافر عليها : 
- لسة من شوية صغيرين ، أو كتير مش عارف بس كنت ببصلك وماحستش بالوقت . 
توغلتها سعادة واقتربت منه تقبل شفتيه وتكافئه على تحديقه بها ليتخذ قبلتها ذريعة كي ينهل منها سلامًا . 
ما إن أنهت قبلتها وابتعدت إنشًا حتى تولى هو زمام القبل وتوزيعها ليدخلها في بحره الثائر من المشاعر المتضاربة بالمتعة والخوف ويتمنى ألا يكون هذا اللقاء هو الأخير بينهما .
❈-❈-❈
خرجا من حمامهما واتجه يرتدي ملابسه الرسمية مبكرًا على غير عادة فتساءلت وهي تجفف خصلاتها : 
- بتلبس بدري كدة ليه يا ثائر ؟ 
أجابها بهدوء وهو يواصل الارتداء  : 
- النهاردة فيه لجنة بحث سنوي جاية المجلة والمفروض أكون هناك بدري . 
أثار تعجبها حيث أنه لم يخبرها بذلك ولكنها تنهدت تجيبه : 
- طيب أنا هخلص بسرعة واحصلك . 
انتهى من ارتداء حلته واتجه يقف قبالتها وأردف بهدوء : 
- خليكي هنا النهاردة يا ديما ، بلاش تيجي المجلة . 
ظنت أنه يخشى عليها من تلك اللجنة لذا نطقت معارضة : 
- لا طبعًا لازم أكون جنبك وعلى رأس شغلي . 
تبدلت نظرته لجدية مطلقة وأردف باقتناع  : 
-  خليكي يا ديما منعًا لأي كلام  ، اللجنة دي أعضاءها متشـ.ـددين في أراءهم وممكن يضايقوكي بالكلام وده مش هسمح به  ، فعلشان ما يحصلش مشاكل خليكي هنا . 
زفرت بقوة توميء له فطبع قبلة على جبينها وتحرك يلتقط معطفه ويتجه نحو الدرج المؤدي لمنزله ووقفت تتطلع على أثره بتساؤلات عدة . 
دلف منزله من الباب السري واتجه نحو حاسوبه وعبث به ليُفَعل تشغيل برنامج قطع الانترنت عن المنزل  . 
تحرك بعدها نحو الأسفل وخرج من بابه يستقل سيارته ويغادر .
❈-❈-❈
بعد ساعتين انتهت من تنظيف المنزل وجلست تستريح على أريكتها لذا استلت هاتفها لتتحدث إلى طفليها وما إن فتحته حتى تفاجأت بانقطاع الاتصال عنه لذا قطبت جبينها وأعادت تشغيله لتجد نفس الأمر . 
نهضت تتجه نحو غرفتها وتستل حاسوبها النقال ثم عادت إلى الأريكة وجلست تفتحه وتنتظر لتتفاجأ أيضًا بانقطاع الانترنت . 
زفرت بضيق وظنت أن هناك مشكلة ما لذا نهضت تحضر الغداء وتنتظر ليرن هاتف المنزل الأرضي لذا اتجهت تلتقطه وتجيب بترقب : 
- ألو ؟ 
تحدث ثائر بنبرة مختنقة شعرت بها : 
- عاملة ايه ؟ 
تعلقت بنبرته وأردفت تشتكي له : 
- ثائر طمني عملت إيه ؟ اللجنة مشيت ؟ انا مارضتش أرن عليك قلت أكيد مشغول ، بس دلوقتي حاولت أكلم ماما لقيت الاتصال والانترنت مقطوعين ، تقريبا فيه مشكلة . 
أغمض عينيه يجيبها بضيق : 
- مـ.ـا.تقلقيش بتحصل عادي ، افتحي التليفزيون واتفرجي على فيلم وانا مش هتأخر . 
- طب انت كويس ؟ 
سألته باهتمام ومؤازرة ليجيبها قبل أن يغلق : 
- الحمدلله . 
أغلق وجلس يفرد ظهره على مقعده لتقتحم مارتينا مكتبه وعلى ملامحها انفرجت كل ينابيع النصر والسعادة وهي تخطو وتجلس أمامه قائلة : 
- أنا لا أصدق أننا أخيرًا سنعود ثائر ، هذا كان حلمي الوحيد منذ أن انفصلنا ، أعدك أنني لن أتركك مرةً أخرى . 
حدق فيها بمقلتين ثاقبتين ثم تساءل باهتمام زائف : 
- هل تم رفع الأخبـ.ـار الأخرى أم أن حماسكِ أنساكِ ؟ 
اتسعت حدقتيها تردف بدلال : 
- بالطبع لم أنسَ ، هذا ثاني شيء فعلته بعدما صرحت بنشر الخبر في المجلات صباحًا ، لن يكون هناك أي جلبة حول اسمك لذا اطمئن فأنت في حضرة مارتينا إرتوا . 
أومأ يرفع حاجبيه ويردف من بين أسنانه بمغزى مغلفًا بالسخرية : 
- الساحرة الشريرة . 
ضحكت عاليا وكأنه مدحها لتجيبه بفخر : 
- نعم أنا كذلك فيما هو ملكي ، ولهذا قمت بنشر الخبر عبر التليفزيون أيضًا ، كي ينتشر بشكلٍ أكبر . 
تهاوى قلبه ولم يستطع إخفاء تجهمه لذا تساءل بترقب خطر : 
- أي تليفزيون ؟ 
اعتدلت في جلستها واسترسلت بأريحية : 
- التليفزيون ثائر ، وهل هناك غيره ؟ لا تستهين بمارتينا إرتوا فالجميع ينتظر خبرَا كهذا ولا أضمن أنه سيصل للعامة ، يجب أن نقطع الألسن من جذورها . 
باتت دعوته الوحيدة الآن هو أن يمر الأمر بسلام على قلبها حتى لو علمته بهذه الطريقة المؤلمة . 
زفر بقوة وجاهد لأن يبتسم ويومئ قائلًا بصدرٍ مكلوم : 
- خير ما فعلتِ . 
❈-❈-❈
أنهت الطعام واتجهت تتفحص هاتفها مجددًا ربما عاد الاتصال ولكن دون جدوى لذا زفرت والتقطت جهاز التحكم وأعادت تشغيل التلفاز  ، تبدل القنوات ، هي لا تحب الأفلام إلا إذا كانت ستشاهدها معه لذا مررت عدة قنوات تبحث عن القنوات التي تتناقل أخبـ.ـار المجلات . 
توقفت عند قناة تعرض أخبـ.ـار اليوم عن المجلات والشخصيات الهامة لذا تكتفت وجلست تشاهد بتركيز قبل أن يسقط فوقها هذا الخبر ليُفجر مكنونها رأسًا على عقب . 
إحداهما تعلن عن عودة مارتينا إرتوا إلى طليقها ثائر ذو الفقار بعد انفصال دام لسنواتٍ عدة . 
سلاحًا خبيثًا حديث العهد اخترق قلبها و قضى على سلامها وهي تعيد قراءة الخبر بغير تصديق ، هزت رأسها برفضٍ قاطع وحاولت تهدئة قلبها المخترق بوخزات مؤلمة وهي تردد على مسامعها : 
- مستحيل ، مستحيل ده يحصل ، أكيد كدب ، أكيد إشاعة . 
أومأت تقنع نفسها بذلك وانتفضت تقف وتلتفت حولها بغير هدى وكأنها ضلت كل شيء من حولها لذا التقطت نفسًا قويًا ورفعت كفيها تحيط برأسها وتغلق عينها لتتذكر أنها تبحث عن ثيابها لتذهب إليه وتعرف من أين تم نشر هذا الخبر الكاذب . 
❈-❈-❈
ترجلا من سيارة الأجرة أمام الشركة الصينية  . 
وقفت دينا تنظر إليه وقالت بانزعاج  : 
- ماكنش ليه لزوم تيجي معايا يا داغر  ،  أنا هطلع اقدمها وارجع علطول  . 
حثها على التحرك وقال بثبات  : 
- لاء لازم  ،  إنتِ لسة تعبانة وأنا مش واثق في اللي اسمه لوتشو ده  . 
هي أيضًا مثله لذا أومأت وتحركت حتى دلفا الشركة وصعدا سويًا إلى الطابق المنشود  . 
وصلا وأردف داغر بتريث  : 
- ادخلي يالا وانا مستنيكي هنا  . 
أومأت له وتحركت نحو مكتب لوتشو بعدما التفتت الأنظار نحو داغر ولكنه ثابت لا يواليهم اهتمامَا  ،  خاصةً المدعوة فرح وزميلها شريف الذي ود لو باستطاعته التحدث مع داغر ولكنه لم يستطع  . 
سمح لها بالدخول فدلفت تطالعه بهدوء  ،  كان يجلس يباشر عمله لتتعجب حينما لم يعرها أي اهتمام بل تحدث بنبرة متعالية تسمعها منه لأول مرة  : 
- ماذا تريدين  ؟ 
حتى أنه لم ينظر إليها لذا تنفست بضيق واقتربت منه تمد يدها بالورقة لتشهق حينما غفلها وقبض على كفها ثم رفع نظره يطالعها ويبتسم قائلًا  : 
- هل تعتقدين أنه سيحميكي مني  ؟  دعيني أخبركِ دينا أنني يمكنني محو أي شيء يقف في طريقي  ،  شقيقك هذا أنتِ تعرضينه للخطر وستكونين مسؤولة بالكامل إن تأذى  ،  لذا لا تشاركيه أي شيءٍ عنا  ،  هل فهمتِ  ؟ 
شحبت تمامًا لتصبح صفحة وجهها بيضاء وحاولت نزع يدها من قبضته ولا تصدق أنه هددها  ،  لقد تحول لشيطان أمامها  . 
تبدلت ملامحه على الفور وعاد لوداعته الزائفة ونطق بقهقهة عالية  : 
- لا تقلقي كنت أمزح معكِ  ،  لمَ شحبتِ هكذا  ؟  هيا دعيني أوقع على استقالتك  . 
ترك يدها وتمسك بالورقة يدون عليها توقيعه ثم ناولها إياها مسترسلًا  : 
- هيا دينا اذهبي إلى الخزينة  ،  سيتم صرف مكافأة لكِ  . 
وقفت متجمدة تحدق به بخوفٍ ورهبة فعاد يناديها ويمد لها الورقة  ،  تحركت يدها تلتقطها منه وأرادت أن تركض وتبتعد ولكن خانتها قدميها ولم تتحرك سوى بخطوات بطيئة والتفتت لتغادر وقبل أن تفتح الباب ناداها فتوقفت لتشعر أنها أضعف مما ظنت  ، ظنت أنها قوية ومتمردة ومستقلة بذاتها ولكنها ليست كذلك  ، استطرد بنبرة خبيثة مبطنة بالتهديد  : 
- سأنتظر عودتك  ،  فكري جيدًا ستجدين أن شركتنا هي المناسبة لكِ  ،  لا يوجد غيرها دينا  . 
ازدردت ريقها وتحركت لتخرج من مكتبه أخيرًا وتوجهت نحو شقيقها الذي ينتظرها لذا ما إن لمحها ولمح شحوبها حتى توغله غضبٌ حاد فتساءل  : 
- ضايقك بالكلام  ؟  اروح له  ؟ 
تمسكت به بقوة وخوفٍ وإصرار تجيبه بمراوغة : 
- لاء يا داغر  ،  الحمد لله قبلها  ،  أنا بس اللي راسي وجعاني  ،  يالا نروح  . 
أسندها وتحركا يغادران الشركة تحت أنظار الجميع وأولهما أنظار لوتشو من مكتبه عبر شاشة العرض التي تظهر له حركتهما وهو يتوعد لها ولهذا الداغر وداخله يقين أنها لن تكون لغيره  . 
❈-❈-❈
وقفت أمام الباب الفاصل بينها وبينه ، منذ ساعات لم يكن بينهما فاصلٌ حتى ذرات الهواء لم يسمح لها بالعبور ، والآن تقف على أعتاب الألم تخشى الدخول لتسحبها أيادٍ خفية عنوةً من روحها وهي تستمع إلى نبرة أنثوية تتحدث معه . 
ثانية فقط مرت قبل أن يتم القبض على أنفاسها وهي تسمعها تخبره بمَ لم تحسبه أبدًا لذا اندفعت تفتح الباب ليتفاجآ بها . 
تجاهلتها تمامًا كأنها شفافة ووقفت أمامه بصمتٍ وعينيها تقف في محطة عينيه تنتظر لحظة الوصول لتهتدي ولكن نظرته كانت لرجلٍ آخر ، ليس نفسه الحبيب الذي أتى بسفينته وانتشلها من بحر الوحدة والاحتياج ، ليس هو نفسه الذي وعدها وعودًا لو تجسدت لأسكنتها في بروجٍ مشيدة بالسعادة من كل اتجاه . 
سألته سؤالًا مكونًا من كلمتين فقط وتعلم أنها ستجد الإجابة في عينيه وليس على لسانه لذا نطقت بثبات اعتادت عليه وسط الدمار : 
- اللي سمعته حقيقة ؟ 
دارت بينهما معركة لم يرفع فيها سلاحًا ولم تسقط فيها بقعة دمٍ واحدة ولكن سقطت كل الأثقال فوق روحها ، نظرة عينيه كانت سلاحًا فتاكًا أودى بها في جوف الأرض وأكمل عليها بقوله بلغةٍ فرنسية وهو يومئ بثباتٍ تعلمه جيدًا وتعلم أنه ما إن ينطق بشيءٍ لا يتراجع عنه أبدًا :
- حقيقة ، سنعقد قراننا غدًا أنا ومارتينا . 
وقفت متجمدة كأنها تنتظر لحظة تصفيق الجمهور على هذا العرض التمثيلي لتسترد أنفاسها ولكن لا هذا مسرحًا ولا هنا جمهورًا ، فقط هي وهو وتلك ال... دخيلة . 
لمح ابتلاعها للعابها ليتعمق بعدها في عينيها ولكنها وقفت شامخة شموخ مبنى قد تم هدم أعمدته الداخلية جميعها ولم يعد يمتلك سوى الهيكل ولكنه يأبى السقوط ، بنظرة بها لمعان أخفت خذلانها ببراعة وأظهرت ابتسامتها المعهودة بأسنانها ناصعة البياض والتي لم تكن سوى سهامًا حادة اخترقت قلبه وهي تردف : 
- مبروك ، طلقني .
حينما حدق بها لم تستطع مواصلة النظرات أكثر لذا التفتت تغادر وتبتعد بخيبة لا مثيل لها 
توقف متجمدًا لم تهتز به شعرة لتتجه مارتينا نحوه وتتساءل بمكر  : 
- ماذا قالت  ؟ 
لف وجهه يتمعن فيها وبدون أي تعابير يظهرها أردف  : 
- طلبت الانفصال  . 
رفعت حاجبها وهزت كتفيها تردف بغرور  : 
- فلتعطيها ما طلبت  . 
أومأ يجيبها بثبات وهو يضع كفيه في جيبي معطفه وينوي التحرك  : 
- سأفعل  . 
تحرك وتركها تقف تطالعه بشكٍ  ،  هل سيفعلها  ؟  ولكنه مجبر على ذلك فإن لم يفعلها ستكون حياة تلك المصرية على المحك  .
❈-❈-❈
يجلس في الشرفة شاردًا لتأتي من خلفه علياء تحمل الحليب وقطعَا من الكيك ووضعتهم أمامه متسائلة حينما لاحظت شروده  : 
- معاذ  ؟  ما بك يا حبيبي  ؟ 
ابتسم الصبي وأجابها بصدق  : 
- اشتقت لأبي يا جدتي  ،  اشتقت له كثيرًا  . 
ابتسمت له ومدت يديها تحتوي كفيه وتردف بحنان  : 
- وأنا كذلك اشتقت له كثيرًا  ،  ولكنني أشعر أنه سيأتي عما قريب  . 
نظر لها وتساءل بقلق  : 
- ألن أذهب إلى فرنسا مرةً أخرى  ؟ 
تنهدت بعمق فهي لا تعلم إجابة هذا السؤال  ، هي مثله بداخلها تساؤلات كثيرة ولم يجبها أحد  ، ولكنها تتمنى ألا يذهب مجددًا  ،  تلك البلد لم تجلب لها سوى التعب والتفكير المرهق لذا زفرت تجيبه بسؤال  : 
- هل تود العودة إلى هناك  ؟ 
شرد قليلًا يفكر  ،  طفولته هناك  ،  ذكرياته  ،  وسائل رفاهيته  ،  ولكنه يشبه والده في نظرته للأمور بطريقة عقلانية برغم صغر سنه لذا أجابها  : 
- ربما هناك مميزات كثيرة لا توجد هنا ولكنني شعرت هنا بالأمان  ،  كنت أمكث في منزل جدي لسنوات ودومًا كان ينتابني القلق  ،  الأمان الوحيد لي هناك كان عن طريق أبي لذا فأنا أريد رؤيته  . 
فتحت ذراعيها له فاتجه يعانقها فبادلته بقوة وفخر  ،  هذا هو حفيدها المميز  ،  هذا هو ابن ثائر بحق لذا أردفت وهي تحتويه  : 
- سيكون كل شيء على ما يرام يا صغيري  ،  لا تقلق  . 
❈-❈-❈
لا تعلم كيف وصلت إلى المنزل  ،  عادت تخطو بين الطرقات بعقلٍ فوضوي ومقلتين لا تريا سواه وهو يقف مجاورًا لتلك الأفعى  ، أذنان لا تسمعان صوت المارة والسيارات بل تسمعان كلمـ.ـا.ته ، ربما كان قرب المجلة من المنزل لطفًا بحالتها لذا وصلت ودلفت تتجه على الفور نحوه غرفتها دون حتى أن تغلق الباب  .
كانت حركتها مفرطة بشكلٍ كبير لدرجة أنها ركضت تنتشل حقيبتها لتجمع أغراضها وترحل من هنا  ،  ترحل لأبعد مكان  ،  لمكان لا تعلمه ولكن لترحل  . 
كانت تنزع ملابسها وعقلها عاجز عن استيعاب تصريحه  ،  سيعقد قرانه غدا مع مارتينا  ؟  هل قالها حقًا وهو ينظر في عينيها  ؟  هل سيتزوج عليها  ؟  
آهٍ نازفة خرجت من جوفها مع بكاءٍ حاد ونشيج صدرها يتعالى وهي مستمرة في نزع ملابسها وإلقاءها في الحقيبة ولم تستطع سماعه وقد جاء هذه المرة من بابها واتجه إليها وحينما وجدها تجمع أغراضها زفر بقوة وأردف بنبرة متحفزة  : 
- بتعملي إيه يا ديما  ؟ 
توقفت عما تفعله والتفتت تطالعه بعيون ذابلة باكية وعقلٍ كاد أن يفقد تعقله ، نظرتها كانت عبـ.ـارة عن أسئلة ترجمها عقله وفهمها جيدًا لذا ابتلع لعابه وأخفض نظراته يشعر بكمٍ هائل من الصراعات والضغوطات التي تكالبت عليه  ، ليت الأمر لم يصل إلى القلب  ، أخطأ حينما أتى بها هنا  ،  حسب حساب كل شيء إلا هذه النظرة  .
التفتت تكمل ما تفعله متجاهلة إياه  ، تجمع خيباتها واحدة تلو الأخرى والنيران في صدرها تزداد اشتعالًا والحمم تتلظى فتنثر بقاياها على قلبها  ، لا تستوعب ولا تصدق أنه سيكون مع غيرها كما هو معها  ، تريد أن تمحي تلك الفكرة من عقلها بأي شكلٍ كان  .
تنهد بقوة وقسوة واسترسل بنبرة تحمل الترجي  : 
- ديما لو سمحتِ اهدي  ،  أنا مضطر أعمل كدة  ،  صدقيني غصب عني بس فيه حاجات أجبرتني على كدة  . 
ألقت ما في يدها من أغراض بعنف ورفعت كفيها تصم أذنيها عن سماعه وتعتصر عينيها عن رؤيته ولم تتفوه بحرف  ،  لن تتساءل عما يعلمه جيدًا  ،  إنه يعلم كل شيء حتى هذه النيران السعرة داخلها يمكنه رؤيتها بوضوح لذا لن تتساءل  . 
وأدرك أنها لا تريد سماع هذا  ،  لا تريد سوى سببًا يجعلها تصدق أن حبيبها لم يكن خائنًا كغيره  ،  تصدق أن ثائرها لن يخذلها وأن كلمـ.ـا.ته ووعوده ليست هباءً  . 
حاولت سحب أكبر قدر من الأوكسجين وعادت تلملم حسرتها وتغلق حقيبة القهر والذهول ثم سحبتها بيدٍ متصلبة ترتعش الدماء داخلها وتحركت من أمامه تنوي المغادرة  . 
اتجهت نحو الخارج وسارت كي توقف أي سيارة أجرى تستقلها لتذهب إلى المطار  ،  يجب أن تعود لديارها قبل أن تفارق الحياة حسرةً في بلد بـ.ـارد  . 
تحرك خلفها يحدق بها ويتمعنها جيدًا بعينه ثم اتجه يقف قبالتها ليمنعها من إكمال سيرها مستطردًا  وهو يتمسك بمعصميها : 
- طيب اركبي وأنا هوصلك  . 
نزعت نفسها منه لا تريد لمسته الآن ووقفت أمامه تحدق به للمرة الثانية  ،  تتمعن في مقلتيه لثوانٍ أطول  ،  عينيه وملامحه وتفاصيله كاملة وكلمـ.ـا.ته وأفكاره ورائحته ورزانته وهدوءه وعقله ستشاركها فيهم أخرى  ؟ 
أسرعت تعتصر عينيها بقوة لتشعر بشيء هاجمها قبل ذلك ورحل قبل أن ينال منها ولكنه عاد الآن ليفترس كل إنشٍ بها  ،  ارتعشت تقاسيم وجهها لتسرع في قول ما تريده قبل أن تفقد النطق  : 
- رجعني بلدي حالًا  . 
التهمت النيران صدره وتقلب قلبه وهو يرى ما يحدث معها لذا أجبر نفسه على سحبها نحو السيارة وأجلسها بها فباتت تتحرك معه طواعية نسبةً للتنميل الذي أصاب أطرافها  . 
وضع الحقيبة في الخلف واتجه للجهة الأخرى يستقلها على الفور وقاد بأسرع ما يمكنه  . 
جلست تنظر أمامها تحاول نزع صمودها من براثن الحالة الموحشة هذه  ،  لن تجعل هذا التنميل يأخذها إلى مكان تكرهه لذا أغمضت عينيها وحاولت نزعه من عقلها واستبدلته بصغيريها  ،  ينتظرانها  ،  يحتاجانها  ،  يحبانها بإخلاص ، لن يخذلاها قط . 
استرسلت بصوت هامس تقنع نفسها بذلك  : 
- كـ.ـد.اب  . 
قالتها ليحتل عقلها بصورته عنوةً  ،  كلمـ.ـا.ته  ،  لمساته  ،  وعوده لذا هزت رأسها بشكلٍ هستيري تود لو تنفضه هامسة بشكلٍ متتالٍ  : 
- كـ.ـد.اب  ،  كـ.ـد.اب  . 
يراها تنهار أمامه  ،  يراها تفقد تعقلها ويعلم جيدًا ما مرت به  ،  يعلم ما أصابها سابقًا وكيف فقدت النطق  ،  يعلم أنها لا تفصح عما بها لذا نظر حوله ليجد أنه يقود في طريقٍ معزول لذا توقف بسيارته وترجل يلتفت ويفتح بابها ثم حاول سحبها فباغتته بنظرة حادة ليردف مترجيًا  : 
- انزلي يا ديما  . 
نظرة الرجاء في عينيه تجبرها على طاعته ولكن عقلها يأبى ذلك لذا هزت رأسها رفضًا فزفر بقوة وقرر سحبها بقوة غير مؤذية  ، ليته يسحبها مما يحتل عقلها الآن لذا تحركت مجبرة خلفه فابتعد عن سيارته ووقف بعيدًا ينظر حوله لثوانٍ ويترقب المكان جيدًا وهي تطالعه بتعجب مما يفعله وعم الصمت المكان  . 
لا صوت سيارة ولا أي بشري هنا  ،  الأضواء خافتة والمكان خالٍ إلا منهما فقط لذا سحبها فجأة يرطمها بصدره ويعانقها ويقيدها بوثاقه القوي  ،  تجمدت ولم تمنعه ليقترب من أذنيها ويهمس بعينين مغمضتين وأثقال لا يتحملها بشرًا عاديًا قال  : 
- أنا عميل مخابرات  . 
زفر بقوة ووضع رأسه على كتفها مستمرًا في عناقه ولا يصدق أنه أفصح عن سره لها ولكن عذره الوحيد هو حالتها  ،  إلا هي لا يمكنه تحمل فقدانها ، لا يمكن أن يتسبب في إصابتها بأذى  . 
اخترقت جملته مسامعها لتظل كما هي تقلبها في عقلها  ،  ماذا قال  ؟  أي عميل  ؟  هل هذه أيضًا كذبة  ؟  
تساؤلات وتساؤلات جعلتها تزيحه وتخرج نفسها منه فابتعد يحدق بها فتعلقت في مقلتيه تسأله بخفوت  : 
- يعني إيه  ؟ 
بأسفٍ بالغ  هز رأسه وتابع  : 
- مش هينفع أقول أي حاجة دلوقتي يا ديما  ،  كل اللي لازم ت عـ.ـر.فيه هو أن رجوعي لمارتينا جزء من مهمة لبلدي  ....  مصر  . 
ما زال عقلها عاجزًا عن الاستيعاب وعينيها بها ملايين الأسئلة والذهول يتلاعب بهما ليعاود احتضانها بحرارة عالية وازدرد ريقه يتابع  : 
- هانت خلاص وهرجع مصر واحكيلك على كل حاجة بس اصبري عليا وثقي فيا ، دلوقتي لازم تفهمي إن ديما هي الوحيدة اللي في قلب ثائر وبس  . 
قالها بتأكيد على أحرفه وعاد يبتعد فوجدها مازالت تحدق به بذهول لذا أومأ يسحبها ويعود للسيارة قائلًا  : 
- إنتِ فعلًا هترجعي مصر النهاردة بس لازم قبلها أودعك . 
تحركت معه وركبا السيارة وقاد ولكنها وجدته يلتفت عائدًا فطالعته بتعجب وتساءلت بنبرة ملغمة بعدم الاستيعاب  : 
- أنا مش فاهمة أي حاجة  ؟ 
أجابها بنبرة غامضة لا تعبر عما كان عليه منذ لحظات  : 
- هعملك اللي إنتِ عايزاه 
قاد بعدها لدقائق كرر كلاهما الصمت فيها حتى توقفت السيارة أمام بيته فترجل واتجه يحضرها فنزلت معه ولم تعد تشعر بثقل أو تنميل بل ذهول مما يحدث  . 
أما هو فيريد في هذه اللحظة السلام  ،  يريد أن تؤكد له حبها ووجودها معه مهما كان لذا  ... 
دلفا منزلهما وتحرك بها إلى غرفتهما وأوقفها يعاود عناقها ويهمس بنبرة متيمة  : 
- إزاي تصدقي حاجة زي دي يا ديما  ؟ حتى لو على لساني  ؟ 
أغمضت عينيها على أثر همسه تتمنى أن ما تعشيه الآن حقيقة وألا يكون نسيجًا من خيالها كردٍ على خبر زواجه  .
سحبها نحو الفراش وأجلسها فتركته يفعل ما يرغب به لذا امتدت يداه تجردها من حجابها وثيابها ومددها لتنام وحاوطها بنفسه ثم تعمق في ملامحها بعينين ثاقبتين وهمس بالفرنسية ورغبة ملحة تتراقص في عينيه   :
-  سأعاقبك لأنك كذّبتي قلبك وصدقتي لساني  ، كيف لكِ أن تصدقي أنه يمكنني أن أعاشر غيرك  ؟  وحده قلبك يثق بي لذا سأقبله  . 
انحنى يقبل موضع قلبها برقة متناهية كأنه يكافئه على تصديقه  ،  نعم بالفعل هو يصدقه لذا انسحبت أنفاسها وأغمضت عينيها تهمس باسمه وهذا ما أراده  ، حبها سيكون هو القوة التي سيتسلح بها في مهمته  ، عاد يحدق بها ويتابع بنبرة معذبة  : 
- عيناكِ صدقتني  ؟  سأسامحها  . 
وانحنى يقبل عينيها قبلًا ناعمة متفرقة وموزعة بالتساوي وابتعد قليلًا يهمس بخبث  : 
- وأذناكِ صدقتني  ؟  سأعاقبها 
وانحنى يقضم أذنيها بخفة متعمدة فباتت في عالمٍ غير العالم وفي موطن عشقه الآمن وعادت تهمس باسمه فيزداد شغفه أكثر وقلبه ينتفض بسعادة وراحة  ، لقد أحبها للدرجة التي جعلته يبوح بسرٍ ثقيل لا يجوز له إفصاحه لذا ابتعد ينظر إلى شفتيها بعمق وتنفس نفسًا كان معلقًا بين صدره ومشاعره واستطرد وهو يتوعد لشفتيها :
- وهاتان طلبتا الطـ.ـلا.ق مني  ؟ سيكون عقابهما جسيمًا  . 
وكان كذلك في قبلة مسلحة بالعشق هجم بها عليها وهي لا تمتلك درعًا لذا كانت سطوة عشقه عليها عظيمة  .
وهذا هو عشقه  ،  ثائرًا كاسمه  ،  قويًا كشخصيته  ،  غامضًا كصفاته  ، تظن أنه يأتي على حين غرة ولكن في الحقيقة قد تم التخطيط له بعناية  ،  اختارها من بين النساء اللاتي قابلهن على مدار سنوات  ،  حقيقة عمله جعلته يفطن أنها المناسبة لحمل اسمه وحقيقته  ،  كلمة  ( خائن  )  لم تكن عابرة على الإطـ.ـلا.ق بل أكدت له أنها أكثرهن إخلاصًا لوطنها  ...  مثله .
يتبع  ...
تشتاقك ياروحي

أوردة القلب

سيدة قلبي

الأولى

والاخيرة... والوحيدة...

بهجة أيامي..

سكر حياتي...

من لأجلها أجرح ولجرحها أنجرح..

المطر الهادئ في حياتي

الراحة في حياتي...

المطر الهادئ

لا تبرق ولاترعد

ولو فَعَلَت.. أنا فداها..

فدا العينين الماطرتين

فدا الشفتين المسكرتين

دمتِ لي ولو كنت بأرض بعيدة

دمتُ لك ولو غبتُ مدة طويلة..

( بقلم فيروزة  )

❈-❈-❈

إنه لا يعني لها الأخ فقط  ، هو كل شيء لها  ، هو الأب الحامي والشقيق السند والصديق الوفي والطبيب المعالج  .

لذا فإنها تخشى عليه من غدر ذلك اللوتشو  ، تخشى أن يصيبه بأذى  ، لقد لمحت الغدر في عينيه .

ليتها لم تقابله يومًا  ، ليتها لم تخاطر بنفسها مع شخصٍ لا تعرفه جيدًا  ، ولكن فات وقت النـ.ـد.م  ، ماذا ستفعل الآن  ؟  وماذا إن تعرض شقيقها للأذى بالفعل  ؟

هل تقبل ابتزازه وتعود للعمل معه وتخبر عائلتها برغبتها في الارتباط به  ؟  هل تخاطر  ؟

منذ أن عادا وهي تفكر وتختلي بنفسها ولم تهتدِ لشيء ليطرأ على عقلها شخصًا يمكنه مساعدتها في إيجاد حلٍ ما  .

- صالح  !

نطقتها تستجوب عقلها الذي أعطاها اسمه حينما ضاقت سبلها  ، تعلم أنهما مشغولان هذه الفترة بتجهيز مشروعهما ولكنها على يقين بأن صالح يمتلك الحكمة التي تؤهله للتعامل مع لوتشو على عكس داغر المندفع لذا  ...  هل تقصده  ؟

لقد رأى لوتشو من قبل وتصدر له وربما يجد لها حلًا أو يساعد داغر في ذلك  .

تنفست بقوة وسمحت لنفسها أن تفكر مرة أخرى لتجد أنها وصلت إلى النقطة ذاتها لذا تحركت للخارج كي تستل هاتف والدتها خلسةً وتجلب رقمه منه  .

تسللت إلى الصالة لتجد أن منال في المطبخ كعادتها بينما بسمة ذهبت لترى شركتها والصغيران يلعبان في الشرفة الآمنة  .

اتجهت نحو طاولة الطعام واستلته من فوقها بحذر وعادت مسرعة نحو غرفتها تغلق الباب وتتجه إلى سريرها وهي تعبث بالهاتفين وتدون الرقم  .

سجلته وتركت هاتف والدتها بجوارها وقامت بالاتصال عليه لتجد أن قلبها يطـ.ـلق العنان لنبضاته التي باتت تقرع كطبول حرب مقامة داخلها وحينما فتح الخط ونطق مستفسرًا عن هوية المتصل توقفت الطبول فجأة وتجمدت دون أن تشعر لتصمت لبرهة سمحت له أن يستفسر مجددًا ويتساءل  :

- مين معاي ؟

تنفست بعمق ونطقت بعدما ازدردت ريقها  :

- أزيك يا صالح  ،  أنا دينا  ، لو داغر جنبك مـ.ـا.تعرفوش إني بكلمك ؟

عملٌ شاق لهؤلاء الجنود الذين يتبادلون المهام وهم يركضون نحوه ويتولون مهمتهم بالقرع على طبول قلبه تلك المرة  ،  يستحقون مكافأة على هذا الجهد المبذول بين اثنين أحدهما يرفض البوح والأخرى تجهل هوية مشاعرها  .

تنهيدة أطلقها، معبأة بنيران حبه الصامت ثم أجاب بنبرة رصينة تخفي عشقه  :

- أهلين دينا  ،  خير إن شاءالله  ؟

تـ.ـو.ترت وأردفت بتردد  :

- معلش يا صالح أنا عارفة إنك مشغول الفترة دي بس أنا واقعة في مشكلة ومالقتش حد غيرك يقدر يساعدني في حلها  ،  خصوصًا لو الأمر متعلق بداغر  .

قطب جبينه مستفسرًا واتجه يجلس على مقعد في الورشة التي لم يتم بيعها بعد  ،  خاصة وأن داغر ذهب ليقضي أمرًا لذا تحرك بدون قيود وجلس يتنهد ويتساءل باهتمام  :

- احكي يا دينا شو صاير معك  ؟

زفرت قليلًا بـ.ـارتياح ثم بدأت تخبره بتروٍ قائلة  :

- المدير بتاعي يا صالح  ،  اللي جه هنا قبل كدة وانت وقفتله  ،  هو كان متقدم لي وطلب ايدي من داغر وداغر رفض  ،  وللأسف أنا كنت موافقة عليه  .

التقطت أنفاسها تسترسل وهي تعتدل في جلستها  :

- بس بعد كدة لما فكرت وخصوصًا بعد مقابلة والدته لقيت إنه مختلف عني وإن موافقتي عليه كان هروب من حاجات تانية  ،  بلغته رفضي بس هو مش متقبل الرفض ده أبدًا  ،  كل اللي شايفه إني موافقة عليه وإن داغر هو السبب وهو اللي ضاغط عليا علشان كدة آخر مرة روحت النهاردة اقدم استقالتي حسيت إنه بيهددني بيه  ،  اسلوبه كان يخوف فعلًا ومن ساعتها وأنا خايفة على داغر جدًا  ،  خايفة إنه يئذيه  ،  وللأسف مش هعرف أقول الكلام ده لداغر لإن إنت عارف إنه ممكن يتهور والأمور تتعقد أكتر علشان كدة جبت رقمك من ماما وقلت أكلمك  ،  أنا فعلًا مش عارفة اعمل إيه  ؟

- تليفوني فين يا ولاد  ؟

قالتها منال من الخارج بصوتٍ وصل إلى مسامعها لتتـ.ـو.تر وتنهض مستطردة  :

- صالح معلش هقفل دلوقتي  .

أغلقت معه واستلت هاتف والدتها واتجهت تناولها إياه وتتمنى أن يجد صالح حلًا لهذا الأمر  .

أما هو  ،  جلس يفكر  ،  لا يصدق أنها هاتفته  ،  تحتاج مساعدته  ،  تحدثت معه عن ذلك الصيني ورفضها له  ،  تتحدث بعفوية مطلقة ولا تعلم أنه يحبها حتى نخاعه وهذه المكالمة ما زادته إلا حبًا لها وتمسكًا بها لذا سيجد حلًا لذلك الرجل  ،  من المؤكد سيجد حلًا ومن ثم سيطلبها رسميًا من داغر  .
3

❈-❈-❈

عقاب المُحب دومًا ثائر  ،  يحمل بين شـ.ـدته السلام فلا يقسو ولا يهجر
وإذا كان العتاب محبة فبعض الهمس أبلغ من الكلام  .

يستند على فراشه ويحتويها  ،  ذراعه الأيسر يلتف حولها والأيمن خلف رأسه،  تتمدد بسلام تتوغلها تساؤلات عجز عقلها عن فهمها  ،  ذراعها الأيسر يحاوط صدره والأيمن يحتضنه  .

نوبة المشاعر التي أطعمها إياها يجب أن تحترمها قليلًا وتقدر قيمتها لذا فهي صامتة تفكر وهو كذلك  .

ليبدأ الحديث يأخذ مجراه بعد عدة دقائق لذا نطقت بهمس ناعم استهدف قلبه  :

- ممكن تفهمني يعني إيه اللي قولته ده  ؟

تنهيدة حارة قوية أطلقها أعطته فرصة ضمها بشكلٍ أكبر ثم أردف ببعض الغموض  :

- أنا عارف ومتأكد إنك لو فكرتي كويس هتفهمي حاجات كتير  ، إنتِ ديما الصابر وتقدري تقري شفرات كتير على عكس الكل تقريبًا .

لف وجهه لها فوجدها شاردة في كلمـ.ـا.ته التي تشبه امتحانًا صعبًا وعينيها حائرتين تسبحان في تفاصيله فازدرد ريقه وتابع بمغزى  :

- أنا عارف إنك هتتعبي معايا شوية بس إنتِ مش حد عادي  ،  مابقتيش الزوجة التقليدية ولا بقيتي المرأة العربية العادية  ،  إنتِ من زمان مميزة علشان كدة معلش اتحملي معايا الفترة دي وأجلي كل الأجوبة لما أرجع مصر هقولك عليها  .

نظرت له بتشتت زائد فتعمق فيها وتساءل بجدية  :

- بتثقي فيا  ؟

تعمقت فيه عينيه وطال صمتها  ،  عقلها يعمل في عدة محاور وأولها طفلاها اللذان لم يتجاهلهما وعائلتها التي طمأنها وحياتها التي أمنها وأيامها التي سكب فوقها السعادة والأنس لذا نطقت بعد وقتٍ سمح فيه لها أن تفكر جيدًا لتردف بخفوت عاجزة عن إخفاء حزنها وحبها  :

- أيوا بثق فيك يا ثائر  ،  وربنا هو الشاهد الوحيد على ثقتنا في بعض وعلى علاقتنا ببعض وزي ما إنت وثقت فيا للدرجة اللي خلتك تبوح بسرك أنا كمان هثق فيك للدرجة اللي تخليني أصبر لحد ما تيجي وتعرفني كل حاجة بنفسك مع إن فيه أسئلة عقلي مش مستوعبها ،  لازم تعرف إنه مش سهل  ،  أنا مش المرأة الحديدية ولا عندي قوة خارقة علشان اتحمل كل الصراع اللي جوايا ده وأولهم جوازك من مارتينا  ،  مهما بلغت قدرتي على التحمل هيكون صعب عليا إن إنت تكون مع واحدة تانية غيري  ، صعب جدًا   .

يعلم مقصدها جيدًا لذا عاد يعانقها واقترب من أذنها وهمس بنبرة فرنسية خافتة تحمل حبًا جياشًا  :

- هناك تعويذة تدعى ديما هجمت على عقلي وقلبي وعيناي وجسدي فأغلقتهم جميعًا عن استقبال أي امرأةٍ أخرى  ،  أنتِ فقط حارسة مقبرتي يا فرعونية  .

توغل همسه إلى قلبها فأفشى فيه السلام لذا تنفست بعمق ومالت تطبع قبلة تأكيدية بالحب والثقة على وجنته تطمأنه وتطمئن نفسها بها لذا تنفس بقوة وتضخمت بنيته فأخفتها عن الأعين وهو يعاود عناقها  ،  لا يود تركها قط ولكنه مجبر لذا أطلق زفيرًا قويًا واسترسل بحب  :

- يالا  ،  لازم نجهز علشان هتسافري مصر دلوقتي  .

تعلقت فيه فابتعد يطالعها فتساءلت بقلبٍ متلهف  :

- ماينفعش أفضل معاك هنا  ؟  هستناك ونرجع سوا  .

هز رأسه بأسف ثم ابتعد ينهض وقد تبدلت ملامحه من العاطفة إلى الجدية والصرامة وهو يعرض عليها جزءًا جديدًا من شخصيته المخابراتية ليردف بثبات  :

- طبعًا ماينفعش  ،  يالا نجهز  .

أدركت أنه يريها هيمنته وحساسية موقفه لذا أومأت بتفهم ونهضت تخطو أمامه ملتفة بالملاءة فازدرد ريقه حتى لا تسقط هيمنته صريعة في حضرة نعومتها لذا زفرت بقوة وابتسمت بخفة برغم أنها تتآكل داخليًا مما هو مُقدمًا عليه ولكنها باتت مجبرة وملزمة بالصمت والتحمل  .

اتجهت نحو الحمام وقبل أن تدلف قبض على رسغها الحر فالتفتت له تطالعه بتساؤل فعاد لحنينه معها واقترب منها ورفع كفه يملس بإبهامه على ملامحها ويستطرد  :

- بلاش نتكلم عن أي حاجة برا حدود الأوضة دي  .

وقفت تحدق به فأخذ رأسها نحوه يقبل جبينها بعمق وتنهيدة ثم ابتعد لتدرك أنها لن تحصل على جواب  ،  يبدو أن عليها الإجابة بنفسها على أسألتها من الآن وصاعدًا .

❈-❈-❈

جلست في مكتب عمها تتحدث معه بأسلوب يطغى عليه الرسمية  ،  كلاهما يدركان نوايا بعضهما  ،  أتت لتقابله هنا حيث أنها تخشى من العودة لذلك البيت  .

أتت لتتفاوض معه ليتركها تعيش في سلام  ،  لن تخبره عن زواجها من داغر ولكنها ستخبره عن رغبتها في البقاء بعيدة عنه .

لن تقدم تنازلات  ،  يكفيه ما أخذه منها منذ وفاة والديها  ،  عليها أن تتحلى بالجسارة حتى تغادر من هنا بخير  .

تحدث بهدوء ملغم بالغضب يتساءل  :

- يعني إيه هتفضلي قاعدة هناك  ؟ هو انتِ مفكرة إني بهزر  ؟ 

هزت رأسها وأردفت بتأكيد  :

- لاء خالص  ،  أنا عارفة إنك جاد جدًا في تهديدك وبعتلي ماجد يأكدلي ده  ،  بس أنا جاية أقولك يا اونكل إني مش هتراجع  ،  تهديدك حتى لو نفذته هيخليني اتمسك بموقفي أكتر  ،  إنت عارفني كويس  ،  أسلوب التهديد مش هو أبدًا اللي بينفع معايا  ،  شغل الشركة كله متبعاه أونلاين كويس جدًا وهيكون ليا زيارة مرورية كل أسبوع  ،  بس أنا اخدت القرار الصح اللي كان لازم اخده من زمان  ،  ومش هتراجع عنه  ،  ياريت يا أونكل تحاول تتعامل معايا على إننا شركاء عمل وبس  ،  بيزنس يعني  ،  علشان لو اتعاملنا بالدم والقرابة للأسف هتطلع مديون ليا كتير جدًا   .

أمعن النظر إليها  ،  كيف يتركها تفعل ما تريد  ،  تمتلك ثروة كبيرة وعقلًا حكيمًا تم تدريبه على يد شقيقه بعناية  ،  تمتلك خبرة في المجال لا يمتلكها لا هو ولا ابنه  ،  تمتلك ذكاء تحتاجه العائلة  ،  هي الثروة الحقيقة وهو محق في هذا الأمر  ،  كيف يتركها تذهب لذلك الفقير الميكانيكي  ؟  هذه ستكون خسارة فادحة له لن يسمح بها لذا  ...  احتدت ملامحه ونطق مهددًا بنبرة حادة تخلى فيها عن ثباته :

- مش هيحصل يا بسمة  ،  مش هسمح لك تدمري اسم وسمعة العيلة بتصرفاتك المراهقة دي  ،  إنتِ مش عايشة في أوروبا  ،  إنتِ هنا في مصر وفيه عادات وتقاليد شكلك نسياها وماشية ورا مشاعر ساذجة وغـ.ـبـ.ـية  ،  فكري كويس هتلاقي إن معايا حق  .

صمت لبرهة يتتطلع على ملامحها ثم استرسل بملامح خبيثة  :

- واتأكدي إني مش بهدد  ،  أنا بنفذ واعرف كويس أزاي أخليكي تتراجعي عن قراراتك دي بس أنا لآخر لحظة بتعامل معاكي على إنك كبيرة وعاقلة  ،  فكري كويس في كلامي بدل ما تنـ.ـد.مي  ،  وبلاش بقى حتة إنك هتتمسكي أكتر بموقفك لإنك هتتسببي في حزن ناس تانية مش إنتِ بس  .

فهمت مغزى حديثه وتوغلها الخوف الذي تجلى في عينيها  ،  هو محق  ،  إن مس داغر أي أذى سيحزن الجميع حزنًا لن تكون قادرة على النهوض من أسفل ركامه  .

لطف بها ربها حينما رن هاتفها لتخرج من حالتها التي جعلته يتباهى ودست يدها في حقيبتها تجيب لتجده داغر فتعلقت به كتعلق الغريق في القشة وأجابت وهي تنظر في عيني عمها بقوة انتشلتها من اتصاله  :

- أيوا يا داغر  !

كان يقف أسفل الشركة ينتظرها  ،  منذ أن علم أنها آتية أتى خلفها وقرر عدم تركها بمفردها في مواجهة هذا القاسي لذا جاء ووقف ينتظرها ولم تكن تعلم  ،  أردف بترقب وعينيه على الطابق الذي تجلس فيه الآن  :

- خلصتي  ؟  أنا تحت لو خلصتي انزلي يالا  .

توغلها شعورًا بالأمان غلف قلبها لذا تنفست براحة وأردفت وهي تنهض  :

- أيوا خلصت ونازلة حالًا  .

أغلقت معه وحملت حقيبتها ونظرت نحو نبيل تردف بشموخ برغم قلقها الدائم منه  :

- صدقني يا أونكل لو فعلًا نفذت كلامك وقتها فعلًا هخسر كتير  ،  علشان كدة وقتها ماهيبقاش عندي حاجة أخسرها  .

تحركت تغادر بعدما ألقت تهديدها في وجهه  ،  هذه المرة تركته يتلظى في غضبه لذا انتفض ينهض ويتجه نحو النافذة يتطلع منها على ذلك الداغر الذي يقف له كالعلقة في الحنجرة  ،  يباغته بنظرات كارهة حاقدة ليجد أن داغر يبادله بابتسامة استفزازية وجسارة لم يدرسها نبيل طوال حياته ولا يعلم كيفية التعامل معها  .

نزلت وغادرت الشركة لتجده يقف أمام سيارتها ينتظرها  ،  نظرته نحوها حملت دعمًا أشبه بالعناق الذي تحتاجه الآن لذا تنفست بعمق واتجهت نحوه حتى وقفت أمامه لتتساءل بعيون لامعة  :

- جيت ليه  ؟

بحبٍ متبادل يتجلى في نظراتهما أجابها  :

- مش هسيبك لوحدك  ،  إنتِ كويسة  ؟

أومأت له وابتسمت تجيبه بتأكيد خاصةً بعدما استلت منه الطمأنينة  :

- كويسة  ، يالا نروح  .

أومأ فناولته مفاتيح سيارتها ليتولى هو القيادة واتجهت تجلس في المقعد المجاور وغادرا تحت أنظار نبيل الذي  لن يهدأ إلا حينما يجد حلًا لتلك المسألة  .

❈-❈-❈

لم تتعجب حينما وصلت برفقته إلى المطار لتجده قد جهز كل شيء  ، ترجلا ودلفا سويًا بملامح لا تفسر  .

تتولى قدميها مهمة السير بينما عقلها منغمسٌ في أفكاره وسؤالًا واحدًا يتردد على ذهنها  ( كيف ستتركه وترحل؟)

كان يجاورها صامتًا  ،  صفحة وجهه بـ.ـاردة كأول مرة رأته فيها عبر الصور على الانترنت  ،  ملامحه لا تفسر أي مشاعر ولكن عينيه تفسر اشتياقه لها من الآن  .

وقف أمامها يحدق بها بعمق  ،  بتمعن  ،  لهنيهة حتى نطق بنبرة جادة  :

- هتوصلي مصر على الساعة 6 الصبح أو سابعة  ،  هيكون فيه عربية في انتظارك هتوصلك لحد البيت  ،  بس مش بيتكوا يا ديما  ،  إنتِ هتروحي على بيتي كام يوم  ، علشان أهلك مايقلقوش  ،  وأنا هاجي وراكي علطول مش هتأخر  .

يود عناقها ولكنه لم يفعل لذا أشار لها برأسه أن تتحرك نحو الداخل ولكنها نظرت في عينيه وأرادت أن تقول الكثير وتتساءل عن الكثير ولكنها أردفت  :

- لا إله الا الله  .

- محمد رسول الله  .

قالها وودعها واتجهت تجر حقيبتها وتغادر عائدة إلى الديار ووقف يتابعها حتى عبرت نحو الممر لتصعد على متن الطائرة  .

عاد أدراجه بخيبة تغزو قلبه  ،  سينام ليلته بدونها  ،  وغدًا هو الأصعب  ،  من الآن وصاعدًا لن يهدأ حتى يؤدي مهمته ويعود لأحضان وطنه  .

❈-❈-❈

وقفت أمام الحوض تنتظر نتيجة الفحص المنزلي الذي ابتاعته من الصيدلية  ،  لن تهدأ حتى تتأكد مما تشعر به  .

الثواني التي مرت عليها كانت كسنوات زواجها  ،  مرت أمنياتها أمامها  ،  كانت قد تقبلت ورضت بما قدره الله لها  ،  كانت قد اكتفت برزقها ولكن يبدو أن كرم الله لا يمكن أن توقعه  ،  يأتي فيبهر  .

شرطتين ورديتين ظهرتا في الاختبـ.ـار  ،  لا تصدق  ،  ذهول أحكم قبضته عليها فجلعها تحدق متجمدة لثوانٍ قبل أن تصرخ بسعادة وتنادي باسمه  :

- ديـــــــــــاب  ،  ديـــــاب تعالى بسرعـــــــة  .

لم يكن يعلم ما تفعله ولكن صراخها أفزعه لذا اندفع نحو الحمام يدفع بابه ويتجه نحوها متلهفًا يسأل  :

- فيه إيه  ؟  مالك  ؟

التفتت تحدق به بملامح عم الفرح أرجاءها وعرضت عليه الاختبـ.ـار فقطب جبينه واقترب قليلًا حتى بات أمامها مباشرةً ومد يده يستل منها الشريحة ويحدق بها لثوانٍ ثم تحرك من الحمام نحو الخارج وعينيه لا تفارق الشرطتين  ،  تبعته نحو الخارج بخطى متخبطة من فرط مشاعرها لتجده يتوقف ويلتفت لها وعينيه تسألها قبل أن يردف  :

- إنتِ حامل  ؟

خشت أن توميء  ،  خشت أن تثق في هاتين الشرطتين لذا نطقت بأمل ورجاء  :

- ممكن  !

تلك المرة هو من أعطاها الأمل فأومأ وعاد ينظر لما في يده ثم أغمض عينيه ورفع رأسه عاليًا يهمس بإيمان  :

- يارب  ،  يارب  ،  اللهم لك الحمد  .

بكت  ،  لم تعد تحتمل بكت من قوة المشاعر التي سيطرت عليها الآن  ،  امتدت يديها نحو رحمها تتحسه وتتساءل بعدم استيعاب  ( هل يقطن داخلها طفل)  ( هل تحققت أمنيتها  ؟)

اتجه نحوها وعانقها  ،  عناقًا عاطفيًا احتوى به سعادتها وحيرتها وترقبها ودهشتها وردد بهمس  :

- هنروح الصبح نعمل تحليل يأكد لنا الحمل  ،  دي معجزة يا يسرا  ،  ربنا أكرمنا  .

تمسكت به بكلتا يديها كأنها تتمسك بكلمـ.ـا.ته  ،  تبكي داخله بسعادة وتومئ له بصمت  ،  لن تتحدث ولا تريد أن تثرثر بكلمـ.ـا.ت ليس لها قيمة في خضم ما يعيشانه  الآن  .

❈-❈-❈

في السابعة صباحًا

بعد رحلة دامت لساعات من الصراع والحزن وإجراءات تمت دون أي تركيزٍ منها  ،  تحركت نحو الخارج تبحث بعينيها عن السيارة التي تنتظرها  .

تفاجأت برجلٍ يقف أمام سيارته  ،  هيأته منمقة يرتدي نظارة سوداء وحينما لمحها تقدم منها يردف برسمية وهدوء ولهجة مصرية مبعثرة  :

- همدالله ألى السلامة يا أستاذة ديما  ،  اسمي خالد وهكون مآكي الفترة دي لهد ما أستاذ ثائر يرجأ .
1

ليس مصري  ؟  هذا ما أدركته ولكنها أومأت له بتفهم تردف  :

- أهلًا يا أستاذ خالد  .

أومأ لها ونادا على السائق فأتى والتقط منها الحقيبة وتحرك بها يرفعها في صندوق السيارة بينما أشار خالد يستطرد  :

- اتفضلي  .

تحركت نحو السيارة تستقلها بهدوء وصمت واستقل السائق مقعده وجاوره خالد   .

عبثت بحقيبة يدها لتستل هاتفها وتبدل شريحة الاتصال ببديلتها المصرية  ،  يجب أن تتحدث إليه وقبل أن تفعل سمعت رنين هاتف خالد وسمعته يجيب بتريث  :

- أيوا يا صقر  ، مدام ديما مئايا  .

تحدث صقر بهدوء وهو يحتضن زوجته النائمة  :

- تمام يا خالد  ، افتح الموبايل اللي معاك وكلم ثائر .

أومأ واسترسل  :

- تمام  ،  فيه جديد  ؟

- لما نتقابل هقولك  ،  يالا سلام  .

أغلق معه واستل الهاتف الآخر وفتحه يعبث به ويحاول الاتصال على ثائر الذي أجاب على الفور يردف بجدية مبطنة باللهفة  :

- ألو  ؟

أجابه خالد مطمئنًا  :

- مدام ديما معايا يا أستاذ ثائر  ،  ورايهين ألى البيت دلوقتي  .

تنهيدة عبأ بها صدره  ،  لم ينم منذ أمس  ،  يفكر بها وبحمايتها واحتواء قلقها وما هو مقبلًا عليه  ، يفكر في كل شيء محوره هي ومتى سيعود إليها .

نطق بترقب  :

- خليني أكلمها يا خالد لو سمحت  .

ناولها الهاتف فالتقتطه منه ووضعته على أذنها تجيب بلهفة   :

- ثائر  !

ربما نطقها لاسمه بهذه الطريقة كان بديلًا لكلمة اشتياق أو حبٍ لذا زفر يجيب  :

- نعم يا حبيبتي  .

التمعت عينيها ونطقت بضعفٍ  :

- أنا كنت لسة ببدل الشريحة وهكلمك  .

نطق بجدية  :

- بلاش مكالمـ.ـا.ت من الموبايل اللي معاكي  ، الموبايل ده هتخليه معاكِ هكلمك منه  ، بلاش تكلميني إنتِ   .

صعوبة بالغة  ،  ما تعيشه الآن ستبتلعه بصعوبة بالغة ولكنها مجبرة  ،  غصة متحجرة مريرة عليها أن تبتلعها برضا  .

ستفعل وليس أمامها خيارات أخرى  ،  الأمر لم يعد متعلقًا بهما بل بات أكبر من ذلك بكثير لذا ستفعل  ،  تنفست بقوة وأجابته بتريث حتى يطمئن  :

- تمام  ،  هتعدي وهترجع مصر مرفوع الراس بإذن الله .

هذا ما يود سماعه منها لذا أردف بتأكيد وصدق  :

- بحبك  ،  عايزك ترتاحي النهاردة ولما توصلي هتلاقي أمي وابويا ومعاذ في استقبالك  ،  هما مستنيينك  .

- وانا مستنياك  .

أغلقا معًا وسقطت دمـ.ـو.عها لذا أسرعت تجففها لتستمع إلى رنين هاتف خالد الذي التقطه ليجد اتصالًا من زوجته لذا فتح يجيب بحب وخفوت وصل إلى مسامعها :

- هبيبتي  .

أردفت خديجة متسائلة بغيظ  :

- إنت فين يا خالد  ؟  وإزاي اصحى من النوم واتفاجئ إنك مش جنبي  ؟  روحت فين بدري كدة  ؟

تحدث عبر سماعة الأذن وهو منشغلًا بالنظر حوله وفي المرآة  :

- ماهبتش أزئجك يا خديجة  ،  أنا في شغل دلوقتي هخلص واطلأ ألى الشركة  .

زفرت وهي تجلس وسط صغارها الذين يتصارعون ليتحدثون مع والدهم ولكنها تحتل الهاتف قائلة  :

- طيب يا خالد مـ.ـا.تتأخرش عليا  ،  الأولاد عايزين يكلموك  .

نظر نحو ديما من خلال المرآة وحينما وجدها تدعي شرودها في الطريق أردف بخفوت  :

- يا شهية بقولك أنا في شغل  ،  لما أوصل الشركة هكلمهم  ،  يالا سلام  .

أغلق الهاتف معها وتحمحم ينظر حوله ليلمح ابتسامة يحاول السائق إخفاءها لذا نطق بجدية  :

- ركز في الطريق  .

أومأ السائق  .

زفر بعدها وشرد يفكر في صغاره  ،  من المؤكد سيأكلون رأس والدتهم الآن خاصةً وأنه رحل دون أن يرونه ويعبثون معه كعادتهم كل صباح  .

❈-❈-❈

سيتخذ من ابتعادها عنه حافزًا لينهي مهمته ويعود إليها  ،  هذا ما قرره برغم صعوبة الأمر عليه  .

اليوم سيكون الأصعب على الإطـ.ـلا.ق  ،  سيتزوج بمارتينا  ،  تلك المرأة المـ.ـجـ.ـنو.نة والمتملكة والتي لا يمكنه الاستهانة بها قط لذا يجب عليه أن يكون في أقصى مراحل ذكائه حتى يحصل على ما يريده  .

ارتدى ثيابه وتحرك يغادر منزله بعدما مكث هذه الليلة في غرفة ديما يستنشق رائحتها  ،  والآن حان وقت العمل  .

❈-❈-❈

يتناولان فطورهما سويًا قبل أن يذهبا ليتابعا الإجراءات  .

منذ أن تحدثت معه أمس وهو يفكر  ،  عقله يعمل في اتجاهات عدة وبنهاية المطاف اهتدى لشيءٍ واحدٍ وواضحٍ وهو طلب يدها من شقيقها  .

حينها سيكون له الحق والقدرة على حمايتها دون أن تنتشر الأقاويل  ،  ولكن كيف سيفاتح داغر في هذا الأمر  ؟

الحديث معه وطلب يدها منه أمرٌ شاق للغاية  ،  هي شقيقته والأمر يدعو للتـ.ـو.تر ولكن ليس على قلبي سلطان يا داغر  .

هكذا حدث نفسه وخشى أن يتحدث بها أمام داغر الذي لاحظ صمته فسأله بتعجب  :

- مالك يا صالح فيك إيه ع الصبح  ؟

سعل حينما توقفت اللقمة في حلقه ليتعجب داغر ويناوله كوب المياه وباليد الأخرى يربت على ظهره قائلًا  :

- اللا  ؟  مالك يابني  ؟  لتكون بتحب ومخبي عني  .

زادها صعوبةً عليه لذا ارتشف صالح القليل من المياه ثم تنفس وشرد  ،  اعتاد أن يتخذ الطريق الواضح دون لفٍ ودوران لذا حدق به وبجدية قال  :

- داغر أنا بدي اياك بموضوع مهم  .

قطب جبينه متسائلًا  :

- خير يا بني قلقتني  ،  قول فيه إيه  ؟

حك رأسه بتـ.ـو.تر وأبعد ناظريه عنه ثم عاد ينظر إليه فشعر داغر بالضيق واسترسل  :

- مـ.ـا.تنطق يا صالح بقى اللا  .

- أنا بدي أناسبك يا داغر  .

أصيب بالبلاهة وهو يميل برأسه كأنه لم يستطع تفسير جملته ونطق  :

- نعم  ! 

قرر أن يكمل ما بدأه لذا نطق بوضوح  :

- متل ما سمعت  ،  بدي أناسبك ياخو  ،  بدي أكفي نص ديني وما رح ألاقي حدا أحسن منك  .

استوعب داغر مقصده لذا لم يبدِ رد فعلٍ سريعة بل صمت يفكر ولاحظه صالح ففرك كفيه بتـ.ـو.تر يتابع  :

- لا تؤاخذني بس قلت أحسن إشي أحكي معك طوالي  ،  فكر ياخو وخود رأي الأنسة دينا وأمي منال وأنا معاكم  بأي قرار  ،  ولا راح يأثر عليّ أي إشي  .

ما زال شاردًا  ،  يفكر  ،  يحب صالح كثيرًا ويعرفه جيدًا ولكن الأمر الآن يتعلق بشقيقته  ،  عليه أن يتروى وعليها أن تقبل به أولًا لذا  ..  تنهد بعمق ونهض يردف بجدية  :

- طيب سيبها على الله كدة وربنا يصلح الحال  ،  قوم يالا نشوف اللي ورانا  .

هكذا أنهى الحديث في هذا الأمر سريعًا  ، لا ينكر أنه شعر بالضيق  ،  ضايقه لأنه أتى بشكلٍ مفاجئ برغم إحساسه بذلك الشيء من قبل  ،  عليه أن يفكر جيدًا ويعرض الأمر على شقيقته  ،  وليتها تقبل  .

❈-❈-❈

ترجلت من السيارة أمام منزل عائلته  ،  ترجل معها خالد والسائق الذي اتجه يحضر حقيبتها  .

تحدث خالد برسمية قائلًا  :

- لو اهتجتي أي شيء هتلاقي رقمي مآكِ  ، ومـ.ـا.تقلقيش المكان متأمن كويس .

لا تدرك لمَ كل هذه الجدية  ؟ ومن ذا الذي سيهدد حياتها هنا  ؟ من المؤكد ثائر يبالغ في خوفه لذا زفرت بقوة وأجابته بهدوء :

- شكرًا  .

التفتت على إثر صوت والد زوجها الذي ظهر للتو يردف مرحبًا من خلفها  :

- يا أهلًا وسهلًا  ،  مصر نورت  .

ملامح بشوشة  ،  ترحيب حار  ،  معاملة ودية جعلتها تبتسم وتمد يدها إليه حينما اقترب ولكنها تفاجأت به يعانقها  ،  توسعت حدقتيها بتعجب لحظي ثم بادلته بمحبة تجيبه وهي تربت على ظهره بعدما استشعرت الراحة من مقابلته  :

- شكرًا لحضرتك  ،  منورة بأهلها  .

ابتعد ينظر لملامحها ثم نطق بمرح وصدق  :

- الواد ثائر ابني ده طول عمره ذوقه حلو شبهي  ،  على عكس أحمد  .

نطقها وهو يتكتفها ويسحبها معه نحو الداخل فابتسمت لا إراديًا وانـ.ـد.مج معها في الحديث لتشعر أنها في مكان تنتمي إليه  .

وقف خالد يتأملهما ثم تنهد واتجه نحو السيارة يستقلها وتناول هاتفه ليتحدث مع رجله الذي يأمن المكان هنا ويبلغه بالتعليمـ.ـا.ت قبل أن يرحل متجهًا إلى شركته  .

صعدت مع أمجد لتجد سيدة وقورة في استقبالها  ،  تحدق بها بابتسامة وصلت إلى عينيها  ،  بعاطفة جياشة كأنها ترى جزءًا من ابنها الذي تشتاق له جمًا لذا ابتسمت لها ديما وحينما وصلت إليها أسرعت تعانقها على الفور وتهمس لها  :

- ده من ثائر لحد ما هو يرجع بالسلامة ويحـ.ـضـ.ـنك بنفسه  .

أصدرت صوت السعادة وهي تبادلها باشتياق وتبتسم قائلة  :

- أهلًا وسهلًا يا بنتي  ،  نورتي بيتك  ،  اتفضلي  .

دلفت ديما المنزل المرتب والهادئ ليهجم صغيراها على عقلها لذا اختفت ابتسامتها  ،  ظنت أن أول شيء ستراه وتفعله حينما تصل مصر هو رؤية صغيراها واحتضانهما ولكنها الآن مضطرة للانتظار ومجبرة على التحمل والصبر لذا ازدردت ريقها وتساءلت بهدوء وهي تجلس معهما  :

- أومال فين معاذ  ؟

أحبت علياء سؤالها لذا أجابتها بابتسامة صادقة  :

- لسة نايم يا حبيبتي  ،  طمنيني عنك  ،  وثائر عامل إيه  ؟ مش كنتوا المفروض تيجوا سوا  ؟

هكذا أخبرها أمجد الذي أسرع يجيب بدلًا عن ديما التي تجلى على وجهها التعجب  :

- ما أنا قلتلك يا علياء لسة بيخلص أموره  ،  ديما نزلت قبله علشان مارتينا مـ.ـا.تعرفش بجوازهم  .

أقنعها بذلك ويحمد الله أنه استطاع إخفاء الأخبـ.ـار الفرنسية عنها حتى لا يشتتها وتتساءل عن أسباب عودة ابنها لزوجته الأولى  .

أما ديما فنظرت له وتنفست لتجده يومئ لها مطمئنًا وكأنه يخبرها أن كل شيء سيكون على ما يرام  .

❈-❈-❈

جلس داغر أمام شقيقته في غرفتها  ،  يحدق بها منذ دقائق بعدما أخبرها أنه يود التحدث معها  .

تجلس أمامه كالمتهمة خاصة وهي تستشعر أن صالح قد أخبره بمكالمتها  ،  كيف ستدافع عن نفسها الآن  ؟  ولكنها فعلت من أجله لذا تساءلت بتـ.ـو.تر  :

- مالك يا داغر  ،  قلقتني  ،  قول في إيه  ؟

نطق بترقب وهو يستشف تعبيراتها  :

- صالح طلب ايدك مني يا دينا  .

توسعت حدقتاها بذهول جعلها تحاول تأكيد ما سمعته لذا تساءلت ببلاهة  :

- صالح مين  ؟

رفع حاجباه مندهشًا ولم يجب بل أردف بهدوء وهو يحتوي كفيها  :

- اهدي يا دينا  ،  وفكري كويس  وانا مش هغصب عليكي أي حاجة  ،  هو صاحبي اه  ،  وجدع ايوا  ،  وأصيل أيوا  ،  بس انتِ بنتي واللي يهمني هو انتِ  ،  فكري كويس وانا معاكي  .

- لاء يا داغر  ،  مش موافقة طبعًا  .

قالتها بتسرع نتج عن فهمها لطلبه بشكلٍ خاطئ  ،  من المؤكد هذا الطلب نبع من اتصالها واستغاثتها به لذا لن تقبل بالطبع  .

ليشعر بالضيق ولكنه لم يعترض بل تساءل  :

- طيب مش تفكري الأول  ؟  ليه ترفضي بسرعة كدة  ؟

هزت رأسها وأدمعت وشعرت بالضغوطات تتكالب عليها ونـ.ـد.مت على اتصالها به لذا نطقت  :

- كدة يا داغر  ،  ماينفعش خالص  ،  مافيش حاجة افكر فيها  ،  لو سمحت قوله لاء  .

❈-❈-❈

وصلا الى الفيلا  .

ترجلا سويًا ودلفا جنبًا إلى جنب لتجد والدها يجلس يطالعهما بضيق  ،  كانت نظرات ثائر بـ.ـاردة وعيناه تستهدفه بمغزى  .

رفع مقلتيه يسافر بهما عبر المكان ثم استقر عند مارتينا وأردف بابتسامة  :

- هذا المكان يعيدني إلى ما قبل عشر سنوات  ،  أتتذكرين مارتينا  ؟

بادلته الابتسامة وتعلقت به تجيبه بمقلتين تقفز منهما الرغبة  :

- لم أنسَ حتى أتذكر ثائر  ،  دعنا نستعيد ليالينا سويًا  ،  هيا نصعد إلى غرفتنا  ؟

أومأ لها بثبات وسحبها والتفت ينظر نحو والدها قائلًا  :

- عن إذنك سيد أرتوا  .

لوحت لوالدها بيدها باستفزاز متعمدة خاصةً وهي تدرك غيظه من عودة ثائر إلى هذا المنزل ولكنها لا تبالي  ،  جُل ما يهمها الآن هو الحصول عليه جملةً وتفصيلًا لذا تحركا سويًا للأعلى ودلفا غرفتها يغلق الباب خلفه فعادت تتعلق به وتلف ذراعيها حوله قائلة بدلال مفرط وعينيها مصوبة على شفتيه  :

- لم تقبلني قبلة الزواج هناك  ،  دعني أفعل أنا  .

اقتربت لتقبله ولكنه وضع كفه حائلًا بين شفتيهما لذا ضيقت عينيها بتساؤل ليبتسم ويجيبها بهدوء  :

- دعيني أدخل الحمام أولًا  .

زفرت بإحباط وابتعدت عنه خطوة ليتحرك نحو الحمام بهدوء ووقفت تحدق به حتى اختفا لذا اتجهت نحو البـ.ـار لتعد كأسين لها وله  ،  هذه الليلة مميزة ويجب أن يشاركها المشروب  .

❈-❈-❈

نزل إلى ورشته ليرى المشتري الذي سيأتي بعد قليل وليتحدث مع صالح فيما حدث  ،  كان يتمنى أن تفكر في الأمر  ،  صالح يستحق  ، وهو لن يتمنى لشقيقته زوجًا أفضل منه ولكنه لن يفرض عليها الأمر  .

وصل إلى الورشة وألقى السلام بعبوس فرد عليه صالح ولاحظ ملامحه فتساءل  :

- شو فيه ياخو  ؟

زفر داغر واتجه يقف قبالته وتساءل بمراوغة  :

- الراجـ.ـل ده هييجي امتى  ؟  اتأخر صح  ؟

أدرك صالح أنه يراوغ ووخزه قلبه لأنه استشف رفض دينا لذا تنفس بقوة وكاد أن يتحدث لولا ظهور سيارة شرطة تقدمت حتى توقفت أمام الورشة وترجل منها شرطيًا ومساعديه واتجها يقفا أمام داغر وصالح وتساءل الأول  :

- مين فيكم داغر الصابر  ؟

تقدم داغر بتعجب وتساءل مستفسرًا  :

- أنا يا باشا  ،  خير  ؟

التفت الرجل إلى مساعديه يشير لهما نحو الورشة قائلًا  :

- فتشوا الورشة  .

اندفع الرجلان نحو الورشة يفحصانها وتجمع بعض الأفراد من حولهم متسائلين عما يحدث  .

وقف داغر متعجبًا يتابع الشرطيين وهما يعبثان بالأغراض بينما نظر صالح نحو الشرطي الأول وتساءل باستغراب  :

- ممكن تفهمنا فيه إيه يا فنـ.ـد.م  ؟

نظر لهما قليلًا ثم تجاهلهما حينما عاد شرطي يحمل في يده كيس صغير يحتوي على بودرة بيضاء تشبه الدقيق وعبوة تحتوي على عدد من الأقراص مجهولة المصدر قائلًا وهو يمده له  :

- لقينا دول يا باشا  .

اتسعت عين داغر ونظر نحو صالح ليردف الشرطي  :

- هاتوه  .

أمسكا اثنانهما بداغر قابضان عليه ليندفع صالح نحوهما قائلًا بذهول  :

- وحدوا الله ياخو اهدى شوي  ،  أكيد هاي مدبرة  ،  لحظة بس  .

أما داغر فقد النطق من شـ.ـدة صدمته فيما يحدث خاصةً حينما طلت والدته من النافذة وصرخت باسمه لا تصدق أنهم يأخذونه أمام أعين الجميع  .

❈-❈-❈

خرج من الحمام بعدما تخلى عن ثيابه الرسمية ليجدها ترتدي قميصًا شفافًا لا يخفي سوى القليل  .

ابتسمت وحملت الكأسين واقتربت منه تمد يدها بأحدهم قائلة بجرأة وهي تتفحصه دون خجل :

- لمَ لم تتخلَ عن ثيابك جميعها ثائر  ؟  الليلة مختلفة  .

ابتسم ونظر للكأس في يدها ثم عاد إليها يردف بعدما حاوطت يديه خصرها  :

-  تمهلي قليلًا  ،  ثم أنني لست بحاجة أي مشروب مارتينا  .

تعلقت به مجددًا واقتربت من أذنه تهمس ويدها تذهب وتعود على جسده  :

- أعلم أنك لست بحاجة أي شيء ثائر  .

بداخله يشعر برغبة قوية في القبض على عنقها وإزهاق روحها في الحال  ،  يسشعر بالنفور منها وهذا يضعه في صراعٍ حاد مع نفسه وجسده الذي يدعي الاستجابة  .

ما يعيشه الآن يحتاج طاقة قصوى لذا تساءل وحواسه جميعها في حالة تأهب ( ماذا إن لم يحدث ما خطط له  ؟  )

انتهى الجزء الأول

لو خلصتي الرواية دي وعايزة تقرأيي رواية تانية بنرشحلك الرواية دي جدا ومتأكدين انها هتعجبك 👇

تعليقات